الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

Category Archives: الفكر القومي العربي

النجاح.. و الاخفاق في التجربة الناصرية – الدكتور عصمت سيف الدولة / من كتاب هل كان عبد الناصر دكتاتورا؟

nasser

النجاح.. و الاخفاق

 

التطبيق:

قلنا من قبل ان بعض الاحكام التي جاءت في الميثاق كانت قد نفذت قبل اصداره سواء بالقوانين والقرارات التي صدرت عام 1961 أو بقواعد العزل والابعاد التي صدرت بعد ذلك. فلما ان صدر الميثاق بديء في تنفيذ بقية أحكامه. وكان أولها انشاء الاتحاد الاشتراكي العربي .

كان المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قد أصدر قرارا بتفويض الرئيس جمال عبد الناصر في تشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة تقوم باتخاذ القرارات اللازمة لتشكيل تنظيمات الاتحاد . فأصدر قراراً بتشكيل الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي من : أنور السادات ، حسن ابراهيم ، حسين الشافعى، كمال الدين حسين ، علي صبري ، الدكتور نور الدين طراف ، المهندس أحمد عبدة الشرباصي ، كمال الدين رفعت ، عباس رضوان ، محمد عبد القادر حاتم ، محمد طلعت خيري ، أنور سلامة .

وصدر القرار رقم 1 لسنة 1962 بقانون الاتحاد الاشتراكي العربي . وعلى أساسه تمت انتخابات الوحدات الاساسية للاتحاد الاشتراكي العربي . ثم توالت الانتخابات من 1962- 1964 انتخابات اللجان النقابية. انتخابات مجالس ممثلي العمال في مجالس الادارات . انتخابات الجمعيات التعاونية. انتخابات مجالس النقابات المهنية. انتخابات مجلس الامة.. الى آخره .

وفي 27 سبتمبر 1962 صدر اعلان دستور بتنفيذ ما جاء في الميثاق عن القيادة الجماعية فتشكل مجلس رئاسة من : جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكم عامر وعلي صبري والدكتور نور الدين طراف والمهـندس أحمد عبده الشرباصي وكمال الدين رفعت .

نلاحظ هنا ملحوظة على جانب كبير من الاهمية. ونتذكرها لأننا سنعود اليها . تلك هي ان تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي كانوا أعضاء في مجالس الرئاسة.

وفي 23 مارس 1964 صدر دستور 1964 مقننا للثورة . وأسمي (الدستور المؤقت) إلى أن يتم مجلس الامة الجديد وضح الدستور الدائم . بدأ الدستور المؤقت أحكامه بالنص على ” ان الجمهورية العربية المتحدة دولة ديموقراطية اشتراكية تقوم على تحالف قوى الشعب العاملة والشعب المصري جزء من الأمة العربية ” . اما عن الاتحاد الاشتراكي العربي فقد نص في المادة الثالثة . ” ان الوحدة الوطنية التي يصنعها تحالف قوى الشعب الممثلة للشعب العامل ، وهي الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية هي التي تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لامكانيات الثورة والحارسة على قيم الديموقراطية السليمة “. وأصبحت عضوية الاتحاد الاشتراكي لازمة فيمن يرشح لمجلس الامة ( القانون رقم 158 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 47 لسنة 1964 ) ، ولعضوية النقابات المهنية (القانون رقم 31 لسنة 1966 ) ولمجالس ادارة التشكيلات النقابية ( قرار وزير العدل رقم 35 لسنة 1964) والجمعيات التعاونية ( قانون رقم 87 لسنة 1964 )

والعمد والمشايخ ( قانون رقم 59 لسنة 1964) ومجالس الادارة المحلية ( كان القانون 124 لسنة 1960 يشترط عضوية الاتحاد القومي فاعتبروا ان الاتحاد الاشتراكي العربي حل محل الاتحاد القومي واشترطت عضويته بدون تعديل القانون ) . وانشىء التنظيم السياسي القائد للتحالف “ سرا ” عام 1963.

 

النجاح:

على مستوى الحرية الاجتماعية (العنصر الاول للديموقراطية) حققت الثورة نجاحا لا شك فيه. فلاول مرة في مصر وضعت الثورة خطة اقتصادية للتنمية ونفذتها الى حد كبير هى الخطة الخمسية الأولى ( 60 / 1961 – 64 / 1965 ) ، التي كان نكوص الرأسمالية المصرية عن تنفيذها سبباً مباشراً في ثورة 1961 كما ذكرنا . كان هدف الخطة زيادة الدخل القومي في نهايتها بنسبة 40% مما كان عليه في سنة الاساس وقدرت الاستثمارات اللازمة بحوالي 1576.9 مليون جنيه . وقد بلغت الاستثمارات المنفذة خلال مدة الخطة مبلغ 1513 مليون جنيه أي بنسبة 95.9% من الاستثمار المتوقع ، وبمتوسط سنوي قدره 302.6 مليون وهو يعادل 19% من الدخل القومي في المتوسط خلال سنوات الخطة . وقد ساهمت المدخرات القومية في تمويل هذه الاستثمارات بمبلغ 1095.6 مليون جنيه أي بنسبة 72.4% وبمتوسط سنوي قدره 219.1 مليون جنيه وهو ما يساوي 13.2% من الدخل القومي في المتوسط ، بينما ساهمت القروض الاجنبية بمبلغ 417.4 مليون جنيه فقط أي بنسبة 27.6% وبلغت الزيادة المتحققة في الدخل القومي في نهاية الخطة 37.1% مما كان عليه في سنة الاساس مقابل الزيادة المتوقعة والمقدرة في الخطة بنسبة 40% وبلغ متوسط معدل النمو السنوي 6.5% أي تجاوز معدل النمو الاقتصادي في مصر- لاول مرة – معدل زيادة السكان الذي بلغ خلال سنوات الخطة 2.8%. في المتوسط وكان ذلك مبشراً بحل مشكلة الفقر. وانطلق الانتاج الصناعي من مصر الزراعية!! بعد ذلك ، وفي أشد الظروف صعوبة ( الهزيمة والحرب من 1077.618 مليون جنيه عام 66 / 67  الى 1169.419 مليون عام 67 / 1968  الى 1322.968 مليون جنيه عام 68 / 69 الى 1421.987 مليون جنيه عام 69 / 1970 واصبحت مصر الزراعية دولة مصدرة للمصنوعات من 82.238 مليون عام 1966 الى 134.066 مليون عام 1970 كانت تلك هي الفترة الرائعة ، حين كان كل ما نستعمله ونأكله ونشربه ونركبه يحمل ذلك العنوانت العظيم ( صنع في ج . ع . م ) .

وانعكس كل هذا على الشعب فزاد نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين 60 / 1965 بنسبة 28 % وجذبت فرص العمل الجديدة اليها الايدي القومية التي لم تكن تجد فرصة عمل  فزاد عدد العاملين مليونا ونصف تقريبا في خمس سنوات من ( 6000600 عام 1960 الى 7333400 عام 1966 بزيادة 22.1أغلبهم كانوا رجالا راكدين في مستنقعات الريف ، فأصبحوا عمالا نشيطين في المدن . بما تحمله المدن الى البشر من ثقافة وعلم وتقدم ونشاط سياسي أيضا (كان سكان المدن عام 1960 يمثلون 37% من عدد المواطنين فأصبحوا يمثلون 40% عام 1966 ) . ولم تكن تلك الهجرة لأن الارض الطيبة قد انكمشت بالعكس حول السد العالي العظيم 836 ألف فدان من ري الحياض الى الري الدائم وأضاف اليها 850 ألف فدان جديدة . ولم تنتقص تلك الهجرة من الانتاج الزراعي بالعكس زاد في عامين فقط من 68 الى 1969 بنسبة 15 % . وزاد المتعلمون  بنسبة 132 % – عام 1966 عنهم في عام 1954 فبلغوا 4.502 مليوناً ، وفي كل شهر تبنى مدرسة فبلغت نسبة الاستيعاب في مرحلة التعليم الالزامي 69.7% وفتحت أبواب العلم لأبناء الشعب بدون مقابل فاستقبلت الجامعات أبناء العمال والفلاحين والكادحين ، وانتقلت اليهم الجامعات في الاقاليم وبدأ تكوين أغلى ثروات هذا الشعب : ” البشر المنتجون ” . وزادت البعثات للتخصص العلمي من 238 بعثة عام 1960 الى 1575 بعثة عام 1966 . وزاد الانفاق على الخدمات من 12 مليوناً عام 1960 الى 22.9 مليونا عام 1965   وتولت الدولة بواسطة أجهزتها عملية تعليم وتثقيف واسعة النطاق من خلال الصحف (التي كان قد تملكها الشعب بالقانون رقم 156 لسنة 1960) ، والاذاعة والتليفزيون، وترجمت الى اللغة العربية وبيعت بثمن يسير آلاف الكتب في سلاسل متنوعة تناولت كل مجالات الثقافة وخاصة الفكر الاشتراكي وأصبح أبناء مصر يدرسون المواد القومية ( الثورة – الاشتراكية- القومية) في كل مرحلة تعليم بصيغ متدرجة حتى المستوى الجامعي … الى آخره

ولكن والحق يقال، والشهادة لله . حرم شعب مصر الفقير في تلك الفترة من العمارات الشاهقة والسيارات الفارهة، والكباريات الداعرة ، و ألافلام الهابطة، وحرم المنتجات الاميركية وأدوات التجميل الفرنسية والسجائر الفرنجية ومن الاصواف الانجليزية والحرائر اليابانية ، ثم انه افتقد السمسار والقمار والدولار ولم يتعامل الا بعملته، والى حد كبير حرم حق الاختيار اذ كان عليه ان ينتج والا يستهلك الا مما تصنع يديه .. هذا بالاضافة طبعا –  الى انه حرم من الليبرالية ودعاويها وأفكارها وأقلامها اذ لم تسمح الثورة لأحد بأن يخاطب الشعب ويعلمه ويفقه إلا إذا خاطبه عن مشكلاته وعلمه كيف يحلها وثقفه بأساليب حلها . فهل حرم شعب مصر من شيء .

أكاد أرى ليبرالياً يتململ ” اشمئزازاً ” مما يقرأ ، ويتمتم : ما علاقة هذا بالديموقراطية ؟ وهل يغني الخبز عن الحرية ؟ ..  ما الفرق – اذن- بين البهيمة وبين الانسان يفكر ويريد ويدبر. وهل يستوي عند هذا الكاتب الانسان والبهيمة؟.. سيدي صبرك . ان كنت لا ترى علاقة التحرر من الحاجة الاقتصادية والتحرر من الجهل والتحرر من المرض ، بالديموقراطية فنحن مختلفان في فهم الديموقراطية. لكم دينكم ولي دين . اما ان الخبز يغني عن الحرية فهو قول جاهل . يجهل- على الاقل- ان الانسان ليس بهيمه.. انما الخبز شرط للحرية لآن الجوعى المرضى المشغولين ليل نهار بالحصول على ” لقمة العيش ” ليأكلوا، وقطعة قماش ليلبسوا ، وجحر فارع ليسكنوا ، أو لئك الذين يهد حيلهم المرض فلا يجدون ثمن الدواء ، ويقترضون حين ينجبون أولادهم كما يقترضون حين يدفنون موتاهم ، اولئك يا سيدي- صدقني او انزل الى الشعب لترى – لا يهمهم كثيراً او قليلا ما أنت مشغول به من حرية الرأي لأنهم لا يعلمون ، او حرية الصحافة لأنهم لا يقرأون ، او حرية ألاحزاب لأنهم لا يبالون بمن قال ومن نشر ومن حكم .. ولا يستطيعون ان يبالوا قبل ان يأكلوا ويشربوا ويسكنوا .. فان كنت ديموقراطيا حقا فابدأ بحفظ حياة البشر لأن الموتى أو الذين يوشكون على الموت – جوعاً أو مرضاً – لا يستطيعون الاستماع الى آرائك أو قراءة صحفك أو الانضمام الى احزابك . وحين تبدأ حل مشكلة الحياة ( مأكلاً وملبساً وسكناً ) تبدأ ممارسة الحياة فكراً وسياسة .. وويل – حينئذ – للذين يتوهمون أن الخبز يغني عن الحرية .. 

ولقد بدأت ثورة 1961 بحل مشكلة حرية الحياة وحققت نجاحا كبيرا فهل حلت مشكلة الحرية السياسية؟ .

 

الاخفاق:

نستطيع أن نقول ببساطة ويقين أن ” النظرية ” الديموقراطية التي جاء بها الميثاق لم تطبق – في جانبها السياسي – على وجه الاطلاق . انشئ تحالف من قوى الشعب العاملة ولكنه ليس التحالف الذي نص عليه الميثاق . قامت منظمة باسم الاتحاد الاشتراكي العربى ولكنها ليست الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق . مارس الاتحاد الاشتراكي العربى- الذي أقيم- مهمات سياسية و لكن ليست هي المهمات التي جاءت في الميثاق . انشىء التنظيم السياسي الذي يقود التحالف ، و لكنه ليس التنظيم السياسي الذي جاء في الميثاق .

منذ خمسة عشر سنة وكل الناس يتحدثون عن تحالف قوى الشعب العاملة ، وعن الاتحاد الاشتراكي العربي ، وعن التنظيم السياسي السري يؤيدونه ويهاجمونه ويحلونه ويعيدون تشكيله ويطورونه ويصنفونه ويختلفون في هذا اختلافا كبيرا أو قليلاً دون أن يفطن أحد ، أو لم يقل الذين فطنوا ، ان مصر قد عرفت ثلاث مؤسسات مختلفة تحمل جميعها اسم الاتحاد الاشتراكي العربي . المؤسسة الأولى انشئت عام 1962 واستمرت حتى عام 1971 والمؤسسة الثانية في عام 1971 واستمرت حتى عام 1976 والمؤسسة الثالثة هي القائمة اليوم والتي حلت بتقسيمها الى ” أحزاب ” … ثم وهذا هو الاهم – ان أيا من هذه ” الاتحادات الاشتراكيات العربيات ” لا تمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق .. ولا تمت بصلة قريبة او بعيدة لا بقوى الشعب العاملة ولا بتحالفها، اللهم الا استعارة الاسماء والعناوين واللافتات .. درءا للشبهات.. ذلك لأن الرأسمالية المتحالفة مع البيروقراطية قد سرقت الاسماء والعناوين واللافتات لتضعها فوق مؤسساتها التابعة لها التي لم يكن أي منها اتحادا، او اشتراكيا أو عربياً ولنبدأ من البداية .

 

السباق الى النفاق:

ما ان قدم جمال عبد الناصر ” الميثاق ” حتى انضمت الى جماعة المؤمنين به جمهرة الانتهازيين فأصبحوا جميعاً ” ميثاقيين ” (ما زلنا نذكر ان واحدا من جهابذة الكتاب وأعلاهم صوتا وأكثرهم بذلا للجهد في تأصيل التجربة- أية تجربة- كان قد بادر فأنشأ- في ذهنه- جماعة ” الميثاقيون ” وانتمى اليها وتحدث باسمها على صفحات الجرائد.. الى ان قيل له كفى فكف. وما زلنا نذكر انه حين تقرر تدريس ” الاشتراكية العربية ” في المدارس والجامعات تسابق عدد من أساتذة الجامعات والمعلمين ينشئون كتبا مطولة وكتبا مختصرة في بيان ماهية الاشتراكية العربية . فلما خطر لجمال عبد الناصر ان يقول ان الاشتراكية واحدة ونحن نطبقها تطبيقا عربيا ، سارع الاساتذة الكبار الى اعادة طبع كتبهم وغيروا جلودها ليغيروا عناوينها بعد ان غيروا جلودها . وما زلنا نحتفظ بأصول كتاب عن ” الطريق الى الاشتراكية العربية ” قدمناه الى الدار القومية للطباعة والنشر ( 1966 ) دفاعاً عن الاشتراكية العربية فأشار عليه مدير الدار بعدم النشر ” لأن الرئيس جمال عبد الناصر قد حسم الخلاف في هذه القضية ” ولقد وافقت رقابة عبد الناصر على نشر الكتاب لأن عبد الناصر – وحده تقريبا – هو الذي كان يصر على أن مصر تمر بمرحلة التحول الاشتراكي وان الميثاق دليل عمل وان شيئاً لم يحسم وان كل شيء سيعاد فيه النظر على ضوء الممارسة بعد عشر سنوات .. ولسنا في حاجة الى القول بأن أولئك المنافقين قد انقلبوا على انفسهم فانقلبوا على عبد الناصر وميثاقه . وكذلك يفعل الانتهازيون دائماً .

نهايته !!  

نعود الى الموضوع  فنقول ان الانتهازية ليست خاليه من مضمون . نعني ان الناس لا ينافقون ويهدرون كراماتهم ويزحفون على بطونهم- كالديدان- الا متجهين الى غاية، مثلهم في هذا مثل السائرين على أقدامهم . والواقع انه لا يوجد موقف بدون مضمون سواء كان موقفا أخلاقيا او موقفا غير أخلاقي لهذا نستطيع ان نتجاوز الجانب الاخلاقي لننتبه الى المحتوى الموضوعي لظاهرة الانتهازية ونسأل : ما هي ” الفرصة ” التي كان يسعى الى اهتبالها الانتهازيون؟

انها فرصة التحول الاشتراكي ذاته.

فابتداء من عام 1961 لم تعد الدولة سلطة حكم او مساندة او تمويل بل أصبحت جهاز ادارة رئيسي للاقتصاد القومي . تملك القدر الأكبر من أدوات الانتاج ، وتديرها ، وتنتج ، وتوزع ، وتتاجر ، وتستهلك . هي التي تعين الوزراء والمديرين وهي التي تشغل العاطلين وهي التي تحدد الاجور وهي التي توفر المأكل والملبس وتبني السكن وتعلم وتعالج .. الى آخره . وكانت هذه الدولة ، ربة العمل ، قد انتزعت اغلب ما تملك وما تدير من الرأسماليين الكبار وأضافت اليه طولاً وعرضاً وعمقاً منشآت جديدة ومصادر رزق جديدة فيما عرف باسم ” القطاع العام ” . ولكنها ابقت بجواره ما أسمي بالقطاع الخاص و ” بالرأسمالية الوطنية ” . فكيف ” تربح ” هذه الرأسمالية الوطنية ؟ .. بالتطفل على القطاع العام تعيش من باطنه وتتاجر معه و ” تسمسر ” على صفقاته وتسرق وترش . فتحول القطاع العام – أي الدولة – الى مصدر جديد للرأسمالية . و هي رأسمالية طفيلية غير منتجة تتعاون في تكوينها على طريقة ” شيلني واشيلك ” البيروقراطية المنحرفة والقطاع الخاص الطفيلي وكانت الثغرة التي تسرب منها هذا الحلف هو ما أشرنا اليه من قبل من ان قواعد العزل السياسي لم تطبق على الذين أضيروا بقوانين يوليو 1961 او الذين تتناقض مصالحهم مع التحول الاشتراكي . اولئك الذين أسمتهم اللجنة التحضيرية ” أعداء الثورة الاجتماعية الاشتراكية ” فصدر القانون رقم 34 لسنة 1962 خاليا من عزلهم . فقدوا ما يملكون او أغلبه فالتحقوا بخدمة المالكة الجديدة ( الدولة ) بحجة خبرتهم و علمهم و (وطنيتهم ) وأيضا أصبحوا عماد البيرو قراطية في الدولة والقطاع العام والرأسمالية الطفيلية التي تمتصه . ولما كانوا أضعف من أن يقاوموا فقد نافقوا . وبادروا الى تنفيذ مشروع الثورة الديموقراطي ” الاتحاد الاشتراكي العربي ” قبل أن يصدر الدستور . وكانوا وراء قرار ” انتهازي ” أصدره المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قبل أن ينفض وهو ” تفويض ” الرئيس جمال عبد الناصر بتشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة لتضع القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربي .

تأملوا

الميثاق يقول ان تحالف قوى الشعب العامل هو الذي يقيم الاتحاد الاشتراكي العربى ، فاذا بالمؤتمر يفوض رئيس السلطة التنفيذية في ان يختار المؤسسين للاتحاد الاشتراكي العربى ، قلة يسميها اللجنة التنفيذية العليا المؤقتة، لتقيم هي الاتحاد الاشتر اكي العربي وتضع قانونه الاساسي . والميثاق يحرص على القول بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو السلطة الممثلة للشعب ومفهوم انها سلطة في مواجهة باقي السلطات او فوقها ، فيعهد المؤتمر الى السلطة التنفيذية بانشاء السلطة الممثلة للشعب . من قبل نبهنا الى دلالة ان يكون تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي أعضاء في مجلس الرئاسة. والميثاق يقول انه بعد سقوط تحالف الرجعية ورأس المال ” لا بد ان ينفسح المجال بعد ذلك ديموقراطياً للتفاعل الديموقراطى بين قوى الشعب العامل “.. وهو ما يعني بان ينشأ الاتحاد الاشتراكي العربي من القاعدة المتفاعلة ديموقراطياً الى القمة ، فإذا بالاتحاد الاشتراكي العربي ينشأ بالقمة التي تتولى هي انشاء القاعدة … على ما تهوى .

هل انشأته على ما تهوى؟

نعم، وذلك بأنها:

اولا: الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة ” الممثلة للشعب ” والشعب هو صاحب السيادة بحكم الميثاق وبحكم الدستور. وهذا يعني انه طبقا للميثاق والدستور كليهما، تكون سلطة السيادة للاتحاد الاشتراكي العربي . لم تختلف أغلبية أساتذة القانون الدستوري في هذا، وعبروا عن آرائهم في مناقشات ” اللجنة التحضيرية للدستور الدائم ” التي تشكلت يوم 30 مايو 1966 لوضع مشروع دستور دائم قال الدكتور سليمان الطماوي عميد كلية حقوق عين شمس : ” الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد سلطة دستورية له علاقة بالحكومة ولكنه أكبر من ذلك “. قال الدكتور ثروت بدوي استاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة قال مفاخرا : ” انني اول من قالوا بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو أعلى سلطة في الدولة ” وقال الدكنور طعيمة الجرف استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق القاهرة : ” ان الاتحاد الاشتراكي العربى سلطة سيادة عليا “. وقال الدكتور عبد الحميد حشيش استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق عين شمس : ” اما فيما يتعلق بالاتحاد الاشتراكي العربى فانني اتفق مع الزملاء الذين سبقوني في هذا المجال من أن الاتحاد الاشتراكي سلطة عليا ” .. اما الدكتور مصطفى أبو زيد فقد عبر عن رأيه بطريقته فقال : ” اذا قلنا ان مجلس الامة هو الذي ينظم الاتحاد الاشتراكي فهذا يعني ان مجلس الامة أصبح أعلى من الاتحاد الاشتراكي وهذا ما لا يجوز ولا يمكن القول به، وأذا قلنا ان الحكومة تنظمه بقرار جمهوري او بقرار وزاري فهذا يعني ان الحكومة أعلى منه وهذا لا يجوز “.. الى آخرهم .

لم يكن هؤلاء الاساتذة ينافقون بل كانوا يعبرون عن حقيقة الاتحاد الاشتراكي العربى كما أراده الميثاق وكما أراده الدستور . و لكن ” المصالح ” لا يهمها القانون فقد تشكلت اللجنة التنفيذية العليا، وأصدرت القرار رقم 1 لسنة 1962 بالقانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى وبعد ان سردت في مقدمته فقرات من الميثاق وحددت وظيفته فقالت عن وظيفة المؤتمر القومي الذي هو أعلى سلطة .

(أ) دراسة ومناقشة تقرير اللجنة العامة للاتحاد الاشتر اكي العربي.

(ب) دراسة سياسة الاتحاد الاشتراكي العربى وخططه العامة و اصدارها.

(خ) مراجعة وتعديل القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى اذا دعت الحاجة الى ذلك

(د) انتخاب واعفاء اللجنة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي او اعضائها الاحتياطيين.

وهكذا تحول المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي الذي هو سلطة تمثل الشعب ، وفوق الحكومة وفوق مجلس الأمة ، تحول الى جمعية لدراسة التقارير ليقدمها الى اللجنة التنفيذية العليا . واصيب منذ مولده بالعقم ، وعبثاً حاول كل الذين تولوا أمره بعد ذلك ” تنشيطه ” وبعث الحياة فيه . ذلك لأنهم قد سلبوه روحه حين سلبوه سلطته فلم يبق منه الا ” هيكل ” مجوف يجتمع فيه الناس وينفضون لا حول لهم ولا قوة . ومن هنا نعرف كيف أن الذين هاجموا وأدانوا الاتحاد الاشتراكي العربي واتهموه بالسلبية ، وبالذيلية ، ينسون ما قال الشاعر :

لقد اسمعت لو ناديت حياً … ولكن لاحياة لمن تنادي

 وماذا عن التنظيم القائد الذي قال الميثاق انه : ” يجند العناصرالصالحة للقيادة وينظم جهدها ويطور الحوافر الثورية للجماهير”… لقد تم تشكيله فعلا ولكن ” الحلف البيروقراطي الرأسمالي ” الذي أنشأ الاتحاد الاشتراكي العربى هو الذي شكله. لقد اخروا انشاءه حتى عام 1964 اي الى ان تمكنوا من السيطرة على الاتحاد الاشتراكي العربى وعندما نشأ انشأته قيادة الاتحاد الاشتراكي نفسها ( قيادة التنظيم) وأختير لانشائه وقيادته – من كل القوى المتاحة – وزير الداخلية شخصياً وكأن وزارة الداخلية قد كانت ” ناقصة ” أجهزة استطلاع  وتقارير.

ثانيا : ان الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة . ومن بين تلك القوى العمال والفلاحون . ويزيد الميثاق والدستور كلاهما فيشترطان خمسين في المائة من المقاعد على الأقل للعمال والفلاحين . ومع ذلك نشأ الاتحاد الاشتراكي وقد استبعد من عضويته العمال والفلاحين الا أقلية ضئيلة.

شيء غريب أليس كذلك ؟

نعم غريب ولكنه حدث من خلال تولي الحلف ” الرأسمالي البيروقراطي ” تعريف العامل والفلاح .

فالفلاح عندهم هو من لا يزيد عما يحوزه من أرض  زراعية على خمسة وعشرين فدانا. تصوروا ان في مصر الفلاحين حيث عمال التراحيل والمعدمون بالملايين وحيث يكون من يملك خمسة أفدنة شيخا للقرية ومن يملك عشرة أفدنة يكون عمدة لها ومن يملك أكثر من الاعيان . يعتبر فلاحا من يملك خمسة وعشرين فدانا. اما العامل عندهم فهو كل من تتوافر فيه شروط العضوية للنقابات العمالية ( تقرير لجنة الميثاق الذي أخذ به في تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي) .

وهكذا انبرى الذين يحوزون 25 فداناً في الريف أو حتى عشرة ، فاحتلوا مقاعد الفلاحين في التحالف وطردوا ملايين من العمال الزراعيين وعمال التراحيل ، والأجراء، والمستأجرين ، وصغار الملاك. وهكذا انبرى لاحتلال مقاعد العمال في التحالف وكلاء الإدارات ورؤساء الأقسام وخريجو الجامعات من الأطباء والمحامين والمهندسين والصحفيين ومن إليهم من العاملين في المؤسسات و الشركات.

فلما أراد جمال عبد الناصر تصحيح هذا الوضع الشاذ عام 1968، فأصدر بصفته رئيساً للاتحاد الاشتراكي العربي  تعريفا يقوق ان العامل ” هو الذي يعمل يدويا او ذهنيا في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات ويعيش من دخله الناتج عن هذا العمل ولا يحق له الانضمام إلى نقابة مهنية ولا يكون من خريجي الجامعات والمعاهد العليا أو الكليات العسكرية وتستثنى من ذلك من بدأ حياته عاملأ وحصل على مؤهل جامعي وبقي في نقابته العمالية”. وأن الفلاح ” هو الذي لا يحوز هو وأسرته أكثر من عشرة أفدنة علي أن تكون الزراعة مصدر رزقه أو عمله الوحيد وأن يكون مقيماً في الريف “.. وجرت على أساسه انتخابات وتشكيلات الاتحاد الاشتراكي العربي ، أوقف الحلف البيروقراطي الرأسمالي عملية الانتخاب عند مستوى المؤتمر القومي الذي لا ينعقد إلا كل سنتين ، أما لجان المحافظات واللجنة العامة واللجنة التنفيذية، أي اللجان القيادية، فقد تم تشكيلها بالتعيين، تفادياً لتسرب فلاح أو عامل ، اي فلاح او اي عامل ، إلى القيادة..

على هذا الوجه أنشأت الطبقة الجديدة التي أصبحت، بعد سقوط الرأسمالية الكبيرة عام 1961 وتصفية المؤسسة العسكرية عام 1967، تضم ” البيروقراطيين والرأسمالية الطفيلية ” . انشأت الاتحاد الاشتراكي العربي إطاراً لتحالفها وأداة لسيطرتها ، وأهدرت الرؤية الديموقراطية التي جاءت في الميثاق ، وأهدرت الاحكام الديموقراطية التي جاءت في دستور 1964 ، فلم يكن الاتحاد الاشتراكي العربي منذ البداية تحالف العمال والفلاحين و … الى آخره

 

السلطة التنفيذية :

في دستور 1964 ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب وهو الذي يضع بالاشتراك مع الحكومة السياسة العامة للدولة في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية ويشرف على تنفيذها. وله حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وحضور جلساته وتكون له رئاسة الجلسات التي يحضرها . وله حق اقتراح القوانين و الاعتراض عليها وإصدارها . فاذا رد مشروع قانون إلى المجلس فلا يصدر إلا إذا أقره المجلس ثانية بأغلبية ثلثي أعضائه. وإذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله مما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات لها قوة القانون . ولرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون . وهو القائد  الأعلى للقوات المسلحة . وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الأمة . و هو الذي يبرم المعاهدات ويبلغها إلى مجلس الأمة . وهو الذي يعلن حالة الطوارىء وله أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا . أما الحكومة فهي أداة تنفيذ .

على هذا الوجه كان لرئيس الجمهورية القرار وكان على الحكومة التنفيذ . ولكن من يسأل أمام مجلس الأمة ؟ الحكومة وحدها ( المادتان 84 و 90 ) . وهكذا عرفت مصر نظاماً مختلطاً عجيباً لا تقترن فيه السلطة بالمسئولية . من له السلطة الفعلية لا يسأل . ويسأل الذين لهم سلطة . وتضخمت سلطات رئيس

الجمهورية واندمجت في يده السلطات بشكل لا مثيل له في النظام الرئاسي ( حيث ليس للرئيس حق التشريع ) ولا في النظام النيابي ( حيث ليس للرئيس سلطة منفردة عن الوزارة ) . ولما كان الرئيس الذي أصبح يملك أغلب السلطات لا ينفذها بنفسه ولكن ” بأجهزة الدولة ” طبقاً للبيانات و المعلومات و الآراء التي ترفعها إليه ” أجهزة الدولة ” فقد خول دستور 1964 لأجهزة الدولة التي يسيطر عليها الحلف ” البيروقراطي الرأسمالي ” أفضل غطاء لانحرافاتهم وأصبح كل شيء ينسب إلى عبد الناصر ما دامت كل السلطات على صفحات الدستور لعبد الناصر، وأصبح كل نقد لهم نقد لعبد الناصر، ما داموا أجهزة عبد الناصر، وأصبحت مواجهتهم تآمراً على عبد الناصر ما دام أمنهم قد اختلط بأمن عبد الناصر.

هل كان من ذلك مفر؟.

يجب أن نعترف بأنه حيث تكون الدولة اشتراكية، أي تقوم على توظيف الموارد البشرية و المادية المتاحة لإشباع الحاجات المادية والثقافية للشعب ، طبقآ لخطة مركزية شاملة فلا بد من مركزية السلطة. يستحيل- دستورياً واقتصادياً- إقامة نظام اشتراكي بدون سلطة تنفيذية مركزية قوية لتضمن تنفيذ الخطة في كل مجالاتها ، تأمر وتتابع وتراقب وتحاسب . من ناحية أخرى لا يعرف النظام الاشتراكي المناصب الشرفية. لا يتفق معه منصب رئيس دولة لا يعمل أي لا يكون رئيساً للسلطة التنفيذية. ومن هنا فإن كل السلطات التي خولها دستور 1964 لرئيس الجمهورية سلطات طبيعية ومتسقة مع دوره في مجتمع يتحول اشتراكياً . ثم تبقى الثغرة التي انفرد بها نظام الحكم في مصر؟.. من الذي يأمر ويتابع ويراقب ويحاسب السلطات التنفيذية ذاتها؟ من الذي يوافق على الخطة ويتابع تنفيذها ويحاسب على نتائجها؟.. مجلس الأمة ، ومن الذي يتابع ويراقب ويحاسب مجلس الأمة؟.. الشعب.. كيف ؟ عن طريق  الاتحاد الاشتراكي العربي الذي هو سلطة سيادة عليا ، وهو ممثل الشعب ومن حقه على هذا الوجه أن يتابع ويراقب ويحاسب – إلى حد العزل – رئيس الجمهورية والوزراء والنواب . ولقد كان الدستور- دستور 1964- في مادته الثالثة يخول الاتحاد الاشتراكي العربي هذه السلطة . سلطة متابعة ومراقبة ومحاسبة كل سلطة أخرى ومنها رئيس الجمهورية. وكان هذا يقتضي استقلال الاتحاد الاشتراكي العربي استقلالاً تاماً – بصفته مؤسسة دستورية- عن السلطة التنفيذية. و لكنه نشأ- كما رأينا- تابعاً للسلطة التنفيذية فبقيت للسلطة التنفيذية كل السلطات بدون متابعة أو مراقبة أو محاسبة.

 

محاولة أخيرة :

ذكرنا من قبل كيف حاول جمال عبد الناصر عام 1968 تصحيح الوضع المختل في تكوين الاتحاد الاشتراكي العربى بتقديم تعريف جديد للعامل والفلاح . ونعرف أنه صفى المؤسسة العسكرية في ذلك العام . ولكنه في المقابل كان قد تفرغ  بعد هزيمة 1967 لإعادة تكوين القوات المسلحة واستئناف القتال واستغرقته معركة التحرير، فكانت فرصة مضافة الى البيروقراطية والرأسمالية . فبدأت الرأسمالية تسترد بعض ما كانت فقدته . رفع اسعار بعض الحاصلات الزراعية ، الاستيراد بدون تحويل عملة . وقف الانتقال التدريجي لقطاعي تجارة الجملة والمقاولات الى القطاع العام . أما البيروقراطية فقد قضت بضربة واحدة على محاولة جديدة كانت القيادة قد لجأت إليها لحل مشكلة الديموقراطية .

ففي عام 1965 كان يبدو أن جمال عبد الناصر قد يئس من محاولة حل مشكلة الديموقراطية على المستوى الشعبي من خلال جيل نشأ رأسمالياً بيروقراطياً  ولم يزل . فأعلن يوم 20 يناير 1965، أمام مجلس الأمة، بعد ترشيحه رئيساً للجمهورية برنامجه للسنوات القادمة. وإذ به يضع في أول ذلك البرنامج مايلى :

إن المهمة الأساسية التي يجب أن نضعها نصب عيوننا في المرحلة القادمة هي أن نمهد الطرق لجيل جديد يقود الثورة في جميع مجالاتها السياسية والاقتصادية والفكرية. ولسنا نستطيع أن نقول إن جيلنا قد أدى واجبه إلا إذا اكنا نستطيع قبل كل المنجزات وبعدها أن نطمئن إلى استمرار التقدم ، وإلا فإن كل ما صنعناه مهدد بأن يتحول- مهما كانت روعته- إلى فورة ومضت ثم انطفأت.. إلى بداية تقدمت ثم توقفت. إن الأمل الحقيقي هو في استمرار النضال ويتأكد الاستمرار حين يكون هناك في كل وقت جيل جديد على أتم الاستعداد للقيادة ولحمل الأمانة ومواصلة التقدم بها .. أكثر وعياً من جيل سبق . أكثر طموحاً من جيل سبق . وينبغي أن ندرك أن التمهيد لهذا الجيل واجبنا واننا نستطيع بالتعالي والجمود أن نصده ونعقده وبالتالي نعرقل تقدمه وتقدم امتنا . . إن علينا بالصبر ان نستكشفه دون مّن عليه ولا وصاية، وعلينا بالفهم أن نقدم له تجاربنا دون أن نقمع حقه في التجربة الذاتية وعلينا في رضا أن نفسح الطريق له دون أنانية نتصور غروراً أنها قادرة على شد وثائق المستقبل بأغلال الحاضر وعلينا أن نتجه له بفكره الحر أن يستكشف عصره دون أن نفرض عليه قسراً أن ينظر إلى عالمه بعيون الماضي”

ولم تكن تلك مجرد خطبة، بل كانت في رأينا محاولة أخيرة لحل مشكلة الديموقراطية بعد أن يئس من حلها عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربى الذي أنشأته أجهزة دولته . والواقع أن جمال عبد الناصر قد عبر في مناسبتين سابقتين عن هذا اليأس . الأولى يوم أن قبل إنشاء المنظمات الشعبية في ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي كانت موضع دراسة وبحث واتفاق عام 1963. والمناسبة الثانية يوم أن وجه نداء إلى الشباب العربى بأن يبادر إلى إنشاء الحركة العربية الواحدة لأنها ” أصبحت ضرورة تاريخية “، عام 1963 أيضاً ، على أي حال فما أن قدم برنامجه حتى نفذه . وانشئت منظمة الشباب الاشتراكي من جيل الثورة ، مستقلة إلى حد كبير عن الاتحاد الاشتراكي العربي وأولاها عناية خاصة مليئة بالعطف والأمل ، ولأول مرة ترى مصركيف يمكن أن يتم تكوين تنظيم سياسي تكويناً علمياً يختلط فيه النمو الفكري بالنمو الحركي . ونجحت التجربة نجاحاً فائقاً إلى درجة أنه في فبراير 1968، بعد الهزيمة، كانت هي القوة الوحيدة التي قادت الجماهير في مظاهرات صاخبة تطالب بمحاسبة المسئولين و لم تستثن من المحاسبة حتى جمال عبد الناصر نفسه وكان ذلك برهاناً على أن أملاً شعبياً ديموقراطياً تقدمياً قد بدأ في مصر ، وأن الثورة – أخيراً – قد أنجبت جيلها . أما عبد الناصر فقد تجاوز عما أصابه من أبناء ثورته واستجاب لندائهم وأصدر بيان 30 مارس متضمناً ما كانوا يطالبون به. أما البيروقراطية ” المعششة ” في الاتحاد الاشتراكي العربي فقد أفزعها المولود الجديد الذي شب مبكراً على الطوق فأصدر أمين الاتحاد الاشتراكي العربي (علي صبري) قراراً بتجميد نشاط منظمة الشباب وطرد خيرة قياداتها من صفوفها . وضربت التجربة الجديدة الوليدة .. إلى حين .

 

هل كان يعلم:

هل معنى هذا ان عبد الناصر كان يعلم ان الرجعيين و الانتهازيين والبيروقراطيين قد نفذوا الى تجربته الجديدة وسيطروا على الاتحاد الاشتراكي العربى وافشلوا مشروعه الديموقراطي الثالث (كانت هيئة التحرير هي المشروع الاول ، وكان الاتحاد القومي هو المشروع الثاني ).. هل كان يعلم؟..

يجيب عبد الناصر نفسه:

قال في 12 نوفمبر 1964: ” ان الميول البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الاقطاع  والرأسمالية الى الاشتراكية تمثل قوى اجتماعية خطيرة . وهذه البيروقراطية موجودة وستحاول  بكل الوسائل ان تكوّن لها مكاسب . ان البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ستعمل على آن تحصل بكل الوسائل على أكبر قدر من السلطة حتى تستطيع ان تقوم بدور حاسم في الانتاج وفي العلاقات الاجتماعية وان تحتكر هذا الدور. وتستطيع البيروقراطية بفضل هذا الاحتكار ان تأخذ مكان الرأسمالية في المجتمع الرأسمالي “.

بقيت نقطة أريد ان أتكلم عنها ، وهي العيوب الاساسية، وأبرز هذه العيوب بان الاتحاد الاشتراكي لم يستكمل دوره ليكون تعبيرا أصيلا وكاملا عن الديموقراطية الاشتراكية … لقد تابعت مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي في الوحدات الاساسية والتي عقدت أخيراً وكان فيها حياة وحيوية وفيها نبض . ويجب ان نجد الوسيلة التي تجعل هذا النبض يرتفع كصوت ، وأهم من مجرد ارتفاعه ان يؤثر في الحوادث . و ليست الديموقراطية السيامية الحقيقية والمعبرة عن الديموقراطية الاجتماعية الحقيقية هي أن نجعل الناس يغيرون بارادتهم ما يريدون تغييره . هل وصلنا الى هذا حتى الان … لم نصل بعد… “

لماذا؟.

قال في 16 مايو 1965: ” … فيه حزب رجعي موجود وحايفضل موجود بدون اعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوي أحسن من الاتحاد الاشتراكي … اذن في هذه المرحلة لا سبيل إلا تحالف قوى الشعب العاملة في تنظيم واحد هو الاتحاد الاشتراكي العربي .. مع تطهير الاتحاد الاشتراكي باستمرار من القوى الانتهازية او القوى الرجعية التي تسللت داخل الاتحاد الاشتراكي

أكثر من هذا صراحة ما ردده في أحاديثه غير العلنية في اجتماعات الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي ابتداء من عام 1965. نشر بعضها أخيرا تحت عنوان ” مفهوم العمل السياسي “. ففيها يقول : ” ان لدينا مشكلة عويصة وهي ان العناصر المضادة للثورة والاشتراكية موجودة بالفعل داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية .. ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي وجود العناصر الحركية المخلصة بشكل منظم … ” وقال ” هناك خطأ آخر له صفة الانحراف يضعف من تحالف قوى الشعب العاملة وذلك الخطأ هو ظاهرة البيروقراطية… “.

وفي 7 مارس 1966 يضرب أمثلة للفشل في الريف : ” ان الجمعيات التعاونية تحتاج الى تطوير. فما زال كبار الملاك مسيطرين عليها.. فكبار الملاك لهم نفوذ ويستطيعون وضع رجالهم في مجالس ادارات الجمعيات التعاونية ، وربما كان هذا هو الذي أثر على فكرة الديموقراطية التي تكلمت عنها فلن تكون هناك ديموقراطية حقيقية بهذا الشكل … “

كان يعلم اذن

فماذا فعل؟

حيث يجيب عبد الناصر على هذا السؤال، سنكتشف قمة النضج في مفهومه للديموقراطية مشكلة والديموقراطية حلا، ويكون علينا بتلك الاجابة، القادمة، ان نختم الحديث عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر مودعين مرحلته التاريخية وقد انتهت الى تحديد بالغ الوضوح لمشكلة الديموقراطية في مصر وفكر بالغ النضج في كيفية حلها.. ذلك لأنه- رحمه الله – لن تسمح له الظروف القاهرة بان يضع فكره الذي بلغ قمة النضج موضع التطبيق لحل مشكلة بلغت قمة الحدة .

****************

 

خاتمة

(15) الموقف ” الناصري ” من المشكلة

 

عبد الناصر… و” الناصرية ” :

في جلسة مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي انعقدت مساء يوم 20 مارس 1963 هاجم عبد الناصر تعبير ” الناصرية والناصريين “.. وأسند التعبيرين الشعارين إلى القوى المعادية له وللثورة . قال : ” .. خرجوا بعملية الناصريين . طلعوها بعد الانفصال . قبل الانفصال ما كانش فيه حاجة اسمها ناصريين .. اعداؤنا علشان يمثلوا العملية بشخص ويركزوا عليه قلبوا العملية كلها إلى شخص جمال عبد الناصر وبدأو الحملة عليه وعلى اللي سموها الناصرية والناصريين .. ما كانش فيه حاجة اسمها ناصرية ولا ناصريين .. ” .

أما الآن ، وبعد وفاة عبد الناصر، فإن الناصريين قوى جماهيرية متعاقبة في الوطن العربي وفي مصر حتى لو لم تكن موحدة أو منظمة . و” الناصرية ” مفهوم يحدد انتماء الناصريين ، على خلاف قليل أوكثير في المضمون وتأخذ مكاناً يتسع بإطراد في القاموس العربي للمبادىء السائدة أو المرشحة للسيادة .

وحتى الذين يقفون من الناصرية والناصريين موقف العداء يعترفون بموقفهم هذا بوجود الناصرية فكرة والناصريين بشرا، وإلا فهل يقفون موقف العداء من أشباح معدومة ؟.. بل إن تهمة ” أدعياء ” الناصرية تتضمن اعترافاً بأن الناصرية ليست موجودة فقط بل إنها- أيضاً- ذات إغراء يسمح، لا بالانتماء إليها فحسب ، بل بادعائها أيضاً

فكيف حدث هذا؟

كيف أن ” الناصرية ” تكون اصطناعاً معادياً في حياة عبد الناصر، ثم تكون راية موحدة لجماهير عبد الناصر بعد وفاته ؟ ..

لقد قدم الرئيس جمال عبد الناصر نصف الإجابة في حديثه الذي أوردنا نصه. أريد بالناصرية في حياته تقليص القضية لتكون شخصاً تمهيداً لضرب الشخص وهو أسهل من ضرب القضية . أو تجريد الموقف من الانتماء المبدئي والتشهير به عن طريق تحويله إلى انتماء وولاء لشخص عبد الناصر. النصف الثاني من الإجابة لم يقله عبد الناصر لأنه يتعلق بظاهرة نشأت بعد وفاته.

نجيب نحن ، تطوعاً ، وعلى مسئوليتنا. ونستمد مادة الإجابة من موضوع الحديث عن ” عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر “. وان كانت اجابتنا تصدق- فيما نعتقد- أيآ كانت مادة الحديث ما دام الحديث يدور عن عبد الناصر وتجربتة الطويلة الغنية..

باختصار،

لقد كان ثمة عوامل متعددة حالت دون أن تكون ” الناصرية ” ذات دلالة موضوعية محددة يمكن الانتماء إليها في حياة عبد الناصر، وقد انقضت تلك العوامل بوفاة الرئيس الراحل وبالتالي أمكن ، موضوعياً ، أن يكون لتعبير الناصرية و الناصريين دلالات موضوعية .

أول تلك العوامل أن عبد الناصر قائد المسيرة الثورية منذ 1952 حتى وفاته كان ينتهج التجربة والخطأ والتصحيح . ولقد عرفنا ذلك من اعترافه ومن تتبع الحديث عن علاقته بمشكلة الديموقراطية في مصر وبالتالي فلم يكن من الممكن ، في حياة عبد الناصر، تثبيت التجربة عند حصر فكري أو تطبيقي معين ليقال حينئذ أن هذي هي الناصرية . ذلك أن عبد الناصر كان إلى آخر يوم في حياته قادراً مقدرة متزايدة على أن يكتشف أخطاء الممارسة وأن يبدع  لها حلولاً جديدة على المستوى الفكري والمستوى التطبيقي كليهما . وقفت تلك التجربة بوفاة عبد الناصر. مات القائد فتحدد مضمون مرحلته التاريخية مات المعلم فتوقفت تعاليمه. وأصبح ممكناً – حينئذ فقط – تحديد الحصيلة النهائية فكراً وممارسة ليقال ان هذي هي الناصرية .

العامل الثاني أشرنا إليه في أكثر من موضع في هذا الحديث ، وأوردنا عليه أدلته مما قال عبد الناصر ومما فعل . وخلاصته أن عبد الناصر كان ينمو وينضج ويتقدم فكرياً من خلال التجربة والخطأ والتصحيح . كان تفاعله الجدلي مع الظروف العينية في كل مرحلة يثمر في كل خطوة ثماراً فكرية أكثر نضجاً من عناصر تكوينها . وكان في حركته الجدلية يتقدم مخلفاً وراءه مواقفه وأفكاره السابقة. ولقد عبرنا عن ذلك من قبل حين قلنا إن عبد الناصر 1961 كان يثور على عبد الناصر 1952 ومن هنا يقوم الفارق المميز بين أفكار عبد الناصر وبين الناصرية .. على وجه يحول دون التطابق بينهما.

ذلك لأن كل مفردات المسيرة، فكراً أو ممارسة ، كما وقفت في زمانها تنسب إلى عبد الناصر، فيقال إنها أفكار أو مواقف عبد الناصر، أما ما ينسب إلى ” الناصرية ” فهي مجموع الأفكار والمواقف التي انتهى إليها بعد أن قطع إليها طريقه الطويل الشاق خلال التجربة والخطأ.. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك موقفه من ” الوحدة الوطنية ” ومفهومه لتعبير الشعب .. على الوجه الذي عرفنا تطوره من قبل .

يضاف إلى هذين العاملين عامل ثالث هو- في تقديرنا- أكثر من العاملين السابقين أهمية. لقد ذكرنا من قبل أن عبد الناصر كان يتوقع عام 1962 أن ستنشأ أفكار أكثر تطوراً وتقدمية بعد عام 1970 أو 1971 قد ترى تطوير الميثاق أو تعديله أو الاضافة إليه.. كما عرفنا دعوته الحارة لفتح أبواب الإبداع لجيل الشباب بدون وصاية . ان هذا يعني – في رأينا- ان الناصرية ليست مقصورة على حصيلة تجربة عبد الناصر فكراً أو ممارسة حين وفاته ولكنها لا بد- طبقاً لرؤية عبد الناصر نفسه وتوقعاته – أن تكون قد اكتسبت مضامين مضافة إلى ما خلفه الزعيم الراحل مما ” حدث ” بعد أن غاب عبد الناصر. بل أنني أزعم أن الدروس المستفادة من تجربة الحياة في مصر وفي الوطن العربي بعد غياب عبد الناصر قد أثبتت أن شخصيته التاريخية العملاقة كانت قد حجبت عنه ، وعنا، أفكاراً واتجاهات لم تكن تملك شجاعة الظهور في حياته فظهرت وعربدت ونجحت بعد وفاته. وأصبح ما انتهى إليه عبد الناصر فكراً وممارسة يفتقد تكملة هي الجواب على السؤال : ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن كل تلك الأفكار والاتجاهات التي أخفاها الجبن عنه في حياته قد واجهته وواجهها .. ثم ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن العمر امتد به حتى اليوم ؟.. ثم ، ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أنه عاش المستقبل مع شعبه. طبيعي أن ليس في تراث عبد الناصر اجابات محددة على هذه الأسئلة . إذ لم يكن عبد الناصر نبياً ، الإجابات التي تكمل مفهوم الناصرية مسؤولية أولئك الذين لم تكمل معرفتهم بتجربة عبد الناصر إلا بعد أن ظهر بعد وفاته ما ومن كان مختفياً أثناء حياته وأولئك الذين لا يكتبون التاريخ بل يصنعونه.

وأخيراً فإن عبد الناصر في حياته كان المفكر والقائد معاً . وكان يقدم إلى الجماهير العربية من تاريخه معها ضماناً ضد مخاطر التجربة والخطأ . الآن غاب القائد وقد بقيت الأفكار أو خلاصتها النامية. فكيف يمتلىء مكان القيادة التاريخية الشاغر؟.

هل باصطناع أو اختلاق أو ” ادعاء ” عبد الناصر جديد؟..

مستحيل . بل نقول أنه عبث . عبد الناصر صنعه التاريخ .

ولن يستطيع أحد أن يقوم بدور التاريخ في خلق الزعماء والقادة من أمثال عبد الناصر. وما تزال ترن في أذهاننا الكلمات الصادقة الحكيمة التي قالها الرئيس أنور السادات وهو يتلقى من مجلس الشعب قرار ترشيحه خليفة لعبد الناصر في موقع رئاسة الجمهورية ، تأكيداً بأن سيادته أو أي شخص آخر لا يستطيع أن يملأ-  وحده – الفراغ الذي تركه القائد العملاق ..

إذن، فإما أن تبقى جماهير عبد الناصر بدون قيادة أو أن تقودها المبادىء الناصرية. وهذا يعني أن ” الناصرية ” ليست قائمة مبوبة بالأفكار التي خلفها عبد الناصر أو خلاصاتها، أو ما كان يمكن أن تكون عليه تلك الأفكار لو أنه بقى يطورها، بل هي أفكار ومباديء ” صالحة ” لتؤدي ” دور القيادة “. صالحة للالتقاء عليها والالتزام بها والاحتكام إليها عند الخلاف . وهي لا تكون كذلك إلا إذا أرسيت على قاعدة منهجية علمية تفرز من بينها المبدأ من الاستراتيجية عن التكتيك . الاستراتيجية والتكتيك عناصر لصيقة بالقيادة بكل خصائصها الفذة وظروفها التي انقضت فهي من مفردات التجربة التي تنسب إلى عبد الناصر. أما المبدأ فهو وحده الذي يبقى مميزاً ” للناصرية “…

ومن ناحية أخرى ، فإن هذا المنهج العلمي القادر على أن يستخلص من تجربة عبد الناصر ” نظرية ” ناصرية يمثل ضرورة، مهما كانت لازمة حتى في حياة عبد الناصر، فإنها الآن حتمية. ذلك أن ” الضمان ” الذي كان يقدمه شخص عبد الناصر ضد مخاطر التجربة والخطأ قد سقط بوفاة الزعيم الذي كان محل ثقة الجماهير العربية. وبالتالي فإن مخاطر التجربة والخطأ بعد عبد الناصر، قد أصبحت بدون  حدود ، وأصبح محتماً أن يستبدل بمنهج التجربة والخطأ لذي فقد الضمان ضد مخاطر منهج علمي يحصن المسيرة المقبلة ضد الجنوح إلى التجريب بحجة أن عبد الناصر قد جرب من قبل .. وهكذا نرى أن ثمة فارقاً مميزاً أساسياً بين تجربة عبد الناصر والناصرية ، هو أن ضابطاً لحركة تجربة عبد الناصر كان ” التجربة والخطأ ” وأن ضابط الحركة الناصرية هو ” المنهج العلمي “.. أو لا بد أن يكون كذلك .. وهو عبء لا بد لمن يريدون للناصرية أن تقود الجماهير من أن ينجزوه

إذا صح ما تقدم ، وهو عندنا صحيح ، فقد صحح ما قال به عبد الناصر من أن اصطناع ” الناصرية ” في حياته كان اختلافاً معادياً  له وللثورة . لأنه إذا صح أنه لم يكن من الممكن في حياة عبد الناصر أن توجد ” الناصرية ” فإن دلالة ” الناصرية ” في ذلك الوقت لم تكن تزيد عن الانتماء إلى عبد الناصر الشخصي . تمهيداً لضرب التجربة في الشخص نفسه. ودلالة ” الناصريين ” في ذلك الموقف لم تكن تزيد عن الولاء لعبد الناصر الشخصي تشهيراً بموقف الولاء للقضية التي كان يناضل من أجلها عبد الناصر

يترتب على هذا أيضاً أن ” المفردات ” من الرجال الذين عرفوا عبد الناصر أو عاشروه أو صادقوه أو أسهموا معه في الثورة أو شاركوه مسيرتها ، أو ناضلوا تحت قيادته، أو كانوا له أعواناً ومستشارين وجنداً .. الخ ، يحسبون على عبد الناصر تبعاً لعلاقة كل واحد منهم به وموقعه منه .. ولكن هذه العلاقة أو الموقع لا تؤهل أياً منهم ” بالضرورة ” ليقول أو يقال عنه أنه ناصري ..

الناصري ” لا ينتمي إلى عبد الناصر ولكنه ينتمي إلى ” الناصرية ” بخصائصها التي ذكرناها وبالتالي فإن كل الذين لم يكملوا المسيرة مع عبد الناصر إلى أن بلغت ذروة نضجها فتخلوا عنها في مراحل سابقة على وفاته، أو كل الذين أكملوا المسيرة معه ” موظفين ” تحت قيادته ثم توقفوا بوفاته، أو كل الذين اهتبلوا فرصة وفاته فتنكروا لمسيرته أو ارتدوا عنها أو حاولوا الرجوع إلى المواقع الفكرية والتطبيقية التي كان عبد الناصر قد تجاوزها .. كل أولئك ، بالإضافة إلى الذين ينقضون بناءه لبنة لبنة لا يستحقون أن يكونوا ناصريين ولا ينسبون إلى الناصرية مهما كانت علاقاتهم الحميمة والقريبة والطويلة مع عبد الناصر… أما الذين توقفوا فكراً وحركة بوفاة عبد الناصر ويقضون أيامهم الراكدة يجترون أفكاره ويترحمون عليه فاولئك ” لا شيء ” أنهم يبعدون عن حركة الحياة كلها بعد عام 1970 عن الحاضر المتجدد أبداً..

على ضوء هذا، ما هو الموقف ” الناصري ” من مشكلة الديموقراطية في مصر ؟

نحدد أولاً عناصر المشكلة كما تركها عبد الناصر ، وحلها وأسلوب الحل :

 

المشكلة والحل:

قبل أن يغيب عبد الناصر كانت مشكلة الديموقراطية في مصر قد وصلت إلى الوضع الآتي :

(أولأ) كانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد رفضت المفهوم الليبرالي للديموقراطية أي عدم تدخل الدولة في حل مشكلات الشعب (1952) وأقلعت- بعد تجربة فاشلة- عن التدخل خدمة للرأسمالية فاتجهت إلى التخطيط الشامل من أجل حل التنمية بقيادة القطاع الخاص (59 / 1960) فلما نكص القطاع الخاص (الرأسمالية الوطنية) عن أداء دوره الوطني أخذت بالتنمية الاشتراكية (1961) ونجحت نجاحاً فائقاً في الحد من الفقر الذي هو أعتى عقبات الديموقراطية إلى أن تعرضت لعدوان 1967 وأصيبت بهزيمة قاسية فاتجه عائد التنمية المتزايدة ، أو أغلبه، من خدمة رفع مستوى المعيشة إلى خدمة إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف واستطاع القطاع العام فعلاً أن يوفر كل الامكانات المادية والمالية والتكنولوجية التي استعملها جنودنا في حرب اكتوبر 1973.

وكان حل مشكلة الفقر حلاً نهائياً ، باعتباره قيداً على الممارسة الديموقراطية يقتضي مزيداً من التحول الاشتراكي ومزيداً من سيطرة القطاع العام ومزيداً من ” اقتصاد الحرب ” لتستطيع الدولة أن تزيد من معدلات التنمية والحفاظ على المقدرة العسكرية في الوقت ذاته.

(ثانياً) وكانت الثورة، في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد قضت أو أضعفت أعداء ديموقراطية الشعب من الاقطاعيين (1952- 1961) والرأسمالية الكبيرة الصناعية والتجارية والزراعية عام (1961) والمؤسسة العسكرية الارهابية (1968) ولم يبق إلا البيروقراطية التي تضخمت وتكثفت سلطاتها وأفلتت من المسؤولية عن طريق إسناد أعمالها أو تغطيتها بالسلطات المركزية الكبيرة التي خولها الدستور 1964 لرئيس الجمهورية.

وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي الحد من سلطات رئيس الجمهورية وتوزيعها على أجهزة الدولة ليكون شاغل كل سلطة مسؤولاً عن ممارسة سلطته بدون احتماء أو اختفاء وراء أسم وهيبة رئاسة الجمهورية.

(ثالثاً) وكانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد خطت خطوات كبيرة نحو تحرير الفلاحين والعمال ( 1952 – 1961 ) ، وعزلت أعداء الشعب ( 1963 – 1964 ) وأستعملت كل الأساليب التي خطرت على بالها لإخراج الشعب من سلبيته، بالتعلم والثقافة والإعلام والتنظيم (هيئة التحرير / الاتحاد القومي / الاتحاد الاشتراكي العربى) ، وأقرت للشعب المنظم بسلطات دستورية محدودة في دستور 1956، وبسلطة السيادة في دستور 1964 ، ولكن البيروقراطية المتحالفة مع الرأسمالية الطفيلية، اغتصبت تلك المؤسسات الشعبية وسيطرت عليها وسخرتها لمصالحها فأصبح كل منها ، منذ نشأته وإلى أن قضى أداة تابعة للسلطة التنفيذية .

وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي رفع يد الحكومة عن الاتحاد الاشتراكي العربى ، واستقلاله عن السلطة التنفيذية، ليستطيع أن يباشر حقوقه السيادية على كل السلطات .

 

حدة المشكلة:

كانت تلك هي الجوانب الرئيسية لمشكلة الديموقراطية في مصر كما انتهت إليها عام 1970 وكانت تلك هي حلولها الواجبة والممكنة. وبالرغم من أن ثورة 1952 وثورة 1961 كانتا قد تقدمتا خطوات كبيرة نحو حل مشكلة الديموقراطية – كما أوضحنا من قبل- على وجه لا تمكن مقارنته بما كانت عليه مصر منذ حكم الفراعنة حتى حكم الملوك، فإن المشكلة، مشكلة الديموقراطية كانت قد زادت حدتها أضعافاً مضاعفة عام 1970 عنها عام 1952 أو ما قبله من أعوام .

لماذا؟

لأن حدة المشكلة، أية مشكلة، لا تتوقف على حدها الموضوعي بقدر ما تتوقف على الوعي بها. نعني وعي الناس بالتناقض بين ما يريدون وبين ما هو متحقق لهم فعلاً . الحد الأول من التناقض وهو الإرادة التي يخلقها وينميها الوعي عامل أساسي في مدى الشعور بحدة المشكلات الاجتماعية بمعنى أنه مهما تحقق للناس من تقدم مادي أو سياسي أو ثقافي أو اجتماعي فإن وعيهم بما يريدون وإرادة تحقيقه هو الذي يحدد في النهاية الشعور بعمق التناقضات الاجتماعية وما إذا كانت قد زادت أو خفت وانتهت. وحين يسبق وعيهم تقدمهم تزداد المشكلة حدة بالرغم مما يكونون قد أصابوه من تقدم . كالذي يعاني مشكلة استرداد دين يحسبه قليلاً فيرضيه مايسترده إلى أن يعرف أنه كان ضحية ” نصب ” وان حقه أكثر مما استرد فيصبح أكثر معاناة لمشكلة الاختلاس بالرغم مما أسترد . كالفلاحين القانعين برضا ” السادة ” يتبينون أنهم ليسوا عبيداً ولا الآخرون سادة فيصبحون أكثر شعوراً بحدة مشكلة القهر والعبودية. كالعمال الذين يكتفون بما يعطيهم رب العمل من أجور فيقال لهم إن القطاع العام ملك للشعب، ملككم، فيصبحون أكثر شعوراً بتسلط الإدارة . كالجماهير السلبية الراكدة اللامبالية بالنشاط السياسي، تنتظم في مؤسسة شعبية لها سلطة السيادة فتشعر بحدة مشكلة الاستبداد وهي ترى البيروقراطية قد استولت على تنظيمها..

ولقد استطاعت الثورة، بأساليب شتى، منذ 1952 حتى 1970، ان تحرك الركود الاجتماعي والسياسي وأن تفتح عيون النائمين وتوقظ طموح القانعين وتعلم الناس أن لهم حقوقاً مسلوبة منذ حين . وتولت انجازاتها المحسوسة في التنمية في فتح شهية البشر لمزيد من الرخاء باعتباره حقاً  لمن ينتجه . وتولت أجهزتها الإعلامية- باقتدار فائق- القضاء على كل شك في مبدأ ” المساواة ” وأن تدخل في نطاق إدراك المغبونين أن لهم حقوقاً  لم يكونوا من قبل يعرفون أنها لهم . ولقد حاولت الثورة – طوال عمرها- أن تحقق للشعب مزيداً مما يريد ولكن نجاحها في التوعية والإيقاظ كان أكثر بكثير من نجاحها في الفعل والانجاز. وبالتالي فإن مشكلة الديموقراطية كانت تزداد حدة مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 لأن وعي الناس بمعوقات الديموقراطية كان يزداد عمقا مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 بالرغم من أن الثورة قد رفعت منذ 1952، عقبات كثيرة في كل مرحلة من مراحلها.

وتضاعفت حدة مشكلة الديموقراطية حين تضاعف عدد المصريين خلال عمر الثورة . فهذا جيل جديد هو جيل الثورة، قد أصبح صلب التركيب الاجتماعي وبدأ يربي على يديه جيلاً ناشئاً بعده ، قوامه الأخوة الصغار. وجيل الثورة لم يرث من الجيل الذي سبقه ” كنز القناعة ” الذي لا يفنى والذي دفنته الثورة. والمساواة عنده بديهية إنسانية كما علمته الثورة . ولم يعرف أحد منه ” عز ” امتلاك الابعديات وسكنى السرايات ودولة المليونيرات والأمراء والأميرات والبكوات والباشوات ، فذلك عالم قضت عليه الثورة . وهو قد سمع وتعلم فآمن بقيم الحرية والمساواة والتقدم والديموقراطية فهو يعاني أكثر من اي جيل مضى مما يمس هذه القيم أو يحول دون تحويلها إلى حياة فعلية . لأنه يعرف – أكثر من أي جيل مضى- إن تلك حقوق له لا بد لها من أن تصبح واقعاً يحياه . ولقد تمرد، أوكاد أن يتمرد؟ هذا الجيل، حين كان ناشئاً ، على الثورة وقائدها عام 1968، لأن التناقض بين ما كان يريد وما وقع فعلاً كان أكثر حدة مما عرفه أي جيل آخر. ولم يتوقف كثيراً ليعرف أنه جيل تحقق له ما لم يكن يحلم به أي جيل قبله. تحققت له أولاً وقبل كل شيء فرصة أكبر للافلات من الموت في سن الطفولة (هبطت نسبة الوفيات إلى تسعة في الألف حتى سن الرابعة) بفضل رفع مستوى المعيشة والخدمات الصحية وإمداد القرى بالمياه النقية والخدمات العلاجية والدوائية المجانية للعمال فأصبح هذا الجيل حين أدرك سن الخامسة عشرة يمثل نصف عدد الشعب تقريباً . وقد كانت نسبة مرتفعة من الأجيال السابقة يحول الموت مبكراً دون أن تواكب جيلها. وفرص التعليم المباح بدون أجر والجامعات المفتوحة لكل قادر ذهنياً بدون قيد، والعمل ينتظره فور تخرجه بدون أن يعرض نفسه لمهانة ” النخاسة ” فلا يباع ويشترى وتحدد له المنافسة الحرة في سوق العمل سعره، كما كان يحدث لأجيال قبله.. وبدون أن يعرض أهله لمذلة استجداء التوصيات من البكوات والباشوات ليحصل على عمل كما كان يذل أهل جيل قبله. لم يتوقف جيل الثورة عند كل هذا لأن ذاتها لم تترك فرصة أو مناسبة لتعليمه وإن كل ما قدم إليه ليس إلا بعض حقه من وطنه وإنه لم يسترد بعد كل حقوقه فطالب- بجسارة صاحب الحق- بما يستحق كاملاً . و لم يزل .

من بين الانجازات الديموقراطية للثورة كان هذا الانجاز ” البشري ” أروعها ، لأنه استولد الشعب العملاق جيلاً يقظاً . واليقظة الشعبية أولى شروط الديموقراطية نظاماً والديموقراطية ممارسة. وهكذا، حين وافت سنة 1970 كان في مصر شعب أكثر تمسكاً بحقه في الديموقراطية من شعب 1961 ومن شعب 1956 ومن شعب 1952 لأن موجة الوعي الشعبي كانت في تصاعد مستمر منذ 1952 بفعل الثورة ذاتها. وكان لا بد أن تحل المشكلة الديموقراطية في شعب شبابه جيل يقظ متوتر لا يقبل أنصاف الحلول أو الانتظار.

إنه الجيل ” الناصري “…

وكان حل مشكلة الديموقراطية في مصر يقتضي التعامل مع هذا الجيل وإتاحة الفرصة له ليتحول من جيل عريض من الأفراد إلى قوة منظمة محررة من رواسب الماضي لتقود المسيرة الاشتراكية والديموقراطية .

 

الأسلوب:

في بيان أسلوب حل مشكلة الديموقراطية تتجلى قمة نضج موقف عبد الناصر من فهم المشكلة وحلها. عبد الناصر هنا ” عالم ” متمكن من المعرفة الصحيحة بمشكلة الديموقراطية. تقوم معرفته على الوعي بمعطيات موضوعية غير مشوبة بأية أوهام ” مثالية “. وهو أكثر وعياً من أية مرحلة سابقة بالبعد التاريخي لمشكلة الديموقراطية ، وبكيفية حلها ، وبالقوى القادرة على إنجاز هذا الحل وبأساليب حركتها في نضالها الطويل من أجل الديموقراطية..

(1) في يوم 12 نوفمبر 1964 قال عبد الناصر : ” احنا ما بقيناش دولة اشتراكية ، ولا يمكن أن احنا نقول ان احنا النهارده دولة اشتراكية . احنا في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية “. فإذا تذكرنا انه كان قد قال من قبل في يوم 9 يوليو 1960: ” هناك.. اتصال عضوي بين الاشتراكية والديموقراطية حتى ليصدق القول بأن الاشتراكية هي ديموقراطية الاقتصاد وأن الديموقراطية هي اشتراكية السياسة “.. إذا تذكرنا هذا تكون خلاصة موقف عبد الناصركما انتهى إليه  ان مصر ليست دولة ديموقراطية لأنها ليست دولة اشتراكية . وأنها في مرحلة انتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية لأنها في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وأن الديموقراطية في مصر في العالم الثالث النامي- كما قلنا في بداية هذا الحديث، ليست نظاماً نموذجياً قابلاً للتطبيق بالأمر ولكنه نضال طويل يتقدم خلاله الشعب من خلال الوعي والممارسة نحو الديموقراطية.

(2) في خلال مرحلة التحول هذه لا يعني تجريد أعداء الديموقراطية الاشتراكية أسلحتهم أنهم غير موجودين : لا : ” الرجعيين موجودين والرأسماليين موجودين ومستنيين أي غلطة ويتلقفوها .. المجتمع الاشتراكي في مرحلة الانتقال من الرأسمالية المستغلة إلى الاشتراكية لم يتوصل إلى التخلص من آثار الاقطاع والرأسمالية والبيروقراطية (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964) . ” يمكن جردناها من أسلحتها وجردناها من أموالها ولكن هذه الطبقة لا زالت موجودة .. لسه عايزه عشرات السنين لغاية ما تنقرض هذه الطبقة ” (عبد الناصر في 24 ديسمبر 1964) . ” فيه حزب رجعي وحيفضل موجود بدون إعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوى ” (عبد الناصر في 16 مايو 1965) . ” إن المشكلة هي أن العناصر المضادة للثورة موجودة داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه العناصر الحركية المخلصة.. وفي رأيي أن الاتحاد الاشتراكي بوضعه الحالي لا يستطيع أن يقوم بالعمل السياسي ولا بتحقيق تحالف قوى الشعب العاملة. لأن الأعضاء الموجودين فيه اليوم يمثلون عناصر ثورية وعناصر مضادة للثورة . (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) .

(3) ” فما هو الحل ؟.. هل نمسك بالاقطاعيين والرأسماليين والرجعيين ونذبحهم ونقول نخلص من شرهم ؟ .. سيقولون إن هذا ليس طريقنا ولا سبيلنا. إن الحل لهذا هو أن تتجمع القوى الاشتراكية وتتعارض وتنظم لتتصدى بكل قوة لمحاولات القوى الرجعية ” (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964). ” قد نستطيع أن نتغلب على هذا النقص بالوسائل الإدارية ونقول ايه دي وسائل إدارية ثورية ولكن أعتقد أن مرحلة الوسائل الإدارية انتهت .. ولا بد أن نعتمد على الوعي الكامل للشعب العامل ” (عبد الناصر في 16 مايو 1965).

(4) ” الحل هو أن يكون لدينا كادر وحزب “.. يجب إذن أن نعمل على أساس هدف .. هل الهدف أن نقيم تنظيماً على الورق.. طبعاً لا.. لأن وجود التنظيمات على الورق لا يحقق هدفنا.. وأنا أعتقد أن الهدف الأساسي هو أن ينشط الاتحاد الاشتراكي كاتحاد جماهيري يجمع كل الجماهير... وفي نفس الوقت نخلق تنظيماً سياسياً ” . ” وإذا اعتبرنا أن عملنا يجب أن ينحصر في العمل السياسي في الوقت الحاضر حتى نستكمل تشكيل الحزب “. ” اننا نريد الحزب الاشتراكي داخل الاتحاد الاشتراكي وبدون هذا الجهاز السياسي الذي أسميه الحزب الاشتراكي فلن نستطيع أن نقود الجماهير أو أن نتصدى للقوى المضادة ” (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) ” إحنا حاطين في الاتحاد الاشتراكي تسعة مليون، إذن يجب أن ننظم القوى الاشتراكية الثورية في كادر سياسي أو في تنظيم سياسي، من داخل الاتحاد الاشتراكي، وبهذا نستطيع فعلاً أن نقيم بنيان التنظيم السياسي ودي عملية سايرين فيها دلوقتي… “.

 

التوقف :

في آخر خطاب عام ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 22 يوليو 1970 لم يذكر كلمة واحدة عن الديموقراطية. والواقع أنه بالرغم من إصداره بيان 30 مارس في أوائل عام 1968 فإنه منذ هزيمة 1967 كان قد تفرغ وأعطى كل فكره وجهده .. ثم أخيراً حياته.. لحل مشكلة التحرير التي تفاقمت بعد الهزيمة بحيث نستطيع أن نقول مطمئنين إلى أن تجربة الديموقراطية كما قادها عبد الناصر توقفت عند 1967. وليس أدل من هذا أنه بالرغم من أنه كان قد شكل لجنة موسعة يوم 30 مايو 1966 لوضع الدستور الدائم . وكانت توالي مهمتها، فإنه في بيان 30 مارس استفتى الشعب على تأجيل وضع الدستور الدائم إلى ما بعد إزالة آثار العدوان فوافق الشعب على التأجيل حتى ” لا يعلو صوت فوق صوت المعركة “.

وفي 28 سبتمبر 1970 توفي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تاركاً مشكلة الديموقراطية وحلولها الممكنة وأسلوب حلها عند الحدود التي أوردناها من قبل . ورشح الاتحاد الاشتراكي العربى الرئيس أنور السادات للرئاسة ، فرشحه مجلس الأمة ، واستفتى عليه رئيساً . وفي شهر مايو 1971 بدأ الصراع في القمة . كان الموضوع ” الظاهر ” للصراع هو إقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا. وعرض الأمر على اللجنة التنفيذية العليا وانقسم الرأي وكان الرئيس السادات في صف الاقلية . فاجري تعديل على مشروع الاتحاد يتفق مع رأي الأغلبية فحظي المشروع بالموافقة الإجماعية. ولكن رئيس الجمهورية رأى أن وراء الأكمة ما وراءها فأطاح بالذين عارضوه .. ثم حل جميع المؤسسات الشعبية والدستورية التي رشحته نفسها لرئاسة الجمهورية وكشف فقال إن! كانت كلها، منذ إنشائها، مصطنعة. ثم أعاد إنشاءها مجدداً وأصدر دستور 1971 (11 سبتمبر 1971) فجاء الدستور مضيفاً إلى السلطات التي كانت مخولة للرئيس جمال عبد الناصر سلطات لا مثيل لها في أي دستور مصري سابق أو أي دستور نعرفه في العام . وبذلك تكثفت أكثر من ذي قبل السلطات التنفيذية في يد رئيس الدولة. أما الاتحاد الاشتراكي العربى فقد أصبح – حين صدور دستور- 1971 تجمعاً من الناس على الورق وفي المقرات يفتقد عنصرين من عناصر تكوينه. أولهما التنظيم السياسي داخله والثاني اللجنة التنفيذية العليا لم تشكل أبداً . فكان هو أيضاً اتحاداً شتراكياً عربياً لا يمت بصلة قريبة أو بعيدة لا بالاتحاد الاشتراكي العربى كما جاء في الميثاق ودستور 1971 ولا بالاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان قائماً قبل مايو 1971.. وكانت تلك فترة توقف طالت إلى أن يرى الرئيس كيف يكون الاتحاد الاشتراكي العربي.. خلال فترة الانتقال هذه طرحت مشكلة الديموقراطية في مصر للمناقشة، وكان الذي تولى طرحها الرئيس أنور السادات نفسه كما قلنا في بداية هذا الحديث وبالرغم من كل المواقف المختلفة و المتنوعة فقد كان الاختبار الأساسي محصوراً بين أمرين : الأمر الأول : تكملة ” المشوار ” الديموقراطي الذي بدأه عبد الناصر انطلاقاً من آخر ما وصلت إليه المشكلة وحلولها الممكنة، التي أوردناها من قبل.

الأمر الثاني، إلغاء التجربة والاختيار من جديد..

وكانت صعوبة الاختيار، التي أثارت كثيراً من الجدل ، إن وراء الاختيار الديموقراطي كان يكمن الاختيار الاشتراكي… فكيف كان اختيار الرئيس أنور السادات ..؟ إن الإجابة تخرجنا عن موضوع حديثنا. وموضوع حديثنا عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر.. وليس عن أنور السادات ومشكلة الديموقراطية في مصر..

 

على هامش التجربة:

هناك موضوعان يمثلا جزءاً بارزاً مما يكتبه المؤرخون أو أصحاب المذكرات وهم يتحدثون عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر. و مع ذلك فإننا لم نعطهما مكاناً في هذا الحديث :

أولهما: الجرائم التي ارتكبت ضد بعض المواطنين الذين قبض عليهم خلال مراحل متفرقة من حكم عبدالناصر.

ثانيهما : الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة و بين الشيوعيين والاخوان المسلمين وماصاحبه من أحداث كانت في بعض الحالات دموية.

لم نتحدث عن الموضوع الأول لأن ما وقع اكان جرائم . وهي جرائم معاقب عليها بأقصى العقوبات إلى حد الإعدام بمقتضى ذات القوانين التي تشكل ركناً من أركان نظام عبد الناصر.. والجرائم تقع في كل مجتمع وفي كل نظام ولولا هذا لما وجدت القوانين الجزائية و المحاكم والسجون .. ولكنها، مهما بلغت بشاعتها ، لا تؤثر في طبيعة النظام ذاته. ثم أن تلك الجرائم قد تحدد مسئوليتها قضائياً على عاتق الذين كانوا في ظل حكم عبد الناصر يناهضونه ويقيمون دولتهم العسكرية فوق دولته المدنية. ثم، إذا قيل إنه لم يفعل شيئاً ، نقول ، إن عبد الناصر هو الذي صفى المؤسسة العسكرية، وقدم أعضاءها إلى المحاكمة. وفي حياته قضي على شمس بدران عميد المجرمين في القوات المسلحة، وصلاح نصر عميد المجرمين في المخابرات العامة بعقوبات جسيمة بعد محاكمات عادلة. والذي نعرفه أن الرئيس أنور السادات قد أمر بالافراج عنهما وإخراجهما من السجن .. ليتقدم المجنى عليهم، مرة أخرى ، ويأخذون موقف عبد الناصر فيخاصمونهما لدى القضاء الذي يعيد الحكم عليهما مرة أخرى .. وليس في كل هذا ما يمكن أن يغير الموقف من الديموقراطية..

ولم نتحدث عن الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة وبين الشيوعيين والإخوان المسلمين أولاً لأننا لا نحبذ النفاق وثانياً لأن ذلك الصراع لا علاقة له بمشكلة الديموقراطية في مصر وثالثاً لأن الصراع على السلطة ليس لعبة رياضية. إن كلأ من الشيوعيين والاخوان المسلمين كان حزباً منظماً يواجه دولة منظمة يقودها عبد الناصر وقد قدر الشيوعيون والإخوان المسلمون ودبروا وخططوا وجهزو ا وأعدوا ما استطاعوا من عدة لإسقاط عبدالناصر عنوة والاستيلاء على السلطة . ولو نجح أي منهما فيما دبر وخطط لقدموا عبد الناصر وكثيراً من رفاقه إلى المشانق ، أو لنجحت محاولات اغتياله .. اختاروا إذن قواعد الصراع بالعنف فتحداهم إليها وسحقهم بدلاً من أن يسحقوه . وقد يكون من حقهم الانساني أن يتألموا.. ولكنهم لا يستطيعون أن ينسبوا إلى عبد الناصر أن خالف قواعد الصراع التي اختاروها . ولا علاقة للشعب في مصر بتلك القواعد وصراعاتها الدموية من أجل الاستيلاء على الحكم .. أي لا علاقة لتلك القواعد وصراعاتها بمشكلة الديموقراطية في مصر فلا توجد دولة في العالم تقبل أن يسقطها أعداؤها بالعنف خشية أن تتهم بأنها غير ديموقراطية .

كل هذا على هامش التجربة وليس من صميمها فلا يستحق أن يذكر.

و أخيراً :

فلقد اجتهدنا ولكل مجتهد نصيب .. من الرضا أو من السخط . ونحن نقبل نصيبنا أياً كان نوعه لأننا ما أردنا- منذ البداية- أن نرضي أحداً أو أن نغضب أحداً . وما يزال باب الاجتهاد مفتوحاً … لمن يريد.

القاهرة مايو- يوليو 1977

دكتور عصمت سيف الدولة

مشكلة تفسير أسباب الإرهاب – صبحي غندور

لا تختلف كثيراً الصورة الآن في دول الغرب عن العرب والمسلمين، بوجود تنظيم “داعش” ورفيق دربه تنظيم “النصرة”، عمَّا كانت عليه عقب هجوم تنظيم “القاعدة” في 11 سبتمبر2001 وما لحقه من أعمال إرهابية في أمكنة عديدة بالعالم. فما زال حال العرب والمسلمين في أميركا والغرب يتأثّر سلباً بنتائج هذه الممارسات العنفية باسم الإسلام، وبما يرافقها أيضاً من حملات تشويه وتعبئة عنصرية ضدّ كل ما يمتّ للعرب والمسلمين بصِلة.
هذا هو المزيج المستمر الآن في الغرب عموماً بعد حوالي 15 عاماً على 11 سبتمبر 2001، ومع حدوث “طبعة جديدة” من الكتاب المفتوح زمنياً ومكانياً: “الحرب على الإرهاب”، وعنوان فصله الجديد الآن هو: “محاربة تنظيم الدولة الإسلامية”!!. يحدث ذلك بينما إسرائيل (التي هي “جغرافياً” في الشرق، و”سياسياً” في الغرب، وتنتمي إلى حالةٍ دينية “لا شرقية إسلامية ولا غربية مسيحية”) هي المستفيد الأكبر من صراعات الشرق والغرب، ومن كون هذا “الإرهاب الإسلامي الجديد”، كما كان قديمه في “القاعدة”، يتجنّب محاربة إسرائيل بل يخدم مشاريعها في إقامة حروبٍ أهلية عربية وإسلامية!.

فما الذي ينتظر العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن الآن (واستتباعاً كل المنطقة العربية) من تطوراتٍ واحتمالات، وهل ما يحصل من مفاوضات دولية وإقليمية بشأن أزمات سوريا واليمن وليبيا، هو مقدّمة لتسويات وحلول سياسية، أم هو مجرّد تقاطع مؤقّت لمصالح الدول التي تدير الأزمات وحلولها خلال هذه الفترة؟! ثمّ في حال حدوث توافقٍ مؤقّت بين هذه الدول على مواجهة “داعش” وإفرازاتها، فما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة هذه الجماعات الإرهابية وما سيكون بديلها على الأرض من حكومات ومعارضات وتسويات سياسية، بل أيضاً من حدود كيانات؟!. وهل ستتّعظ القوى الإقليمية والمحلّية التي راهنت على جماعات “النصرة” و”داعش” خلال السنوات الماضية من هذه التجربة المرّة في التحالف مع قوى شيطانية إرهابية لم ترحم أحداً في مناطقها من كلّ الطوائف والمذاهب والإثنيات.؟!
تساؤلاتٌ عديدة جارية الآن دون قدرةٍ على حسم الإجابة بشأنها، فمحصّلة السنوات الماضية من هذا القرن الجديد لا تشجّع كثيراً على التفاؤل بمستقبلٍ أفضل، طالما أنّ البلاد العربية هي ساحات لمعارك وصراعات، وليست مصدر قرارات أو قدرة على الاعتماد على الذات من أجل تصحيح الواقع وتغيير مساره لصالح العرب أنفسهم أولاً. فالتدخّل العسكري الأجنبي لإسقاط أنظمة، جعل بديل الأنظمة في هذه الأوطان ميليشيات مسلّحة على أسس طائفية وقبلية وإثنية أطاحت بكل مقوّمات الدولة الواحدة، وأضعفت الولاء الوطني والقومي، وغيّبت أي ممارسة سليمة لمفهوم المواطنة، وسبّبت بتهجير مئات الألوف من المواطنين. فالخوف هو إذن من أن تكون الحرب على “داعش” ومثيلاتها هي مقدّمة لتكريس انقسامات حدثت في السنوات الماضية، فأنتجت واقعاً مريراً بين أبناء الوطن الواحد، وأقامت حواجز من الدم والكراهية للشريك الآخر في الوطن والمواطنة، بل أيضاً كرّست انقساماتٍ جغرافية تهدّد الآن وحدة الكيانات والأوطان.
الحذر مطلوبٌ الآن من المستقبل، كما هو مطلوبٌ رفض الحاضر وتداعيات الماضي. إذ أنّ الوعد بمستقبلٍ أفضل يفترض وجود عناصر لم تزل مغيّبة حتّى الآن، وتحتاج إلى مراجعات كثيرة مع النفس لدى كل الأطراف العربية والإقليمية المعنيّة بالأزمات الراهنة. ولعلّ أولى هذه المراجعات هي وقف المراهنة على “شيطان الداخل”، المتمثل الآن بجماعات الإرهاب، من أجل تحقيق مصالح فئوية لهذا الطرف أو ذاك، كما هو مهمٌّ أيضاً الآن الاعتماد على الذات العربية لبناء مستقبلٍ عربيٍّ أفضل، بدلاً من تكرار انتظار الترياق من الأجنبي الإقليمي أو الدولي، وهو ما يحدث على مدار قرنٍ من الزمن، ولم ينتِج إلاّ المزيد من المآسي والأزمات في المنطقة العربية.
لقد خرج النفوذ الأجنبي من باب المنطقة في منتصف القرن الماضي بفعل ثوراتٍ تحرّرية عربية، لكنّه عاد الآن إلى المنطقة من نافذة المعاهدات مع إسرائيل، ومن خلال نتائج الحروب العربية- العربية، وخطايا بعض الحكّام الذين استباحوا أوطاناً عربية أخرى أو حقوق مواطنين عندهم. لكن ذلك كلّه ما كان ممكناً أن يحدث بهذه الصورة الدموية التي نراها الآن في المجتمعات العربية لولا أيضاً وجود تخلّف فكري يسمح بالمتاجرة بالدين والطوائف، كما الانحطاط حاصل في مفاهيم وممارسات معاني الهُويّات الوطنية والقومية.
إنّ الأمَّة العربية مثقلةٌ الآن بالجراح، والدم ينزف من شعوبها بفعل صراعاتٍ أهلية، وليس نتيجة معارك مع عدوّها الإسرائيلي المشترَك الذي استفرد الآن بالشعب الفلسطيني، ويمارس عليه العدوان والقتل والدمار، ويواصل الاستيطان والتهويد للأراضي الفلسطينية وللقدس الشريف، بينما العرب منشغلون بأنفسهم وبصراعاتهم الداخلية وبمصالح فئوية لهذا الحاكم أو ذاك المعارض..
إنّ التفسير “الغربي” لظاهرة الإرهاب باسم الإسلام يحاول أن ينفي مسؤولية الغرب عن وجود هذه الظاهرة ويعيد المشكلة فقط إلى أوضاع داخلية في الدول العربية والإسلامية، بل إنّ هذا التفسير لا يشير إلى مسؤولية الغرب حتّى في هذه الأوضاع الداخلية العربية بالرغم من حقيقة هذا الأمر عملياً منذ مطلع القرن العشرين، وما قامت به الدول الاستعمارية الأوروبية ثمّ أميركا من إعداد ورعاية لهذا الواقع الداخلي العربي والإسلامي، وفي كلّ مجالاته الجغرافية والدستورية والسياسية والاقتصادية، إضافةً إلى الدعم غير المحدود لنشوء الدولة الإسرائيلية وحروبها العدوانية على العرب والفلسطينيين.
ثمّ كيف يفسّر أصحاب هذه المقولة “الغربية” ما حدث في عدّة ولايات أميركية من أعمال إرهابية كانت خلفها جماعات إرهابية أميركية، غير عربية وغير إسلامية، رغم وجود الديمقراطية في أميركا؟! وهل يمكن وسم هذه الممارسات الإرهابية بانتماءات دينية أو “ولايتية” أو عرقية؟!.
وكيف يفسّر الأوروبيون ما كان يحدث في بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وأسبانيا من عمليات إرهابية يقوم بها أتباع لجماعاتٍ متطرّفة، وبعضها كان يمارس العنف المسلّح بأسماء دينية، أو بطابع “وطني تحرّري” مثل “الجيش الجمهوري الأيرلندي” في بريطانيا وجماعات “الباسك” في أسبانيا؟!
وفي مقابل تلك التفسيرات “الغربية” ظهر التفسير الآخر “الشرقي”، الذي يحاول أيضاً التملّص من مسؤولية الذات العربية والإسلامية عن بروز ظاهرة التطرّف و”الإرهاب”، والذي يرفض الاعتراف بالأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في هذه المجتمعات.
فكيف نفسّر ما يحدث الآن في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وما حدث في لبنان ومصر والجزائر والسودان، وفي عدّة بلدان قبل ذلك، من أعمال إجرام وعنف دموي باسم الإسلام، ضدّ مواطنيين ينتمون إلى دين آخر أو إلى مذهب مختلف؟!. فالقتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمان ومكان داخل بلدان العالم الإسلامي، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية.
وتزداد المأساة استفحالاً حينما يعطي بعض المحلّلين السياسيين الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، أو تبريراً لها من خلال استعراض الأزمات السياسية القائمة في المجتمعات، وكأنّ الحرام يصبح حلالاً لمجرّد وجود مشاكل اجتماعية أو سياسية في هذا المكان أو ذاك. فقتل النفس البريئة هو جريمة بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من عباءات دينية أو طائفية أو وطنية.
إنّ اتساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام أصبح ظاهرةً خطرة على الإسلام نفسه، وعلى المسلمين وكافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمر يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم إمّا فاشلون عاجزون عن ترشيد السبيل الديني في هذه المجتمعات، أو أنّهم مشجّعون لمثل هذه الأساليب. وفي الحالتين، فالمصيبة كبرى كبرى. كذلك هي مشكلة غياب المرجعيات الفكرية الدينية التي يجمع الناس عليها، وتحوّل الأسماء الدينية إلى تجارة رابحة يمارسها البعض زوراً وبهتاناً.
لقد أصبح العنف باسم الدين أو المذهب ظاهرة بلا ضوابط، وهذا نراه في مجتمعات تسعى للتغيير، لكن أمور هذه المجتمعات تسير من سيء إلى أسوأ. فالتغيير القائم على العنف المسلّح وقتل الناس العشوائي يؤدي حتماً إلى تفكّك المجتمعات والأوطان، وإلى صراعات أهلية دموية نرى نتائجها الآن في مشرق الأمّة العربية وفي مغربها..

9-5 – 2016

صبحي غندور

*مدير “مركز الحوار” في واشنطن

الناصريون … القوميون …والتيار العروبي  / مبدأ المجال الحيوي.

manar

– 1 –

استطاع المسار التقدمي لثورة يوليو التحررية الوحدوية الاشتراكية ان يتحول الى مصدر الهام ونشاط لقطاع عريض من الشعب العربي بمختلف أطيافه الاجتماعية والطبقية والسياسية على مدى سنوات حكم جمال عبد الناصر وقيادته المباشرة والغير مباشرة لجزء كبير من الجماهير العربية. مما جعل الانتساب لمضامين هذا المسار ينتشر في أغلب مواقعه الشعبية والتنظيمية والسياسية عموما بدون ضرورة الالتزام بعنوان سياسي او ايديولوجي مفرز. فهي مضامين مشتركة يلتقي عليها كل من يتعاطف أو ينتسب أو يستلهم مساره من مسار ثورة يوليو حتى مع الاختلاف في بعض او عديد الجوانب اما مع قيادة المسار المستقرة أساسا في القاهرة أو مع بقية الكتل المتعاطفة أو المنتسبة لمسار ثورة يوليو.

فلم تكن هناك حاجة للتميز بعنوان يدل على هذا الانتساب او التعاطف خاصة وأن الزعيم جمال عبد الناصر نفسه لم يتميز بعنوان يميزه عدى عنوان القومية العربية الذي يؤكد عبد الناصر نفسه أنه عنوان سبقه وسيبقى من بعده فهو لم يخلق القومية العربية بل هي التي خلقته (والخلق هنا بمعنى الوعي بالوجود القومي الواحد والمصير القومي الواحد بكل ما يترتب عليه …).

ولكن الانقلاب الساداتي على مسار يوليو مضافا اليه غياب التنظيم القومي الشعبي القادر على صيانة وتنمية التماسك بين هذا الطيف الواسع من المتعاطفين والمناضلين في الوطن العربي .وضع كل الذين انتسبوا او تعاطفوا مع مسار ثورة يوليو في موقع الخيار بين فك الارتباط المرجعي بهذا المسار أو الدفاع عنه بكل مضامينه وملامحه.

ان هذا التصدي للانقلاب على مسار ثورة يوليو فرض على مناضليه التميز عن بقية الاطياف في المشهد السياسي العربي. تميزا يشير على الاقل الى ان ميراث ثورة يوليو يمثل بالاساس – ان لم يكن حصريا في بعض الاحيان – مرجعيتهم  الفكرية والنضالية. ولعل عنوان “الناصرية” هو العنوان الانسب والاكثر دلالة على هذا التمييز الحصري رغم الغموض والتعميم الذي يحيط به بما أنه لم يكن يمثل دلالة على منهج ونظرية ثورية مكتملة الملامح ….

لابد أن نشير الى أن القطاع  الذي فك الارتباط بمسار ثورة يوليو (بمعنى التخلي عن اعتبارها المرجعية الرئيسية) قد اختار قسم كبير منه الارتباط (او العودة الى الارتباط) بأنظمة أومراكز مرجعية أو تجارب أخرى تتسق مع ثورة يوليو في بعض أو كثير من الجوانب مثل الارتباط بالنظام العراقي بقيادة صدام حسين أو النظام البعثي السوري. ونريد أن نذكر هنا بأننا ندرج كلمة الارتباط بمعنى العلاقة المرجعية. وهو من الدوافع المهمة لاختيار “الناصريين” التميز بعنوان “الناصرية” من أجل فرزهم عن هذا القطاع من الناشطين الذين اختاروا تغيير الارتباط المرجعي حتى وان لم يغير ذلك من تمسكهم بالخيار التحرري الوحدوي الاشتراكي بل وحتى من استمرار اعتبارهم مسار يوليو مرجعية يقيسون عليها او يستندون اليها في الارتباط بالمرجعية الجديدة.

ان ما تقدم من تحليل لا ينكر نشأة عنوان “الناصرية” قبل وفاة جمال عبد الناصر ولكننا جميعا ندرك أن هذه التسمية لم تكن اختيارا من طرف الذين انتسبوا او تعاطفوا او استلهموا المضامين من مسار ثورة يوليو وانما كان عنوان فرز اختاره أعداء المسار أثناء فترة عبد الناصر وخاصة على اثر جريمة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة….

فاذا عرفنا ان اسم الناصرية أطلق قبل حتى صدور “الميثاق” في 1962 فهذا يعني أن الاسم لم يكن له اية دلالة ولو فكرية بما أن الميثاق يمثل أهم مرحلة فكرية متقدمة بدأت تشكل ارضية الفكر “الناصري”. هذا بدون ان نذكر بيان 30 مارس 1968 الذي يعتبره “الناصريون” من المراجع الاساسية التي تميزهم كناصريين….

– 2 –

لقد كان لابد من هذا المدخل حتى ننتهي الى القول بأن عنوان “الناصرية” هو خيار تاريخي استوجبته معركة التصدي ضد الارتداد عن المسار التقدمي لثورة يوليو من أجل الدفاع عن مضامين المسار ومنجزاته التقدمية من ناحية ومن أجل التميز عن الذين تخلوا عن الارتباط بمرجعية ثورة يوليو من اجل الارتباط بمرجعيات أخرى تتقاطع مع مسار ثورة يوليو في بعض أو كثير من المضامين من ناحية أخرى.

ونتقدم أكثر لننتبه فننبه أن هذه التغييرات التي فرضها الواقع الجديد بعد غياب جمال عبد الناصر هي بمثابة اعادة ترتيب داخل جزء من تيار كبير نشأ قبل ثورة يوليو ثم اقترب وجدانيا ومرجعيا من عبد الناصر الى حدود الالتحام المرجعي احيانا ليستمر بعده بعناوين وتجليات ومرجعيات مختلفة داخل المشهد السياسي العربي.

هذا التيار هو ما نسميه بــــ “التيار العروبي”.

ننبه لذلك لأننا سندرك أن من أسباب نجاح وتقدم مسار ثورة يوليو “الناصرية” هو هذا التقارب الى حدود الالتحام بينها وبين هذا التيار العريق. الذي تحول أثناء فترة عبد الناصر الى شرايين تنقل مضامين وحيوية القلب النابض في القاهرة الى مختلف أرجاء الوطن العربي. وهي ملاحظة لو اعتمدها الناصريون فاستخلصوا منها الدروس لاعادة ترتيب أسلوب العمل فانني على يقين بأنهم سيحققون نقلة نوعية وكمية في نضالهم…

ومن أجل تحديد أكثر دقة للتيار العروبي. فاننا نعرفه كجزء متجدد من الشعب العربي يشترك المنتسبون اليه في الايمان :

أ- بأننا أمة مكتملة التكوين تمتد جغرافيا على الارض المعروفة باسم الوطن العربي. وهو ما يستثني الذين يعتبرون الانتماء العربي انتماءا عرقيا او قبليا او شعوبيا من دائرة العروبيين.

ب-  بضرورة العمل على التحرر الوطني واستقلال القرار الوطني.

ت- بالدفاع عن الهوية الحضارية للامة العربية وتجديد مضامينها. مع اعتبار الخصوصيات الثقافية المحلية وغيرها جزء الحضارة العربية.

ث- بالعدالة الاجتماعية بكل ابعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها كنظام يعكس اشتراك أبناء الامة الواحدة في الانتماء لنفس الاطار الاجتماعي.

ان هذه الثوابت هي المضامين الاساسية التي استقر عليها التيار العروبي بعد عقود من التجربة والممارسة لتشكل ملامحه التي تميزه عن بقية التيارات السياسية الاخرى.

 ان المحطات الرئيسية في التاريخ العربي الحديث بداية من التطلع الى التخلص من الاستعمار العثماني مرورا بثورة يوليو ومراحل الصراع العربي الصهيوني بكل تجلياته. قد شكلت الثوابت الرئيسية التي ذكرناها والتي تطبع خطاب وممارسة الكتل النشيطة في التيار العروبي حتى مع اختلافها الى حد التناقض احيانا حول اشكاليات مهمة في المشهد العربي. ولكنها تظل المشترك الجامع بدليل انه عند الاختلاف داخل التيار العروبي يقع الاحتجاج باحدى او كل هذه الثوابت للاستدلال على سلامة الموقف.

نضيف الى ذلك ملاحظة في غاية الاهمية لا ينتبه اليها العديد من الناصريين في الوطن العربي.

ان التيار العروبي لا يشمل فقط الذين يعلنون أنهم عروبيون. فهناك العديد من القوى السياسية تلتزم بهذه الثوابت مع أنها تستند – ولو شكليا – الى مرجعيات مثل الماركسية او “الاسلامية” او غيرها.

ونحن نعتقد أنها قوى حبيسة لحضة انتقال مزمنة من الخلفية الايديولوجية القديمة الى مرحلة العقيدة القومية العربية. والدليل على ذلك هو ما نلاحظه من تناقض واضح بين مضامينها الجديدة وخطابها الذي استقرت عليها من ناحية وبين بديهيات واستتباعات الخلفية الايديولوجية المعلنة من جهة أخرى .وهو أمر لابد أن ننتبه اليه من أجل التعاطي السليم مع هذه القوى لتخليصها نهائيا من هذا الوضع لتتحول الى قوى قومية عربية خالصة و فاعلة.

– 3 –

هل أن التيار العروبي هو التيار القومي العربي؟

لقد تعمدنا استعمال اسم التيار العروبي لان هناك فرق لابد أن نذكره بين العروبي والقومي. ونحن نعتقد أن الغاية من ضرورة التمييز بينهما ليست استعلاءا من القوميين او حتى امتيازا نضاليا. وانما ضرورة من اجل معرفة مساحة البداية المشتركة وتحديد موضوعي لسقف التوقعات والتطلعات أُثناء العمل المشترك بين العروبيين وبين القوميين.

فالقومي العربي يشترك مع العروبي في كل الثوابت العروبية التي ذكرناها سابقا أثناء التعريف بالتيار العروبي. ولكنه يضيف اليها البعد القومي العربي لتكتمل هدفا استراتيجيا واحد يتلخص في دولة العرب الواحدة العادلة التي تمتد سيادتها على كل شبر من الوطن العربي.

أهم من ذلك – فرزا وتميزا – أن القومي العربي يدرك أن المشاكل القومية لا يمكن حلها كما يجب أن يكون الا بأدوات قومية فلا يدخر جهدا في سبيل بناء التنظيم القومي لأنه الاداة المناسبة لتغيير الواقع العربي باتجاه دولة العرب الواحدة.

مثال على ذلك أن العروبي يكتفي بالنضال من أجل عدالة توزيع الثروة في الدولة الاقليمية ومن أجل تكامل اقتصادي عربي بين الانظمة الاقليمية من أجل استفادة الشعب العربي من الثروات المتاحة في الوطن المجزأ في اطار الممكن الذي يسمح به النظام الاقليمي العربي.

فيكتفي بالعمل على تكامل جهود الانظمة والتنظيمات الاقليمية من اجل تحقيق هذه الغايات.

بينما يعتبر القومي العربي ان ذلك وان تحقق فهو لا يحقق العدالة الاجتماعية في الوطن العربي فهو في أقصى تقدير حلول مرحلية بالممكن الاقليمي لا يستنكرها من باب تخفيف وطأة الاقليمية على المواطن العربي ولكنه لا يعتبرها بديلا عن تحقيق العدالة بتصفية الاقليمية. فيضيف الى نشاطه الداعم لمعركة العدالة الاجتماعية  – بالممكن – نشاطا آخر تستدعيه قوميته فكرا وأسلوبا وهو العمل على بناء التنظيم القومي باستثمار خبرة النضال بالممكن التي يكتسبها من الادوات الاقليمية والعروبية الممكنة (وهي مهمة جدا على هذا المستوى).

من خلال هذا التمييز لن نجد صعوبة في الاقرار بأن التيار القومي العربي هو جزء من التيار العروبي أكثر تقدما ونضجا بما اكتسبه من قناعات وثوابت مضافة كتجليات للبعد القومي فكرا وأسلوبا.

فاذا أردنا أن نحدد الثوابت الجامعة للتيار القومي العربي فيمكننا تلخيصها كالتالي :

أ- في المنطلقات

نحن أمة عربية واحدة.  تعاني  مشكلة التخلف بمعنى عجز الشعب العربي عن توظيف امكانياته القومية المتاحة كما يجب ان يكون بسبب التجزئة والاستغلال والاستعمار.

ب-  في الغايات

ان الحل العلمي لمشكلات الامة العربية هو بناء دولة الوحدة والعدالة الاجتماعية.

ت-  في الاسلوب

الاسلوب العلمي لبناء دولة الوحدة  والعدالة الاجتماعية هو الثورة العربية التي تعني تصفية الاستعمار والاقليمية والاستغلال.

الاداة التنظيمية الجماهيرية لانجاز الثورة العربية هي  التنظيم القومي العربي الذي يؤسسه المناضلون القوميون العرب.

ث-  من الممكن الى ما يجب أن يكون

 في غياب التنظيم القومي يتصدى القوميون العرب لمشكلات الشعب العربي بما هو متاح من امكانيات وأدوات تنظيمية ومؤسساتية يستثمرونها كمواقع نضالية للتصدي للمشكلات التي لا يتوقف تأثيرها السلبي على حياة الشعب العربي وكمواقع لتدريب وانتاج الكادر القومي الطليعي ليكون مؤهلا لتأسيس التنظيم القومي والنضال في صفوفه.

ان هذا التعريف هو تحديد للأرضية المشتركة التي يقف عليها القوميون العرب في مواجهة مشكلات الأمة العربية. ونعتبر النقطة الرابعة (من الممكن الى ما يجب أن يكون) هي رابطة الانتساب الرئيسية التي تجعل التيار القومي العربي جزءا من التيار العروبي مؤهلا لتخطي حدود تطلعات العروبيين التي تتوقف غالبا على حدود معارك الممكن لا تتجاوزها الى ما يجب ان يكون بداية من تأسيس التنظيم القومي العربي.

ان هذا التعريف المحدد للتيار القومي لا يعني الاتفاق التام بين مكوناته ومنتسبيه على نظرية قومية عربية مكتملة المعالم. على الأقل الى حدود الساعة. ولكنه يشير الى مستوى أكثر تقدما من الاتفاق والاشتراك في المنطلقات والغايات والاسلوب مع الاحتفاظ بالاختلاف في المنهج و في التفاصيل.

– 4 –

ماهو موقع الناصريين من التيار العروبي عموما ومن التيار القومي العربي خصوصا؟

اذا كان مقياس الناصرية هو اعلان الشخص أنه ناصري بصرف النظر عن مفهومه للناصرية فاننا لاشك سنتعقب وجود الناصريين في مختلف مستويات التيار العروبي سواءا القومي العربي أو غير ذلك بل انه بامكاننا تعقبهم حتى خارج هذا التيار حتى أننا نجد “ناصريين” اقليميين” وآخرين مطبعين مع العدو الصهيوني وآخرين “ساداتيين”….

ولكننا سنعتمد على مقياس نعتقد انه يمثل الحد الادنى الذي يمكن ان يتفق معنا عليه كل من يعتقد أنه ناصري.

فنعرف الناصرية كمجموع الثوابت العامة التي انتهى اليها مسار ثورة يوليو. وهو ما سيجعلنا نبحث في آخر ما انتهى اليه المسار من مواقف فيما يتعلق بالمشروع القومي العربي.

 وعندما نتحدث عن المشروع القومي العربي فاننا نعني منطلقات وغايات واسلوب المشروع.

ولا شك أن خلاصة ما انتهى اليه مسار ثورة يوليو على هذا المستوى هو :

أ- أننا أمة عربية واحدة تعاني من الاستعمار والتجزئة والاستغلال.

ب- أنه من حق الأمة العربية بناء دولتها الواحدة الاشتراكية الديمقراطية.

ت- أن الثورة العربية هي الطريق الوحيد لتحقيق هذه الغاية.

ث- أن “الحركة العربية الواحدة” أصبحت ضرورة تاريخية لا بديل عنها من أجل الثورة العربية.

ج – أن الايمان بضرورة التنظيم الطليعي لم تثني عبد الناصر عن استعمال ودعم كل الامكانيات المتاحة اقليميا وعربيا من أجل التصدي لمشاكل الامة بما هو متاح.

ان هذه الثوابت هي خلاصة الخلاصة لما انتهى اليها مسار ثورة يوليو الى حدود رحيل جمال عبد الناصر. ولا يمكن لأحد ينسب نفسه مرجعيا لثورة يوليو أن ينكر واحدا أو أكثر من هذه الثوابت ثم يدعي أنه ناصري.

وعلى أساس ما تقدم لا يمكن أن يتموقع الناصري الا داخل التيار القومي العربي. لأننا نلاحظ بما لا يسمح بأي مجال للشك أن المشترك بين الناصريين حسب المقياس المذكور يمثل مساحة أكثر خصوصية داخل التيار القومي العربي وليس خارجه.

– 5 –

كان لابد من هذه المحاولة لتفكيك مكونات التيار العروبي. ثم تحديد موقع الناصريين منه. حتى نستطيع اعادة تصور ثم صياغة ما يجب أن تكون عليه العلاقة الايجابية بين الناصريين وبقية مستويات التيار العروبي بالاتجاه الذي يدفع الى نقلة نوعية ليس في مسار النضال الناصري فقط بل وأيضا في مسار النضال العروبي عموما.

ان حالة التمترس وراء حواجز العناوين التاريخية أو الخصوصية المرجعية لم يعد لها أي مبرر في اللحضة التاريخية الراهنة لعدة أسباب لعل من أهمها :

1- أن الصراع ضد القوى المعادية تراجع بنا من الخاص الى العام. ونضرب لذلك مثلا أننا في الوقت الحالي أصبحنا نقاوم تفتيت المفتت ونعمل على حماية الدولة الاقليمية بعدما كنا نتطلع الى تصفية الانظمة الاقليمية من اجل دولة العرب الواحدة.

ونضرب مثلا آخر لنقول أننا أصبحنا نقاوم تغول المنوال الرأسمالي ونطالب بالحد من اجحافه في حق المواطن العربي بعدما كنا في مرحلة تاريخية سابقة نستثمر انتشار الوعي الاشتراكي لنناضل بكل تفاؤل من أجل اقامة نظام اشتراكي.

اننا نلاحظ بكل وضوح أن أسلوب رد الفعل الذي تفرضه علينا المعارك العربية مضاف اليها غياب قدرتنا على التحكم في مجرى الاحداث ولو جزئيا كان ولا يزال السبب في تقهقر تطلعاتنا الحالية ونحن نحاول التصدي لتردي الواقع العربي. وهو بالضبط المعنى الحقيقي للتراجع بنا من الخاص الى العام.

2- ان هذا التراجع يضعنا بالضبط في مستوى التطلعات العامة المشتركة بين مناضلي التيار العروبي فيفرض علينا انتاج علاقة سوية ايجابية مع هذا التيار قادرة أن تمنحنا قدرات جماعية اضافية للنجاح في الاشتباك.

3- أن التيار العروبي هو الأكثر تأهيلا للتفاعل التراكمي مع القوميين والناصريين من أجل انتاج مشروع للثورة العربية أكثر حداثة واستفادة من خبرات العقود الماضية.

ونحن لابد أن نقر بحاجة المشروع القومي عموما الى صهر كل روافده الفكرية لانتاج مشروع جديد قادر على استقطاب وجمع وتحشيد كل الطاقات العروبية في الوطن العربي لاستعادة القدرة على تغيير الواقع بما ينسجم مع الاهداف الاستراتيجية.

فيعفينا هذا التفاعل عناء الانطلاق من مستوى قريب من العدم. بما أن الكم العددي للتيار العروبي لا يمكن الاستهانة به.

4- ان العناوين المتقدمة في الخصوصية مثل “الناصرية” لم يعد لديها نفس قوة الاستقطاب والجاذبية مثلما كان في مراحل سابقة. بينما يحافظ العنوان “العروبي ” على نسبة أكبر من الاستقرار في أغلب الساحات العربية. وهو ما يؤهله ليكون المجال الحيوي الحاضن للناصريين والقوميين ليمدهما بامكانيات التواجد والتفاعل مع الجماهير العربية من ناحية ومع مكونات التيار العروبي من ناحية أخرى.

ان الدعوة الى تجاوز حالة التمترس وراء خصوصية العناوين لا يعني بأي حال من الاحوال الدعوة الى الغاء العناوين نفسها. بل انه يعني الانفتاح الايجابي والتفاعلي مع باقي العناوين داخل التيار العروبي. ليس فقط على المستوى النضالي حتى لا تتحول العلاقة الى علاقة نفعية (براغماتية) وانما ايضا وبنفس المستوى من الاهمية الانفتاح الفكري لتحقيق حالة حوار تصاعدي مستمر ينطلق من مساحة الالتقاء المشترك ليغذيها فينميها تدريجيا باتجاه المنهج والنظرية المشتركة في مناخ نضالي مشترك يخفض من منسوب التباعد والتمترس دون اللجوء الى التعسف في الغاء العناوين الخاصة.

ان الناصريين والقوميين عموما لابد أن يعيدوا ترتيب علاقتهم مع بقية مكونات التيار العروبي على اساس اعتبار هذا التيار هو المجال الحيوي لاستمرار وجودهم ولامكانية نموهم الفكري والنضالي. وأن عدم الانتباه لهذه القاعدة سيسمح بمزيد اغتراب القوميين عموما والناصريين خاصة عن الحاضنة الجماهيرية.

لاشك أن هذه الصياغة الجديدة للعلاقة بين الناصريين وبقية مكونات التيار العروبي ستحتاج الى فترة من التدريب المشترك على المناخ الجديد في مختلف مستوياته. ولعلها بدأت منذ فترة بخطوات بطيئة وموسمية فرضتها محطات مهمة ومزعزعة من التاريخ القريب مثل العدوان على العراق ولبنان وسوريا وخاصة محطات العدوان على شعبنا العربي في فلسطين.

لكننا بحاجة الى نشاط تفاعلي بين مكونات التيار العروبي – بما فيهم الناصريين – أكثر ديمومة في الزمن والاهم من ذلك أن يكون أكثر تراكمية حتى يستطيع التبشير بالولادة الجديدة.

لا يمكننا أن نتخيل ما يمكن أن يتيحه هذا الترتيب الجديد من رحاب الحركة والاستقطاب والفعل في الواقع لأننا ببساطة سننفتح على روافد لا يمكن حصرها من الامكانيات الفكرية والنضالية القادرة على اعادة ضخ الامل والعزيمة والنشاط في مختلف مفاصل الجسم الناصري والقومي العربي.

جمال بدرالدولة

23/01/2015

تنظيم قومي من أجل وحدة اشتراكية / الدكتور عصمت سيف الدولة

عصمت-سيف-الدولة-220x300

تنظيم قومي من أجل وحدة اشتراكية / الدكتور عصمت سيف الدولة

محاضرة في جامعة القاهرة

١٩٧١/١/٨

(١)

أيها الشباب العربي :

في الوطن العربي دعوة مستمرة إلى إقامة تنظيم قومي تقدمي يقود الجماهير العربية إلى غاياتها ”دولة الوحدة الاشتراكية والديمقراطية“ . وقد كسبت الدعوة قوة دافعة من نداء

وجهه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر سنة ١٩٦٣ عندما أعلن أن ..الحركة العربية الواحدة … قد أصبحت ضرورة تاريخية . وكان نداء كالنذير عبر به القائد عن حصيلة خبرته في النضال العربي حتى ذلك الحين . كان مّد الحركة القومية العربية الذي بلغ ذروته بمولد الجمهورية العربية المتحدة قد بدأ في الانحسار . نجحت طغمة من الانفصاليين في اغتصاب الإقليم الشمالي سنة ١٩٦١ .. ووصل الصراع بين القوى العربية التقدمية ، وبين الرجعية العربية حد القتال المسلح في اليمن ، ودخلت الامبريالية المعركة سافرة بقوى من المرتزقة .

وفشلت محاولات الوحدة الثلاثية بين الجمهورية العربية المتحدة ، والعراق ، وسوريا . وشنت القوى المعادية حرباً نفسية ، واقتصادية شعواء ضد الحركة العربية ، وقيادتها

. في ذلك الوقت كانت القوى العربية التقدمية تحاول أن تجمع قواها لتصمد . كانت تناضل من مواقع المقاومة لتوقف المسيرة المتقهقرة منذ الانفصال ..وكان واضحاً أن كل أدوات

المقاومة ، والصمود المتاحة غير كافية للحفاظ على المكاسب التي تحققت ، وإيقاف الهزائم التي بدأت . وكان واضحا أن ما تفتقده الحركة القومية حتى تصمد ، ثم تبدأ هجومها المضاد ليس عدالة القضية ، وليس صلابة القيادة ، وليس الجماهير المناضلة ، بل كانت تفتقد الأداة التي تجمع كل قواها في قوة ضاربة واحدة تواجه بها أعداءها في كل موقع .

حينئذ أنذر جمال عبد الناصر بأن … الحركة العربية الواحدة … قد أصبحت ضرورة تاريخية ….

(٢)

ومنذ ذلك الحين ، والدعوة إلى إقامة تنظيم قومي تقدمي قائمة قوية لم تقطع استمرارها ، ولم تضعف من قوتها الأحداث العربية الإيجابية ، أو السلبية . فكلما تحّقق نصر في أية ساحة عربية اندفع دعاة التنظيم القومي يقيمّون ما تحقق ويكشفون ما يواجهه من مخاطر لينتهوا إلى أن وجود التنظيم القومي التقدمي هو وحده القادر على الحفاظ على النصر ، والانطلاق منه إلى نصر جديد

 . وكلما وقعت هزيمة ، ولو في حجم هزيمة ١٩٦٧ انطلقوا يحللوّنها ، ليردوها إلى أسبابها الموضوعية لينبهّوا إلى أن غيبة التنظيم القومي التقدمي كانت السبب الرئيسي في وقوع الهزيمة . حتى عندما أثبت الشباب العربي مقدرته الثورية في ساحة المقاومة ، وفي غمرة الانبهار الجماهيري بضوء المقاومة المتألق وسط ظلام ما بعد الهزيمة ، ذهب دعاة التنظيم القومي إلى أن مصدر الضوء في المقاومة أنها ظرف تاريخي ملائم لمولد التنظيم القومي ، ووجهوا إلى الشباب العربي نذراً صارمة بأن فصائل المقاومة أمام اختيار دقيق فإما أن تتحول إلى قوة ضاربة لتنظيم قومي ، وإما أن تواجه مخاطر الهزيمة.

الهزيمة تأتيها ، لا من أعدائها الصهاينة ، ولكن من الإقليمية فيها ،والإقليمية من حولها . ( ……….) . حتى الآن ، ونحن نرى ، ونلمس عبث ،الدول ، والمؤسسات ، والمنظمات الإقليمية ، بمصير الأمة العربية ، وهي تستهلك القوى العربية في صراعاتها الطفولية حول مطامعها الحقيرة تاركة الجبهة الشرقية مفتوحة للقوى المعادية …نقول ، لو أن ثمة تنظيماً قومياً تقدمياً حقاً ، لألزم العابثين في المشرق العربي أماكنهم في جبهة القتال أو لصّفاهم ليؤمّن ظهر المقاتلين على الجبهة . حتى الآن  ونحن ندخل مرحلة حاسمة في معركة التحرير نقول أن النصر لن يكون لمن يملك أقوى الأسلحة بل لمن يستطيع أن يتحمّل مشاق القتال إلى أن يعجز خصمه عن الاستمرار … في هذه الحرب التي سلاحها الأول الصبر الطويل على أهوالها ، حيث لا يمد المقاتلين بالطاقات المتجددة على القتال حتى النصر إلا التحام الجماهير وراءها في تنظيم قومي عربي تقدمي واحد …

(٣)

  ولقد قوبلت تلك الدعوة المستمرة ، الصامدة ، العنيدة ، المصّرة ، على بلوغ غايتها بكل أشكال المقاومة من أعداء المصير العربي التقدمي . ولم يكن ذلك غريباً . إذ لا يتوقع إلا الأغبياء أن يهادن أعداء الأمة العربية ، دعوة إلى حفر قبورهم .

ولكنها قوبلت أيضا من قوى لا تنكر الهدف ، بل تشكك في سلامة الأداة . فقد قيل أن التنظيم القومي غير لازم ، وتغني عنه جبهة تجمع بين القوى التقدمية المنظمة في الوطن العربي . وأرادوا أن يمتصّوا الدعوة إلى التنظيم القومي ، فأضافوا أن الجبهة هي المدخل الصحيح ، والواقعي إلى وحدة التنظيم . وقلنا أن الجبهة قد تكون لازمة للنصر في معركة تخوضها قوى منظمة مختلفة المنطلقات ، متباينة الغايات ، تلتقي مؤقتاً ، ومرحلياً ضد عدو مشترك ، ولكنها لا تغني عن التنظيم القومي موحد المنطلق ، والقوى ، والغاية . إذ مآل الجبهة إلى الانفراط ، ولو بعد تحقيق النصر المشترك ليستأنف كل فريق مسيرته إلى غايته ، ولو عن طريق الصراع ضد الرفاق القدامى في الجبهة المؤقتة . أما التنظيم القومي فيجب أن يحتفظ بوحدته إلى أن يحقق غايته الاستراتيجية … دولة الوحدة الاشتراكية الديمقراطية …. وقلنا أنه مهما تكن الأهداف المرحلية التي تجمع القوى في ساحة نضال واحدة ، فإن تجاهل الخلافات المبدئية التي أنشأتها متفرقة منذ البداية ، مثالية فاشلة . ففي قلب الجبهة ، ولو كانت موحدة القيادة يبقى تعدد القوى قائماً . وفي قلب وحدة العمل التي تجمعها يبقى الصراع بينها مستمراً . ومن هنا ، فليس صحيحاً ، وليس واقعيا أن تكون الجبهة مدخلاً إلى التنظيم القومي التقدمي الواحد . وطال الحوار حتى دخلنا جميعا محنة الممارسة . فإذا بالأحداث تثبت أن ما كان محسوباً من القوى القومية التقدمية ، لا

هي قوة ، ولا هي قومية ، ولا هي تقدمية . وإذا بالقوى التي كانت تقّدم ”الجبهة“ فيما بينها بديلاً عن التنظيم القومي ، متفرقة ، متعادية ، متصارعة يواجه بعضها بعضاً بقوة السلاح ، أو بقوة التآمر . أكثر من هذا ما أصاب بعض تلك القوى من تمزق داخلي ، فلم تستطع أن تحافظ على وحدتها الذاتية ، وهي التي كانت تبشرّ بطول عمر الجبهة بينها ، وبين غيرها إلى أن تصبح قوة موحدة . إن الحزب الشيوعي السوداني ، أكثر الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي تعاطفا مع الحركة القومية ، وأكثر المنظمات جدية ، وإخلاصا في الدعوة إلى الجبهة كبديل ، أو مدخل ، إلى التنظيم القومي التقدمي ، قد انشق إلى حزبين حول قضية أبسط بكثير من قضية تحقيق الوحدة الاشتراكية . قضية ما إذا كان انقلاب السودان يستحق التأييد ،أم لا ؟… والواقع أن الجبهة قد تكون مفيدة ، ولكنها ليست بديلا عن التنظيم القومي التقدمي …

( ٤)

غير أن أقوى التحديات للدعوة إلى التنظيم القومي التقدمي جاءت من داخل الجماهير المؤمنة به ، المتطلعة إليه .. وكان تحدياً في صيغة سؤال متكرر …. كيف يقوم التنظيم القومي التقدمي ؟

إن طرح السؤال ذاته كان يعني أن الأسلوب التقليدي لإنشاء المنظمات الجماهيرية لا يوفي بمتطلبات إقامة تنظيم قومي تقدمي في الوطن العربي …والأسلوب التقليدي هو أن تجتمع قلة من الطلائع ، أو الصفوة كما يقال لتصوغ أهداف الجماهير التي تنتمي إليها في وثيقة فكرية تحدد منطلقات مسيرتها ، وأهدافها ، وأسلوبها ثم تدعوا الجماهير إليها فتقيم منها مؤسسة جماهيرية ملتزمة بمبادئها وتدخل بها ساحة الصراع حتى تحقق أهدافها ،أو تنهزم .. ولا شك أن كثيراً من القوميين التقدميين الذين يرون في أنفسهم طلائع مسؤولة عن إنشاء التنظيم القومي التقدمي ، قد فكروا بأن يتصدوا لإنشائه بهذا الأسلوب .

ولعلهم أن يكونوا قد تبيّنوا أن الواقع العربي الذي يريدون إنشاء التنظيم القومي التقدمي فيه أكثر تعقيداً من أن يستجيب له الأسلوب التقليدي في إقامة المنظمات الجماهيرية . وأن مشكلة إنشاء تنظيم قومي في الوطن العربي الممزق أكثر صعوبة من أن تناسبها الحلول السهلة . يكفي دليلاً على هذا أن أصحاب هذا الحل السهل الذي لا يتطلب إلا قلة من …الصفوة .. ووثيقة فكرية لم يستطيعوا أن يحققوه . فإما أنهم غير جادين ، وأما أن الحل السهل فاشل . ونحن ندافع عنهم فنقول أنهم جادون ، ولكن إنشاء تنظيم قومي تقدمي في الواقع العربي المعاصر لا يتحقق بقلة من الصفوة ، ولو مجتمعة في التنظيم . إنها عندئذ لا

تزيد عن أن تكون منظمة أخرى مضافة إلى المنظمات العديدة في الوطن العربي التي تسهتدف  فيما تعلن  دولة الوحدة الاشتراكية .

( ٥ )

ويمكننا أن نقدمّ سبباً على قدر كبير من الجدية ، أكثر الأسباب جدية في الواقع ، حال دون أن يقوم التنظيم القومي بالأسلوب التقليدي . ذلك هو أن الجماهير العربية العريضة التي هي قوة التنظيم القومي ، وقواعده لم تكن منظمة تماماً ، ولم تكن منفرطة تماماً .فعاشت فترة طويلة تنتظر ، وتتوقع أن تكتمل تنظيماً ، وبالتالي صّدت نفسها عن دعوة إنشائه بالأسلوب السهل . فمنذ سنة ١٩٥٥ ، والجماهير العربية، أعرض الجماهير العربية ،التي لا شك في ولائها لهدف الوحدة الاشتراكية تخوض معارك التحرر العربي تحت قيادة جمال عبد الناصر . طوال هذه الفترة كانت الجماهير العربية تعتبر جمال عبد الناصر قائدها ، وتضع نفسها تحت قيادته .

وطوال هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يقودها فعلاً في معارك التحرر في كل مكان من الوطن العربي من مركز قيادته في القاهرة . هذا واقع لا شك فيه .

ومنه نشأت تلك العلاقة شبه المنظمة بين الجماهير العربية في أنحاء الوطن العربي ،وبين قائد معركة التحرر العربي في القاهرة . وقد كانت تلك العلاقة من القوة بحيث نستطيع أن نقول  بدون خطأ  أن كثيراً من القيادات في الوطن العربي كانت تستمد مواقعها الجماهيرية من صلتها بالرئيس عبد الناصر ، أو في بعض الأوقات ادعائها أن ثمة صلة بينها ، وبين عبد الناصر . ولكن هذه العلاقة القوية لم تصل أبداً إلى مرحلة الالتحام بين القائد ، وجماهيره في تنظيم واحد …

لماذا ، مع أن جمال عبد الناصر كان أقوى صوت دعا إلى التنظيم القومي سنة …؟ ١٩٦٣

هذا سؤال أصبح تاريخيا بدخول جمال عبد الناصر في ذمة التاريخ . ما يمكن أن نقوله الآن أن قطاعاً من أنقى العناصر القومية التقدمية ، وأكثرها وعياً كانت تتردد في أن تتصدى لمسؤولية إنشاء التنظيم القومي ، بدون أن يكون عبد الناصر في قيادته . وكانت تنتظر ، وتتوقع أن تسمح الظروف المحلية ، والقومية ، والدولية الصعبة التي كان عبد الناصر يقود فيها معركة التحرر العربي بأن يكمل الرئيس عملية الالتحام التنظيمي بين القيادة ، والجماهير .

( ٦ )

وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر أصبحت الحاجة إلى التنظيم القومي أكثر حّدة ، وذلك من نواح عّدة .. فمن ناحية أولى تجد الجماهير العربية العريضة التي خاضت معارك التحرير تحت قيادة عبد الناصر أنها ، وقد فقدت قائدها ،مهددة  جدياً ، بالانفراط ، بكل ما تعنيه الكلمة إذا لم تلتحم في تنظيم قومي يحفظ وحدتها . وهي تدرك تماماً  لا شك تدرك تماماً  أن وفاة جمال عبد الناصر قد وضعتها وجهاً لوجه أمام مسؤولياتها القومية . وأنها تمر بمرحلة اختبار حاسمة لتثبت فيها ما إذا كان ترددها في إنشاء تنظيم قومي تقدمي كان حقاً انتظاراً لمبادرة جمال عبد الناصر ، أم كان استغناء بالنضال شبه المنظم ، وشبه المسؤول ،عن النضال المنظمّ المسؤول . وأكبر خطأ تقع فيه هذه الجماهير أن تحاول خلق قائد آخر من طراز عبد الناصر .إنها إذ تخلقه ، تختلقه . وعبد الناصر لم يخلقه أحد ، ولم يختلقه . فقد كان إفرازاً فذاً لمرحلة تاريخية لا تتكرر . يكفي أننا لا نعرف ، في كل ما عرفنا في التاريخ ، قائداً واحدا استطاع أن يقود جماهير عريضة لا سلطة له عليها ، وبدون تنظيم ، ولفترة طويلة في معارك ضارية ضد قوى شرسة ، كما فعل عبد الناصر . إن غياب القائد فجأة قد أحال غيبته مأساة يفتقد فيها رأيه في كيف تكون القيادة بعده . (………………….) . وبقي على جماهيره  كقائد حركة قومية  أن يجدوا الإجابة على ذات السؤال في مستواه القومي. وهم واجدوها بسهولة لأن الرئيس جمال عبد الناصر كان قد أجاب عليه .

ففي ٧ يناير ”كانون الثاني“ ١٩٥٨ سأله الوزير ، والأديب الفرنسي ”بنوا ميشان“ عما إذا كان يتوقع انهيار الحركة القومية العربية ، فيما لو توفي فجأة فقال رحمه الله . ( لا . إن القومية العربية هي التي خلقتني . لست أنا الذي حركتهّا بل …..هي التي حملتني . إنها قوة هائلة ، ولست أنا إلا أداتها المنفذة …..ولو لم أكن موجوداً لأوجدت غيري ، واحداً ، عشرة ، آلافاً آخرين ليحّلوا …….محلي __________. إن القومية العربية لا يجسّدها رجل واحد ، أو مجموعة من الرجال ….إنها لا تتوقف على جمال عبد الناصر ، ولا على الذين يعملون معه ……إنها كامنة في ملايين العرب الذين

يحمل كل منهم قبساً من شعلة القومية … إنها تيار لا يقاوم ، ولا تستطيع أية قوة في العالم تحطيمّها ….طالما بقيت محتفظة بثقتها في ذاتها ….) .هذا هو رأي عبد الناصر ، وتلك هي إجابته ………

إن البديل عنه كأداة منّفذة للحركة القومية العربية متاح في ملايين العرب القوميين ،وعليهم  إن غاب  أن يحتفظوا بثقتهم في أنفسهم ، وأن يقيموا أداتهم من بينهم . ولا شك في أن الجماهير العربية واعية هذه الإجابة . هذا أنها  منذ وفاة الرئيس عبد الناصر  ونشاطها الفكري ، والحركي متجهة بقوة إلى إنشاء التنظيم القومي التقدمي .

( ٧)

ومن ناحية ثانية ، فإن كل القوى العربية ، من كان منها في مواقع القيادة ، ومن كان خارجها ،تواجه الآن ، وتلمس ذلك الفرق النوعي في ثقل القوة وفعاليتها بين الحركة العربية الواحدة ، والحركات العربية المتعددة . ويدركون بسهولة أن القوي العربية …موحدة … تستطيع أن تقدّم أكثر ، بكثير من…مجموع … ما تقدمه ذات القوى …مجتمعه … ففي ميزان الصراع ، على المستوى الدولي مثلاً ، كانت كل دولة عربية تمّثل ثقلاً واقعيا معروفاً ، حتى لو بالغت هي فيه ، أو أخفت حقيقته . ولم تكن أية دولة عربية قادرة على أن تكسب إلا بمقدار وزنها الحقيقي في موازين الصراع الدولي . إلى درجة أن استطاع الجنوب اليمني أن يهزم بريطانيا في معركة التحرر بقوة السلاح . إلى درجة آن استطاعت منظمات المقاومة أن تبقى في وسط محيط عدائي . إلى درجة أن تفقد الجمهورية العربية المتحدة قواتها المسلحة وتصبح حدودها مفتوحة للقوى المعادية فتندفع دول تضم أكثر من نصف البشر تحميها حتى تنهض من كبوتها . إلى درجة أن تنهزم الدول العربية في معركة صريحة ثم ترفض مذلة مفاوضة العدو فتعفيها أغلبية المجتمع الدولي من مذلة المفاوضة والاستسلام . وطوال خمسة عشر سنة كانت الدول

العربية ، كل دولة عربية ، تعيش لا تحت حماية قواتها الذاتية ، بل تحت حماية قوة أخرى قادرة على أن تضرب في أي وقت في كل مكان من الوطن العربي . وان تدخل المعارك حماية لأية دولة عربية . تلك هي قوة الجماهير العربية شبه المنظمة تحت قيادتها في القاهرة . هذه القوة كانت هي الإضافة الهائلة إلى وزن أية دولة .

ومن هذه القوة استمدت كل الدول العربية الثقل الذي جعلها أهلاً للصداقة ، يمنحها الأصدقاء أكثر مما تستحق بذاتها . وأهلاً للعداوة يخشاها الأعداء أكثر مما تقدر بقوتها .

هذه القوة هي التي فرضت على أعتى القوى في العالم ألا تمس شعرة أي عربي أو تحفر بئرا ولو في الربع الخراب إلا بعد أن تدخل في حساباتها رد فعل الجماهير العربية ، أو أن تستأذن قيادتها في القاهرة . ولولا هذه القوة وثقلها لما استطاعت أية دولة عربية أن تكسب ربع ما كسبته ، ولخفتّ موازينها في الصراع الدولي إلى الحد الذي يتفق مع وزنها الخفيف .

نقول أية دولة عربية ، لإنه لا توجد دولة عربية واحدة ، حتي الدول التي يسخرّها حكامها في مناهضة الحركة القومية التقدمية ، لم تتمتع فعلياً بحماية الجماهير العربية تحت قيادة عبد الناصر . ولا يوجد حاكم ، أو قائد عربي واحد ، حتى الذين عاشوا يناهضون عبد الناصر ، يستطيع أن يزعم أنه لم يكن يعتبر عبد الناصر ، والجماهير العربية تحت قيادته قوة ستتدخل حتما لحماية الشعب العربي في دولته ، أو تحت قيادته ضد أي عدوان أجنبي ، بصرف النظر عن موقفه المناهض .

كل هذا يحملنا على الاعتقاد ، بإن الدول العربية ، كل الدول العربية ، تدرك الآن أنها مهددة بأن تفقد الثقل القومي من موازينها لو أدت غيبة قائد الجماهير العربية إلى غيبة ثقل تلك الجماهير . مهدّدة بأن تكون على قدر حقيقتها الإقليمية ..

وبينما سينتهز كثير من العملاء هذه الفرصة ليكملوا تسليم دولهم إلى القوى المعادية ، فإن كل الواعين على حقيقة الصراع الدائر في الوطن العربي ، وموازين قواه ، سيقفون موقفاً إيجابياً من إنشاء تنظيم قومي تقدمي يحفظ وحدة الجماهير العربية ، ويحتفظ بالثقل القومي في موازين الصراع . ولعل من أهم دلالات هذا الاتجاه تلك الخطوة الحذرة إلى الأمام التي تمت في القاهرة يوم ٨ نوفمبر“تشرين الثاني“ ١٩٧٠ بالاتفاق على العمل من أجل إقامة اتحاد بين الجمهورية العربية المتحدة ، والجمهورية العربية الليبية ، وجمهورية السودان الديمقراطية . وهي خطوة تتفق طبيعتها مع طبيعة الدول التي اتخذتها ، ولكنها تعبر عن اتجاه واضح الدلالة على وعي القادة فيها على مخاطر مواجهة المستقبل من مواقع التجزئة . وهي ذات المخاطر التي أصبحت فيها الحاجة إلى تنظيم قومي ملحة حتى مع الاعتراف بأن

تلك الخطوة التي تمت بين الدول ليست الطريق إليه .

٧

( ٨ )

ليس من الغريب في ظل كل هذه الظروف أن يصبح السؤال ….كيف يقوم التنظيم القومي ؟ ملحّاً ، إلحاحاً عصبّياً ، وأن يكون محل حوار حّي دائر على أوسع نطاق في صفوف الشباب العربي . وقد كنا من قبل نطرح السؤال في آخر كل حديث عن الفكر القومي ، أو عن التنظيم القومي ، ثم نجيب ….غير أن هذا حديث آخر.

 ولم يكن ذلك هروباً من الإجابة ، أو جهلاً لها . بل كان تعبيراً عن اقتناع خاص ، بأن الحديث عن كيفية قيام التنظيم القومي ، ليس قضية فكرية مجردة أو معزولة عن المتحدثين ، والمتحدث إليهم عن الخطوات العملية لإنشاء تنظيم قومي تقدمي في الوطن العربي ، بل يجب أن يرتفع بجدّيته ، وبمسؤليته عن أن يكون استعراضاً للمقدرة على الحوار . يرضي غرور المتحدثيّن ، أو يشبع فضول الآخرين . وأنه على

هذا الوجه حديث خاص بين قوى مفرزة ينتقل به أصحابه من مرحلة الاجتهاد الفكري ، إلى مرحلة الالتزام الثوري . وكنا ، وما نزال مقتنعين ، بإن كل ثوري مثقف ، ولكن ليس كل مثقف ثورياً ،وبالتالي فإنه من الخطأ الفادح أن يتوهم المثقفون الذين حملوا مسؤولية الدعوة إلى التنظيم القومي أنهم  بهذا وحده

مسؤولين عن إنشائه ، أو قادرون عليه . أو أن نتوقع من كل قادر على معرفة المشكلة أن يكون قادراً على حلها . ولما كنا ننشط في مستوى الاجتهاد الفكري ، فقد كنا نقف في الحديث عند حدود الدعوة .

غير أن الظروف العربية التي أشرنا إلى بعضها قد طرحت على دعاة التنظيم القومي التقدمي مسؤولية مواجهة الإلحاح المشروع الذي أصبح طابع السؤال …. كيف يقوم التنظيم القومي ؟ وكان لا بد من التوفيق بين ضرورة الإجابة ، ومسؤولية إبقاء الحوار في مستواه الفكري معاً . فقدمّنا شطراً من الإجابة في تعليق … حول إعلان العمل من أجل ”اتحاد عربي ثلاثي“ … نشر في مجلة الكاتب العدد ١١٧ ديسمبر ١٩٧٠ …قلنا فيه …

(إن ما يخص الرؤساء الثلاثة منه ، هو على وجه التحديد :

أولاً  ألا يحاولوا إنشاء التنظيم القومي وهم في مواقع السلطة من دولهم حتى لا يأتي جهازاً من أجهزة الدولة مشدوداً بقيودها الدولية ، والدستورية ، فلا يقدر على ما لا تستطيع هي أن تقدر عليه .

ثانياً  أن يكفوّا الدول التي يحكمونها عن تعويق إنشائه ، ثم يتركوا للقوى القومية التقدمية في الوطن العربي أن تواجه مسؤولياتها بعد أن واجهوا هم مسؤولياتهم.)

إجابة سلبية .نعم . ولكنها في رأينا إجابة على سؤال شائك كان مطروحاً دائماً في الحوار حول الإجابة الإيجابية . بقي أن تعرف القوي القومية التقدمية كيف توفي بمسؤولياتها . فإذا لم تستطع ، فإنها  برغم كل ادعاء  تكون غير ناضجة بالقدر الكافي لتحمّل تلك المسؤولية . ويكون من خير الأمة العربية ، ألا تستطيع قوى غير ناضجة ، إقامة تنظيم تجهض به مولد التنظيم القومي المنتظر. .

٨

وإلى أن تعرف ، فتسطيع …لا نستطيع من جانبنا إلا أن نتقدم إليها ، ببعض الاجتهادات الفكرية التي نأمل أن تساعدها على معرفة الطريق إلى غايتها العظيمة .

( ٩ )

تنظيم قومي من أجل الوحدة الاشتراكية . هذه هي الغاية العظيمة . كيف يقوم ؟

….. هذا هو السؤال الذي لم نجد صعوبة في الإجابة عليه . وقد نستطيع أن نلتقي بالإجابة الصحيحة ، بتقديم عديد من الإجابات اتكالاً على أن تصح واحدة منها مصادفة . وهو أسلوب تجريبي أضعنا فيه وقتاً طويلاً ، وهو كفيل بأن يستنفذ بقية أعمارنا في انتظار المصادفة السعيدة . فلماذا لا نحاول أسلوبا آخر ، فنؤجل الإجابة إلى أن نستولدها من مضمون السؤال ذاته ؟

فنحاول أولا أن نعرف خصائص التنظيم القومي فلعلنا ، عندما نعرف خصائصه ، أن نعرف الإجابة الصحيحة عن السؤال …كيف يقوم ؟ …

( ١٠ )

يتكون التنظيم القومي من ذات العناصر اللازمة لقيام تنظيم جماهيري . نظرية فكرية تحدد له المنطلقات ، والغايات ، والأسلوب . وجماهير تؤمن وتلتزم هذه النظرية ، تجمعها… مؤسسة …. وتمثلها قيادة يتم العمل فيها طبقاً لنظام داخلي يحدد حقوق ومسؤوليات القواعد والكوادر والقيادة . وما دمنا نستهدف الوحدة الاشتراكية ، فليس ثمة أية صعوبة جدية في توفير كل هذه العناصر . فصياغة وثيقة فكرية تربط بين الوجود القومي كمنطلق ، والوحدة الاشتراكية كغاية ، والثورة الجماهيرية كأسلوب ، أمر لا يحتاج إلا إلى الجهد اللازم ، لبلورة الفكر القومي التقدمي المتاح في وثيقة واحدة . والجماهير العربية المؤمنة الملتزمة بهذا الفكر القومي التقدمي تشكّل أعرض قطاع في الشعب العربي . أما عن القيادة فالقيادة الجماعية كفيلة بتوفيرها . نريد أن نقول أن المشغولين جّدياً  على الأقل  بإنشاء

التنظيم القومي لا يعتقدون أن أياً من هذه العناصر غير متاح ، أو من الصعب توفيره .

ولكن مصدر الصعوبة ، ليس هنا ….إن مثل هذا التنظيم ، أن قام ، فسيكون تنظيماً جماهيرياً من أجل الوحدة الاشتراكية . وفي الوطن العربي عشرات من الأحزاب ،والجماعات المنظمة تتوافر لها كل هذه العناصر بما فيها التزامها الوحدة الاشتراكية غاية . ونعرفها من شعارها المثلث … الحرية والوحدة والاشتراكية ، أو أيّاً ما كان ترتيب الكلمات ما دامت تعني التعبير عن الهدف النهائي … الوحدة الاشتراكية .

ومع هذا فإن ضرورة إقامة تنظيم قومي قائمة مع وجود تلك المنظمات . بل ، منها ما يزيد ، ويعلن أن من غايات نضاله إقامة التنظيم القومي ، والإسهام في إقامته ، أو الدعوة إليه . وهو ما يعني أن ثمة تسليماً بأن التنظيم … القومي … من أجل الوحدة الاشتراكية يتضمن شيئاً أكثر من مجرد التنظيم …..الجماهيري ….من أجل الوحدة الاشتراكية . يتضمن أنه مؤسسة قومية ، وليس مؤسسة إقليمية .

نقول … مؤسسة .. وننبّه إلى هذا القول ، لأن التمييز القومي هنا ليس منصّباً على الغاية بل منصب على طبيعة المؤسسة الجماهيرية . ففي الوطن العربي المجزأ قد تكون المؤسسة الجماهيرية قومية الغاية ولا تكون  بالضرورة  قومية التكوين . وعندما نستطيع أن نعرف كيف يكون هذا ، وعلاقته بالواقع العربي ، نكون قد انتبهنا إلى أهم خصائص التنظيم القومي الذي ندعو إلى إقامته . فنستطيع  من ناحية

 أن نعرف لماذا لا تغني عن التنظيم القومي ، أية منظمة قائمة في الوطن العربي تحت شعار الحرية والاشتراكية والوحدة . وقد نعرف من ناحية أخرى أن المقدرة على إنشاء التنظيم القومي متوقفة إلى حد كبير على المقدرة على التمييز بين التنظيم القومي اللازم لتحقيق الوحدة الاشتراكية ، وبين المنظمات الإقليمية التي تعلن التزامها بذات الهدف .

( ١١ )

  فلنسترجع أولا تلك الحقائق التي نعرفها ولا ننتبه كثيراً إلى دلالتها ..

الشعب العربي ، الجماهير العربية ، هي ، هي ذاتها شعوب ، وجماهير الدول الإقليمية .الوطن العربي ، الوطن القومي ، هو ذاته المجزأ بين الدول الإقليمية .الإمكانيات القومية هي ذاتها المقسمّة إلى إمكانيات إقليمية . كل معركة تحرر في إقليم هي جزء من معركة التحرر القومي . كل خطوة تقدمية في إقليم هي خطوة إلى الاشتراكية العربية . كل منا قومي الانتماء إقليمي الهوية . في هذا الواقع ، لا يوجد شعب قومي مفرز . ولا أرض قومية خالصة . ولا يوجد شخص قومي متحرر تماماً من هويته الإقليمية ، بما

تتضمنه تلك الهوية من قيود ، وحدود لا تتفق مع انتمائه القومي . في هذا الواقع العربي الذي نعيشه تختلط القومية ، بالإقليمية اختلاطاً يفرض على الإقليميين أن يخوضوا معارك قومية ويسمح للمؤسسات الإقليمية بان تمد نشاطها إلى خارج إقليمها ، ويسمح للفكر الإقليمي بأن يندس في الفكر القومي ، أو أن يرفع شعاراته .

في هذا الواقع نريد أن نقيم تنظيماً قومياً . قومياً من حيث هو مؤسسة . نريد أن نجسّد الأمة العربية في… مجتمع … مفرز ، ومطّهر تماماً من الإقليمية ، فكراً ، وبشراً ، وقيادة ، وحركة . تكون مهمته تجسيد مصير أمته في دولة الوحدة الاشتراكية . إن هذا يعني أننا في حاجة إلى مقاييس دقيقة للتحقق ، ما إذا كانت …مؤسسة جماهيرية … ، هي مؤسسة قومية ، أم لا …؟ .

إن القياس أسهل عندما تكون تلك… المؤسسة …إقليمية الغاية ، إقليمية القوى ، إقليمية القيادة ، فلا تثير أية صعوبة في التعرف على هويتها . ولكن هذه ..المؤسسة .. الجماهيرية تصبح مضللة إلى أقصى درجة عندما تطرح نفسها على الجماهير العربية على أنها مؤسسة قومية . لأنها  خلافا للدولة الإقليمية  غير مقيدة بأرض ، أو حدود ، أو قوانين دولية ، أو دستورية . فهي قادرة على أن تختار ما تشاء من أفكار ، وترفع ما تريد من شعارات ، وتنشط حيث تستطيع أن تنشط ، وتضم إليها ما تنتقي من أشخاص .

فكيف نعرف ، ما إذا كانت مؤسسة قومية ، أو إقليمية ؟؟.

لنستبعد أولاً ، المقاييس الذاتية . إن رفض ، أو قبول منظمة جماهيرية ، كتنظيم قومي على أساس الخبرة الذاتية ، بأحد قادتها ، أو ببعض العاملين في أجهزتها ، أو المنتمين إليها ، موقف غير موضوعي . لا يكشف من طبيعة المؤسسة ، بقدر ما يكشف من طبيعة صاحبه . فكما أن وجود القوميين في أجهزة الدولة الإقليمية ، وحتى في قيادتها ، لا يغير من طبيعتها شيئاً ، كذلك لا يغيّر من طبيعة المؤسسة الجماهيرية ، أن يتسلل إليها بعض الإقليميين . نحن نقيّم .. مؤسسة .. ولا نحاكم أفراداً . والمؤسسة ، أية مؤسسة ، ستلفظ ، أو تهضم في النهاية ، الذين أخطأوا الاختيار ، فانتموا إلى غير مؤسستهم .

ولنستبعد ثانياً ، المقاييس الدعائية . إن مجرد صياغة وثائق مليئة بالحديث عن القومية ، والوحدة ، والاشتراكية ، وإعلانها ، أو حتى الالتقاء عليها ، والتزامها لا يعني أن الذين كتبوها ، وأعلنوها ، أو التقوا عليها ، والتزموها ، قد أصبحوا ، بهذا وحده ، مؤسسة جماهيرية قومية . إنهم  على أحسن الفروض  جماعة منظمة من القوميين التقدميين يريدون أن يتحولوا إلي تنظيم قومي . فهم … مشروع … مؤسسة قومية لن يصبحوا تلك المؤسسة ، إلا عندما يستكملون خصائص التنظيم القومي .

هذا مع التسليم بان الالتزام العقائدي بتحقيق الوحدة الاشتراكية ، هو أول خصائص التنظيم القومي ، فيه يجسد التنظيم مصير أمته .

ولنستبعد ثالثاً ، المقاييس الحركية . إن مجرد مد التنظيم إلي خارج حدود الإقليم ، لا يعني أن التنظيم ، بهذا وحده ، قد أصبح مؤسسة قومية . فقد عرفنا أن الواقع القومي يفرض على الإقليميين أن يخوضوا معارك قومية ، ويسمح لمؤسساتهم بإن تمّد نشاطها إلي خارج أقاليمها . وليس من المستبعد أن تأخذ القوى الإقليمية شكل التنظيم الجماهيري ، وأن تمتد إلى أكثر من إقليم ، وتدعيّ بهذا أنها قوى قومية . بل أن هذا غطاء جيد للنشاط الإقليمي في ظل الالتزام المتبادل باحترام استقلال الدول الإقليمية . إذن فمجرد الامتداد التنظيمي خارج الإقليم لا يكفي ليكوّن المنظمين مؤسسة قومية . إنهم  على أحسن الفروض جماعة منظمة من القوميين التقدميين يريدون أن يتحولوا إلى منظمة قومية عن طريق استقطاب الجماهير العربية خارج الحدود الإقليمية فهم … مشروع ..مؤسسة قومية لن يصبحوا تلك المؤسسة ، إلا عندما يستكملون خصائص التنظيم القومي .

هذا مع التسليم بأن رفض تجزئة الشعب العربي ، وقبول الانتماء من أي مكان في الوطن العربي ، من أهم خصائص التنظيم القومي . فيه يجسّد التنظيم وحدة الشعب العربي ، بدون حاجة إلى أن يكون قد امتد فعلاً فشمل الأقاليم .

إذن ، فتجسيد المصير القومي في التزام عقائدي بتحقيق دولة الوحدة الاشتراكية ، لازم لتكون المؤسسة الجماهيرية تنظيماً قومياً ، ولكنه لا يكفي للتمييز بينها ، وبين المؤسسة الإقليمية التي قد تلتزمه . وتجسيد وحدة الشعب العربي بقبول الانتماء إلى المؤسسة الجماهيرية بدون قيد من التجزئة الإقليمية لازم لتكون المؤسسة الجماهيرية تنظيماً قومياً ، ولكنه لا يكفي للتمييز بينها ، وبين المؤسسة الإقليمية التي قد تحاوله .

ماذا بقى ؟

بقي تجسيد الوجود القومي ذاته . تجسيد الأمة العربية في الحقيقة الداخلية للمؤسسة الجماهيرية ذاتها . عندما تكون المؤسسة الجماهيرية هي الأمة العربية مبلورة فهي مؤسسة قومية ، وإن لم تمتد قواعدها إلى أكثر من إقليم . وإن كانت هي الإقليمية …مصغّرة ..فهي مؤسسة إقليمية ، وإن امتدت قواعدها إلى كل الأقاليم . ونعرف هذا عادة من التركيب الداخلي للمؤسسة . فحيث تمتد الفروع ، وتشكل القيادات متبعة في هذا التمثيل الإقليمي على طريقة .. الجامعة العربية .. تقوم شبهة قوية على أننا في مواجهة منظمات إقليمية مجتمعة في مؤسسة مشتركة ذات شكل قومي . نقول شبهة قوية ، ولا نجزم بالإقليمية . لأنه من الممكن أن يحتج بان ذلك مبرر بضرورات … عملية … ونكون في حاجة  حتى نجزم  إلى معرفة العلاقات التي تحكم هذا التركيب الداخلي . علاقة المؤسسات القومية ( الأمة مبلورة ) ممثلة في قيادتها المركزية بأحد فروعها (الإقليمية مصغرة ) ممثلاً في قيادته الإقليمية . فإذاك المؤسسة هي التي تقود الفروع ، وتحدّد لها مهماتها ، طبقاً لاستراتيجيتها القومية ، فهذه مؤسسة قومية تنشط في الأقاليم

من خلال فروعها . وإن كان الفرع هو القائد طبقاً لمصالحه الإقليمية ، فتلك المؤسسة الإقليمية تنشط خارج الإقليم تحت غطاء قومي .

هذا هو المقياس الإضافي الذي تكتمل به معرفة خصائص المؤسسة القومية . مفترضين طبعاً  أن تكون ثمة …مؤسسة … لها قواعد تمثلهّا قيادات ، وتحكمها علاقات تنظيمية ، وتحتكم فيما بينها ، إلى منطلقات ، وغايات ، وأساليب واضحة . أما عندما نكون في مواجهة تجمع جماهيري ، لا تمثل قيادته ، قواعده ، ولا تحكمه علاقات تنظيمية تكون بها القيادة ، قائدة فعلاً ، وتكون بها القواعد ملتزمة فعلاً ، ولا يملك الناس فيه ما يحتكمون إليه ، فإننا لا نكون أمام … مؤسسة .. لا قومية ، ولا إقليمية . وقد يكون من المفيد حينئذ أن نفتشّ عن القوة الحقيقية التي تختفي وراء شكل المؤسسة ، لتحرك الجماهير

إلى غايتها ، هي ، وليس إلى غاية الجماهير.

وهو مقياس موضوعي ، لحقيقة المؤسسة الجماهيرية ، فهو غير قابل للتأثر بالمواقف الفردية .فلا ينال من صحته أن تتهم القيادات بالضعف ، أو تتهم الفروع بالانحراف ، فستبقى المؤسسة ذاتها مسؤولة عن قياداتها الضعيفة ، أو فروعها المنحرفة . كما لا ينال من صحته ، اتهام … قوى … خارجية بتخريب المؤسسة داخلياً ، فستبقى المؤسسة ذاتها مسؤولة عن قابليتها للتخريب الذي مكّن منها من خربوها . وأخيراً لا ينال من صحته اتهام الظروف التاريخية لنشأة المؤسسة التي أدت إلى أن تكون فروعها ، أو أحد فروعها ، أقوى من قياداتها ، فستبقى المؤسسة حاملة في ذاتها خطأ تاريخياً .

( ١٢ )

  هل قدّم هذا المقياس الإضافي إجابة على السؤال …كيف يقوم التنظيم القومي ؟

قدّم شطراً آخر من الإجابة هو …أن التنظيم القومي من أجل الوحدة ، لا يمكن أن يكون قومياً ، إلا إذا نشأ ديمقراطيا . إلا إذا تولتّ قواعده الملتزمة ، غايته ، مهمة إنشائه من القاعدة إلى القمة . وعندما ينشأ التنظيم القومي ديمقراطياً ، لا يبقى قومياً ، إلا بقدر ما يبقى ديمقراطيا . تختار قواعده قياداته ، وتحاسبها ، وتغيرّها ،وتتولى عن طريقها قيادة فروعه الإقليمية ، وردعها .

١٢

( ١٣ )

لدينا الآن ، إذن ، عدة خصائص لا بد من أن تتوافر في التنظيم القومي من أجل الوحدة الاشتراكية ..

أولا … أن يكون مؤسسة جماهيرية مستقلة عن كافة المؤسسات الرسمية ،والجماهيرية الإقليمية .

ثانيا … أن يقوم ملتزماً ، بنظرية تحدد له المنطلق ، والغاية ، والأسلوب في مستواه الاستراتيجي .

ثالثا … أن يكون الانتماء إليه غير مقيد بالانتماء السياسي لأية دولة عربية .

رابعا … أن ينشأ ديمقراطيا من القاعدة إلى القمة ، ثم يبقى ديمقراطياً .

إن كل واحدة من هذه الخصائص تعتبر حداً غير قابل للتجاوز في إنشاء التنظيم القومي . وكل منها سيعطينا عدة إجابات واقعية عن الخطوات الفعلية اللازمة لقيام التنظيم القومي .

الأولى أعطتنا الإجابة السلبية التي وجهّناها إلى رؤساء الدول الثلاث . والثانية تعطينا الإجابة

التي تفرز بها القوى التي تسهم في إنشائه ، أو تنتمي إليه . والثالثة تعطينا الإجابة كيف يتجسد تحرره من الانتماء الإقليمي . والرابعة تحدد لنا المسؤولين عن إقامة التنظيم القومي .

إنهم الشباب العربي الذين يرشحون أنفسهم ليكونوا قواعده وكوادره .

( ١٤)

أما عن المنظمات ، والجماعات المنظمة القائمة في الوطن العربي ، والتي تعلن أن غايتها الوحدة الاشتراكية ، ولا تتوافر لها واحدة أو أكثر من تلك الخصائص فعليها قبل كل شيء أن تتحرر من عقدة الذنب ، وهي تجد نفسها غير قادرة على الوفاء بمتطلبات غايتها . إنها إذ تتحرر من هذا الشعور المدمّر تكف  كما نأمل عن المحاولات العقيمة في الدفاع عن وجودها في مواجهة محاولات إنشاء التنظيم القومي التقدمي ، أو الدفاع عن المحاولات الساذجة لفرض وجودها على هذا التنظيم ، للتدليل على

براءتها من تهمة الإقليمية . إنها إن كانت صادقة في غايتها المعلنة فيكفيها أنها قد حاولت ، ونجحت ، في أن يبقى شعار المستقبل العربي مرفوعاً ، ولو بدون تحقق ، وأن تبقى القوي القومية التقدمية متجمعة ، ولو بدون وحدة .

وإن كانت قــد فشلــت في تحقيــق غايتهــا المعلنـــة فليــس من اللازم أن يكـون مـــرجع هــذا إلى  تقصــير في استخــدام قــواهــا المــتاحـــة بــل لعـــــل مرجعـــه أن يكـــون إلى أن قواهــا المتاحـــة قـاصـــرة ، بطبيعـــتها عن أن تـــوفــي بمتطلــبات الغاية العظيـــمة . وأهـــم أوجـه قصــورهـــا ، قياساً علـى خصـــائــص التنظيم القومي ، أنهـــا نشــــأت إقليـــميـــة ، ولــو كان الــــذين أنشأوهــــا قـــــوميين ، ومـا تـــزال تحمـــل ـ برغــم غــايتهــا القومية المعلنــة ــ ميـــراث نشــأتها الـــذي حـــال ، ويحـــول دون أن تتحــول إلـــى مؤســـســة قــومية . وكـــل مؤسسة منهــــــا حــاولــت هــــــذا لـــــــم تلــــبث أن مـــزقــــــهــا التــــناقـــض القائــــــم مـــــنذ مـــولدهــــــا بـــين طبـــيـعتـــها كمؤسسة إقليــمــيـة ، وبــــين غايتهـــا القـــــــوميـــة . فلا حقــــقت غــايتهــا ، ولا احتفـــظت بوحــــــدتها . وكـــان الشــباب القومي التقدمي ، القـــــواعـــد البريـــئـــة ، هــــم الضحــــايا في كــل مـــــرة . فلا يحــــاولـن أحـــد أن

يكــــــرر أخـــطاء مــن سبقـــه فيـــــزعــــم أنـــــه أكـــثــر مـقــدرة مـــن غيــــره علـــى أن يتحــــــدى الحــــقائــق الموضوعيـــة . ولـــيـّــكـــــف ، الذيـــن لــــم يخطـــــئـــوا بعـــــــــد ، عــــــــن محــــــاولـــة الخــــــطـــأ .

فإن كفــّــوا عــــن المحـــاولـــة ، والخـــطأ ، واعتـــرفــوا ، بأن مؤسســـاتهــم إقلـــيميـــة فــــــلا بـأس فـي أن يعـــترف لــــهم ، بأنـــهم قومــــيون تقــدميون مــن حــيث الغايـــة التي يستهدفونهـــا ، يعـــانون من مـــأزق انتمائهـــم إلي مؤسسات إقلــيميـــة . وتكون مشكلتهـــــم هـــــي كـيــفية الخـــروج مــــن هـــذا المأزق ٠ عندئـــــذ يتـــبـيّنـــون بوضـــوح أنــــنــا إذ ندعـــو إلى إنشاء تنظيــم قومي تقدمي إنمــــا ندعـــو إلــــى إنقــــاذهـــــم .

لســـــتــم مــذنبـــين إذن إن كنـــتم صادقيـــن . بــــــل تلــــك مسؤوليــة تـاريخـــــية .

وللــــــــصدق محـــّـكات لا تخـــطئ .

أولهـــا اعـــتراف تلـــك المؤسسـات ، والجماعات المنظمـة القائمـــة في الوطـــن العربي ، أنـــــها ، بـــرغــم كل ما تقــدمــــه مـــن جهــــد ، ليـــــــست أدوات تحقيـــق الــــوحدة الاشتراكيــــة ، إنمــــا أداتهــــا التنـــظيـــم القومي التقدمي ، بكـــل خصائصـــــه . ذلك لأن تلــــك الخصـــائص ليــــــست ابتكــــاراً مثـــاليــــاً ، بـــــل هــــي متطلبــــات موضوعــــية يفرضهــــا الواقـــع العـــربــي ــ كمــــا هــــو ــ حتـــى تكـــون الأداة مناســـبة لتحقيـــق الغايـــة . وإن كـــان لا بـــد مـــن دلـيــل تعرفــــه تلك المؤسسات معـــرفــة اليـــقـين فـــهو نجاحـــــها ذاتـــــه .

إن أي مؤسسة منهــــا تنــــجح فـــي استــقــطاب الجمــاهير في إقليمـــها ستـــجــد نفســها فــي مواقــع السلطــة من دولـــتها الإقليمـــية . ويتــــبّيــن لهــا بوضوح قاطــــع أنهـــا عندمـــا تبلـــغ أقصـــى قوتهـــا تنـــتهي إلى نهايــــة الطريـــق المســــدود ، دون الوحدة الاشتراكية ، لأنــــها تنـــتــهــي إلـى أن تكـــون حاكــمة لدولـــة إقليميــــة ، أو شريكــــة في حكـــــمها . فتصبـــح ــ بهذا وحــده ــ أكثر عجـــزاً من ذي قبـــل ، لا عـــن تحقيق الوحدة الاشتراكية ، فحســـب ، بـــل حتــى عــــن الامتـــداد التنظيمي خارج الدولـــة التي تحكمهـــا ، والذي سيعتـــبر حـــينئـذ تــدخــــــلاً في شئــــــون الدول الأخــــرى الداخليـــة ، إن لــم تردعـــه السلطـــة فيها ، يردعــــه مجلس الأمـــن الدولي .

ثــــم يأتــي المـــحــك النهائـــي ، لصدقهـــا فيمـــا تعلـــن ، من أنهـــــا تستـــــهدف الوحدة الاشتراكيـة . بإعلان موقفها الأيجابي من التنظيــم القومي التقدمـــي ، ومحاولات بنائـــــه .

إنها إن تكـــن صادقـــة ، فـــلا بـــــد من أن تكون مــدركـة وجودها ، إن كان يتــفــق مـــع ضرورات مـــا قبـــل التنـــظيـــم القومــي ، فإنــه ليس بديلاً عنـــه ، ولا طريقـــاً إليـــه .

وعليهــــا إن صـــدقت أن تعلــن ، ثـــم تبدأ مـــن الآن في تحضـــير أعضائها لمرحلـــة

الانتقــال من منظمـــات الضــــرورة ، إلى التنظيم القومي . ولعـــل أفضـــل ما تعبـــر بــه عن هذا الصـــدق هــــو أن تسمــــح لـــدعــــوة التنظيم القومــي ، بــــأن تــــطـــرح على قواعـــدهــا ، وكوادرهـــا ، وأن تبـــــيح لمـــن يشـــاء من تلــك الكوادر أن يســـهم في الدعــوة إليــــه ، أو الإسهــام فــي بنـــائه . لأنهــــــا حينــــئذ ، ستكـــــون مــدركـة الحقيقـــة ، حقيــقتها ، وحقيقـــة التنظيم القومــي . إنــــــها ليســـت منظمــــات موازيـــة لـــــه ، لا فــي المنطلقات ، ولا في الغايات ، ولا فــي القــوى ، ولا في التركيب ، فهــــــو لا يناقــــض وجــــــودهــــا ، ولكــــن يتجاوزه .

فهـــــي منظـــــمـــات الماضـــي ، وهـــــو أداة المستقبـــــــل .

 ( ١٥ )

ثــــم يبــــقــــى أن نعـــرف كيــــف ينشــأ التنظيـم القومي ، مــــنـــبثـــقا مـــن قواعـــده ، محتــــفظــا ــ مــــنذ المـــولــــد ـــ بكافــــة خصائصــــه …؟؟ .

لكل سؤال جــــواب …. غير أن هـــذا حديــــث آخـــــر .

 عصمت سيف الدولة

 جامعة القاهرة – في ١٩٧١ / ١ / ٨

عين العرب.. وما بعد عين العرب

nabil nayli

نبيل نايلي

 ”المنطقة العازلة فكرة مطروحة تستحقّ البحث فيها، كما إنّها جديرة بالدراسة عن كثب.“ وزيرا الخارجية الأمريكي، جون كيري.

يُراد لنا أن نقنع بأنّ تحالف أربعين دولة مُوقّعة على بيان “إحتواء” تنظيم داعش و”محاربة الإرهاب” تعجز عن حماية مدينة عين العرب ومنع المذبحة فيها وفي غيرها من مدن سوريا والعراق، أو في الحد الأدنى دعم من يواجهون بحوالى 3 آلاف مقاتل، جحافل مؤلّفة ممّا لا يقلّ عن 6 آلاف مُدجّجين بما مُنحوه أيام كان تصنيفهم “مُعتدلين” حتى إشعار آخر، أو ما أُتيح لهم الإستيلاء عليه من عتاد وأسلحة الفرق الأربع التابعة للجيش العراقي، أو من مخازن أسلحة “الجيش الحر” في باب الهوى أو من الفرقة 17، يُواجهون دبابات الأبرامز وصواريخ المانباد بالبنادق والأر بي جي!

 واشنطن التي تصف الوضع في عين العرب بأنه “فظيع″ والتي تقصف طائراتها بنجاح أكبر مصافي النفط و معمل غاز كونيكو، المنشأة الأكبر في البلاد، ناهيك عن ضحايا “النيران الصديقة، Friendly Fires ” التي شملت ما يُعرف ب”الحشد الشعبي في العراق” و”جماعة مسيرة السلام” التابعة للتيار الصدري، أو المحسوبين في عداد “الخسائر الجانبية، Collateral Damages”، من الجانبين العراقي أو السوري،  إلاّ أنّها تعجز و”التحالف”، براغبيه ومُرغميه وقلقيه، عن الحدّ، مجرّد الحدّ من تمدّد تنظيم داعش وتقدّمه. آلة الدعاية الأمريكية التي تُعلن عن غارات هنا وأخرى هناك، وتقارير عسكرية وإستخباراتية تتحدّث عن إنجازات لا نراها على الأرض، إلاّ أن تكون المبرّر لتغطية كلفة حرب، مدفوعة الأجر سلفا، بلغت حتى الآن ما يفوق المليار دولار! في تناقض صارخ لا يفسّر مُطلقا خلل موازين حجم المعدّات وعدد الطلعات والقوة النارية مع حجم خسائر تنظيم داعش التي تكاد تستولي على المدينة نهائيا. مفارقة يفضحها رالف بيترز، Ralph Peters، صاحب دراسة :”حدود الدم، Blood borders “، التي نشرها بمجلة البحرية الأمريكية، Armed Forces Journal، حين يسّاءل عن جدوى القصف ليلا! والحال أنّ داعش لا تملك منظومة دفاعية! رالف بيترز على فكرة هو من نصح في دراسته تلك بضرورة إعادة رسم الحدود والخرائط بمنطقة الشرق الأوسط، بشكل”أشد قسوة“ والعبارة عبارته. أبرز ما ورد فيها من توجيهات نوجزه كالآتي: ”بما أن حدود الدول الراهنة في الشرق الأوسط هي الأكثر تعسّفاً وظلماً، جنباً إلى جنب مع حدود الدول الإفريقية التي رسمها أيضاً الأوروبيون لمصلحتهم الخاصة وعليه فإنّه يقترح حدودا جديدة ستحقّق العدل للسكّان الذين كانوا الأكثر عرضة إلى الخديعة، وهم الأكراد، والبلوش، ثم المسيحيون والبهائيون والإسماعيليون والنقشبنديون، وغيرهم من الأقليات التي تجمعهم رابطة ”الدم والإيمان“. كذلك فإن إعادة رسم الحدود تطلّب تقسيم وإعادة تركيب كل دول الشرق الأوسط تقريباً: من الدول العربية إلى باكستان، ومن تركيا إلى إيران. ليقترح تقسيم إيران إلى أربع دول، وكذلك العربية السعودية، وسورية إلى دولتين: مذهبية عرقية جديدة و”لبنان الكبير“، الذي سيضم كل”ساحل فينيقيا“ القديم. كما يوصي بمنح معظم الأقليات الدينية والعرقية إما الاستقلال أو الحكم الذاتي. أما عن الكيان الصهيوني وهنا بيت القصيد، فرالف بيترز يعلن أن حصة ”إسرائيل“ الجغرافية في الخريطة الجديدة، وهي حصة واجبة الوجود لأن الشرق الأوسط الجديد الذي سيرث شرق أوسط بريطانيا وفرنسا، سيكون في الدرجة الأولى”أمريكياً-إسرائيلياً“ مع تلاوين أطلسية وأوروبية، ومع الحرص على طرد روسيا والصين منه.

 يختزل زعيم «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي صالح مسلم محمد، الرهانات الخاسرة ومراراتها، حين يصرّح: “إذا قارنّا الوعود والتعهّدات بما يحدث، وضربات التحالف غير المفيدة، فنحن نعتقد أنهم يفعلون ذلك من باب رفع العتب لا أكثر، وان هناك مساومات سرية كبيرة تجري علينا.” مساومات كبيرة لا تصمد أمامها طويلا الوعود تركية كانت أم أمريكية! درس لم يتعلّمه من يكتوون اليوم بنار لعبة أمم هم فيها مجرّد بيادق! أما تصريح هذا الأوغلو الذي يعد اليوم بأكثر من المنطقة العازلة بل ب”التدخّل البرّي في سوريا..وإقامة منطقة حظر جوي وتوفير منطقة آمنة على حدودنا” بتعلّة أنّ “الحمل سيزيد على عاتق تركيا وعاتق الدول المجاورة”، حين أعلن بزهو : «أنقرة لن تسمح بسقوط كوباني» كوباني وليس عين العرب، فالقول الذي تنسخه تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ايان سولتنبرغ، حين قال إن «الحلف سيحمي حدود تركيا من أي تهديد»، إعلان يسحب من التداول أي مشاركة أو تغطية أطلسية لأي عملية عسكرية تركية في الشمال!

 عودة معزوفة الحديث عن المنطقة العازلة التي يتزعّم جوقتها الرئيس التركي، وتتلقّفها فرنسا وبريطانيا، ولا تمانع في دراستها الولايات المتحدة، في توزيع لأدوار باتت مكشوفة إلاّ للمتعامين ومحترفي حالة الإنكار، تعزّز مرّة أخرى ما كنّا ولا زلنا نحذّر منه حين نبّهنا إلى أنّ بعبع داعش ليس إلاّ القادح الجديد لاستكمال العدوان على سوريا. وما هذه الطلعات المتعدّدة بمقاتلات من نوعيات مختلفة إلاّ لرصد الدفاعات السورية وتقييم أدائها بغية محاولة تحييدها أو تصفيتها. لا مغزى  لحديث عن منطقة عازلة دون إقامة منطقة حظر طيران، ولا إمكانية لفرض منطقة حظر جوي دون ضرب الدفاعات الجوية. هذا ما تؤكّده تصريحات الجنرال ديمبسي حين أوصى بضرورة “توجيه ضربات جوية لشل أنظمة الدفاع الجوي السورية”.

 هل يستوعب من يُراهنون على القوى الخارجية عبر الدروس المرّة؟ لا نظنّ. في الإنتظار، تُعدّ داعش ومشتقّاتها، أو بالأحرى يسمح لهم من يُوظّفه ويُوظّفهم، العدّة لما بعد عين العرب!! في شرق الوطن ومغربه!! ومغربه نعم! وما استعراض ”تنظيم أنصار الشريعة“ العسكري، الذي أعلن درنة”إمارة إسلامية“ ودعا إلى تجمّع جماهيري في”ساحة الصحابة“ وسط المدينة لإبلاغ السكان بقرار مبايعته داعش، إلاّ بداية! وطن معروض للبيع في مناقصة عالمية مفتوحة! وسوق نخاسة تديره دول راعية للإرهاب بمعية أدوات وحطب حرب الجيل الرابع للدمار الذاتي، التي سيُقضى عليها حال أدائها وظائفها واستغنائهم عنها!

 طبخة الأمر الواقع التي يساهم في طهيها الجميع، بشلالات دماء مسالخ ضحايا هذا الوطن المستباح، مشاركا كان أو متحالفا أو متواطئا أو صامتا، سيدفع الجميع فواتيرها من دمهم ومقدّراتهم وسيادتهم الوطنية!

 هل من صحوة قبل أن نعوي في الصحراء بلا مأوى، إلاّ أرخبيلات الإثنية وبانتستونات الطائفية، هذا إذا لم يستكثرها علينا من يرفع شعار كتبه المحلّل العسكري الصهيوني، آلاكس فيشمان، Alex Fishman، على الصفحة الأولى ليديعوت أحرنوت: “دعوهم يقتلون أنفسهم بأيديهم في هدوء!” ؟؟؟؟

*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.

شادي عمر الشربيني: كامب ديفيد تسري في دمك

chad

«لو كنتُ قائداً عربيّاً لن أوقّعَ أيِّ اتفاق معَ اسرائيل…هذا طبيعي نحنُ سرقنا أرضهم.. صحيح أنَّ هذهِ الأرض وعدُ الله لنا ولكن هم لا يهتمون…لقد كانَ هناكَ الهولوكوست والنازيين وهتلَر.. لكن هل هذا خطأِ العرب؟ إنَّ الشيء الوحيد الذي يرونهُ.. هوَ أنّنا جئنا وسرقنا أرضهم.. فلماذا سيقبلونَ هذا؟؟» ديفيد بن جوريون

«غير أنه إذا كانت القيادة والزعامة مسئولية تمارس وواجبا من القيادة يحقق، فلعل الاختبار النهائي لزعامة مصر قد يرقد في أن ترقى إلى مسئوليتها عن استرداد فلسطين للعرب. إن صح أن نقول إنه لا زعامة لمصر بين العرب بغير استردادها فلسطين للعرب، لأنه لا وحدة للعرب أصلا بدون استرداد فلسطين» جمال حمدان

لا تكف الدولة المصرية عن ابهاري بتمسكها العنيد باتفاقية كامب ديفيد…!!!!
كم هي المرات وراء المرات التي أتاحت فيها الظروف وتطورات الأحداث و تدفقها، أن تتحرر الدولة المصرية من طوق تلك الاتفاقية، أو حتى تشرع في التخلص منها، لكن في كل مرة كانت تبدوا الدولة المصرية أكثر حرصا من الولايات المتحدة بل و من إسرائيل نفسها على هذه الاتفاقية…!!! ومن أقرب الأدلة على ذلك أنه ها قد مضى أكثر من عام على تجميد الولايات المتحدة الأمريكية لمعونتها العسكرية والاقتصادية لمصر، ولم تجرؤ الدولة المصرية على التلميح، مجرد التلميح، بتأثير ذلك التجميد على سريان المعاهدة و ضمان استمرار تطبيقها…!!!
إن اتفاقية كامب ديفيد أثبتت أنها عابرة للرؤساء والأنظمة، فحتى بعد إسقاط مبارك، وصعود رجل من رجال جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الرئاسة في مصر، كان قد وصف اليهود من قبل بأحفاد القردة والخنازير، فإن هذا الرجل، بل الجماعة كلها التي يفترض أنها تعمل على تحرير الأقصى الشريف، لم تترك فرصة إلا وأثبتت فيها حفاظها التام على الاتفاقية، واعتذارها عن أدابيتها الجهادية الداعية لتحرير فلسطين، حتى وصل الأمر إلى أن الرئيس الإخواني، في رسالة موجهة للرئيس الإسرائيلي، يصف شيمون بريز بـ “صديقي العظيم” ويكشف في بدايتها عن رغبته الشديدة “في تطوير علاقات المحبة التي تربط لحسن الحظ بلدينا”!!، ويدعوا في ختمتها للرئيس الإسرائيلي بالسعادة ولبلاده بالرغد!!
إن هذا الغزل الإخواني الملتهب لإسرائيل، تزامن مع تحويل جماعة الإخوان المسلمين في مصر لحراب الجهاد تجاه سوريا، الدولة العربية الوحيدة الباقية تقريبا في حالة حرب مع إسرائيل، بل والداعمة العربية الأولى، والأخيرة أيضا، بالسلاح والمال وغيرهم، للمقاومة الإسلامية في غزة و في لبنان…!!! وهكذا فإن الإخوان المسلمين في مصر بعد صعودهم للسلطة ضبطوا مؤشراتهم على المحطة الإسرائيلية، فأصبح أعداء إسرائيل أعدائها وأصدقائها هم حلفاءها، أم كان هذا بالضبط ثمن صعودهم للسلطة…!!
وعلى الرغم من استياء الولايات المتحدة البالغ من مسألة إسقاط جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة في مصر، وعمل واشنطن بكل قوة على تعويم الجماعة واستردادها للسلطة، مما تسبب في توتر في العلاقات بين واشنطن و القاهرة هو الأشد منذ اربعين عاما، إلا أن الدولة المصرية لم تفكر حتى في التلويح بورقة كامب ديفيد في وجه واشنطن، و أكد المرشح الرئاسي “عبد الفتاح السيسي”، الذي كان فوزه بالرئاسة امرا مفروغا منه، التزام مصر الكامل بالاتفاقية بل و أكد على رسوخها التام في نفوس المصريين، حتى ان إسرائيل نفسها لم تعد تشك أبدا في التزام مصر بها…!!!
وهكذا فإن الدولة المصرية أكدت تمسكها التام بالاتفاقية حتى و إن تخلت الولايات المتحدة عن التزاماتها، المتضمنة في الاتفاقية تجاه مصر من معونات عسكرية و اقتصادية…
ثم كان العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة… وهنا وصلت الأمور إلى الذروة…
ومع أن مصر تعتبر تقليديا وسيطا رئيسيا في أي محادثات مع حماس إلا أن حكومة القاهرة فاجأت المقاومة هذه المرة باقتراح وقف لإطلاق النار تجاوب مع كل مطالب إسرائيل، ولكن ليس مع أي مطلب من مطالب المقاومة. وعندما رفضت حركات المقاومة المقترح وصمت بالتعنت وظلت مصر متمسكة بأن مبادرتها هي نقطة البداية لأي نقاش لوقف إطلاق النار.
المبادرة لم تكن إلا حيلة لإحراج حماس، فيما أثنت عليها الدول الحليفة لمصر. فقد اتصل العاهل السعودي الملك عبدالله في اليوم التالي على إعلان المبادرة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي للترحيب بها. وقال مكتب السيسي في بيان إن المكالمة لم تلق اللوم على إسرائيل بل أشارت إلى “نزيف دم المدنيين الذين يدفعون ثمن مواجهة عسكرية ليسوا مسؤولين عنها”.
وبحسب خالد الجندي، المستشار السابق للمفاوضين الفلسطينيين والزميل في معهد بروكينغز في واشنطن، “من الواضح أن هناك تلاق في المصالح بين هذه الأنظمة المختلفة وإسرائيل”.
لقد حمل المسؤولون المصريون حركة حماس مسؤولية العدوان على غزة، إن تصريحا أو تلميحا، بدلا من تحميل إسرائيل مسؤولية موت الفلسطينيين في القتال، حتى عندما تعرضت مدارس الأونروا للقصف الصاروخي وهو أمر تكرر مرة أخرى يوم الأربعاء 30-7-2014.
إن وصلات الردح الإعلامي ضد المقاومة، على الأقل في برامج الحوارات المؤيدة للحكومة، كانت متطرفة لدرجة قامت فيها الحكومة الإسرائيلية ببث بعضها إلى غزة. وبحسب طالبة في مدينة غزة تحدثت لصحافي في النيويورك تايمزعبر الهاتف “إنهم يستخدمونها للقول: أنظروا إلى أصدقائكم فإنهم يشجعوننا على قتلكم”. وتضيف أن بعض البرامج المؤيدة للحكومة المصرية والتي توجه نحو غزة تدعو الجيش المصري لمساعدة الجيش الإسرائيلي للتخلص من حماس.

وبينما كانت الحكومة المصرية مستمرة في إغلاق معبر رفح، وهو ما فاقم من قلة المواد الغذائية والطبية بعد 3 أسابيع من الهجوم الإسرائيلي على غزة، أثارت مصر حنق أهل غزة لمواصلتها إغلاق الأنفاق التي استخدمت لتهريب المواد الغذائية، حيث أعلنت في ٢٧ يوليو، في خضم استمرار إسرائيل بمجازرها، عن تدميره ثلاثة عشر نفقاً بين غزة وسيناء.
ثم كان حديث الرئيس “عبد الفتاح السيسي” عن الأزمة الفلسطينية في خطابه في الذكرى الثانية والستين لثورة يوليو. فبالرغم من أن الدم الفلسطيني كان يتدفق أنهارا، فإنه تحدث عن غزة في أخر الخطاب بشكل بالغ البرود والاقتضاب في أقل من دقيقتين ..!!! و فيه ساوى بين المعتدي والمعتدى عليه… وأعاد تشغيل نفس الأسطوانة المباركية المشروخة بإذلال الفلسطينيين بما قدمته مصر… بل وحمل الفلسطينيين مسئولية ستين عاما من انهيار الاقتصاد المصري…!!!! متجاهلًا أننا لم نطلق رصاصة واحدة تجاه إسرائيل أو دفاعا عن فلسطين منذ أكثر من أربعين سنة. وأنه خلال تلك السنوات الطويلة لم نخض أي حرب حقيقية و كانت كل الجبهات ساكنة، وأن السبب الحقيقي لانهيار هذا الاقتصاد، طوال سنوات الهدوء تلك، هو عصابات الفساد والنهب المنظم من الخواجات ورجال الأعمال وكبار موظفي الدولة، وسياسات الدولة التي أفضت إلى ذبح القطاع العام و تفكيك قلاع مصر الصناعية وتحويل الاقتصاد المصري إلى اقتصاد تابع ذليل للغرب.
كرر السيسي ذات الجملة الجوفاء التي يصدعونا بها منذ 40 عامًا بأن مصر لا تقبل المزايدة على موقفها من القضية الفلسطينية، والتي كان نظام مبارك يكررها في كل مرة يقوم فيها ببيع فلسطين أو يسليمها إلى المذبح الصهيوني الأمريكي. و استند السيسي في خطابه للرواية “الإسرائيلية”، حين ألمح إلى أن خطف “الإسرائيليين” الثلاثة هو السبب في الحرب، وتجاهل أن اغتصاب الأرض والعدوان المتكرر والاغتيال والاستيطان والأسرى والحصار، هي أصل المشكلة، وكان حريصا على أن يظهر على الحياد، فاستخدم تعبيرات “الاقتتال، والأزمة” وتجنب لفظ العدوان، أي أنه ساوى بين المعتدي و المعتدى عليه.
في النهاية فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يحاول حتى أن يلطف مما فعله الإعلام المصري من نهش في فلسطين والفلسطينيين، بل كشف عن وجه شديد البرود و التجهم حيال القضية الفلسطينية، وحياد عجيب، أقل ما يقال أنه مخزى، بين الجاني والضحية. لو كان هذا سلوك أو خطاب جديد تجاه القضية الفلسطينية، لقلت أن هذا يكشف عن سياسة عبد الفتاح السيسي تجاهها، لكن الحقيقية فإن كل ما فعله الرجل هو التأكيد على الخط السياسي للدولة المصرية تجاه القضية الفلسطينية منذ أكثر من 35 عاما، بل و أنني أرجح أن تطرف الرجل الذائد في التشديد على هذا الخط، نابع من إحساسه بأن ما يجري في غزة يحمل أول اختبار له و هو على كرسي الرئاسة ، لبيان مدى التزامه باتفاقية كامب ديفيد، روحا و معنى قبل النصوص، فأراد أن يثبت بكل ما يستطيع أنه لا يوجد حتى شبه انحراف، و لو بسيط عنها، بل ربما التزام يفوق ما سبق…!!!
الأكيد أن نقد هذا التعليق والتحليل السابق، سيأتي من زاوية أنه تجاهل ما فعلته حركة حماس الفلسطينية بمصر جيشا وشرطة وشعبا، إنه تعليق يتجاهل اقتحام حركة حماس للسجون المصرية يوم 28 يناير 2011م، وتهريب أعضاء مكتب الإرشاد وعلى رأسهم “محمد مرسي العياط” المحبوس وقتها على قضية تخابر مع الولايات المتحدة، يتجاهل ما قدمته حركة حماس لعناصر بيت المقدس التي استهدفت ضباط وجنود الجيش المصري في سيناء، وتهديدها للأمن الوطني المصري. و في الحقيقية فأنا لست من هؤلاء الذين ينفون تورط حماس في الإضرار بمصر، فأنا على يقين من أن حماس تتحمل مسئولية كبيرة بما لحق مصر من إرهاب أسود وأذى، ولكني هنا أريد أن أؤكد أن ما فعلته حماس ليس مبررا للتخلي عن الفلسطينيين جميعهم، هو فقط يتخذ كتكأة لتبرير تلك السياسة القديمة – المتجددة تجاه القضية الفلسطينية. وفي هذا سأذكر نقطتين فقط:-
أولا:- إن سوريا مثلا، كان نصيبها من غدر حماس أضعاف أضعاف ما لحق بمصر، فعلى العكس من مصر، شكلت سوريا الملجأ الآمن لقيادات حماس، حيث كانوا يقيمون في دمشق في منتهى الحرية و الأمان تحت حماية أجهزة الأمن السورية، وكانت عائلتهم تحصل على كل أنواع الدعم والرعاية والحماية، هذا بالطبع غير ما هو معروف من الدعم السوري التسليحي والمالي واللوجستي لحركة حماس باعتبارها حركة مقاومة فلسطينية، والجميع يعرف ما رفضته سوريا من إغراءات عظيمة وضغوط عنيفة من أجل التخلي عن حماس. وبالرغم من كل ذلك لم تكتف حماس بموقف المشاهد أو المحايد من الحرب على سوريا، بل وشاركت بالرجال والسلاح والدعم في هذه الحرب، لم تراعي حماس كل ما قدمته دمشق لها، وانخرطت في الحرب ضدها لأنها اعتبرت أن انتمائها لجماعة الإخوان المسلمين فوق أي اعتبار. يكفي فقط أن تقنية حفر الأنفاق التي لقنها إياها و درب حزب الله و سوريا حركة حماس عليها، كأداة لمقاومة الاحتلال لإسرائيلي، نقلتها حماس بالكامل لمرتزقة الحرب ضد سوريا، واستخدمها هؤلاء المرتزقة في النيل من الآلاف من رجال الجيش العربي السوري ومعسكراته وتحصيناته و مبانيه بل و من تراث سوريا الإنساني ذاته، و ما فعلته حماس بمخيم اليرموك من فتح أبوابه لعناصر جبهة النصرة التكفيرية و تدريبها أيها و احتضانها. لكن سوريا وقت العدوان على غزة، ابتعلت كل آلامها و أعلنت تضامنها الكامل الغير المشروط مع غزة، و عبرت عن اعتزازها بصواريخها التي تنطلق من غزة لتدك المستوطنات الإسرائيلية و تصل إلى تل أبيب و إلى ما وراءها، ذلك لأن سوريا تعرف و تدرك جيدا أن التضامن العربي مع فلسطين فوق أي اعتبار آخر، و أنه لا يمكن أخذ أهلنا في غزة أو في فلسطين عموما بجريرة فصيل وحركة أو سلطة مهما كبر شأنها أو عظم.
ثانيا:- في الحقيقية فإن موقف عداء الدولة المصرية لحركة حماس سابق لما فعلته في مصر، وذلك نابع بالأساس من عداءها المتأصل منذ ثلث قرن لكل من يرفض أتخاذ طريق الاعتراف بإسرائيل والمفاوضات كسبيل وحيد و أوحد لحل القضية الفلسطينية. ربما كان يجب أن نتذكر الانقلاب والعداء الذي شهدته الدولة المصرية ضد حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ أواخر السبعينيات، و ذلك لعدم اعترافهم و أتخاذهم طريق المفاوضات و التسوية كطريق أوحد لحل القضية الفلسطينية، وانحصرت كل علاقة الدولة المصرية مع المنظمة في الضغط عليها للقبول بطريق التفاوض و دعم و تشجيع العناصر التي تدعم هذا الخيار داخل الحركة و المنظمة، و لم ترضى عنهم إلا بعد خضعوهم لأطروحتها و طريقها.
و هل ننسى انه في ثمانينات القرن المنصرم، عندما فرضت إسرائيل على الولايات المتحدة موضوع عقد معاهدة صلح بين إسرائيل و لبنان، بعد طرد منظمة التحرير الفلسطينية منها، تلحق بالمعاهدة المصرية – الإسرائيلية، فإن الدولة المصرية التقطت الإشارة الإسرائيلية – الأمريكية و شجعت هذا الاتجاه، بل إنها وصلت إلى حد أن أصبح شعارها في وجه معارضة سوريا لصلح لبناني إسرائيلي منفرد – هو التوجه إلى الرئيس “حافظ الأسد” كل يوم بشعار “ارفعوا ايديكم عن لبنان”…!!!
و تجاوزت الأمور حد الشعارات حينما بدأت الدولة المصرية تنظم حلقات دراسية للمفاوضين اللبنانيين تنقل إليهم من خلالها تجربتها في التفاوض مع إسرائيل، و تزيدهم علما فيما توصلت إليه بتجربتها السابقة على الجميع في التعامل مع المفاوض الإسرائيلي..!!!
ربما لاحظ القارئ إصراري على استخدام تعبير الدولة المصرية طوال السطور الماضية وليس مصر، وذلك لأنني أفرق بشدة بين طبقة سياسية- اجتماعية تهيمن على رأس السلطة و مفاصل الدولة في مصر، يسري في دمها كامب ديفيد، و التيارات الوطنية و القومية و الكتل الشعبية المصرية التي تسعى إلى التخلص من كامب ديفيد و الخروج من أسرها…فكامب ديفيد هي الطارئ على السياسة و العقل المصري و ليس الأصيل، فالمقاومة كانت مشروع مصري بالأساس.
عندما كانت مصر تأخذ دورا رئيسيا في الصراع العربي – الإسرائيلي، كانت حريصة على أن تظل النقطة المباشرة للصراع مذكورة لا تضيع، ومرئية لا تختفي – بمعنى أنه كان لا بد للبؤرة الفلسطينية التي يدور حولها الصراع العربي – الإسرائيلي أن تظل ظاهرة بملامحها و قسماتها. و هكذا فقد كانت هناك محاولات مصرية مستمرة لإبراز الوجه الفلسطيني في الصراع، و كان ذلك يعني أن هذا الوجه نفسه – فلسطين – يجب أن يكون له كيان محدد، موجود و مستقل. وفي مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة – يناير 1964- تقدمت مصر باقتراح إنشاء كيان فلسطيني مستقل باسم منظمة تحرير فلسطين، و كان الاسم إلى جانب تجسيده للكيان يجمل إشارة لها قيمتها في عصر تعددت فيه حركات تحرير الشعوب.
و على الرغم من أن حركة فتح كانت أحد أذرع توريط مصر في حرب 67، إلا أن القاهرة احتضنت حركة فتح، فأعترف جمال عبد الناصر بها، و أعطها شرعية منحتها مكانة تقدمت بها على غيرها من المنظمات الفلسطينية، ووفر عبد الناصر كل المساعدات و الدعم الممكن لـفتح في مقابل مطلب واحد، وهو أن تنطلق ولو رصاصة واحدة كل يوم في الأرض المحتلة بحيث يسمع صوتها و يذيع خبرها، ويكون ذلك رمزا لوجود مقاومة فلسطينية في الأرض المحتلة. و بالفعل فقد تم تكليف اللواء محمد أحمد صادق، وهو مدير المخابرات العسكرية في ذلك الوقت (ووزير الحربية فيما بعد) بلقاء قادة فتح و التنسيق معهم فيما يحتاجون إليه في مجالات التسليح و التدريب و التمويل.
أي أنه في الحقيقية فإن مصر كانت هي القابلة التي أخرجت المقاومة الفلسطينية إلى الوجود، و لم تنظر إليها القاهرة وقتها كأداة لتحرير الأرض، بل كصوت للشعب الفلسطيني يؤرق العدو الصهيوني و يذكر العالم بالحق الفلسطيني و حقيقية العدوان المستمر و المجرم عليه.
كان احتضان مصر للمقاومة الفلسطينية كامل، و ربما كانت كلمات “جمال عبد الناصر” إلى ملك الأردن “حسين” في لقاء رأس التين بالإسكندرية – أغسطس 1970، تمثل أفضل تلخيص لسياسة مصر تجاه القضية الفلسطينية في ذلك الوقت، حيث قال له نصا: ” أنا أفرق دائما بين القضية الفلسطينية و هي مسئوليتنا جميعا، وبين مواقف أي عناصر فلسطينية بالذات. و رأيي أن قضية فلسطين أكبر من أي فيصل فلسطيني، و لهذا فإن علينا مسئولية المحافظة عليهم و حمايتهم حتى من أنفسهم”
ربما يظن القارئ أن عنوان المقال “كامب ديفيد تسري في دمك” يشير إلى الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، في الحقيقة فإنه ليس المقصود عبد الفتاح السيسي بقدر ما هو مقصود تلك الطبقة السياسية التي تمكنت من الحكم في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي… فكامب ديفيد ليست مجرد اتفاقية، بل منظومة سياسية – اقتصادية – اجتماعية كاملة، بدأت في التشكل والنمو قبل كامب ديفيد، والأرجح أنه لم يكن من الممكن الذهاب إلى تلك الاتفاقية بدون خلق تلك المنظومة وتمكينها، ووجدت تلك المنظومة شرعيتها بعد ذلك في كامب ديفيد، فهي التي سعت إليها لكي تبرر سبب وجدوها و تفتح بقية الطريق لاستكمال تمكنها و سيطرتها على كل مفاصل الحياة في مصر، حتى دخلنا في مرحلة أن الأنظمة تزول و لكن كامب ديفيد باقية، متجاوزة الأنظمة التي خلقتها ثم راعتها، فارضة نفسها كأساس غير ممكن تجاوزه، لذلك بمنتهى الصراحة لا أفق و لا سبيل لتغيير حقيقي في مصر على أي مستوى دون تجاوز تلك الاتفاقية و التحرر منها، دون ذلك فإن الحديث عن أي تغيير يعتبر من قبيل الوهم الذي يطمئن نفسه بالسراب.
إن أي حديث عن دور مصري دولي أو حتى إقليمي، في غياب تصدي مصري جاد وحقيقي لمسألة تحرير فلسطين، هو محض هراء و ضحك على العقول و خداع من الطبقة الحاكمة لنفسها قبل خدعها للشعب، فمضي مصر في طريق كامب ديفيد ترافق مع انهيار دورها المحوري في المنطقة والعالم، بل وأستخدمها في التخديم على سياسات ومطالب قوى عالمية بل وإقليمية، فأخذت في التحول شيئا فشيء من شجرة راسخة ضاربة بجذورها في أرض الإقليم، تصوغ عقله و روحه بخطها التحرري المقاوم و نبع حضارتها الدافق، إلى خشبة هائمة في بحار ومحيطات التاريخ، يمتطيها من يريد و يوجهها إلى ما يخدم سياساته العدوانية والإمبريالية والرجعية.
عشرات السنين ونحن نستجدي السلام من إسرائيل، حتى وصل الأمر إلى أن الدول العربية تقدمت بمبادرة سلام عام 2002 تنازلت فيها عن اكثر من ثمانين في المئة من ارض فلسطين التاريخية، مقابل دولة فلسطينية هزيلة تقام على العشرين في المئة المتبقية، والاعتراف بالكيان الاسرائيلي، والتطبيع الكامل معه في المقابل، وعندما احتقرت اسرائيل هذه المبادرة، وواصلت ابتزازها التاريخي في طلب المزيد من التنازلات تحت حجج واعذار واهية، ماذا فعل عرب الاعتدال وجامعتهم؟ واصلوا التطبيع السري والعلني مع اسرائيل، وتواطأوا مع عدوانها الاخير على قطاع غزة، ولم تقم حكومة الرئيس السيسي بأي ضغط على اسرائيل، مثل كل الحكومات المصرية السابقة، ولو باستدعاء السفير الاسرائيلي في القاهرة وتقديم احتجاج قوي على هذا العدوان، ولا نقول طرده واغلاق سفارته، وهذا التراخي، وعدم الارتقاء الى مستوى دماء الشهداء في غزة يمتد الى الاردن ودول عربية اخرى.
في الحقيقية فإن أبلغ تعليق على سعي العرب على توقيع الاتفاقات مع إسرائيل، هو ما جاء، ويا المفارقة، على لسان مؤسس دولة إسرائيل ديفيد بن جوريون ، وهو ذلك التعليق الذي أوردناه في مقدمة هذه المقالة، حيث أشار فيه صراحة أن دولة إسرائيل قامت على سرقة الأرض من العرب، و ليس هناك من أي سبب منطقي أو عقلاني يدعو العرب إلى الاعتراف بهذه السرقة، أو بمعنى أدق الاعتراف بإسرائيل و شرعنة وجودها… لقد قيل الكثير من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية و ثقافية في فهم وتفسير دوافع انضمام الشباب إلى المنظمات التكفيرية و الجهادية، منها ما يتعلق بانتشار الفقر والتهميش و العوز والبطالة، أو ما يتعلق بفكر رجعي متخلف مازالت يتغذى عليه العقل العربي، و كل هذه الأسباب مفهومة و حقيقية إلى أبعد مدى، لكن قبلها كلاها يأتي السبب الأول و الرئيسي، و هو حالة الانبطاح والاستسلام العربي للعدو الصهيوني، إننا هنا لا نتحدث عن أمة طارئة أو جديدة على الزمان و التاريخ، بل أمة ضاربة بجذور قوية و راسخة في هذا التاريخ، أمة يعرف شعبها جيدا ما تعنيه العزة و الكرامة، و يأبى شعبها و أجيلها الجديدة هذا الانبطاح المذل عند أقدام الإسرائيلي و المرمغة في أوحال الاستسلام للإمبريالية العالمية و وكيلها الإسرائيلي في المنطقة، هذا الفقر الحاد في الكرامة العربية هو الدافع الأول و الأساسي لانتعاش الفكر التكفيري و رفده بمدد متجدد من الشباب الساخط الغاضب… إذا لم يتم إعادة توجيه هذه الكتلة الملتهبة من مشاعر السخط و الغضب تجاه العدو الحقيقي الذي يستحقها، إذا تم الاستمرار في سياسات الاستسلام و الرجاء و استجداء العدو الصهيوني، أي أنه من الاخر، كما نقول في مصر، اذا كان الرئيس السيسي يريد قطع الطريق على الجماعات الاسلامية المتشددة عليه ان لا يوفر لها المدد هو نفسه، من خلال التخلي عن المقاومة، واستمرار الحصار على قطاع غزة، واغلاق معبر رفح الذي تحول وضعه الى الاسوأ منذ توقيع اتفاق وقف اطلاق النار في مفاوضات استضافتها بلاده قبل ما يقرب من الشهر.
إذا كان السيسي جادا في تجفيف منابع الإرهاب، عليه أن يعمل بسرعة و قوة و حسم على التخلص من اتفاقية كامب ديفيد، أليس واضحا أن الدعاية الأولى التي يعتمد عليها الإسلاميون في محاربته هي أن الجيش المصري هو جيش كامب ديفيد، هو الجيش الذي يضع أمان و سلامة الكيان الصهيوني على رأس أولوياته…!! متى يسحب السيسي تلك الورقة القاتلة من يد الجهاديين و التكفيريين، و يعريهم أمام أنفسهم و أمام الشعب..؟؟!!!
أما إذا أصرت الدولة المصرية على المضي في نفس الطريق الذي فيه منذ أكثر من ثلث قرن، فإن دولة الخليفة البغدادي الاسلامية سترحب قطعا بمثل هذه السياسات المصرية لأنها مصعدها السريع ليس للوصول الى غزة فقط، وانما الى سيناء، وكل مصر، ان لم تكن قد وصلت فعلا.
كما أنه لن يكون لمصر دور مؤثر في العالم إلا من خلال دورها و تأثيرها في هذه المنطقة، أو بمعنى أدق قيادتها للمنطقة العربية، فإنه لا سبيل إلى هذه القيادة الحقيقية، و ليست تلك الزائفة الدعائية التي يطنطن بها إعلام كامب ديفيد العفن، إلا عبر بوابة استرداد فلسطين للعرب، كما قال الراحل الكبير صاحب شخصية مصر “جمال حمدان”، فإذا كانت القيادة و الزعامة مسئولية تمارس وواجبا من القيادة يحقق، كما أوضح مفكرنا العظيم، فإنه لا زعامة لمصر بين العرب بغير استردادها فلسطين للعرب، لأنه لا وحدة للعرب أصلا بدون استرداد فلسطين.
و رحم الله من أدرك و فهم كيف يكون سبيل مصر الحقيقي للتقدم و القيادة و الريادة.

*عنوان المقال مستوحى من كتاب “التطبيع يسري في دمك” للكاتب و المناضل الفلسطيني الكبير “عادل سمارة”

العودة الأمريكية إلى العراق.. بين المعلن والمخفي!

nabil nayli

نبيل نايلي

 

“سياساتنا مُختلّة.. ينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا.. المنطقة الكردية منطقة فعالة ومُتسامحة مع الطوائف والأديان الأخرى. ولهذا نعتقد أنه من المهم التأكّد من أن هذه المنطقة محمية. التهديد الأكبر لأمريكا.. هو نحن.”     الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

 

 

 

بإعطائه وزارة الدفاع الأمريكية الإذن باستخدام الطيران ضد عناصر الدولة الإسلامية في العراق، وتنفيذ المقاتلات والطائرات الأمريكية من دون طيار غاراتها الجوية، يكون الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي كان يُعارض بشدّة قرار سلفه جورج بوش، اجتياح العراق مُندّدا بـما كان يسمّيه”حربا غبية، A Dumb War”، والمؤكّد، في أكثر من مناسبة، ألاّ “حلّ عسكري أمريكي للأزمة في العراق”، يجد اوباما نفسه يعيد بتردد فتح صفحة كان يعتقد انه أغلقها نهائيا، وهو من أُنتخب بناء على وعده بإنهاء التدخّل العسكري وسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق. أوباما “النادم” على قرار عدم إدارة الانتقال الليبي، كما يزعم، و”المستفيد” من درس ليبيا بحيث بات “يطبّقه الآن في كلّ مرة” و”يتساءل فيها: هل يجب أن يتدخّل عسكريا؟ هل يملك إجابة في اليوم التالي؟”، يبدو وجد إجابات اليوم التالي، The day After، أو أملتها عليه التحوّلات الجيوستراتيجية وتسوناميات المنطقة المشتعلة.

 

لم تكتف وزارة الدفاع الأمريكية بضربات الطائرات دون طيار، وها هي ترسل من جديد، بعد أن سبق وأرسلت، في جوان الماضي، نحو 300 مستشار عسكري إلى العراق، ل”تقييم احتياجات القوات العراقية”، بعثة عسكرية جديدة متألّفة من 130 عسكريًا إضافيًا إلى إقليم شمال العراق،  لـ”تقييم بشكل أعمق“ حاجات السكان الإيزيديين الذين نزحوا هربًا من مُسلّحي تنظيم الدولة الإسلامية، كما ورد بالرواية الرسمية الأمريكية، دون الإشارة إلى المصالح الحيوية وأعضاء البعثات الإستخبارية والدبلوماسية الأمريكية.

 

إذا كانت الإدارة الأمريكية المتردّدة والمراوحة مكانها، تُسوّق العملية العسكرية على أنّها “محدودة”، فكذلك تنتهج نفس الأسلوب المخاتل والحذر، مع عملية إرسال قوات أمريكية إضافية، شملت أفرادًا من مشاة البحرية وقوات العمليات الخاصة من داخل منطقة القيادة المركزية،  بـتصويرها على أنها  ”مُؤقّتة“، مؤكّدة على لسان أكثر من مسؤول أنّها صلاحياتها ودورها محدّد سلفا، بحيث “لن تشارك بدور قتالي، وسوف تعمل بتقارب مع ممثّلين عن وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية لتنسيق الخطط مع الشركاء الدوليين والمنظمات غير الحكومية الملتزمة بمساعدة الإيزيديين.” تصريحات تعزّزها تأكيدات الجنرال وليام مايفيل، “ليس لدينا مشروع لتوسيع الحملة لتتعدّى نطاق العمليات العسكرية الحالية”.

 

عودة الولايات المتحدة إلى مسرح لم تغادره، إلا في شكل إعادة انتشار، استعدادا لإنعطافة قرنها الباسيفيكي، the Pacific Century Pivot، في مواجهة مؤجّلة مع قوى صاعدة منافسة على دفة الريادة، إنما تحاول من خلال ضرباتها الجوية و”مستشاريها” وفرق عملياتها الخاصة، تثبيت دعائم ”دولة“ كردستان، حليفة الكيان والغرب، وتعزيز حالة التشظيّ التي يشهدها العراق وسوريا والمنطقة، بشكل يسمح بميلاد أرخبيلات كيانية طائفية أو اثنية، المناخ الأنسب لشرعنة دولة الكيان، وترسيم حدود نفوذ جديدة، مع حلفاء  مع فرض “خرائط دم، Blood Maps”، على حد تعبير رالف بيترز، كأمر واقع بمشارط العمليات القيصرية التي تتكفّل بها استراتيجيات التطهير العرقي والطائفي، Ethnic Cleansing، وتأمين أمن الكيان الصهيوني وتثبيته قوة إقليمية وحيدة تُعربد في المنطقة مستفيدة من انخرام كلّي في موازين القوى خلّفتها إستراتيجيات “الفوضى البناءة،Constructive Chaos”، والتفكيك الممنهج وإفشال  ال”دول” الوطنية، Failing States، واستهداف الجيوش ذات العقيدة الوطنية، وتأمين مصالح الشركات الأمريكية والأوروبية النفطية في المنطقة، ثم الإيحاء أو إدعاء التنصّل من علاقة الأبوة مع تنظيمات متطرّفة فرّختها أجهزة استخباراتها ولا تزال تشرف عليها حتى نفاذ صلاحياتها، ومنع داعش ومشتقاتها من تمدّد استراتيجي قد يخرج عن السيطرة ليطال حدودا وعوالم غير مسموح بها، كتهديد أمن من يُسمّون بتحالف الرّاغبين، “Coalition of the Willing، أو المُرغمين، Coalition of the Compelled، أو القلقين Coalition of the Concerned،  أو  التقدّم نحو آبار نفط كركوك وما جاورها ما يمكن أن يقلب موازين قوى ومعادلات، قد تطال هؤلاء الذين يتصوّرون أن لهب سعير يجتاح الأواني المستطرقة من هذا الوطن المستباح، لن يطال هشيمهم!! أما مجلس الأمن الدولي الذي يتبنّى،  بعد قرار الاتحاد الأوروبي تعزيز الدعم العسكري للقوات الكردية في شمال العراق، قرارا تحت الفصل السابع، يستهدف من تعامى عليه حتى الأسبوع الفارط، مارد الإرهاب الذي أُخرج من قمقه، نزع سلاح وتفكيك تنظيم داعش وجبهة النصرة، وقطع مصادر التمويل عنهم ومنعهم من تجنيد مقاتلين أجانب، فلا يفعل بذلك غير تعزيز المساعي الأمريكية وإن التحف برداء استرتيجيات ما يسمّى زورا ب”التدخّل الإنساني”!

 

فمن رحم مبدأ “التدخّل الإنساني، Humanitarian Intervention”، إجترحوا عقيدة “أر تو بي ”Responsibility -to Protect doctrine -R2P ، “واجب الحماية”، المعزّزة بالصواريخ والقنابل، التي تذرّعوا بها لغزو ليبيا وتفكيكها. ها هم اليوم يختلقون لنا تعلّة “واجب القصف، ( ”Responsibility to Attack (R2A “! دعكم من نبل الشعارات، كحرص “الولايات المتحدة على حماية الأعراف الدولية”، أو فرية إستراتيجيات “بناء الأمم، Nation building”، فخراب العراق وتفكيك ليبيا، ومسالخ الفتن الطائفية، والتفتيت الجغرافي والتلاعب بجينات الوحدة الوطنية، برهن ولا يزال لمن يعميه حقد التشفّي والرّغبة في الانتقام أنّ فرية إستراتيجيات بناء الأمم وإحلال “ديمقراطيات التوماهوك” أو بديلها الداعشي، ما هو إلاّ غطاء لتحويلها لمشاريع تفتيت المفتّت.

 

لعلّ أصدق ما قال الرئيس الأمريكي وأبلغه، تفاعلا ما يعصف بالمنطقة، خلال حوار أجراه معه الكاتب والصحفي الأمريكي، توماس فريدمان، Thomas Friedman، نُشر على صفحات نيويورك تايمز، The New York Times، قوله: “سياساتنا مُختلّة.. وينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا”!

 

 

 

هذا خطاب الجبهة الداخلية التي تنقسم بين رافض للعودة لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية والإنزلاق نحو مسارح التخبّط، ومُطالب بنهج استراتيجي وليس “نهجا إنسانيا” والذهاب أبعد بكثير من سياسة الاجراءات النصفية،  المترددة والمراوحة، خصوصا أن هذا الأوباما لا يكفّ عن ترديد لازمته المكرورة “بصفتي القائد العام للقوات المُسلّحة، لن أسمح بان تنزلق الولايات المتحدة في حرب جديدة”! ألم يطالب مهندس تفكيك العراق، المبعوث الأمريكي السابق، بول بريمر، Paul Bremer ، الذي وصف سحب إدارة أوباما للقوات الأمريكية عام 2011 من العراق، بـ”الخطأ الخطير”، بتحييد فكرة عدم إرسال قوات على الأرض، وبضرورة وضع قوات خاصة ومُراقبين استخباراتيين، وضُبّاط لتحديد الهجمات، وأشخاص لتحديد الأهداف داخل تلك المدن لتقصفها الطائرات بدون  طيار”؟ ليخلص إلى الدعوة الضمنية إلى إعادة احتلال العراق، ما دام “لا يمكن السيطرة على مدينة بواسطة طائرات مقاتلة”!

 

 

 

  الإدارة الأمريكية تعود إلى العراق من بوابات من فرّختهم، لتوظّفهم في حرب الجيل الرابع، كأدوات لحروب الوكالة، ووقودا للدمار الذاتي، وتستخدمهم فزاعة أو بعبعا أو مبرّرا لعودتها عون إطفاء لحرائق كامنة أو مستعرة هي من تؤجّجها،  فهل يكون العراق، والمنطقة بأسرها، استطرادا، “مقبرة الطموح الأمريكي، Graveyard of U.S. ambition”، كما يوصّف، محقّا، الكاتب بيتر بيكر، Peter Baker ؟ ..

 

 

 

ذلك بعض من الحديث الآخر!

 

 

 

باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس

مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي – د.عصمت سيف الدولة

12_38_51

مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي

 الدكتور عصمت سيف الدولة

يتساءلون. أين نحن من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية، ويقولون ان الامر كان واضحا حين كنا منحازين الى الشرق . حين اقتصرنا على اسلحته وخبرائه. حين فوضناه في أن يتحدث باسمنا . حين عرضنا عليه الدفاع عن وطننا. حين بذلنا فوق ما نطيق مالا وبشرا في العراك مع الولايات المتحدة الامريكية واصدقائها. حين اخترنا الاشتراكية. ولقد كان الامر واضحا لان حدود الانتماء- كما يقولون- كانت واضحة. فلقد كان العالم منقسما انقساما حادا الى قوتين متصارعتين، الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. في تلك الظروف كان من الممكن أن نجد للانحياز مبررا. ولقد حاولنا وحاول غيرنا ان نبني كتلة عدم الانحياز من دول العالم الثالث ، ولكنا- وا قعيا- كنا منحازين . المهم ان الظروف قد تغيرت. وان المتغيرات الدو لية قد اصابت علاقات كل الدول بالتغيير. وحل الوفاق محل الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية. انهم يتعايشون معا ويتفقون معا ويعقدونالصفقات طويلة الامد. وان هذه لفرصة تاريخية لنعود الى استقلالنا ونتعامل مع كل الدول بدون تمييز ولا نزج بانفسنا في معتركات السياسة الدولية. وان اخشى ما نخشاه من خطر على قضيتنا أن نقع فريسة الاستقطاب مرة أخرى ، واخشى ما نخشاه من خطر على حريتتا أن نفقد المقدرة على اتخاذ قراراتنا طبقا لما يتفق مع مصالحنا.. الخ .

يثير هذا الذي يقال ثلاثة مواقف متميزة في الوطن العربي .

الموقف الاول ، يعيد التذكير بتاريخ علاقتنا بالاتحاد السوفيتي .لم يكن الاتحاد السوفيتي هو الذي تقدم فدس أنفه في شؤوننا الداخلية . كانت البداية منا. نحن الذين تقدمنا اليه ننشىء معه علاقات اقتصادية ومالية وثقافية وعسكرية فرحب وقبل. ولم نتقدم اليه مختارين . تقدمنا اليه بعد أن استنفذنا كل الوسائل في محاولات استغرقت سنين طويلة أردنا بها أن ننمي علاقاتنا الاقتصادية والمالية والثقافية والعسكرية مع المعسكر الغربي والولايات المتحدة الامريكية بالذات. وكانت للولايات المتحدة الامريكية شروط لا تنسى لانها شروط تمس ا ستقلالنا وحريتنا ” ولما رفضناها ضرب علينا الحصار الاقتصادي ، وجمدت أرصدتنا المالية في الولايات المتحدة الامريكية، وتوقفت الاعانات، وسحب عرض بناء السد العالي، وغزت اسرائيل أرضنا تحت مظلة حلف الاطلنطي. كان المطلوب منا لكي نحتفظ وننمي علاقاتنا مع الولايات المتحدة الامريكية أن نكف أنفسنا عن الاهتمام أو التدخل في شؤون العالم العربي ، أن نصطلح ونعترف باسرائيل، لأن نقبل رقابة مالية على خزانتنا، الا نقيم مشروعا اقتصاديا الا بعد الاذن من البنك الدولي . باختصار كانت تبعيتنا الى الولايات المتحدة الامريكية هي ثمن أية علاقة اقتصادية أو مالية أو ثقافية أوعسكرية. والمرحوم دالاس  وزير خارجية الولايات المتحدة . هو الذي قال لنا : اما معنا واما ضدنا لان موقف عدم الانحياز موقف غير اخلاقي …

ولقد لجأنا الى الاتحاد السوفيتي فتعامل معنا في الحدود التي ارتضيناها وقبل شروطا لا تتفق حتى مع مبادئه العقائدية. صفقة الاسلحة تمت سنة 1955 بينما كان كل الشيوعيين في السجون . وبينما كان خبراء الروس ينفذون مشروع السد العالي ، ويخططون لمجمع الحديد والصلب، ويوردون الاسلحة ، كان الشيوعيون أيضا في المعتقلات في الواحات، وعندما هزمنا في عام 1967 قدم لنا الاتحاد السوفيتي تعويضا عن اسلحتنا مكننا من استئناف القتال في حرب الاستنزاف. وعندما بدأت غارات العمق ذهبنا، نحن الذين ذهبنا، لطلب الاسلحة المتطورة، ونطلب الخبراء، ونطلب، نحن الذين طلبنا أن يتولى طيارون من السوفيت حماية اجوائنا الداخلية الى أن يتم تدريب طيارينا. وعندما قلنا تعالوا نتفق على انهاء مهمة الخبراء قال السوفيت ليس هذا من شأننا لنتفق عليه، انه من شأنكم انتم فان اردتم فانهوا وجودهم في بلدكم . فلما طلبنا مغادرتهم في موعد، حددناه نحن، غادروا هم قبل الموعد الذي حددناه . فلماذا نخشى التعامل مع الاتحاد السوفيتي وهذه خبرتنا معهم..

الموقف الثاني يقول ان هذا ليس الا جانبا واحدا من المشكلة. جانبها الثاني هو اننا عندما نقتصر في تعاملنا الاقتصادي أو المالي أو الثقافي أو العسكري على الاتحاد السوفيتي فاننا نكون قد اصبحنا تابعين له سواء اردنا او لم نرد . ان الاتحاد السوفيتي لم يعطنا كل ما أعطانا حبا فينا أو استجابة لمبادئه ونظرياته. ولو كان يتبع في سياسته الخارجية مبادئه النظرية ما تخلى عن الماركسيين . ولو كان يتبع في تعاونه الدولي مبادئه لما عرض اقتصادالصين الشعبية وهي دولة ماركسية للخراب عندما سحب خبراءه فجأة في وقت كانت الصين في أشد الحاجة اليهم . انما هو يبحث منذ قرون عن سبيل الى المياه الدافئة ، ولقد فتحنا له مياهنا فاصبح له وجود عسكري قوي في المتوسط ، وفي محيطات الجنوب ونقل بذلك صراعه مع الولايات المتحدة الامريكية الى ارضنا. وفي هذا الصراع لا يمكن الحياد. فهو يسعى باساليبه الخاصة لاحتوائنا وهو يستعمل في سبيل هذا امضى اسلحته وهو السلاح الفكري . ما بين عام 1964 وعام 1967 لم تمض الا ثلاث سنوات قضاها الماركسيون خارج السجون فبلشفوا العقول و سمموا افكار الجيل الجديد من الشباب، واشاعوا الفساد والالحاد.. وفي الاوقات العصيبة لم يتردد الاتحاد السوفيتي في الضغط علينا بما يملك تحت يديه من ادوات اقتصادية ومالية وعسكرية. حبس عنا قطع الغيار. وهو يرفض جدولة الديون . وهو يرفض ان يعوضنا خسائرنا في الحرب كما فعل مع سورية وكما تفعل الولايات المتحدة الامريكية مع اسرائيل . ثم بماذا يفيدنا الاتحاد السوفييتي ؟ ان ازمتنا اقتصادية. ولقد أصبحنا افقر الدول بعد أن كنا اغناها. ما نريد الان هو ان نوقف الاستنزاف الدائم لمواردنا الاقتصادية والبشرية بالكف عن الحرب. على اسرائيل اذن أن تترك أرضنا بدون قتال ولا يستطيع أن يحملها أحد على هذا الا الولايات المتحدة الامريكية. ثم ان الولايات المتحدة الامريكية هي وحدها التي تستطيع ان تقيلنا من عثرتنا الاقتصادية لانها اقوى قوة اقتصادية في الارض . ألم يلجأ اليها حتى السوفيت ليحلوا ازماتهم الاقتصادية المستعصية. لقد ارهقنا الفقر والحرمان سنين طويلة ولا نريد الا وضع حد لهذا الفقر والحرمان، فلنفتح أبوابنا للولايات المتحدة الامريكية. لن يأتي الينا الاسطول الامريكي فانه لا يفتقد القواعد. ولن يأتي الينا الجيش الامريكي فقد انسحب حتى من جنوب شرقي اسيا. انما ستأتي اليناالاموال الغزيرة ، والتكنولوجيا المتقدمة ، والمشروعات الا ستثمار المدروسة. فتتحول بلدنا الى جنة كما تستحق بدون أن نفقد حريتنا .

الموقف الثالث يقول : اننا، فوق كل شيء وقبل كل شيء، يجبأن نحافظ على استقلالنا فلا نقع في شباك التبعية لا للاتحاد السوفيتي ولا للولايات المتحدة الامريكية. وبناء عليه يجب أن نتعامل معهما معا، لا نعادي أيهما ولا ننحاز الى أيهما وبالتالي نفلت من كليهما ونستفيد من علاقاتنا بالجميع. على هذا الوجه يجب أن يكون التزامنا الاسترا تيجي ، أما المواقف التكتيكية فتتنوع وتتغير تبعأ للظروف المتنوعة المتغيرة . ولكن المقطوع به أننا لن نسمح في أي حال بوجود سوفيتي أو وجود أمريكي في أرضنا العربية.. فلا قواعد عسكرية. ولا احتكار للسلاح . ولا تعامل منفرد إقتصاديأ، ولا رأسمالية، ولا شيوعية، بل انفتاح على كل الدول وكل المذاهب وكل النظم .

ومعارك الكلمات وما تخفيه، ما تزال مستمرة .

ونحن نريد بهذا الحديث أن نقيم حدا بين المواقف. اذ لن يضيرأمتنا أبدا أن تفرز القوى من خلال مواقف محدودة بحيث يعرف كل واحد الى أين ينتمي . ان هذا الفرز مقدمة صحيحة وصحية للحل الصحيح . انما تضار أمتنا حقا، اعني جماهير أمتنا العربية ، وعندما تختلط في اذهاننا المواقف فلا تعرف كيف تختار موقفها هي . ولاختلاط المواقف سبب غير خفي  فان جميع المتعاركين يدخلون الى موا قفهم المتناقضة مدخلا واحدا : الوطنية. الحرية. الاستقلال عدم التبعية… الى آخره . وهو مدخل الجماهير أيضا. فلا أحد يستطيع أن يقنع أحدا في الوطن العربي بخيانتة وطنه أو بيع حريته أو التنازل عن استقلاله. ومع ذلك فان المواقف التي اختلطت في مدخل واحد ، مدخل الوطنية، مواقف متناقضة فلا بد لها من أن تفرز حتى تعرف جماهير أمتنا أي موقف تختار لنفسها .

 ليس غاية هذا الحديث اذن ، تحقيق ادعاءات الاطراف المعنية او محاكمة مواقفها، بل غايته أن يضع بين أيدي الجماهير العربية مقياسا للخطر، مفترضا ان الموقع الاستراتيجي لوطننا العربي وما فيه من ثروات يرشحه لمطامع كل الذين يحتاجون إلى” وجود ” سواء كان وجودا عسكريا أو اقتصادياً ، ولن نعقد مقارنة بين كل الدول والقوى لنقول من منها الذي يحتاج إلى ” الوجود ” في الوطن العربي . انما نقصر الحديث على بيان كيف تتواجد القوى والدول خارج حدودها .

 والمقارنة للايضاح، بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية.

ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي هددت صراحة بغزو الوطن العربي وهي التي تتواجد عسكرياً في اسرائيل وهي التي تملك القواعد في بعض الاقطار العربية . يقول أصحاب الموقف الثاني أن الولايات المتحدة هددت ولكنها لم تنفذ مع انها قادرة على التنفيذ . وهي ليست قوة عسكرية موجودة في اسرائيل بل هي حليفة تبيع لاسرائيل السلاح كما تبيع للاردن وللمغرب ، وهذا يجري به العرف الدولي . أما قواعدها في بعض الاقطار العربية فقد أقيمت على أرض مؤجرة  من تلك الاقطار وما تزال لها قاعدة في كوبا لم تستخدمها في اسقاط كاسترو رغم محاولاتها اسقاطه بطرق أخرى . ولقد استطاعت ليبيا ان تنهي هذا الوجود بمجرد طلب انهائه وأخلت أمريكا قاعدتها هناك.

ليكن. منعا للجدال. لنستبعد اذن المقياس العسكري ولنقل أن أياً من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية لن يجسد وجوده خارج حدوده عنوة بالقوة المسلحة والاحتلال . انه الاستعمار “القديم ” الذي انقضى عصره . كيف يتجسد وجود الدولة خارج حدودها إذن ؟

كل بالاسلوب الذي يتفق مع نظامه الداخلي .

الاتحاد السوفيتي دولة اشتراكية خالية تماما من المؤسسات الفردية . الدولة هي التي تنتج السلاح وهي التي تبيعه. الدولة هي التي تملك ” ادوات الانتاج وتتعامل- خارجيا- في المنتجات الصناعية والزراعية وغيرها. وكل الناس في الاتحاد السوفيتي عاملون في الدولة، ولا يستطيع أي واحد منها أن يؤجر قوة عمله الى غير دولته ولكنها تملك تشغيله في خارج الدولة تنفيذا للاتفاقات التي تعقدها الدولة مع الدول. والدولة هي التي تملك الصحف والاذاعة وتطبع الكتب وتنشرها وتوزعها داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه.

وهكذا يكون الوجود السوفيتي خارج حدوده وجودا ظاهرا ومحددا ومعروفا لانه يتم من خلال الدولة وفي نطاق علاقاتها بالدول الاخرى . الوجود الاقتصادي يتم في شكل مكاتب متخصصة ترفع العلم السوفيتي علناً . في شكل عقود يبرمها مندوبون مفوضون من الاتحاد السوفيتي رسميأ. في شكل مصانع وأدوات صناعية وأسلحة وذخائر تسلّم من الاتحاد السوفيتي الى الدولة المعنية طبقأ لاتفاقات معروفة. في شكل خبراء معروفة أسماؤهم وأسماء أسرهم وأعدادهم ومحال إقامتهم وأرقام هوياتهم لدى سلطات الدولة التي يوجدون فيها . والوجود الثقافي في شكل  مكاتب ثقافية ومكتبات وصحف وكتب تحمل كل منها شعار واسم الاتحاد السوفيتي . وفي شكل وفود زائرة معروفة العدد والاسماء ومدد الاقامة والغرض من زيارتها ووفود مدعوة بالاسم او بالصفة لمدد معلومة تقدم دعوتها الى الدولالتابعة لها . لا شيء يجري في الخفاء، ولا شيء يمكن أن يضلل أحدا في ” الوجود ” السوفييتي عندما يريد الاتحاد السوفيتى أن يكون له وجود خارج حدوده..

ان هذا الوجود العلني، والذي لا يمكن الا ان يكون علنيآ هو الذي سمح ويسمح بحملات التشهير بالوجود السوفيتي. ففي كل دولة يستطيع رجل الشارع العادي ان يعرف ما اذا كان للاتحاد السوفييتي وجود في دولة ام لا. وما شكل هذا الوجود. وما حجمه وبالتالي يستطيع ان يقدر ما اذا كان هذا الوجود يمثل خطرا على استقلاله او لا يمثل.. فالمشهرون بالوجود السوفيتي لا يحتاجون الى معلومات. كلها متاحة وغير منكورة فيبقى لهم ان يفسروا ويأولوا ويستنتجوا ما يريدون من وجود لا ينكره احد.

على أي حال ، فان أي ” وطني ” يحرص على استقلال بلاده لن يخطىء ابدا في معرفة بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود السوفيتي في بلاده . وسيكون عليه هو ان يقدر مدى اتفاق او عدم اتفاق هذا الوجود مع استقلاله الوطني، وان يحد منه او ينهيه ولن يكلفه هذا شيئا سوى مراجعة او تعديل او انهاء العقود والاتفاقات التي ابرمها مع دولة الاتحاد السوفييتي .

نأتي الى الطرف الآخر.

الولايات المتحدة الامريكية دولة رأسمالية اقتصاديا ليبرالية سياسيا. الدولة هنا لا تتدخل بشكل عام الا في شكل القوة المسلحة التي استبعدناه . لان الدولة في الولايات المتحدة الامريكية ذات وظيفة محددة : حماية مصالح رعاياها واشخاصهم فقط لا غير . اما العلاقات الاقتصادية او المالية او الثقافية بالدول الاخرى فيقوم بها الافراد والمؤسسات الخاصة . حتى الاسلحة تنتجها وتبيعها مؤسسات خاصة تلك المؤسسات الخاصة قد تقيم علاقاتها مع دولة او معمؤسسات خاصة ا يضا في الدول . وغاية كل هذا النشاط الذي يقوم به الافراد والمؤسسات الخاصة من الامريكيين خارج الولايات المتحدة الامريكية هو الحصول على الارباح . اكبر قدر من الارباح ، وهكذا يتبع الوجود الامريكي مصادر المواد الخام والعمالة الرخيصة والعرض الاستهلاكي أينما كان متاحا بشروط افضل.. ولا تحتاج دولة الولايات المتحدة الى الظهور كطرف في علاقات رعاياها بالدول او المؤسسات او الافراد خارج حدودها. كل ما تحتاجه هو اكبر عدد من العيون والرقباء والعملاء الذين ينشطون خفية للتحقق من أن ” الظروف ” الداخلية في أية دولة لا تهدد مصالح رعاياها اما بتقييد نشاطهم أو بمحاولة الحد من الارباح التي يغرفونها فتظهر حينئذ في شكل قوة عسكرية. وقلة من هؤلاء من يلحقون بسفاراتها كموظفين . الكثرة يتواجدون ايضا تحت شعار النشاط الاقتصادي أو المالي أو الثقافي . وليس مطلوبا من أي وطني حريص على استقلال بلاده ان يكشف حقيقة كل هؤلاء الامريكيين الذين يفدون الى بلاده، يحملون وعود الرخاء ودعوات السلام . هذا فوق طاقة اي وطنى .

كيف يمكن اذن ان يعرف أي وطني حريص على استقلال بلاده بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود الامريكى في بلاده ؟ بمراقبه ودراسة تتبع النشاط الاقتصادي والمالي والثقافي في بلاده ذاتها عندما يبدأ دخول رؤوس الأموال الخاصة في بلده يكون قد بدأ الوجود الأمريكي سواء جاءت رؤوس الأموال تلك من الولايات المتحدة أو من المانيا الغربية أو من اليابان أو من أي طرف من أطراف الأرض لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي ” امبراطورة ” الرأسمالية العالمية كل ثغرة تفتح لتتسرب منها مضاربات السوق الرأسمالي إلى الداخل يدخل معها السوق الأمريكي في شكل مضاربين على احتياجات الشعب في السوق الحرة . كل صفقة دولية تعقدها مؤسسة خاصة “وطنية” هي اسلوب خاص للوجود الأمريكي في الوطن . كل فرع بنك أجنبي هو تجسيد للوجود الأمريكي . كل سلعة استهلاكية لا يحتاج إليها الشعب هي جزء من الوجود الأمريكي . كل مشروع امريكي اقتصادي أو مالي أو ثقافي ، هو وجود أمريكي .. كل دعوة ليبرالية هي دعوة إلى أمريكا لتتواجد . كل نظام رأسمالي هو في التحليل الأخير وجود أمريكي في شكل نظام .

وفوق طاقة الجماهير العربية العادية أن تراقب وتتبع هذا الوجود منذ بدايته إلى أن يسلبها استقلالها الوطني . فماذا تفعل لمنع مخاطر الوجود الأمريكي في بلادها ؟ هل تقاطع أمريكا ؟

لا ..

ألا تتعامل مع أمريكا ورعاياها من المؤسسات والأفراد إلا عن طريق دولتها . أن تكون الدولة هي المتعاملة المتعاقدة المتاجرة المبادلة ، مالياً واقتصادياً وثقافياً ، مع أمريكا وكل النظم الرأسمالية . أن تكون الدولة هي صاحبة الصلاحية وحدها ، فيما يدخل أو لا يدخل حدودها من أموال أو بضائع أو ثقافة ، وتكون هي الطرف الوحيد في كل مشروع طرفه الآخر مؤسسة رأسمالية . ان الانفتاح على المؤسسات الأمريكية هو استدعاء للوجود الأجنبي في أرض الوطن .

******

مقال نشر في جريدة السفير يوم 28/7/1975  

عبد الناصر وحرب اليمن

معلش عايزكم تركزوا شوية و تستحملوا طول المقال لأهميته لم يحظ قرار من قرارات الرئيس عبد الناصر بانتقادات واسعة وهجوم شرس مثل قرار مساندته لثورة اليمن التى اندلعت فى 26 سبتمبر 1962 ، فقد تم اتهام عبد الناصر أنه بدد احتياطى مصر من الذهب هناك . وخرب الاقتصاد المصرى،وضحى بأرواح عشرات الألوف من الشباب المصرى على سفوح جبال اليمن،وأن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن (50 ألف مقاتل ) كان هو السبب الرئيسى فى كارثة يونيو 1967 . وهكذا أصبحت مساندة مصر لثورة اليمن هى سبب كل النكبات والمشاكل، وفى ظل مناخ اعلامى معادى للثورة وقائدها راج هذا الكلام وشاع وأصبح من المسلمات،ولكن بكثير من التدقيق ومحاولة قراءة ما وراء السطور سنكتشف معا زيف كل تلك الأقاويل ، بل سنكتشف أن ترويجها له هدف أخر هو تشويه ذلك القرار الجسور وجعل تكراره من المحرمات وإصابة الشعب المصرى بعقدة ذنب وعاهة نفسية من مجرد ذكر تاريخ مصر فى اليمن فى عهد جمال عبد الناصر. ولنبدأ معا تفنيد تلك الأكاذيب: – بخصوص تبديد احتياطى الذهب المصرى فهذا لم يحدث بالمرة بل كان الذهب الذى تم توزيعه على قبائل اليمن من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذى خلعه أخاه الملك فيصل بن عبد العزيز عن العرش عام 1964 ، وعاش لاجئا فى مصر وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه فى اليمن ، وكان هو الذى أقترح على الرئيس عبد الناصر فكرة رشوة رؤساء القبائل اليمنية بالذهب، وحول جزء من أمواله لعملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصرى لليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك ، ولمن يريد الإستزادة عن خرافة تبديد احتياطى مصر من الذهب أن يعود إلى دراسة المرحوم الدكتور على نجم رئيس البنك المركزى المصرى السابق والتى فند فيها بالأدلة والوثائق تلك الخرافة. – بخصوص تخريب الاقتصاد المصرى بسبب اشتراك مصر فى حرب اليمن فى الفترة من 1962-1967 ، فالأرقام تخبرنا بالتالى : حققت مصر نسبة نمو من عام 1957 ـ 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976. وهذا يعنى يعنى أن مصر استـطاعت فى عشر سـنوات من عصر عبد الناصر أن تـقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثـيلها فى العالم المتـقدم باستثـناء اليابان ، وألمانيا الغربية ، ومجموعة الدول الشيوعية, فمثـلا ايطاليا وهى دولة صناعية متـقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تـقدر بـ 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية. كما استطاعت مصر تنفيذ أنجح خطة خمسية فى تاريخها من 1960-1965 ،وبدأت الخطة الخمسية الثانية من 1965-1970 ،بل أنه وبرغم هزيمة 1967 حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة, و زادت هذه النسبة فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا. وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر بفائض قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان. وفى نفس الفترة الزمنية عقد الستينيات من القرن الماضى كانت مصر تبنى السد العالى أعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين باختيار الأمم المتحدة والذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو . وتبنى القطاع العام الذى بلغ ثمنه بتـقديرات البنك الدولى 1400 مليار دولار،كما كان لدى مصر أكبر قـاعدة صناعية فى العالم الثـالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثـقيلة وتحويلية وإستراتيجية وهكذا يتضح لنا أن مساندة مصر لثورة اليمن ومساعدتها للشعب اليمنى فى التحرر من العبودية لم تدمر اقتصادها . – وبخصوص استشهاد عشرات الألوف من الشباب المصرى بسبب حرب اليمن، يقول الفريق/محمد فوزى فى كتابه( حرب الثلاث سنوات) أن عدد شهداء مصر فى اليمن بلغ خمسة ألاف شهيد ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير إخوانهم فى الدين والعروبة، وأن الضباط والجنود كانوا يتسابقون على طلب الاشتراك فى حرب اليمن بسبب ما يعود عليهم من امتيازات . وهكذا فأن الرجل الذى كان رئيسا للأركان فى الجيش المصرى خلال تلك الحرب ،ثم وزيرا للحربية بعد نكسة 1967 يثبت لنا بالأرقام أن عدد شهداء مصر فى اليمن ليس عشرات الألوف كما أشيع بل هو خمسة ألاف شهيد ، ويكفينا أن نعلم أنه بدون حروب ، وفى الفترة من عام 1980 إلى عام 2009،توفى 180 ألف مصرى فى حوادث الطرق بمعدل 6000 قتيل سنويا، بينما فى حرب اليمن استشهد 5000 مصرى فى خمس سنوات من القتال. وهكذا فأنه من الأولى للباكى على شهداء مصر فى اليمن خلال حرب طاحنة أن يبكى على قتلى مصر فى حوادث الطرق برقمهم المهول 180 ألف قتيل،وهو رقم يزيد عن 4 أضعاف شهداء مصر فى حروبها الخمسة ضد إسرائيل والذى أحصى الصليب الأحمر عددهم ، وقدره ب40 ألف شهيد. تبقى نقطة أن وجود الجيش المصرى فى اليمن كان هو السبب الرئيسى فى كارثة 5 يونيو 1967 . وهنا يختلف السياق فلم يكن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن هو سبب الهزيمة على أساس أن الجيش الذى كان فى مصر لم يكن مكتملا ،يكفى أن نعلم أن القوة الضاربة المصرية كلها كانت فى مصر متمثلة فى القوات الجوية والمدرعات،وقوات الدفاع الجوى، كانت كل القوات اللازمة للخطة”قاهر” علاوة على أربع لواءات مستقلة وأربع فرق مشاة ،وفرقة مدرعة وثلاث لواءات مدرعة مستقلة مع وحدات سلاح المدفعية والهاون وسلاح المهندسين فى مصر. لم تكن حرب اليمن هى سبب الهزيمة بل كان فشل قيادة القوات المسلحة هو السبب الرئيسى فى الهزيمة، كان الاهمال والتراخى والثقة الزائدة بالنفس غير المبررة، وسيطرة المشير عامر على الجيش هو وشلته وعزل الرئيس عبد الناصر عن حقيقة أوضاع الجيش المصرى، وبالطبع التآمر الدولى كان له دورا كبير أيضا فى الهزيمة. إذن لماذا يوجد هذا الربط الدائم بين وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن فى الفترة من 1962-1967 وبين كارثة 5 يونيو 1967 ؟ هنا لابد من مراجعة الدور السعودى فى حرب اليمن وفى التحريض على حرب 1967 وهذا الدور يأتى فى إطار الرؤية الغربية العامة بأن عبد الناصر تعدى كل الخطوط الحمراء بمساندته لثورة اليمن ماديا وعسكريا، وأصبح من اللازم تحطيم نظامه والاطاحه به بعدما تجرأ على ارسال جيشه إلى منابع كنز الحضارة الغربية ومحركها الرئيسى (البترول)، ومناداته الدائمة (أن بترول العرب للعرب ، ويجب أن يتم استخدامه كسلاح لتحقيق المصالح العربية)، هذا بالأضافة لأسباب أخرى مثل عدائه لإسرائيل ورفضه الصلح معها، ومحاربته لقوى الاستعمار القديم والجديد، وبناءه لنموذج تنموى اقتصادى واجتماعى خارج منظومة الاحتكارات الرأسمالية الغربية، وسعيه للتصنيع ،وانتاج الأسلحة والصواريخ،ومشروع مصر النووى ،كل تلك الأسباب مجتمعة مع تأييده لحرب اليمن شكلت السبب الرئيسى لضربة يونيو 1967 . فى 26 سبتمبر 1962 تندلع ثورة الضباط الأحرار اليمنيين اليمن ضد نظام أسرة حميد الدين الاستبدادى المتخلف . ورغم النزاعات الدموية التاريخية و الخلافات الحدودية بين أسرة حميد الدين فى اليمن و الأسرة الحاكمة السعودية كانت السعودية الخائفة من انتقال الثورة إليها هى التى بدأت التدخل فى ثورة اليمن بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا ، فقد وقفت السعودية بضراوة ضد الثورة اليمنية وعملت على إجهاضها وتبنت الأمير البدر باعتباره إمام اليمن كما قامت بتمويل القبائل اليمنية بالكميات اللازمة من السلاح والذهب وبالفعل يسقط العقيد على عبد المغنى أحد أهم قادة الثورة اليمنية وهو يدافع عن مدينة صعده اليمنية ضد هجوم قبلى سعودى يمنى ، وتتحالف السعودية مع بريطانيا التى كانت تحتل جنوب اليمن ويقابل الأمير فيصل بن عبد العزيز ( ولى العهد والحاكم الفعلى للسعودية ) السير دوغلاس رايت رئيس جهاز المخابرات البريطانى الذى يقول للأمير ( إن نجاح الكولونيل ناصر فى الحصول على موطئ قدم لمشروعاته الانقلابية فى الجزيرة العربية ، وهى أهم مصادر البترول واحتياطاته فى العالم ، هو نذير شؤم يجب أن تتعاون الأطراف كلها ، ممن لهم مصلحة فى ذلك على مقاومته ودحضه) وبالفعل يبدأ تعاون سعودى أردنى رغم الحساسيات السعودية الهاشمية بالاشتراك مع بريطانيا التى أقلقها ما اعتبرته مشروعات ناصر المستمرة لطردها من أخر معاقلها شرق السويس ، وتكاد الثورة تجهض لولا طلبها المساعدة من القاهرة ،فيطلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الامامى المتخلف ، وبالفعل يدعم الرئيس عبد الناصر الثورة اليمنية عسكريا بقوات مسلحة مصرية فى عملية كبرى كان أسمها الكودى ( العملية 9000 ) كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة فى تاريخ اليمن ، وتأسيس المستشفيات والمدارس و الطرق و الموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين ، أدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة فى عدن و اليمن الجنوبى وقد دعمتها مصر بكل ثقلها فى عملية كان أسمها الكودى ( صلاح الدين) . ينجح عبد الناصر فى الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة فى اليمن فى 19 ديسمبر 1962 مقابل أن يتم سحب كل القوات المساندة للثورة والمساندة للإمام من اليمن ،كما تقدم الحكومة الأمريكية معونات للحكومة الجديدة فى اليمن رفضت السعودية هذا الاتفاق وواصلت دعمها للقبائل الموالية لحكم الإمام ، ويتعرض الرئيس كنيدى لضغوط شديدة متعددة من شركات البترول والبنوك الأمريكية إلى جانب الحكومة البريطانية بسبب اعترافه بالنظام الجديد فى اليمن لخطورة ذلك على أوضاع النظام الحاكم فى السعودية ، ومصالح الغرب فى البترول العربى ،وبالفعل يتم وضع خطة سميت ( السطح الصلب ) تتعهد فيها الولايات المتحدة بضمان أمن وسلامة النظام السعودى والأراضى السعودية ،وبالأموال السعودية ومع مساندة بريطانية ومن شركات البترول الأمريكية تم تشكيل تحالف دولى لتجنيد مرتزقة من كل أنحاء العالم وشراء أسلحة للقتال فى اليمن ضد القوات المصرية التى تدافع عن الثورة كما دخلت المخابرات الأمريكية بثقلها إلى ساحة المعركة المحتدمة فى اليمن وأصبحت الحدود السعودية اليمنية مناطق حشد لنقل السلاح والذخيرة والمقاتلين المرتزقة إلى اليمن وتحولت الحرب إلى عملية استنزاف طويلة بين الجانبين المتصارعين كما أنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثورى الجديد ، كما وفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعوما بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكى بريطانى ، وبهذا عمت الثورة أنحاء اليمن شمالا وجنوبا وهددت معاقل الرجعية العربية ومنابع البترول شريان الحياة للحضارة الغربية. فى كتاب المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل – الجزء الثانى – للأستاذ محمد حسنين هيكل ، نجد الوثيقة التالية: سجل السفير الأمريكى فى جدة ( باركر هارت ) فى برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964 ) محضر مقابلة جرت بينه و بين الملك ( فيصل بن عبد العزيز ) ( يقول السفير الأمريكى ) : اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغى أننى مطلوب فى الطائف فى الساعة 4:15 ولم يعطنى البروتوكول أى إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملنى إلى الطائف بعد الظهر استقبلنى الملك فيصل فى قصر الشبرة فى الساعة التاسعة مساء فى حضور السقاف و فرعون ، و قال الملك إن هناك شيئا حدث وهو يريد إخطارى به بنفسه كصديق شخصى لى و كممثل لبلد صديق له و لأسرته ، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين ( يومى 13 و 14 أغسطس ) قامت ثلاث طائرات مصرية بإختراق المجال الجوى السعودى جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث و أبو عريش ، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة فى محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن لديه معلومات من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ، ولم يكن لديه شئ لا عن حجم هذه القوات و لا عن تسليحها و لا عن مواقعها ، و قد قال الملك إن هذه التطورات تثير فى ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر و العراق و الأردن ( ! ) لغزو و تقسيم بلاده على النحو التالى : حسين يأخذ الحجاز ، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن تأخذ الجنوب ، و باقى المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر قال لى الملك أيضا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفى هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول ، ثم أضاف إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها و شرفها ، و إذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورا أن ( فيصل ) سوف يقف ساكتا فى انتظار أن يخنق ، فهو مخطئ فى ذلك ، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريا ، و هو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغنى بها الأن : 1 ـ قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وقد أصدر أمرا فعلا بذلك. 2 ـ إنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضا بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون فى وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية. 3 ـ وهو الأن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات فى اليمن ، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة. إننى أبديت دهشتى للملك ، كما أبديت له إستغرابى لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثى بين مصر و العراق و الأردن، ثم أطلعنى الملك على تقرير مخابرات سعودى يحوى معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصرى رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك ( أن ناصر مريض جدا ) ، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه و عداى ، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن ، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات فى أوضاع تأهب فى أى مكان يراه بعيدا عن الحدود ، فتدخل الملك بحدة قائلا ( أخرجوا القوات المصرية من اليمن و سوف ينهار هذا النظام الذى يدعون بمساعدته فى شهر أو اثنين على أكثر تقدير, ثم استجمع الملك حيويته ليقول لى ( إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذى يفتح الطريق للتسلل الشيوعى ) ، وكان يعنى ( ناصر ) ثم قال لماذا تصبرون عليه ؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا ، مرة بسبب فيتنام ، ومرة بسبب كوبا ، ومرة بسبب الكونجو ؟ ما الذى يخصه فى الكونجو ؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح فى جنيف جاءته مباشرة من فى شكل تعليمات من موسكو ، و أبديت تحفظى ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن ( ناصر ) يعادينا و يخدعنا ، وإننا مازلنا نحاول استرضاؤه ، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابا لناصر على سياسته ، وعقب الملك أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث . يقول الأستاذ هيكل ان هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية ليس فقط بسبب طلب الملك فيصل ( تجويع المصريين ) ، ولكن لأن الأردن كان حليفا للسعودية فى حرب اليمن ، ويضيف ان إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فى اليمن ولعبت دورا فى العمليات العسكرية أطلق عليه الاسم الكودى ( مانجو )،فعندما اشتدت حاجة قوات المرتزقة فى اليمن إلى مؤن و ذخائر تلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت ورفض الطيارون الأردنيون والسعوديون القيام بذلك وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر أكثر من مرة طالبين اللجوء السياسى ،وهنا قررت جبهة دعم الملكيين فى اليمن بزعامة السعودية الإستعانة بإسرائيل، وبالفعل قام الطيران الإسرائيلى بهذا الدور. وفى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) . ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية – شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية – تأميم القناة – تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر – الوحدة مع سوريا ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب .. فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر . وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية الأردن ليبيا تحت حكم الملك السنوسى . كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصرمع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام1970 . وبرصد المخابرات المصرية لتطور الأوضاع فى ساحة الحرب اليمنية ومدى تشابك المصالح والقوى الدولية التى تلعب على وتر إطالة الحرب فى اليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية ، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية فى أغسطس 1965 لأداء العمرة ومقابلة الملك فيصل للوصول إلى حل فى اليمن وفى 22 أغسطس 1965 وصل الرئيس عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك إن مصر لا تريد قلب النظام فى السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية ، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا فى حرب اليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية ، وتوصل الزعيمان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عرف بعد ذلك باسم اتفاقية جدة التى قررت أن يتم عمل استفتاء للشعب اليمنى يقرر فيه نظام الحكم الذى يرتضيه فى موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له ، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الإلتزام بها ، ويصرح الرئيس عبد الناصر ( بأنه لا فائدة ترجى من اللقاء مع الرجعيين ، بعد كل ما رآه وسمعه فى السياسات السلمية السابقة التى مارسها إزاءهم فى اللقاءات والمؤتمرات ) ، وفى 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل فى زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التى أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ، وأن السعودية ماضية فى تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل للجامعة العربية ، خلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه ( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن) فى كتاب ( عقود من الخيبات ) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان فى الصفحات من 489 ـ 491 ، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ( وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ) وفيها يقول الملك العربى ما يلى : من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 ـ كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا فى الوجود لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التـالية : ـ أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام ـ سوريا هى الثـانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر. ـ لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران. يا فخامة الرئيس إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه , أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار. المخلص : فيصل بن عبد العزيز ( ملك المملكة العربية السعودية ) من قراءة تلك الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى: الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967 زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970. عندما نشرت مقالى عن ( غياب عبد الناصر هل كان صدفة ؟) فى ديسمبر 2007،نشرت تلك الوثيقة ضمن المقال الذى كان يبحث لغز وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 ، و تم نشر المقال على موقع الفكر القومى العربى ، وموقع منتديات الفكر القومى العربى ، وعندما قرأ تلك الرسالة/الوثيقة ، السيد ( سامى شرف ) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى: ( كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ ان سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبوهشام أريدك ان تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة ) (انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة). ـ فى الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتى قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) ، أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ، الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز ، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين : 1 ـ تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة ( عام 1968 كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ) سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها . 2 ـ أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة . ـ تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة ( عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك ـ يقول الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) أنه فى ربيع عام 1985 تقابل مع السيد كمال أدهم فى بيته فى لندن وسأله عن لقاء الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟ ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا ( أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه ( العرش و الأسرة ) ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ) ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ( وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت !). بقراءة كل تلك الوثائق سنتأكد بالفعل أن مساندة مصر لثورة اليمن ،ووجود جزء من الجيش المصرى هناك تسبب فى اطلاق كل كلاب الصيد للقضاء على تجربة جمال عبد الناصر. لم تكن مساندة مصر لثورة اليمن مصادفة أو قرارا عشوائيا بل كان لمصر دورا بارز فى تفجير الثورة من الأساس،وكانت على صلات وطيدة بالخلايا السرية للضباط الأحرار فى الجيش اليمنى. كان قرار عبد الناصر بتفجير الثورة فى اليمن ومساندتها ودعمها عسكريا نابعا من رؤيته للأمن القومى المصرى،رأى عبد الناصر أن من يسيطر على فلسطين يهدد سيناء، ومن يسيطر على سيناء سيطر على قناة السويس ، ومن سيطر على القناة سيطر على مصر والبحر الأحمر،ومن سيطر على مصر سيطر على الوطن العربى كله. حدد عبد الناصر فى تقديره الاستراتيجى لموقف مصر فى نهاية عام 1952 الأتى: – تواجه مصر عدوين فى وقت واحد :بريطانيا فى القناة وإسرائيل على الحدود الشرقية – لا يمكن لأية مفاوضات سياسية مع بريطانيا للجلاء أن تنجح إلا بمساندة العمل الفدائى والعسكرى فى منطقة القناة – مصر لن تتمكن من خوض معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد اسرائيل طالما ظلت القوات البريطانية متواجدة فى منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق وتتحكم بها – العدو الرئيسى فى الوقت الحالى هو قوات الاحتلال البريطانى والعدو الفرعى هو القوات الاسرائيلية وبالفعل ينجح عبد الناصر فى توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954 ،وتتبعها الخطوة الثانية بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 مما أدى للعدوان الثلاثى على مصر، وبفشل العدوان أصبحت قناة السويس مصرية بالكامل،كما ألغى عبد الناصر معاهدة الجلاء وأستولى على القاعدة البريطانية فى منطقة القناة،وبذلك تم تطهير المدخل الشمالى للبحر الأحمر،وبقى المدخل الجنوبى عند باب المندب ،وأصبح الطريق مفتوحا نحو الشرق فى سيناء للجيش المصرى دون تهديد بريطانى للقوات المسلحة المصرية، أصبحت اسرائيل هى العدو الرئيسى لمصر الذى يتحتم مواجهته . صمم عبد الناصر على انهاء الاحتلال البريطانى للسودان أولا وبعد ذلك الدعوة لوحدة وادى النيل من خلال الاعتراف بحق الشعب السودانى فى تقرير مصيره،وعندما أختار الشعب السودانى الاستقلال والانفصال عن مصر بادر عبد الناصر بتأييد ذلك وسحب القوات المصرية من السودان تاركة أسلحتها الثقيلة هدية للجيش السودانى مما اضطر البريطانيون إلى سحب جيشهم لتتحرر السودان ،وبذلك اكتسبت مصر صداقة الشعب السودانى ،وفتحت مجال العمل لها فى أفريقيا كلها باخلاصها والتزامها بتصفية الاستعمار فى القارة السمراء وحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية،وفى عام 1957 أصبح الساحل الغربى للبحر الأحمر حتى كسلا ونهاية الحدود السودانية خاليا من القوات الأجنبية نهائيا. تحتل الصومال موقع استراتيجى هام فى القرن الأفريقى لذا قرر عبد الناصر مساندة القوى الوطنية الصومالية ودعمها من أجل الحفاظ على مقومات الشخصية الصومالية بجذورها العربية والإسلامية ووحدة أراضى الصومال ،وقطع الطريق على إسرائيل التى كانت تريد توطيد علاقاتها الإقتصادية بالصومال لذا اتصلت مصر بكل الهيئات والتنظيمات السياسية الصومالية ودعمت التعليم فى الصومال بالكتب العربية، كما أمر عبد الناصر أن يفتح الأزهر أبوابه لاستقبال الصوماليين الذين توافدوا على مصر بأعداد هائلة ،كما تم إرسال بعثة أزهرية كبيرة للصومال لربط الشعب الصومالى بدينه الحنيف ،وهكذا عملت مصر على إرساء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية وطيدة بالصومال الذى نال استقلاله عام 1960 وأنضم لجامعة الدول العربية،وبذلك ضمنت مصر مكانها فى منطقة القرن الأفريقى وقطعت الطريق على إسرائيل ،لتتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ثم اندلعت ثورة اليمن على الجانب الأخر من شواطئ البحر الأحمر (الساحل الشرقى) وكان الدور المصرى والوجود المصرى لدعمها وأصبحت مصر قادرة على التحكم فى مدخل البحر الأحمر الشمالى ومدخله الجنوبى وهو ما تحقق فعلا خلال حرب 1973 باغلاق مضيق باب المندب . وبرغم الهزيمة فى عام 1967 ومحاولات اسرائيل لزيادة وجودها فى البحر الأحمر ببناء مطارات فى سيناء،ونقل بعض الزوارق الحربية برا من موانيها فى البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ،ومحاولتها سرقة بترول خليج السويس أو التدخل فى عملية فتح قناة السويس. أجهضت السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر كل تلك المحاولات ،وقامت مصر بنشر سفن أسطولها فى البحر الأحمر فى الموانى المصرية وميناء بورسودان ،كما نشرت مصر قواتها الجوية فى مطارات السودان،ونقلت جزء من قواتها البرية إلى منطقة جبل الأولياء بالسودان ،وعندما أستأجرت إسرائيل حفار عملاق لسرقة البترول المصرى فى خليج السويس قامت المخابرات المصرية بتدميره قبل وصوله للبحر الأحمر . ورفضت مصر كل محاولات فتح قناة السويس قبل انسحاب اسرائيل من كل الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وايجاد حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطينى، بل أن الرئيس عبد الناصر رهن فتح القناة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم. يقول المفكر الكبير “جمال حمدان” فى أوراقه الخاصة : أن الرئيس جمال عبد الناصر هو «أول وللأسف آخر’ حاكم يعرف ويفهم جغرافيا مصر السياسية وأن ’الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون… أنت مصري إذن أنت ناصري… حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز. وكل حاكم بعد عبد الناصر لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائنا» لأن الناصرية في رأيه قدر مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه. ويقول «إن الناصرية بوصلة مصر الطبيعية’ مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبد الناصر لأن المصري ’ناصري قبل الناصرية وبعدها وبدونها.» لم تكن حرب اليمن سببا لمشاكل مصر ولم تكن هى سبب هزيمة 1967 بل كانت عملا عظيما يعكس بعد نظر ملموس لرجل دولة مهموم بقضايا أمته ،مؤمن بوحدة المصير العربى وبإن استقلال اليمن أو أى قطر عربى أخر هو جزء من استقلال مصر . وبرغم كل المؤامرات على الثورة اليمنية وبرغم كارثة يونيو 1967 قامت الجمهورية اليمنية وخرج الشعب اليمنى من حكم الامامة المتخلف، وهبت رياح التغيير على منطقة الخليج العربى ،فاستقلت امارات الخليج كلها وأنتهى الوجود الاستعمارى في المنطقة، وحتى حكام السعودية أعداء عبد الناصر وخصوم الثورة اليمنية أضطروا لإدخال تعديلات وتحديثات على السعودية لتقيهم من رياح الثورة . وخرجت دولة اليمن الجنوبية إلى الوجود كدولة مستقلة ثم توحد اليمن الشمالى والجنوبى فى دولة واحدة، وبالسيطرة العربية على باب المندب تحقق حلم عبد الناصر وأصبح البحر الأحمر بحرا عربيا بحق. وبسبب وجود الجيش المصرى فى اليمن قرب منابع النفط ،غيرت شركات البترول من أساليب تعاملها مع حكومات البترول ومنحتها نصيب أكبر من ثروتها المسلوبة . كل هذه الايجابيات جعلت الغرب الاستعمارى كله متحالفا مع الملوك العرب سواء فيصل السعودية أو حسين الأردن وحتى حسن المغرب فى أقصى غرب الوطن العربى يتكالبون على ضرب نموذج جمال عبد الناصر والاطاحة بنظام حكمه الوطنى فى مصر، وهو ما تحقق للأسف ولكن لسخرية القدر لم يتحقق ذلك عقب هزيمة 1967 بل بعد وفاة عبد الناصر وعقب نصر 1973 عندما سلم السادات كل أوراق المنطقة إلى صديقه الأمريكى اليهودى هنرى كيسنجر مدعوما بنصائح فيصل السعودية . وهو ما تعانى مصر منه حتى الآن فقد فقدت موقعها فى قيادة الأمة العربية، وفقدت أرصدتها فى القارة الأفريقية وأنكمش دورها فى حركة عدم الإنحياز،وأصبحت تواجه عزلة متزايدة فى ظل علاقات خاصة مشبوهة تجمعها بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل منذ عام 1974 . ستظل مساندة مصر لثورة اليمن أحد أعظم أعمال الرئيس عبد الناصر ومصدر فخر دائم لمصر مهما كره الخونة والعملاء بمناسبة إن الإخوان حاطين صورة الفريق الشاذلي الله يرحمه اليومين دول على أغلب بروفايلاتهم يا ريت تسمعوا تعليق الفريق نفسه على حرب اليمن :

مبادرة بناء القوة المصرية – الأستاذ سامي شرف

sami charaf

20:37 الإثنين 26 أغسطس 2013

مبادرة بناء القوة المصرية

نصحنى الأطباء بالابتعاد عن كل ما هو مقلق ومثير للتوتر والشجون فى النفس، وعلى رأسها بالطبع متابعة تطورات الأوضاع على الساحة المصرية، إلا أن إدراكى أهمية المرحلة التى تمر بها مصر، وهى تمضى على درب تأسيس دولة حديثة ذات استقلال وسيادة وطنية، ويقينى بأن مثل هذه الخطوة سوف تستجلب على الدولة المصرية- نظاماً وشعباً- الكثير من المخاطر والتحديات من قبل قوى داخلية ظلامية لا ترى فى مصر وطناً بقدر ما ترى فيها مطية لتحقيق مصالحها الخاصة، ومصالح قوى خارجية داعمة لها، ليس فى مصلحتها أن تتحرر الإرادة الوطنية المصرية، ولا أن تستعيد مصر قوتها وتأثيرها الإقليمى والدولى؛ لأن ذلك يضر بشدة بمخططاتها الرامية للهيمنة على المنطقة، كل هذا جعل نصيحة الأطباء تذهب أدراج الرياح.

هذه اللحظة التاريخية الفارقة والمفصلية التى تمر بها مصر بكل آمالها وتحدياتها تستدعى فى عقلى ووجدانى فى كثير من تجلياتها أجواء الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، حين كانت مصر تستعيد استقلالها وسيادتها الوطنية فى أعقاب ثورة تحرر وطنى فى 23 يوليو 1952 غيرت وجه المنطقة ومجرى التاريخ.

ومع إيمانى بأن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن لكل مرحلة رجالاتها وأفكارها وأساليب إدارتها، إلا أن لكل تجربة تاريخية معطياتها ودروسها التى يجب أن تستوعب، ويستفاد منها، وبما أننى واحد ممن عايشوا تلك الحقبة، رأيت من واجبى أن أضع أمام ثوار مصر، وصانع القرار المصرى رؤية رجل شارك عن قرب فى إدارة استراتيجية حققت نجاحات باهرة- بشهادة العدو قبل الصديق- فى مواجهة التحديات والمؤامرات التى حيكت ضد الدولة المصرية لكسر إرادتها.. استراتيجية صارت ملهمة لكل الشعوب الساعية لتحرير إرادتها الوطنية من الهيمنة الخارجية، لعل يكون فيها ما يفيد فى صياغة استراتيجية تواجه بها مصر المؤامرات والتحديات الداخلية والخارجية التى تهدد أمنها القومى، واستقرارها، وتعوق انطلاقها نحو بناء دولة مدنية.. ديمقراطية.. قوية ذات سيادة حقيقية، وقرار وطنى مستقل، يتمتع شعبها بالحرية المسؤولة، وعدالة اجتماعية حقيقية، وكرامة إنسانية.

ما أريد أن أضعه اليوم أمام ثوار مصر25 يناير و30 يونيو من شباب مصر.. سيدات وآنسات ورجال، يتلخص فى صياغة استراتيجية محددة المعالم تقوم على تحديد وتحقيق وتأمين المصالح الوطنية، فعدم وجود التخطيط الاستراتيجى أو ضعف تنفيذ الاستراتيجية يساعد على خلق طبقة من المنتفعين الشخصيين الذين يقفون ضد أى ترتيبات يمكن أن تحول دون استمرار مصالحهم، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومى.

كما أن وجود آلية للتخطيط الاستراتيجى ترعى خطة الدولة، يعنى السير بانتظام فى المسار الاستراتيجى، ويضمن سير الدولة فى طريق امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة، ويتيح لها امتلاك إرادتها الوطنية ويوفر لها السند المطلوب لتحقيق المصالح الوطنية، فضلاً عن تأمين تلك المصالح.

وفى هذا الإطار لابد من إدراك أن مواجهة المخاطر التى تواجهها مصر الثورة الآن، من تدخل خارجى غير مقبول وغير مسموح به فى شؤونها الداخلية مرهون بقوة بنيتها الداخلية، فالسياسة الخارجية لأى دولة هى فائض قوتها الداخلية، وكلما كانت البيئة الداخلية تتمتع بمقومات القوة الشاملة، استطاعت الدولة مواجهة التحديات الخارجية، والعمل على الصعيد الخارجى بمرونة وقوة وتأثير أكبر.

من هذا المنطلق تقوم المبادرة على ركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى: تهيئة البيئة الداخلية المصرية:

عانى الداخل المصرى لعقود طويلة من التجريف والتخريب والتدمير لكافة مقوماته الحيوية، وهو ما يشكل عقبة كبرى أمام صانع القرار المصرى فى قدرته على حماية المصالح الوطنية المصرية وتعظيمها، لذا يصبح من الضرورى مواجهة تعقيدات البيئة الداخلية المصرية، وبالتالى الحاجة لإجراء تغييرات استراتيجية من شأنها توفير الأوضاع والظروف المطلوبة لتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية، والسعى لإحداث نقلة أساسية فى القدرات التنافسية للدولة وتعزيز قدراتها تجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية، ويتوقف هذا على تحقيق الآتى:

أولاً: الإجماع الوطنى:

ضرورة تحقيق إجماع وطنى- شراكة وطنية- حول المصالح الاستراتيجية الوطنية، من خلال حوار مجتمعى شامل، تشارك فيه جميع القوى الوطنية المدنية، تعرض رؤاها وتصوراتها حول مستقبل الدولة المصرية.. حوار تنصهر فيه الأفكار معا بعيدا عن الجدل السياسى العقيم، والتحيزات الحزبية أو الأيديولوجية، والابتعاد كلية عن خلط الدينى بالسياسى، حتى يتم الوصول لبلورة استراتيجية وطنية تحدد بدقة طبيعة التحدى والطموح المطلوب إنجازه.

ثانياً: بنية دستورية وطنية تقوم على الآتى:

1. حماية وصيانة الهوية المدنية الوطنية للدولة المصرية.

2. حماية وصيانة الأمن القومى المصرى فى جميع جوانبه.

3. حماية النسيج الاجتماعى الوطنى من كافة صور التشوه.

4. حماية قيم الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان.

5. التأكيد على عدم قيام أحزاب على أسس دينية.

6. تحقيق العدالة الاجتماعية فى أوضح وأعلى صورها.

7. الإعلاء من قيمة البحث العلمى، وتهيئة البيئة التشريعية والدعم المادى لتطوره.

8. بسط الحريات السياسية للمواطنين.

9. التداول السلمى للسلطة.

10. استناد القرار السياسى إلى السند المعرفى.

11. سيادة النظام والقانون والمؤسسية.

12. التوازن بين السلطة السياسية والسلطة المهنية.

ثالثاً: بنية اقتصادية قوية تقوم على الآتى:

1. تبنى استراتيجية اقتصادية تقوم على تحقيق أكبر قدر من تحرير الإرادة الوطنية.

2. إعادة الاعتبار لدور الدولة فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى وتدخلها الحاسم فى تنظيم العلاقة بين الملكية والإنتاج، بما يحقق التوافق بين الفعالية الاقتصادية من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

3. تبنى مشروع قومى للتنمية يعتمد على مبدأ كفاية الإنتاج وعدالة التوزيع.

4. تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والمزايا الجغرافية.

5. تأمين امتلاك مصادر الطاقة الآمنة والرخيصة، وتنوع مصادرها.

6. امتلاك المزايا والقدرات التنافسية العالمية.

7. تنوع مصادر الدخل القومى.

8. تحقيق تنمية متوازنة.

9. تطوير الأداء الاقتصادى فى كافة المجالات، من خلال إدخال التقنيات الحديثة والمتطورة، والبحث العملى فى جميع مراحله.

10. تحقيق الأمن الغذائى.

11. القدرة على توفير السلع ذات التأثير الاستراتيجى.

12.القدرة على إدارة التنسيق على مستوى النشاط الاقتصادى وما يتصل به من قوة وفاعلية الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة.

13. ملاءمة السياسات والتشريعات الاقتصادية.

14. تهيئة المناخ لإقامة تكتلات اقتصادية قوية مثل السوق العربية المشتركة.

رابعاً: بنية علمية ومعرفية تقوم على الآتى:

1. توفر مناخ بحثى مناسب (تشريعياً – مادياً – تحفيزياً)

2. تطوير البنية التحتية المطلوبة للإنتاج العلمى.

3. صياغة استراتيجية تعليمية تعمل على توفير مناهج وتأسيس وحدات تعليمية حديثة ومتطورة.

4. وجود كوادر مؤهلة كماً وكيفاً بما يتناسب وتحديات العصر، وهذا يتعذر تحقيقه دون استراتيجية تعليم حديثة متطورة.

5. إدخال مواد التخطيط الاستراتيجى ضمن مناهج طلاب الجامعات.

6. توفر المعلومات بالجودة والمصداقية والوقت المناسب.

7. تعظيم قدرة الدولة على إدارة التكامل العلمى محلياً وخارجياً.

8. شراكة وتنسيق فعال بين السلطة العلمية والسياسية والتنفيذية.

9. مسؤولية الدولة فى إتاحة الفرصة للعلماء للاطلاع على التطورات العلمية فى العالم.

خامساً: بنية اجتماعية متماسكة تقوم على المقومات الرئيسية التالية:

1. سيادة القانون من خلال استقلال حقيقى للقضاء، وعدم جواز التدخل والتأثير مادياً أو معنوياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبأى وسيلة من الوسائل فى أعمال القضاء، وهو ما يتطلب أن يدار القضاء من داخله وبرجاله، وأن يتم فك وثاق تبعيته لوزارة العدل سواء إدارياً أو مالياً.

2. مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص هو القاسم المشترك بين المجتمعات التى تغذى السير نحو الديمقراطية، والمساواة هى السمة الأساسية للعدالة الاجتماعية، وهى ليست شعارًا يُرفع، أو ادعاءً يُدَّعى، وإنما هى عبارة عن إرادة سياسية وإستراتيجية وطنية، تتجه بصدق نحو إزالة كل المعوقات والعوامل التى تميّز بين المواطنين، وإتاحة الإمكانات للجميع وتيسير الوصول إليها دون استثناء فى جميع مناحى الحياة المختلفة، وهو ما يقود بدوره إلى المساواة السياسية، أى إلى التساوى فى الحقوق والحريات العامة، ويفتح آفاقا رحبة لتقليص التفاوت وتحقيق التماسك والتكامل الاجتماعى.

3. إعادة الاعتبار لدور الأزهر والكنيسة التنويرى فى تشكيل الوعى الدينى والروحى للأمة المصرية بشقيها المسلم والمسيحى، مع التأكيد على دورهما الوطنى وليس السياسى، وشتان بين الدورين؛ فالأول واجب مطلوب، أما الثانى فمرفوض لأنه يخلط الدينى بالسياسى، وهى كارثة تهدد استقرار وأمن المجتمع.

4. التأكيد على دور الأسرة والمؤسسات التربوية (التعليمية- الرياضية – الإعلامية- الدينية) فى إعادة تشكيل منظومة القيم فى المجتمع نحو القيم والمرتكزات التى تكفل التماسك الاجتماعى، والوحدة الوطنية، والتأكيد على مبدأ المواطنة وإعلاء قيم العمل والوقت، والانتماء للوطن، وإزالة كافة صور التشوهات التى لحقت بمنظومة القيم المصرية العريقة جراء عوامل كثيرة، أهمها غياب المشروع القومى، وفساد العملية التعليمية، وغياب الديمقراطية وعزل المواطن، وغياب الرقابة، وغياب الشفافية، ونظرة القيادة المتدنية للشعب، إضافة إلى العوامل الاقتصادية.

الركيزة الثانية: تهيئة البيئة الخارجية المصرية:

تؤكد تجربة مصر الوطنية بما لا يدع مجالا للشك أن قدرة مصر على حماية مصالحها، ومواجهة التحديات الخارجية التى تهدد تلك المصالح، واستقلالية قرارها وإرادتها الوطنية لن تتحقق إلا من خلال ما يلى:

1. إدراك أن مصر فقدت دورها ونفوذها خارجياً، وعجزت عن حماية مصالحها للأسباب التالية:

■ افتقاد دورها كنموذج حضارى، حين افتقر النظام المصرى لأى مضمون فكرى أو مشروع نهضوى يشكل عامل جذب أو استقطاب للآخرين.

■ انكفاؤها داخليا فى محاولة لسد الاحتياجات الاقتصادية اليومية والمشكلات المتراكمة التى تضاعفت نتيجة القصور فى الرؤية والتحول السريع – اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

■ التخلى عن الدور الاستراتيجى للدولة، والاكتفاء بالوظائف أو المهام والوساطات التى هى من شأن الدول الصغيرة أو منظمات التعاون الدولى أو حتى الشخصيات العامة.

■ تراجع الدور المصرى شكل فراغاً قيادياً خطيراً فى العالم العربى عجزت عن سده أى دولة عربية رغم المحاولات المتكررة والطموحات الفردية أو الجماعية، مما أدى إلى تسابق قوى أخرى من خارج النظام العربى لشغل مقعد القيادة الشاغر؛ وهو أمر بالغ الخطورة على المصالح الحيوية والأمن القومى المصريين.

■ وجود العنصر الأمريكى كعامل حاكم لتحرك مصر الدولى والإقليمى.

2. استعادة مصر لنفوذها وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية فى الخارج مرهون بتحقيق الآتى:

■ بعث حقيقى لعناصر القوة المصرية، وتوظيفها بما تتناسب مع مكانة وإمكانات مصر الإقليمية، لتعظيم المصالح المصرية داخلياً وإقليميا ودولياً.

■ أن تتخلص من العنصر الأمريكى الحاكم لدورها فى المنطقة، وأن تمارس هذا الدور من منطلق المصلحة المصرية البحتة، ودون أى اعتبارات أخرى.

■ لا صداقة فى المصالح القومية.. ولا يوجد حليف دائم أو خصم دائم فى العلاقات الدولية.. وإقامة علاقات مع الآخر لابد أن يكون مرجعها الرئيسى المصلحة الوطنية المصرية.

■ على مصر أن تدير علاقة معقدة مع جميع أطراف المعادلة الدولية والإقليمية، ولا تسمح أو تشارك فى محاور أو أحلاف، بل عليها حشد النظام الإقليمى العربى خلف تحسين الشروط الجيواستراتجية والجيواقتصادية لأعضائه، من خلال الاتفاق على حلول وبدائل أصيلة طويلة المدى للصراعات الإقليمية، ويستعيد النظام الإقليمى العربى فى إطارها استقلاله النسبى، ويتيح للمنطقة فرص التفاوض الخلاق حول الأمن التنمية.

■ أن تسعى مصر جاهدة لتغيير البيئة الإقليمية العربية بما يتلاءم مع ممارسة دورها القيادى بشكل يتوافق مع مصالحها الحقيقية على المدى البعيد، وهى فى سبيل ذلك لابد أن تقيم قاعدة داخلية حقيقية قوية من القدرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية، والاجتماعية، وهو الأمر الذى يتبلور فى بناء نموذج تنموى شامل وحقيقى يشكل بؤرة جذب للآخرين؛ بحيث يكون لهم مصلحة فى قبول الدور المصرى.

■ أن تحرص مصر بقدر الإمكان على عدم الانجرار إلى صراع مسلح يستنزف طاقاتها الناشئة، ويعوق استراتيجية بناء القوة الشاملة.

3. ممارسة مصر لدورها الخارجى لابد أن يتم من خلال الآتى:

1. صياغة استراتيجية محددة الأهداف والأدوات للسياسة الخارجية المصرية؛ بحيث لا تصبح هذه السياسة خاضعة لتقلبات صانع القرار، ويكون العنصر الحاكم فيها هو حماية الأمن القومى المصرى الذى يمتد من منابع النيل إلى جبال طوروس.

2. مؤسسة الرئاسة باعتبارها المؤسسة الرسمية والرئيسية والمنوط برئيس الجمهورية المنتخب صنع وإدارة السياسة الخارجية المصرية، يعاونه فى ذلك مجلس الأمن القومى.

3. التأكيد على أهمية الدبلوماسية الشعبية.

4. يجب أن يكون للسياسة الخارجية المصرية منظور أوسع وأشمل للعالم، فبالإضافة إلى الاتحاد الأوروبى، والولايات المتحدة، هناك روسيا الاتحادية والصين الشعبية والهند ودول أمريكا اللاتينية.

5. إحياء الدور الخارجى لمصر فى دوائره الثلاث الطبيعية:

■ العربية: تبنى مصر لنهج القيادة الجماعية فى تفعيل دور مؤسسات وآليات العمل العربى المشترك، مع التركيز على العامل الاقتصادى كمحرك لتحقيق التكامل العربى.

■ الأفريقية: استغلال ما لدى مصر من رصيد سياسى وعاطفى لدى الدول والشعوب الأفريقية لإحياء دور مصر فى القارة السمراء، بعيداً عن نظرة التعالى، وفى إطار سياسة تبادل المنافع، مع إعطاء الأولوية لدول حوض النيل، لما لقضية المياه من أهمية حيوية لمصر.. قضية حياة.

■ الإسلامية: لابد من عودة الأزهر الشريف لدوره ورسالته الحضارية فى التعريف بصحيح الإسلام وقيمه السمحة، والتفاعل مع الأديان والثقافات الأخرى.

كما يجب على مصر أن توجد آلية أو صيغة لتفعيل العمل بين هذه الدوائر مجتمعة، على غرار منظمة عدم الانحياز، يتم من خلالها التنسيق بين دول هذه الدوائر، وهو أمر من شأنه أن يصلح الخلل فى هيكل النظام العالمى لصالح هذه الدول.

حمى الله مصر والمصريين.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 156 متابعون آخرين