الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (IV) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (IV)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

التحوّلات الميدانية في كل من العراق وسورية ستشكّل قاعدة للتحوّلات السياسية في المشرق العربي بشكل مباشر.  فالتلاقي الميداني بين قوات الجيش العربي السوري وحلفائه وفي طليعتهم المقاومة مع قوات الجيش العراقي وحلفائه على الحدود له دلالات عديدة.

أولا-أن التلاقي هو الرد القومي على تجاوز مفهوم الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية والذي حاول تسويقه مشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام على حد زعمه.  فالتلاقي على الحدود يكرّس وحدة الدم العربي في مواجهة المشاريع التقسيمية والتفتيتية التي يحاول الحلف الصهيوأميركي فرضه على بلاد الشام وبلاد الرافدين. وهذا التلاقي يحاكي ويشفي غليل المواطن العربي الذي ينادي إلى وحدة الصف والموقف والتكامل تمهيدا عند تسمح الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق الوحدة، حلم أبناء الأمة.

ثانيا-إن تصريح القائد الميداني لقوّات حزب الله على الحدود السورية العراقية وتأكيده على عروبة العراق هو الرد الميداني على ما حاول المحتل الأميركي تحقيقه في نزع عروبة العراق عن دستوره.  كما هو تأكيد على إفشال تقسيم العراق إلى كيانات مذهبية متناحرة.  فالعروبة تجمع أبناء الأمة بينما الطروحات الأخرى تفرّق بينهم.

ثالثا-إن تأكيد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أن الرئيس السوري بشّار الأسد هو القائد لمحور المقاومة يؤكّد أولا على قومية المعركة في وجه جماعات التعصّب والغلو والتوحّش، وثانيا، أنها تنفي الادعاءات المشكّكة في الدور العربي لمحور المقاومة.  فالتحالف مع الجمهورية الإسلامية في إيران هو تحالف ندّي وليس تحالفا تابعا لأي جهة إقليمية أو دولية.

رابعا-إن قرار الرئيس السوري بالتوجّه نحو “الشرق” على صعيد السياسي والاقتصادي يشكّل نقلة نوعية مفصلية قد تُخرج نهائيا الغرب من التأثير في الأقطار العربية في منطقة شرق الأوسط.  إن التلاقي الميداني السوري العراقي يواكب التلاقي السوري مع العمق الآسيوي أولا مع إيران وثانيا مع دول البريكس.  هذا التلاقي يربط بحر الصين ببحر المتوسط بشك غير منقطع رغم محاولات الولايات المتحدة في قطعه بتواجده المتعثّر في أفغانستان.

هذا الصمود ثم النصر التاريخي والأسطوري بدأت انعكاساته على المحور المناهض لمحور المقاومة.  فالسجال المؤسف الذي شهدنا في اجتماع على مستوى المندوبين في الجامعة العربية يعيدنا إلى ما شهدناه منذ ست سنوات عندما تمّت مخالفة ميثاق الجامعة بتعليق عضوية دولة مؤسسة لها أي الجمهورية العربية السورية.  إن السياسات العبثية التي اتبعتها بعض الدول الخليجية بدءا من تغطية احتلال العراق إلى تغطية العدوان الأطلسي على ليبيا إلى العدوان الوحشي على اليمن والعدوان الكوني على سورية أتت أكلها.  فمن استثمر في احتلال العراق وفي الفتنة المذهبية يحصد ما زرعه من مأسي وخيبات أمل وتراجع في المصداقية والنفوذ.  وهذا التراجع قد ينعكس سلبا في داخل هذه الدول التي استسهلت المراهنة على الخارج.  هذا المشهد لا يُفرحنا بل يؤلمنا.  والجامعة العربية مدعوة اليوم قبل غدا أن تقوم بمراجعة جذرية وجريئة لسياساتها منذ تغطيتها لاحتلال العراق حتى الساعة.  ولا تكتمل هذه المراجعة في المؤسسة وفي الدول المؤثرة فيها إلاّ بعد الرجوع إلى مقاومة الغرب والكيان الصهيوني.  كما أن المراجعة داخل الجامعة العربية يجب أن يترافق بمشاركة الشعوب فجامعة الدولة العربية مقتصرة على الحكومات وتقصي الشعوب وهذا لم يعد ممكنا.

إن التحوّلات في العراق وسورية ستكون حبلى بتطورات على الصعيد السياسي والاقتصادي في المشرق العربي.  فعلى الصعيد السياسي فإن التلاقي الميداني بين القواّت العراقية وحلفائها مع الجيش العربي السوري والمقاومة وحلفائه يعني أن أي مغامرة قد يقدم عليها الكيان الصهيوني أو حتى الولايات المتحدة والحلف الأطلسي سيواجه بطاقات بشرية ومادية من كل قطر عربي.  هذا هو فحوى رسالة أمين عام حزب الله في أحد خطاباته الأخيرة محذّرا العدو وحلفائه من أي حماقة.  فالجبهة الشرقية التي حاولت الدول العربية في الستينات إيجادها أصبحت قائمة وهذا ما يقلق الكيان الصهيوني.

من التداعيات السياسية أنهاء حالة النفور بين الدولة اللبنانية والجمهورية العربية السورية علما أن شرائح وازنة في تكوين الكيان اللبناني لم تقطع علاقاتها مع سورية رغم سياسة “النأي بالنفس” العبثية.  موازين القوة تغيّرت والمصلحة اللبنانية تقضي بالتفاهم مع الدولة السورية.  وقد بدأت ملامح التغيير في المشهد السياسي اللبناني حيث رموز التشدّد تجاه سورية بدأت بمراجعة مواقفه للحفاظ على مصالحها.  كذلك الأمر بالنسبة لحكومة الأردن التي تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع سورية.

ولا بد لنا من الإشارة أن النصر الذي يتحقّق أمامنا سيكون له انعكاسات كبيرة على الصراع مع الكيان الصهيوني.  فنهج المقاومة ينتصر في لبنان وسورية والعراق، وبطبيعة الحال في فلسطين.  نتوقّع نقلات نوعية في نهج المقاومة في فلسطين بعد ترتيب البيت الداخلي وعودة بعض الفصائل إلى نهج المقاومة وليس التفاوض.  فما زالت اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم منذ خمسين سنة صالحة اليوم.

وإذا ربطنا هذه التحوّلات مع التصدّع في مجلس التعاون والعودة التدريجية لدور مصر فإن ملامح نظام عربي جديد بات على الأبواب.  غير أن التغيير المرتقب يحتاج إلى عمل دؤوب لتكريس استقلالية ذلك النظام وتحصينه من اختراقات التطبيع والتبعية.  فما كان مستحيلا منذ فترة وجيزة أصبح ممكنا بل واجبا.  فهذه هي مسؤولية النخب العربية المسكونة بوحدة هذه الأمة ونهضتها.

أما على الصعيد الاقتصادي فورشة عملية إعادة إعمار خاصة بلاد الشام والتشبيك المرتقب مع بلاد الرافدين بالنسبة للبنى التحتية ستجعل المنطقة تشهد فورة اقتصادية لم تشهدها سابقا.  غير أن المشكّكين يثيرون مسألة التمويل الممسوك من المؤسسات المالية الغربية ما يعيد دخولها إلى المنطقة.  نعتقد أن البدائل للمؤسسات المالية الغربية موجودة وأن الإمكانيات متوفرة سواء من الصين أو الهند أو روسيا أو دول آسيوية أخرى تدور في فلك البريكس خاصة وأن كل من العراق وسورية تعومان على بحر من النفط والغاز.

في النهاية فإن النصر في سورية والعراق أمام الهجمة الكونية عليهما تحت عناوين جماعات التعصّب والغلو والتوحّش غيّر في المعادلة العربية والإقليمية والدولية.  يبقى استثمار هذا النصر لمصلحة شعوب المنطقة. ونختتم باقتباس ما جاء به الدكتور علي فخرو في مقال مثير قائلا: ” والآن، وبعد أن واجه القطران نفس المؤامرات، من نفس المصادر، بنفس أسلحة الغدر والخيانات من البعيد ومن الإخوة الأعداء القريبين، وبعد أن نجح كل ذلك في نشر الدمار والاقتلاع واضطرار الملايين للخروج إلى منافي الضياع وفي معاناة ستة ملايين من أطفال سوريا وخمسة ملايين من أطفال العراق من المرض والجوع والحرمان من الدراسة والتشرد في الشوارع، وبعد أن ضعفت الدولتان إلى حدود العجز أمام حركات الانفصال والتقسيم وإشعال الصراعات الطائفية والقبلية….. الآن وكلاهما يحصدان ما زرعه ضياع فرصة التوحيد التاريخية التي أشرنا إليها، فان السؤال (…) لا بد أن يطرح نفسه ويستدعي الجواب الواضح الصريح. السؤال: هل تعلم القطران الدرس، وهل سيستفيدان من عبر أوجاع وأهوال الجراح المتماثلة والمشتركة؟

بمعنى آخر هل سيحدثان زلزالاً استراتيجياً في الأرض العربية من خلال توجههما بخطي ثابتة، حتى ولو كانت تدريجية، نحو تبني وتنفيذ خطوات وحدوية في الاقتصاد والأمن الداخلي والخارجي والسياسة والعمالة والنظام المجتمعي المدني والتربية والتعليم وحقوق المواطنة، على سبيل المثال؟

Advertisements

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (III) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (III)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

عرضنا في المقال السابق بعض التحوّلات الدولية والإقليمية الناتجة عن التحوّلات الميدانية في كل من سورية والعراق. وكما ذكرنا سابقا فإن المشهد الدولي لا ينفصل عن المشهد الإقليمي والعربي. وكذلك الأمر بالنسبة للمشهد العربي. ففي السياق العربي نبدي الملاحظات التالية.

أولا-كانت الإنجازات الميدانية في كل من العراق وسورية إضافات عزّزت الدور الإيراني وعلى حساب دور حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وفي مقدمتهم دولة الكيان الصهيوني وفي الجزيرة العربية حكومة الرياض ومجلس التعاون الخليجي. ففي هذا السياق، نعتبر أن فعّالية مجلس التعاون ككتلة سياسية مهيمنة على المشهد السياسي العربي خلال العقد الماضي تراجعت بشكل ملحوظ بعد انفجار الأزمة بين حكومة الرياض وحكومة الدوحة.

ثانيا-إن قراءتنا لتلك التطوّرات تفيد بأن مصر لعبت دورا مفصليا في تحييد دور مجلس التعاون التي كانت تقوده حكومة الرياض. لذلك أصبحت حكومة الرياض مكشوفة وأضعف بعد الإخفاق المدوي في كل من اليمن والعراق وسورية وحتى في لبنان مع “تحرّر” نسبي لرموز لبنانية موالية لها من توجهّات كادت تبعدها نهائيا عن السلطة. ونضيف إلى كل ذلك تراجع سعر برميل النفط الذي أثّر بشكل مباشر وكبير على قدرة حكومة الرياض في الاستمرار في سياسة الانفاق الداخلي والخارجي العبثي في آن واحد. كما أن الابتزاز الأميركي لحكومة الرياض أفضى إلى شفط ما يقارب 450 مليار دولار من احتياطها المالي. وبغض النظر إذا ما تمّ دفع تلك المبالغ أو لا فإن الانطباع في مجمل الأوساط المراقبة هي تراجع القدرة المالية لحكومة الرياض في التأثير على القرار العربي بشكل عام وبالتالي على الصعيد الإقليمي والدولي.

دور مصر في إفشال قمة ترامب ونتائجها السياسية المرتقبة لتشكيل حلف أطلسي عربي سني في مواجهة إيران وتلقائيا محور المقاومة كان عبر الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في قمة الرياض التي جمعت قادة من الدول العربية والإسلامية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فمصر تستعيد تدريجيا وعلى خطى ثابته استقلالية قرارها السياسي. فمن جهة حافظت على التواصل والتفاهم مع حكومة الرياض حتى في المغامرة غير المحسوبة في العدوان على اليمن وعلى محاربة جماعات التعصّب والتوحّش والغلو التي دعمتها حكومة الرياض بشكل مباشر وغير مباشر. وبالتالي استطاعت أن تحيّد في الحد الأدنى حكومة الرياض تجاه توجّهات مصر وفي الحد الأقصى الاستفادة من المساعدات المالية. غير أن إصرار الرئيس المصري في خطابه في القمة على إدانة كل من يموّل الإرهاب فجّر العلاقة مع حكومة الدوحة، وبالتالي وحدة الموقف في مجلس التعاون. ومن المفارقات التي نتجت عن تلك القمة هي الانفصام في المواقف. فمن جهة كانت بعض قرارات تلك القمة إدانة لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله، ومن جهة أخرى فتحت مصر صفحة جديدة من العلاقات مع حركة حماس. فترميم العلاقة بين مصر وحماس يقلق الكيان الصهيوني وينسف نتائج قمة الرياض في حلف سني يخدم أهداف الكيان.

من جهة أخرى وبعد خمسين سنة على خروج مصر من اليمن تحت ضغط حكومة الرياض وما رافقها من شبهات بدور الأخيرة في العدوان الصهيوني على الجمهورية العربية المتحدة أصبحت مصر من يستطيع إخراج بلاد الحرمين من التعثّر في اليمن عبر احتواءها وليس عبر احتواء حكومة الرياض لمصر. قد ينقلب المشهد كلّيا وذلك بسبب حكمة ودقّة السياسة المصرية في الملفّات المعقّدة.

ثالثا-أما على صعيد علاقة مصر بالكيان الصهيوني فرغم كل التصريحات الرسمية بين الدولتين فهناك أنباء مصدرها وسائل الاعلام في الكيان الصهيوني تفيد أن صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتي تشمل تسليم 17 طائرة من طراز أف 35، هي لمواجهة “العدو” المصري! كما أن المشروع الصهيوني لربط المتوسط بإيلات عبر قناة يمر بالأردن هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري لأنه تعدّي مباشر على قناة السويس.

رابعا-إن قرار جامعة الدول العربية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في إنشاء لجنة مهمتها العمل على منع حصول الكيان الصهيوني على مقعد دائم في مجلس الأمن لم يكن ليحصل لولا مباركة مصر.

خامسا-إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العقيدة القتالية للجيش في جمهورية مصر العربية هي أن العدو هو الكيان الصهيوني، وبما أن الكيان لم يعد يخف نظرته العدائية لمصر ففي رأينا فإن الخط البياني للعلاقة بين مصر والكيان سيصل إلى تفريغ اتفاقية كامب دافيد من مضمونها في فترة قد لا تكون بعيدة. عندئذ يكتمل دور مصر في التوازن الإقليمي والدولي وعلى الصعيد العربي. وما قد يسرّع في ذلك التحوّل العداء الأميركي لمصر المتمثّل بقرارات الكونغرس الأميركي بتخفيض ملموس للمساعدات الأميركية وربطها بقرارات تمسّ السيادة المصرية. هذا ما لا تقبله مصر وقد يحرّرها من الجنوح إلى الولايات المتحدة. لم تصل الأمور حتى الآن إلى القطيعة مع الولايات المتحدة عير أن الحكومة المصرية بادرت منذ فترة بتبنّي سياسة التوازن وتنويع مصادر تسليحها ونسج علاقات مع البريكس التي تُوّجت بدعوتها لحضور القمة الأخيرة لها.

 

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (II) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (II)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

أما على الصعيد الإقليمي فالدور المتنامي للجمهورية الإسلامية في إيران يشكّل تغييرا نوعيا في المعادلة القديمة التي كانت تضم كل من إيران الشاه وتركيا والكيان الصهيوني. فحتى تركيا بدأت تبلور خيارات تدلّ على توجهّ نحو الشرق بدلا من الغرب. قصر نظر الاتحاد الأوروبي في رفض انضمام تركيا إليه فرض ذلك التحوّل. والجمهورية الإسلامية في إيران كانت حريصة، مع حليفها الاتحاد الروسي، على احتواء تركيا وقد نجحا بالفعل. فخيارات تركيا تحت حكم اردوغان أصبحت محدودة ولا مفر من الانخراط في المحور الآسيوي الجديد. من هنا نفهم صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية S400 مع تركيا. الجدير بالذكر هنا أن الكيان الصهيوني حاول الحصول عليها وفشل كما فشل في منع بيعها إلى تركيا. فهل هذا تمهيد لخروج تركيا من الحلف الأطلسي؟

أما على صعيد الكيان الصهيوني فهو يسجّل التراجعات المتتالية. فصورة دولة التفرقة العنصرية التي يريدها الكيان أخسرته الكثير من التأييد الذي كان يحظى به في العديد من الدول الأوروبية وحتى في الولايات المتحدة. من جهة أخرى رضخ الكيان للمنتفضين في الأقصى وفي المعتقلات عبر إضراب الأمعاء الخاوية التي نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي العالمي بعد إخفاق الاعلام المهيمن الرسمي والمولي للكيان في نقل الصورة. المواقع الإلكترونية عديدة في العالم تندّد كل يوم بالأعمال الإجرامية التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني ما يساهم في تراجع التعاطف إن لم يلغه كليّا. ومن تجلّيات ذلك التراجع التصويت في إحدى هيئات الأمم المتحدة (اليونسكو) على أن لا حق لإسرائيل في مدينة القدس وخاصة الشق العربي من المدينة، وأن مدينة الخليل والحرم الابراهيمي جزء من التراث العالمي ولا يحق للكيان تغيير معالمهما. كما أن تعاظم حملة مقاطعة البضائع والاستثمار وفرض العقوبات بي دي أس في أوروبا والولايات المتحدة حتى ضمن الجاليات اليهودية دليل على تراجع مكانة الكيان الصهيوني وعدم فعّالية الدعاية الصهيونية.

من معالم التراجع الصهيوني تراجع الكيان في التأثير على مراكز القرار والنفوذ في العاصمة الأميركية. في مقال لموقع “فيترانز توداي” جاء فيه أن التصعيد الكلامي لقيادات الكيان ضد الجمهورية الإسلامية في إيران يعكس الهلع الذي يسود قيادة الكيان بعد تعثّر جهود نتنياهو في إقناع الإدارة الأميركية في ضرورة التدخّل العسكري في سورية. وموقع “فيترانز تودي” يعود لقدامى المؤسسات الاستخبارية الأميركية ويضّم أهم العقول والمحلّلين العسكريين والسياسيين. وهم على تناقض مع سياسات رموز الدولة العميقة التي يعرفونها جيّدا كونا كانوا جزءا منها في السابق وما زالوا على تواصل وثيق مع من يعمل داخلها حتى الآن. لذلك قراءتهم قراءات مدروسة ومبنية على معطيات ليست دائما في التداول وتتجاهلها عمدا وسائل الاعلام المهيمن عندما تتوفر. على سبيل المثال نذكر المقالات العديدة التي تفنّد مزاعم الإدارة والاعلام المهيمن في استعمال الجيش العربي السوري للسلاح الكيمياوي في مختلف محطّات الصراع في سورية.

وعلى ما يبدو فإن الرموز المؤيّدة للكيان داخل البيت الأبيض وداخل الإدارة وأروقة الكونغرس لا تستطيع إقناع من يمسك بمفاصل الدولة العميقة لتجيير قراراتها لمصلحة الكيان إلاّ بالحد الأدنى. فحتى الساعة لم يتم نقل السفارة الأميركية إلى القدس كما لم يقبل الرئيس الأميركي بمهاجمة سورية وإيران. أقصى ما يمكن أن يقدّمه هو المزيد من العقوبات على إيران دون المساس بالاتفاقية.

الخلاف في الأولويات واضح. إدارة ترامب تركّز على محاربة داعش بينما حكومة الكيان تعتبر أن “الخطر الإيراني” هو أكبر. جاء ذلك في مقالة لإيتمار رابينوفيتش على موقع “بروكنز”. رابينوفيتش كان في السابق سفيرا للكيان في واشنطن واليوم هو أستاذ جامعي. يشاطره في هذا الرأي قائد السلاح الجوي للكيان الصهيوني الذي يعتبر أنه يمكن التعايش مع داعش في سورية ولكن من المستحيل التعايش مع الجمهورية الإسلامية وحليفها حزب الله. إذا التباين واضح بين الولايات المتحدة والزعيق الصهيوني خير دليل أن وجهة النظر الصهيونية لا تجد آذانا صاغية لها في الإدارة.

كما أن الادعاء الصهيوني بأنه اخترق القارة الإفريقية وحوّل الموقف التاريخي لمعظم دول القارة من مناصرة للحق العربي إلى الحياد في الحد الأدنى وإلى التأييد للموقف الصهيوني في الحد الأقصى أصيب بنكسة كبيرة بعد صدور قرار تأجيل القمة الإفريقية الصهيونية في توغو. ويأتي هذا التراجع بسبب الضغط الشعبي والرسمي لعدد من الدول العربية ما يشير إلى هشاشة الادعاءات عن الغياب العربي أمام الكيان الصهيوني.

وأخيرا وليس آخرا هناك فقدان الكيان الصهيوني القدرة على التأثير على قرارات الجامعة العربية. فاللجنة التي تُشكّلها الجامعة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية لمنع الكيان من حصول على مقعد دائم في مجلس الأمن يشكل تطوّرا هاما وينقض ادعاءات الكيان بأن الدول العربية أصبحت تريد التطبيع.

ما يبقى للكيان الصهيوني من أوراق هو القليل. يحاول الكيان الصهيوني استخدام الورقة الكردية. فما جاء في مقال نشرته صحيفة يديعوت اهارونوت للأستاذ الجامعي يارون فريدمان هو تلازم المسار الكردي مع الكيان الصهيوني. فالتحريض الصهيوني على المضي بالانفصال هو لإرباك كل من الجمهورية الإسلامية في إيران والعراق وتركيا وسورية كما هو أيضا لإحراج الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي. فالفوضى التي يمكن أن ينتج عن عملية الانفصال قد تخدم بشكل مباشر المصالح الصهيونية. قد تكون الورقة الأخيرة التي يمكن أن يلعبها الكيان قبل التسليم بالهزيمة أو اللجوء إلى الحرب. نشير هنا إلى سلسلة مقالات الدكتورة نيفين مسعد في صحيفة الأهرام حول المسألة الكردية وفرص نجاح/فشل المغامرة الكردية. أما بالنسبة للخيار العسكري فقائد السلاح الجوي الصهيوني أعرب عن ثقته بأن جيش الكيان يستطيع هزم حزب الله بمفرده ولكن لا يستطيع هزم إلاّ مع تدخل الولايات المتحدة. لكن هل هذا ممكن ضمن المعادلات الجديدة؟ نشكّ في ذلك لأن الولايات المتحدة عاجزة عن الدخول في حروب جديدة لاعتبارات عديدة تعود لجهوزية القوّات المسلحة والمزاج العام الأميركي الرافض لأي حرب جديدة.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (I) – زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (I)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

فجأة وبعد حالة أنكار غريبة يركّز الاعلام الغربي والعربي على التطوّرات العسكرية التي تحصل في الميدانين السوري والعراقي. المقالات والتعليقات والمداخلات التلفزيونية وغيرها من وسائل التواصل العام والخاص تغصّ بمعلومات وآراء متعدّدة. معظم هذه الآراء تجمع على أن التطوّرات الميدانية ستحمل تطوّرات سياسية. فما هي هذه التحوّلات السياسية المرتقبة؟

في رأينا لقد بدأت منذ فترة التحوّلات السياسية على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي لأن التحوّل الاستراتيجي حصل مع إيقاف المشروع الأميركي في العراق، وصمود المقاومة في لبنان وغزّة، ومع صمود سورية في وجه العدوان الكوني. أما التداعيات السياسية فهي متعدّدة. فلا يمكن إجراء مقاربة للتحوّلات الدولية دون مقاربة انعكاساتها إقليميا وعربيا، وكما لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بعيدا عن التطوّرات الدولية والعربية، وأخيرا لا يمكن فهم التطوّرات في المشهد العربي دون الالتفات إلى التحوّلات الدولية والإقليمية. فأي قراءة لأي مشهد تصبح قراءة متعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الدولي نشهد بروز كتلة سياسية وجغرافية وبشرية واقتصادية وعسكرية في العالم أكبر وأفعل من مجموعة “المجتمع الدولي” المكوّن أساسا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وذلك منذ تبيّن أن الهيمنة الأميركية تتعثر في مطلع الألفية الجديدة. المجموعة الجديدة هي مجموعة البريكس. لن نسترسل في سرد تطوّرات التي رافقت نشأة البريكس بل نكتفي بما حصل في اللقاء الأخير لقمة تلك الدول التي عُقدت في مدينة زيامين الصينية. فالقمة الأخيرة لها دلالات عديدة إضافة أنها المدينة التي كان عمدتها في السابق الرئيس الصيني الحالي زي جين بينغ.

الدلالة الأولى تكمن في طريقة الاستقبال الحار والفائض في الاحترام لمسؤولي الدول المشاركة خلافا عن الاستقبال الرسمي والمتعالي (والبارد أحيانا) الذي يحصل في الغرب تجاه الدول التي تعتبرها دول الغرب أقل شأنا (لا ننس دفع الرئيس الأميركي لرئيس الجبل الأسود في اجتماع قمة الأطلسي الأخير أمام الشاشات).

الدلالة الثانية هي مضمون المحادثات سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. ففلسفة هذه المجموعة هي الاستقرار ضمن حدود القوانين الدولية واحترام الدول وبهذا تختلف مع دول “المجتمع الدولي” التي تضرب عرض الحائك المواثيق الدولية والقانون الدولي. فقرار رفض أي مغامرة عسكرية في الأزمة الكورية كان بمثابة “نقض” لبعض التوجّهات الأميركية التصعيدية تجاه كوريا الشمالية. ويأتي هذا التوافق بعد اهتزازات في العلاقات بين الصين والهند ومحاولات الأخيرة في بلورة مبادرة منافسة لمبادرة الحزام والطريق الواحد، وذلك مع اليابان وبعض الدول الإفريقية تحت عنوان الممر الإفريقي الاسيوي للنمو.

أما على الصعيد الاقتصادي فكانت القرارات تثبّت المضي في إنشاء منظومة مالية دولية مستقلّة عن الدولار ما يحصّن الاستقلالية السياسية التي تتسم بها هذه الدول. وعلى ما يبدو فإن هذا التوجّه يقلق الإدارة الأميركية التي وجّهت على لسان وزير المال ستيفين منوخين تحذيرا للصين بمنعها من “الدخول إلى النظام المالي الأميركي والدولي للدولار” كما ذكر موقع “فورين بوليسي” و”روسيا اليوم”. جاء هذا التحذير بعد اعتراض الصين على عقوبات قاسية بحق كوريا الشمالية غير أن التهديد الأميركي أبعد من ملابسات الأزمة الكورية. غير أن الصين وحلفائها ماضون في إنشاء المنظومة المالية الموازية للدولار لردع الهيمنة الأميركية على العالم من الناحية الاقتصادية. فما يحصل في الميدان السوري والعراقي يُترجم على الصعيد الدولي بالمزيد من الاستقلالية عن الهيمنة الأميركية.

الدلالة الثالثة، وهي ربما الأهم في اللقاء الأخير، هو الانفتاح على العالم. فدعوة مصر وغينيا وتايلاند والمكسيك وطاجكستان ترمز إلى إقناع العالم أن الغرب ليس المرجع الوحيد للقرار السياسي والاقتصادي العالمي. دعوة مصر لها دلالات عديدة. فعبر مصر تدخل البريكس الوطن العربي كما تركّز وجودها في القارة الإفريقية مع وجودها في الجنوب عبر جمهورية جنوب إفريقيا إحدى الدول المؤسسة لمجموعة البريكس، ووجود غينيا الغنية بالموارد الطبيعية من معادن (بوكسيت، ذهب، الماس) والتي رفضت منذ استقلالها الهيمنة الفرنسية على مقدّراتها. فهي منذ حكم الرئيس المؤسس للجمهورية الغينية أحمد سيكو توري خارج منطقة الفرنك الإفريقي ٍسي أف آه والنفوذ الفرنسي المباشر. فثلاث دول إفريقية وازنة مشاركة أو مدعوة كمراقب في مجموعة البريكس لها معاني كثيرة أهمها أن الدول المستعمرة القديمة تراجعت سيطرتها وهيمنتها بشكل ملحوظ على القارة الإفريقية. أما دعوة المكسيك فهي مع البرازيل الدولة في أميركا اللاتينية صاحبة الشأن الاقتصادي الأبرز وعلى أبواب الولايات المتحدة. فيما بعد نعتقد أن فنزويلا وكوبا ستصبحان ضمن مجموعة البريكس اللاتينية.

أما على الصعيد الأميركي فحالة الإرباك هي المسيطرة على كافة مفاصل الإدارة والحكم. فالتحوّلات الميدانية في سورية والعراق لا تساعد على حسم الإرباك. فمن جهة هناك نزعة الرئيس إلى عدم التورّط في حروب جديدة ومن جهة أخرى هناك نزعة القيادات العسكرية التي لا تعرف كيف تنهي الحروب لتقلّل من خسائرها. فبعد الحرب العالمية الثانية لم تربح الولايات المتحدة حربا في العالم رغم انخراطها في حروب مستمرة والان هي منخرطة بشكل أو بآخر في حروب في سبع دول دون نتيجة إيجابية لها تذكر. فالميل الطبيعي عند القيادات العسكرية هي المزيد من التدخل لأنها لا تستطيع أن تقرّ بهزيمة ميدانية. هذا هو الحال في أفغانستان والعراق وسورية واليمن والصومال وباكستان وكاميرون.

هنا لا بد من ملاحظة تطوّر جديد في موقف المؤسسة العسكرية وهو عدم الرضوخ لمشيئة الكيان الصهيوني. هناك دلائل عديدة عن ذلك التحوّل الذي بدأ منذ بضعة سنوات في جلسات استماع للقيادات العسكرية في الكونغرس الأميركي مفادها أن سياسات حكومة الكيان تهدّد الأمن العسكري للقوّات الأميركية في المشرق العربي.

أما الحضور العسكري الأميركي في الساحتين العراقية والسورية فهو محدود ولا يستطيع تغيير المعادلات الاستراتيجية التي ترسم في الميدان. كل ما يمكن أن تفعله هو محاولة في إمساك ورقة في التفاوض. فروسيا التي تقود الحملة السياسية للحل السياسي للصراع في سورية تحرص على حفظ ماء الوجه الأميركي دون أن يسبّب ذلك أي ضرر لمصالحها في سورية والعراق وعامة المشرق، ولكن كل ذلك يُبقى اليد العليا لروسيا وحلفائها الإقليميين والدولة السورية.

وأخيرا على الصعيد الأوروبي فبات واضحا أن الدول الوازنة في الاتحاد تجنح إلى الإقرار بالهزيمة الميدانية والسياسية في سورية وتحاول التخفيف من الخسائر وحفظ دور ما في المعادلة السياسية الجديدة وربما المساهمة في إعادة إعمار سورية. فالاتحاد الأوروبي يتعرّض لهزّات عديدة وقوية نتيجة سياسات خاطئة أدّت إلى تدفّق اللاجئين من سورية والعراق ما مسّ بالأمن القومي الداخلي لدول الاتحاد.

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

Résultat de recherche d'images pour "‫القمة العربية الإسلامية الأمريكية‬‎"

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

زياد حافظ

الأمين العام للمؤتمر القومي العربي

23/5/2017

القمة العربية الإسلامية الأميركية التي انعقدت في الرياض في 20 و21 من شهر أيّار/مايو 2017 كانت مشهداً سوريالياً بامتياز. في البداية لا يمكن إلاّ أن نلاحظ أنّ موعد انعقاد هذه «القمة» جاء في فترة إحياء ذكرى النكبة، والتي لم يتكّلم عنها المؤتمرون في الرياض، وخلال إضراب الأسرى عن الطعام في السجون الصهيونية الذي تجاهله مجمع العرب والمسلمين المجتمعين في الرياض، وعشية الاحتفال بذكرى النصر في 25 أياّر/مايو التي يحاول نسيانها مؤتمرو الرياض، كما عشية شهر رمضان المبارك شهر التضحية والعطاء، وإذ كان العطاء للرئيس الأميركي فقط لا غير! فتأتي هذه القمة لضرب كلّ الموروث العروبي والإسلامي الذي لم يضمّ جميع المسلمين غابت تركيا وإيران لتؤكّد أنّ الفتنة بين المسلمين هي قرار صادر عن حكومة الرياض، وأنّ قضية فلسطين، القضية المركزية للأمة العربية قضية عابرة إن لم تكن ثانوية بالنسبة لها.

السوريالية في المشهد تكمن في أمكنة عدّة. المشهد السوريالي الأوّل هو وجود الرئيس الأميركي إلى جانب ملك تتحمّل حكومته مسؤولية إيجاد البيئة الحاضنة لمرتكبي أحداث أيلول 2001. فبعض المعلّقين الأميركيين تساءلوا وهم يستمعون للخطابات «التاريخية» كيف يمكن لرئيس أميركي أن يعطي شهادات حسن سلوك لدول وحكّامُها مسؤولون عن تغذية الفكر المتطرّف، وموضوع القمة اللفظي هو محاربة التطرّف والتعصّب والغلو والتوحّش. وما يزيد سوريالية المشهد كون الولايات المتحدة مع الدولة المضيفة مسؤولة عن كلّ مآسي التطرّف والتعصّب التي نتجت عن سياسات متعمّدة لتغذية ذلك السلوك عند الشباب العربي والمسلم المضلّل. لم تكن الأولوية عند حكومة الرياض في الثمانينيات من القرن الماضي مواجهة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان بل كانت مواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، فكانت ولادة أمّ تنظيمات التعصّب والغلو أيّ تنظيم القاعدة. وتؤكّد هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة أنّ الولايات المتحدة هي مَن صنعت تلك المجموعة كما غطّت سلوك تلك المجموعات في سورية خلال السنوات الماضية. السوريالية تكمن في اجتماع مَن صنع التطرّف لمحاربة ما صنعوه، على الأقلّ لفظياً، بينما الحقيقة هي لمحاربة المقاومة والمحور الذي يضمّ كلاً من الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية العربية السورية وبطبيعة الحال المقاومة في كلّ من لبنان وفلسطين. فاليوم عند هؤلاء المجتمعين في الرياض أصبحت المقاومة للكيان الصهيوني إرهاباً يجب استئصاله!

ليس ذلك بجديد. فمنذ سنوات بل عقود كانت حكومة الرياض والولايات المتحدة في طليعة محاربة حركة التحرّر العربي كما يفتخر وزير خارجية حكومة الرياض. لكن اليوم يأخذ مظهر الإجماع العربي والإسلامي على الأقلّ من منظور لفظي. ونشدّد على الطابع اللفظي بسبب عدم رضى العديد من المجتمعين عن مسار الأمور، كما أظهرته لغة الجسد لهم خلال تلاوة الخطابات. لكن هذه قضية ثانوية إذا ما اعتبرنا أنّ السوريالية تكمن أيضاً في ما نسمّيه بصفقة المخدوعين، أو كما يُقال بالفرنسية بـ march des dupes . فالطرفان، الرئيس الأميركي وخادم الحرمين، يعتقدان أنهما حقّقا إنجازاً كبيراً بينما في رأينا كان «الإنجاز» أقرب للمخادعة المتبادلة المبنية عن سوء تقدير فادح لموازين القوّة في كلا البلدين. لا نريد أن نقلّل من أهمية الاجتماع وما نتج عنه، ولكن لا يمكننا أيضا أن نبالغ بنتائجه الورقية حتى الآن.

العامل الأول في التريّث والتحفّظ في تقييم النتائج هو مصداقية الطرفين. فكلاهما يعاني من أزمة داخلية طاحنة قد تطيح بهما رغم ظواهر القوّة. والتركيز على تلك الظواهر كانت حاجة لحجب الضعف البنيوي والمتفشّي في العديد من الساحات والملفّات نذكر بعضها على سبيل المثال وليس الحصر لكثرتها. فالرئيس الأميركي مطارد سياسياً من قبل الدولة العميقة في الولايات المتحدة والتي أبرز وجوهها الإعلام المهيمن والإعلام الموازي. كما أنّ خطر العزل أو الإقالة أصبح حقيقة وإنْ لم تظهر حتى الآن أية دلائل قانونية تحتّم المحاكمة. فحتى الساعة ليس هناك إلاّ اتهامات سياسية من دون أيّ إثبات مادي يدلّ على خرق القانون. فلا يمكن محاكمة الرئيس الأميركي إلاّ إذا تبيّن أنه خرق القانون بشكل واضح ومتعمّد أو أنّ سلوكه يشكّل خطراً مادياً حقيقياً ومباشراً على أمن الولايات المتحدة وهذا من الصّعب إثباته. لكن في آخر المطاف يواجه الرئيس الأميركي حملة لا سابقة لها تفوق الحملة التي أطاحت بريتشارد نيكسون في السبعينيات من القرن الماضي وإنْ تشابهت بعض المشاهد. ففي أحسن الأحوال يكون بطّة عرجاء منذ السنة الأولى لولايته وفي أسواء الأحوال يتنحّى أو يُعزَل!

أما على صعيد المضيف العربي فإنّ الوضع الداخلي أقرب للكارثة من أن يكون فقط أزمة عابرة كما يروّج لها المسؤولون وإعلامهم التابع. فتداعيات العدوان العبثي على اليمن تشير إلى وجود تجاذبات حادّة داخل النخب الحاكمة وإنْ يسكت عنها الإعلام الرسمي والمهيمن بينما وسائل التواصل الاجتماعي في الجزيرة تشير إلى قلق كبير بل نقمة. فتراجع الحكومة عن قرارات التقشّف وإعادة العلاوات والامتيازات للقوّات المسلّحة وموظّفي الإدارة دليل عن مدى الامتعاض الذي ساد المشهد. فالدولة هي مصدر توظيف ثلثي اليد العاملة لمواطني الجزيرة وحجمها يوازي تقريباً ضعفي اليد العاملة في القطاع الخاص. كما أنّ حركة النشاط الاقتصادي شبه مشلولة وليس هناك من بوادر استعادة العافية الاقتصادية.

وأما إن أقبلت حكومة الرياض على الالتزام بصفقات قيمتها تقارب نصف تريليون دولار للسنوات المقبلة فيمكن التساؤل كيف تستطيع القيام بذلك من دون تداعيات داخلية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قد تنسف قاعدة التوافق القائم حتى الآن، والذي برزت فيه مظاهر التصدّع. أما رؤية ولي ولي العهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، فلن تظهر نتائجه قبل 2030 على حدّ زعمه هذا إذا ما تمّ تنفيذها. مجلّة «الإيكونوميست» شكّكت في افتتاحية لها في إمكانية تنفيذ المشروع. والجدير بالذكر أنّ ولي ولي العهد كان قد خصّ المجلّة بمكانة هامة في استراتيجية ترويج «الرؤية».

السوريالية تكمن أيضاً في إمكانية تنفيذ ما يحاول الطرفان الأميركي والعربي الإقدام عليه. الرئيس الأميركي يعود إلى بلاده حاملاً توقيع اتفاقات قيمتها تقريباً نصف تريليون دولار منها اتفاقية تسليح المملكة بحدود 110 مليارات دولار. بالمناسبة، معظم مضمون الصفقة تمّ التوافق عليها في إدارة أوباما بينما كانت بانتظار التواقيع. فترامب لم يعرض أيّ شيء جديد! لكن هذه الاتفاقيات يجب أن تحظى بموافقة الكونغرس الأميركي. وهنا نتساءل: كيف سيوافق ذلك الكونغرس على تسليح حكومة الرياض وهو الذي صوّت بشبه إجماع على قانون «جاستا» يحمّل فيها حكومة الرياض مسؤولية أحداث أيلول 2001؟ كما أنّ المُناخ السائد في الولايات المتحدة من خلال الإعلام المهيمن في منتهى السلبية تجاه المملكة رغم إنفاقها مبالغ ضخمة لتلميع صورتها عند عدد من اللوبيات الجمهورية كالتي يقودها الشيخ السابق ترينت لوط أو الديمقراطية كالتي يقودها جون بودستا رئيس حملة هيلاري كلنتون؟ لكن رهان حكومة الرياض قد يكون على نفوذ اللوبي الصهيوني وحكومة نتنياهو. وهنا نتساءل عن مدى إمكانية «نجاح» ذلك اللوبي خاصة بعد الهزائم التي مُني بها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما قبل الأخيرة؟

وإذا افترضنا جدلاً إمكانية تجاوز عقبة الكونغرس، فإنّ الرئيس الأميركي صرّح بشكل واضح أنّ التسليح لحكومة الرياض لن يكون بمستوى يهدّد التفوّق النوعي التسليحي الصهيوني. فماذا سيبيع لها؟ ما هي نوعية الأسلحة التي ستنفق عليها حكومة الرياض ما يوازي 110 مليارات دولار؟ هل ستكون أكثر فعالية من السلاح المستخدم في العدوان على اليمن؟ وما هي النتيجة الميدانية التي حقّقتها سوى الدمار والمجاعة وانتشار الكوليرا بين الشعب اليمني، رغم التفاوت الواضح بالتسليح بين الطرفين؟

أما على صعيد النتائج السياسية فليس هناك من جديد. فالعداء لمحور المقاومة قديم. ولكن من يراهن على موقف أكثر حزماً في الولايات المتحدة فلن يتعدّى في رأينا عتبة العقوبات. كان الرئيس الأميركي واضحاً أنّ الولايات المتحدة لن تخوض حرباً بالنيابة عن دول المنطقة في صراعها مع محور المقاومة وحتى مع جماعات التعصّب والغلوّ والتوحّش لو أقدمت على ذلك. فمن يحارب فعلياً تلك الجماعات هو حكومات العراق وسورية ومعهما الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا والمقاومة. الولايات المتحدة لن تخوض حرباً على إيران، فعلى ماذا يبني المراهنون على «حزم» الولايات المتحدة؟ الغارات الوضيعة على كلّ من مطار الشعيرات والتنف كانت وظيفتها لطمأنة الدولة المضيفة وإنْ لم تكن لها أيّ نتيجة عسكرية تذكر تغيّر في قوانين الاشتباك أو في الواقع الميداني.

اللافت للنظر موقف الرئيس المصري الذي أظهر تمايزاً واضحاً في مقاربته لمحاربة الإرهاب ولضرورة تحميل مسؤولية الدولة التي شكّلت حاضنة للإرهاب. وإذا كان المقصود كلّ من تركيا وقطر، فما هو المانع أن تكون حكومة الرياض في تلك القائمة؟ المقاربة الأميركية مع الدولة المضيفة لمحاربة التطرّف مقاربة أمنية عسكرية فقط لا غير، بينما المطلوب هو مقاربة فكرية ثقافية سياسية واقتصادية واجتماعية وهذا لم يتكلّموا عنه في تلك القمة باستثناء مصر واندونيسيا.

يبقى الكلام عن قوة مشتركة قوامها 34000 عنصر. الأسئلة أكثر من الإجابات الممكنة. مَن يقود، ومَن يشكّل العمود الفقري لتلك القوة؟ مَن يموّلها؟ أين ستتواجد؟ أين سيكون مسرح العمليات؟ كيف يمكن الدخول إلى دول أخرى تستطيع أن تجابه وتلحق الهزيمة بها؟ كيف قيّمت تجربة قوّات التحالف في العراق ضدّ جماعات التعصّب؟ كيف كان أداء قوّات التحالف في المسرح اليمني؟ إلخ… التجربة السابقة القريبة تدلّ على فشل أو نجاح نسبي محدود جدّاً. فماذا تغيّر الآن؟

الكلام عن حلف ناتو «عربي سنّي» كلام غير قابل للصرف والتنفيذ، إذا أخذنا بعين الاعتبار الخلافات العربية العربية حتى داخل مجموعة مجلس التعاون الخليجي. كما أنّ حلفاً لا يضمّ بشكل فعّال مصر وسورية والعراق والجزائر لن يكون إلاّ مجرّد حبر على الورق. بالمناسبة ماذا عن اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة منذ الستينيات من القرن الماضي؟ هل تعتقد حكومة الرياض أنّ ما لم تستطع حقبة الرئيس جمال عبد الناصر تحقيقه بإمكانها تحقيقه هي فقط بقوّة المال؟ أما الدعم الأميركي لها فهو أقرب من حماية يقدّمها نمر من ورق من دولة فاشلة أصبحت أقرب إلى جمهورية الموز على حدّ دافيد روثكوف رئيس تحرير مجلّة «فورين بوليسي» المعروفة!

أخيراً يخجل الإنسان العربي من الأرقام التي وردت في الاتفاقيات مع الإدارة الأميركية. فهذه الأموال أموال عربية بامتياز، لكن لن يستفيد منها أي عربي باستثناء المنتفعين من دائرة النخب الحاكمة الضيّقة. لو صرفت هذه الأموال على بناء كلّ من العراق وسورية ولبنان وفلسطين لما كانت هناك جماعات تعصّب وغلو وتوحّش. ثلثا العرب تحت سنّ الثلاثين. فمع معدل استهلاك مرتفع يصبح المكرّر الاستثماري عالياً جداً ما كان يبشّر بنمو كبير في المنطقة. الصفقة التي تمّت هي صفقة المخدوعين، ولكن المخدوع الأكبر هو مَن يعتقد أنه حقق الإنجاز الأكبر! رحم الله جمال عبد الناصر عندما قال مال العرب للعرب ونفط العرب للعرب. على ما يبدو فإنّ مال العرب هو للأميركيين والصهاينة فقط!

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟ زياد حافظ

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟

زياد حافظ

الأمين عام المؤتمر القومي العربي

17/3/2017

مع إنجازات الجيش العربي السوري وحلفاءه في سورية ضد التحالف الكوني الذي استهدف وما زال يستهدف سورية في وحدتها ودورها كشعب ودولة وقيادة، يبدو أن معارك خلفية جديدة تجدّدت تستهدف كل من وقف أو يريد الوقوف مع سورية.

فجأة انفجر الوضع في الجزائر وتصاعدت هجمات جماعة التعصّب والغلو والتوحّش في سيناء، واستولت فصائل قريبة من تلك المجموعات على مواقع هامة في شرق وشمال شرق ليبيا، كما تمّ ضرب وسط دمشق بتفجيرات انتحارية مجرمة مستهدفة المدنيين الأبرياء. كما لا يغيب عن بالنا لا التفجيرات شبه اليومية في مختلف أنحاء العراق والموت اليومي في اليمن.

من الصعب أن نضع كل هذه التطوّرات في خانة الصدف وقد تعلّمنا أن الصدفة هي أبعد عمّا يتم في مختلف أنحاء الوطن العربي.

إن استهداف سورية اليوم، بعد العراق قبل سنوات، حلقة متقدّمة من مشروع سياسي ضخم يستهدف الأمة برمتها كما تؤكّده التفجيرات والحروب المشتعلة ضد أطراف محدّدة بينما “تنعم” اقطار مؤيّدة للمشروع باستقرار نسبي، على الأقل حتى الآن. لكن هذه التفجيرات تأتي في أجواء مضطربة على الصعيد الدولي والإقليمي ما يعزّز انطباع العجز في تحقيق أهداف المشروع. والعجز يكمن داخل أطراف المشروع بدءا بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومرورا ببعض دول الاتحاد الأوروبي كفرنسا والمملكة المتحدة إلى الإقليم سواء في تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي.

ويستنفذ هذا المحور كل يوم من كافة الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق الأهداف لاسيّما تسخير منظمة الأمم المتحدة لترويج ادعاءات ضد الحكومة السورية في إما استعمال مواد محظورة كالغاز السام أو حتى ارتكاب جرائم حرب كقصف مراكز ضخ المياه لتعطيش 5،5 مليون مواطن سوري في العاصمة ومحيطها ومتجاهلة مسؤولية الجماعات المسلّحة في كلا الحالتين.

والمضحك المبكي في موقف الأمم المتحدة المنحاز كلّيا لموقف الإدارة الأميركية خلال العقود السابقة وحتى الساعة هو أن الإدارة الحالية تفكّر جدّيا في تخفيض مساهمة الولايات المتحدة في تمويل الأمم المتحدة بنسبة 40 بالمائة.

حاليا مساهمة الولايات المتحدة هي بنسبة 22 بالمائة من 5،4 مليار دولار من موازنة الأمم المتحدة. فتخفيض المساهمة الأميركية سيضعف الأمم المتحدة ويقلّص برنامج المساعدات التي تقر وفقا لتوصيات الدول الكبرى كالولايات المتحدة وتنفيذا لسياساتها. والجدير بالذكر أن التحريض على الأمم المتحدة يأتي مباشرة من رئيس وزراء الكيان الصهيوني في زيارته الأخيرة لواشنطن حيث حرّض على الأمم المتحدة “المنحازة دائما ضد إسرائيل”!

التفجيرات الأخيرة تدلّ على أن أطرافا دولية وعربية وإقليمية كالكيان الصهيوني ما زالت تراهن على تغيير ما في موقف الولايات المتحدة. وهنا علينا أن ننتبه أن ليس كل التفجيرات، بالضرورة، تابعة لجماعات التعصّب والغلو والتوحّش. فبيان مجموعة “أحرار الشام” الذي ينفي مسؤوليتها عن التفجير يثير تساؤلات عدة. أولا، لماذا تتنكّر تلك المجموعة للمسؤولية ولم تعمد سابقا إلى ذلك؟ وثانيا، هل هناك من اختلافات بينها وبين الفصائل الأخرى؟ فإذا سلمّنا جدلا بذلك فهذا يعني أن للتفجيرات دور وظيفي يخدم مخطّطات محدّدة، وليس بالضرورة مرتبطة بوقائع الميدان حتى من باب تخفيف الضغط في أماكن أخرى. فلا يمكن أن نسقط من حساباتنا أن للاختراق لبعض دوائر الاستخبارات الأميركية مسؤولية في ضرب أي توافق روسي أميركي في الإقليم. ففي رأينا تأتي هذه التفجيرات في سياق رهانات جديدة خاصة بعدما اتضح التوافق الروسي الأميركي للقضاء على تلك الجماعات من داعش إلى النصرة. فالهدف الأساسي يعود إلى الواجهة أي إلى الأمل أن الولايات المتحدة ستقدم على مهاجمة إيران وسورية في آن واحد.

بعض المؤشرّات التي تستند إليها تلك الأطراف هي وجود قوّات خاصة أميركية في شمال شرق سورية. وقد يزداد عددها إذا ما ترك الأمر للقيادات العسكرية الميدانية الأميركية. وعلى ما يبدو فإن الرئيس الأميركي أطلق يد البنتاغون وذلك منذ تسلّمه الرئاسة. فازدادت العمليات العدوانية على اليمن واليوم نشهد تصعيدا للعمليات العسكرية الأميركية في سورية كتمهيد لعمليات أوسع. ومن الواضح أن الوجود الأميركي في الأراضي السورية غير شرعي، كما أوضحته القيادات السورية أكثر من مرّة. هذا ما يزيد فرص الصدام المباشر مع القوّات الأميركية التي تتخذ من العراق ممرّا لعدوانها المرتقب على سورية. فما هو موقف روسيا في هذا الموضوع؟  وفي هذه الأجواء المشحونة تزداد فرص الصدام عن طريق “الخطأ” في ممرّات الخليج العربي مع وحدات البحرية التابعة للجمهورية الإسلامية في إيران، إضافة إلى تكرار “أخطاء” أخرى مع كل من تركيا أو روسيا. حتى الساعة الأمور مضبوطة ولكن من يستطيع أن يضمن استمرار ذلك الضبط؟

التفجيرات المتنقلة تزامن معظمها، وخاصة الأخيرة في سورية، مع زيارة ولي ولي العهد في بلاد الحرمين إلى واشنطن. اجتماعه مع الرئيس الأميركي له دلالات عدة. فهو أول مسؤول من بلاد الحرمين يلتقي الرئيس الجديد وذلك تحت سقف تنافس داخل الأسرة الحاكمة على النفوذ والسيطرة.

ففي عهد الرئيس أوباما كانت العلاقة الوثيقة مع ولي العهد وليس مع ولي ولي العهد. وهنا يمكن التساؤل هل غيّرت الإدارة الأميركية رهانها في بلاد الحرمين بعد إطلاق التصريحات النارية بحق الأخيرة؟ وهل اعتمدت “وكيلا” جديدا فيها ينفّذ مشروعها؟ ثم كيف تتعامل بلاد الحرمين مع الجو المعادي لها داخل الكونغرس الأميركي الذي ما زال يفكّر بالمزيد من العقوبات تجاهها؟  وماذا يمكن للوبي الصهيوني أن يقدّم لبلاد الحرمين في ذلك المجال؟

مراكز الأبحاث المقرّبة من المحافظين الجدد كمعهد المبادرة الأميركي (أميريكان انتربرايز انستيتوت) ومعهد دراسة الحرب (انستيتوت فور زي ستادي اوف وار) واللذان يعمل فيهما كل من فريدريك كاغان وزوجته كيمبرلي رئيسة المعهد الثاني، إضافة إلى شقيقه روبرت كاغان وزوجته فيكتوريا نيولاند، تروّج لنظرية ضرورة إقامة حلف سنّي أميركي صهيوني لضرب إيران وحلفائها أي الجمهورية العربية السورية وحزب الله. ويدعم ذلك التوجّه المنظّر العقائدي في إدارة ترامب ستيفن بانون المعروف بعداءه للإسلام بشكل عام، وللجمهورية الإسلامية بشكل خاص، ويتماهى مع أبعاد صراع الحضارات التي روّج لها “برنارد لويس” وفيما بعد سامويل هنتنغتون.

لم تعد المسألة محصورة في “تحجيم” أو “احتواء” الجمهورية الإسلامية في إيران بل تغيير النظام برمّته. وكذلك الأمر بالنسبة لسورية والقضاء على المقاومة. وعلى ما يبدو فهناك قناعة عند هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية لتوجيه ضربات قاسمة للجمهورية إضافة إلى دور “الحلف السنّي” والصهيوني خاصة بعد “تجنيد” الحليف العربي السنّي. وزيارة العاهل لبلاد الحرمين لأكبر دولة إسلامية اندونيسيا والمتزامنة مع زيارة نجله ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة تسعى للحصول على تأييد سنّي عالمي واسع النطاق للمشروع المرتقب. لكن حالة إنكار التغييرات الميدانية والتحوّلات السياسية في الإقليم وفي العالم تجعلهم يتبعون سياسات تلبّي طموحاتهم غير مكترثين لما يمكن أن يحصل للمنطقة وللولايات المتحدة. من هنا يمكن فهم “التمرّد” لدى بعض الفصائل على الإرادة التركية بعدم حضورها اجتماع الاستانة الأخير والالتزام بوعود حكومة الرياض في دعم استمرار النزيف في سورية واليمن.

لكن بالمقابل فإن الدور الأميركي المرتقب من أطراف عربية والكيان الصهيوني قد لا يكون في مستوى طموحاتهم لأن الوضع الداخلي الأميركي في حال تخبّط كبير ينذر بانهيارات ضخمة على الصعيد السياسي والأمني ناهيك عن الوضع الاقتصادي والمالي. فالصراعات داخل الإدارة وخارجها بين مراكز قوة متعدّدة تشّل حركة الإدارة الجديدة. وقلّة الخبرة السياسية للرئيس الأميركي تكشف ضعفه في مقاربة الملفّات الصعبة، إضافة إلى ضيق فترة الانتباه والاهتمام التي يمكن أن يعطيها لأي ملفّ. وبالتالي هناك تساؤلات حول من يقود فعلا السفينة الأميركية الغارقة في تلك التناقضات والتي قد توصلها إلى الهلاك. ونشير هنا على سبيل المثال إلى التخفيضات المقترحة في الموازنة العامة لوزارة الخارجية بنسبة 28 بالمائة (من 54 مليار دولار إلى 39 مليار دولار) ما يقوّض فعّالية الدبلوماسية الأميركية. هذا ينسجم مع تطلّعات ترامب الشخصية حول الانكفاء عن مشاكل العالم، ولكنه يتناقض مع طموحات مستشاريه وبعض وزرائه في الاشتباك مع روسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران. فمن له القرار النهائي يا ترى؟ كما أن هناك معارضة داخل الحزب الجمهوري لذلك التوجّه الذي يؤثّر في الاعتبارات الأمنية ما يدلّ على مدى التخبط والحبل على الجرّار.

أما على صعيد “الحليف العربي السنّي” فمن غير المؤكّد أن السياسة المتبعة في بلاد الحرمين ستستمر في ظل إخفاقات ميدانية في اليمن، وفي ظل تراجع اقتصادي ومالي حاد، وفي ظل صراعات داخلية مرشّحة للتفاقم، وفي ظل عزلة دولية تتزايد يوما بعد يوم رغم محاولات تجنيد رأي عام إسلامي وآسيوي لسياساتها.

والحليف الصهيوني عاجز عن تغيير أي شيء في الإقليم. فهو المذعور من تسليم جثمان شهيد لذويه خشية من المظاهرات. كما هو المرتعب من الآذان وصوت “الله أكبر”. كما وأن تقارير من داخل الكيان الصهيوني حول أدائه العسكري في حربه على غزّة لا تدلّ على قدرة وفعّالية في مواجهة مقاومة فلسطينية محاصرة وفوق جغرافية صعب الدفاع عنها! فلا يبقى له إلاّ التهويل والتهديد والاتكال على “حليف عربي”! صحيح أن قدرة التدمير موجودة ولكن ماذا عن الرد؟  هل يستطيع الكيان تحمّل تبعات الرد وهو يشهد هجرة مضادة من الأراضي المحتلة؟  فيهود الكيان لم يعودوا راغبين في البقاء ويهود العالم لديهم تحفّظات كثيرة على الهجرة إلى الكيان. فآفاق الكيان ضعيفة للغاية وفعلا فإن الكيان أوهن من بيت العنكبوت. فعن أي حلف وعن أي متابعة وعن أي قدرة يتكلّمون في هذه الظروف؟

وهذه المخططات التي يحلم بها التحالف الأميركي الصهيوني العربي تتجاهل ردّة الفعل من قبل محور المقاومة وحلفائه الدوليين. وكأن الأمور تسير في اتجاه واحد بالنسبة لهم. كان القائد الفيتنامي الجنرال جياب يردّد دائما أن الأميركيين تلاميذ غير نجباء لأنهم لا يتعلّمون من أخطائهم. ونرى اليوم بقايا المحافظين الجدد والمتدخّلين الليبراليين يروّجون لتكرار الأخطاء المدمّرة.

كل ذلك، من تفجيرات ومخطّطات، لن يؤثّر في المسار الاستراتيجي للأمور في الميدان السوري، ولن يؤّثر في استقلالية القرار المصري بعد فشل محاولات ترويضه. ولن يؤّثر في صلابة الموقف الجزائري رغم الانتخابات القادمة والصراعات الداخلية بقضايا مفتعلة كصراعات محلية، وتفاعلاتها بين مجموعات متطرّفة مدفوعة، على الأرجح، من جهات استخباراتية أوروبية وصهيونية. كما لن يؤثّر في صمود الشعب اليمني، وطبعا لن يؤثر في استمرار الانتفاضة في فلسطين، ولا في تنامي قدرات المقاومة في لبنان، فالتفجيرات المتنقّلة ليست إلاّ معارك خلفية عبثية لن تغيّر في التحوّلات وإن أراد مخطّطو تلك التفجيرات أن تكون تحضيرا لمجابهة أوسع ولكن عناصرها غير موجودة أو غير فاعلة.

كما نلفت النظر أن التهديد المتكرّر يساعد على استمرار اليقظة والتنبّه وإفقاد الخصم والعدو عنصر المفاجأة والمباغتة وهذا ما يُضعف أكثر إمكانية نجاح أي هجوم. لذلك لن يحصل ذلك الهجوم إذا ما افترضنا العقلانية عندهم مع استدراكنا بخطورة الحماقة والغباء وحالة الإنكار وعدم القراءة المتأنية للتغييرات لديهم التي لا يمكن تجاهلها.

 

هل بدأت الحرب الأهلية الأميركية؟

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

21 شباط/فبراير 2017

تتسارع الأحداث في المشهد السياسي الأميركي بشكل ينذر بتطوّرات خطيرة جدّا تهدّد استقرار الولايات المتحدة ومعها العالم أجمع. فإذا كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 زلزالا سياسيا في المشهد الأميركي وحتى العالمي فإن النخب التي كانت متحكّمة في مفاصل السلطة في الولايات المتحدة لم تقبل ولم تستسلم للواقع الجديد. وبات واضحا من أول يوم بعد الانتخابات أن ما يُسمّى بالدولة العميقة ستجهد لجعل ولاية ترامب صعبة، هذا إذا ما كُتب لها البقاء. فهناك من يتكهن أنها لن تتجاوز مئتين يوم حسب موقع انرفورماشيون كليرينغ هاوس الواسعة الانتشار. فالدولة العميقة أعلنت الحرب على ترامب لإسقاطه دون الانتظار أو حتى التفكير بترويضه. فعلى ما يبدو اعتبرت الدولة العميقة أنه غير قابل للتطويع وإن كان ميله الطبيعي عقد الصفقات. فلا صفقات معه والمعركة على ما يبدو ذاهبة إلى النهاية.

الدولة العميقة اليوم يتصدّرها مجمع مؤسسات الاستخبارات ضمن المجمع العسكري السياسي الأمني والمالي. واليوم يمكن إضافة السلطة الرابعة، أي الاعلام المهيمن إلى ذلك التحالف حيث أسقط الاعلام أي زعم بالمهنية وأخذ بتصنيع الأخبار الكاذبة حول ترامب. بالمقابل يعتبر ترامب أن “الاعلام هو العدو”. ويجب الاعتراف أن ترامب سهّل ويسهّل إلى حدّ كبير مهمة خصومه بسبب تسرّعه في اتخاذ القرارات ثم التراجع عنها وكأنها ستكون دون أي تأثير. وهذا ما يجعل هدفه في “تجفيف المستنقع” مهمة في غاية الصعوبة لشراسة أرباب “المستنقع” وخفّة الرئيس الأميركي في اتخاذ القرارات.

وبالفعل، ارتكب الرئيس الجديد عدة أخطاء متتالية ساعدت الاعلام وأجهزة الاستخبارات على خوض حملة ناجحة ضدّه وكأنه عاجز عن الرد حتى الآن. وليس في الأفق ما يدّل على إمكانية ردّ فعّال غير المكابرة في الكلام أو التراجع الموقت. أما الأخطاء التي ارتكبها عديدة: أولا ما زال يعتبر نفسه في مرحلة الحملة الانتخابية ولم يستوعب أنه أصبح الآن في الحكم. فما زال يطلق مواقف لا تتجاوز مرحلة الشعارات، أي دون دراساتها بعمق وخاصة تداعياتها وسرعان ما يقوم بالتراجع عنها.

الخطأ الثاني هو عدم اعداده لفريق عمل متجانس يمكن الاتكال عليه. فالتسميات لمناصب عديدة أثارت العديد من الجدل خاصة فيما يتعلق بأمرين: أولا التناقض مع شعاراته الانتخابية بأنه يمثّل الشعب وأنه سينقل السلطة إلى الشعب كما صرّح في خطاب القسم، وإذ يعّين العديد من أصحاب المليارات في وزاراته. وثانيا، يفتقد العديد من هذه أصحاب هذه التعيينات الحد الأدنى من الكفاءة في علم إدارة الدولة أو الشأن العام، أو أنهم يمتلكون تصوّرا لما يمكنوا أن يقوموا به.

فوزيرة التربية بتسي ديفوس نالت على موافقة مجلس الشيوخ بشق الأنفس بسبب قلة خبرتها وحنكتها رغم أنها كانت رئيسة فرع الحزب الجمهوري في ولاية ميشيغان، وهي ومن أصحاب المليارات وشقيقة أريك برنس مؤسس إحدى أكبر الشركات الأمنية في العالم “بلاك واتر”. الجدير بالذكر أنها لم تكن من أنصار ترامب واعتبرت أنه لا يمثّل الحزب الجمهوري فكيف تمّت تسميتها من قبل ترامب؟ أو هل هناك جهة أخرى داخل الفريق المقرّب من ترامب تقترح الأسماء دون التعمّق في خبرة المرشّحين وكأنها تريد إفشاله؟

المرشح الثاني الذي اضطر إلى الانسحاب هو المرشح لمنصب وزارة العمل اندرو بوزدر وذلك بسبب عدم كفاءته. مثل ثالث على عدم كفاءة فريق العمل داخل الإدارة تعيينه لشون سبايسر كناطق باسم البيت الأبيض الذي يتخبّط بالتناقضات والمعلومات الخاطئة أو الناقصة. يرافق كل ذلك أخبار وتسريبات عن صراعات داخل البيت الأبيض بين فئات متخاصمة تسعى للتأثير على الرئيس ما يزيد من البلبلة والغموض حول آليات العمل داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. هذه بعض الملاحظات حول فريق العمل الجديد ويمكن الاسترسال في الأمثال لتأكيد ما أوردناه.

ومن الهفوات القاتلة في التعيينات تعيين مايك فلين كمستشار الأمن القومي الذي أربك الرئيس الأميركي ونائبه مايك سبانس بسبب معلومات ناقصة لم يفصح عن كاملها ما أفقده ثقتيهما به. وقضية فلين تنذر بإعادة سيناريو إسقاط نيكسون في السبعينات من القرن الماضي حيث بادر بعد النوّاب والشيوخ في الكونغرس إلى طرح ضرورة تحقيق من قبل محقّق مستقل لمعرفة ما كان يعلم ترامب من محادثات بين فلين والروس. لسنا متأكدين أن هذه الحملة قد تنجح بإطاحة ترامب ولكنها قد تضرب مصداقيته على الصعيد الدولي. وقد تجلّى ذلك من النتائج المحدودة للزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد ريكس تيللرسون ولقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

لكن رغم كل ذلك فما زال ترامب يتمتع بشعبية كبيرة تقارب أكثر من خمسين بالمائة ما يغيظ خصومه. فمعهد رساموسن لاستطلاع الرأي العام، والمعروف بجدّية ودقّة استطلاعاته، نشر استطلاعا الأسبوع الفائت يدّل على مدى موافقة الجمهور الأميركي على سياسات ترامب. والأهم من ذلك، جاء في ذلك الاستطلاع أن الجمهور الأميركي يثق أكثر بترامب مما يثق بأخبار الاعلام المهيمن، أي بمعنى آخر أن مصداقية ذلك الاعلام لدى الجمهور الأميركي مشكوك بأمرها. كما أكّد ذلك الاستطلاع عدم رغبة الجمهور الأميركي بالتورّط في قضايا خلافية خارجية. من جهة اخر فإن استطلاعا آخرا قام به موقع يوغوف (YouGov) حول التهديدات الخارجية كما ينظر إليها الجمهور الأميركي أبرز أن روسيا تأتي في المرتبة السادسة (22 بالمائة)، وراء كل من كوريا الشمالية (57 بالمائة) في المرتبة الأولى، ويليها كل من إيران (41 بالمائة)، وسورية (31 بالمائة)، والعراق (29 بالمائة) وأفغانستان (23 بالمائة). لكن جميع هذه الاستطلاعات، باستثناء الخطر الكوري الشمالي) تفيد أن التهديد لا يتجاوز الخمسين بالمائة عند الجمهور الأميركي. فكل الكلام الإعلامي ولرموز الاستخبارات أن روسيا هي الخطر الأول يتعارض مع رأي الأميركيين.

لكن بات واضحا أن الانفصام بين النخب والجمهور العام الأميركي يتزايد. لذلك نرى “التقدّميين الليبراليين” في الولايات المتحدة يدعون إلى ابتكار الوسائل الفاشية كعدم السماح لإعطاء رأي مخالف لرأيهم. كما أن هذه الجوقة من “التقدميين الليبراليين” يدعون إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين. فسخرية القدر هو تبدّل المواقع بين المحافظين التقليديين والذين كانوا من “الصقور” وبين الليبراليين الذين كانوا يبدون اعتراضهم على المغامرات الخارجية الأميركية. فمنذ ولاية كلنتون أصبحت النخب الأميركية بمختلف تشكيلاتها تؤيّد التدخّل الخارجي واليوم متحالفة مع صقور الأمس من الجمهوريين في إعادة أجواء الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك هو استطلاع آخر أجرته مركز المصلحة الوطنية بالاشتراك مع مؤسسة كوخ حيث تبيّن أن 69 بالمائة من الأميركيين أن المصلحة الوطنية هي التي يجب أن تحرّك السياسة الخارجية وليس المواقف العقائدية تجاه الصين أو روسيا. كما أن نشر الديمقراطية في العالم عبر القوة العسكرية كما يتمنّاه المحافظون الجدد والمتدخّلون الليبراليون لم يحظ على 24 بالمائة من التأييد بينما الأكثرية خالفت ذلك التوجه.

تحالف مراكز الاستخبارات الأميركية مع الاعلام الأميركي أطاح بمايكل فلين. ولكن هل يستطيع ذلك التحالف في الاستمرار في هجومه على الرئيس الأميركي للوصول إلى إما تنحّي الرئيس أو إسقاطه في الكونغرس؟ وماذا ستكون ردّة الفعل الشعبية؟ الانقسام الحاد بين الأميركيين من جهة وبين النخب الأميركية وجمهور ترامب يساهم في ضرب تماسك النسيج الاجتماعي خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. من الواضح أن النخب لا تكترث إلى حال المواطن الأميركي العادي وتريد أن تصوّر وتتصوّر أن معظم الاميركيين يؤيّدونها في صراعها مع ترامب. من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يكتشف مدى حدّة الانقسام الذي يحاول أن يخفيه الاعلام المهيمن. والاستمرار بالصراع المفتوح ودون ضوابط ينذر بالتحوّل إلى مجابهة شعبية مع أنصار ترامب الذين لا يقل عددهم عن نصف الناخبين. لم نصل إلى تلك المرحلة ولكن هناك العديد في الولايات المتحدة من يعتبر أن احتمال حرب أهلية أصبح واردا.

أجواء الحرب الباردة ضرورة حيوية للمجمع العسكري الصناعي. ففي عصر التراجع الاقتصادي تزداد الضغوط على الحكومة لخفض النفقات العامة. ولكن ما لا يمكن تخفيضه بالنسبة للمجمع العسكري الأمني الصناعي هو نفقات الدفاع والأمن الذي يحظى بتأييد الجميع. يبقى تخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية وهذا يمس مباشرة مصالح الجمهور الأميركي. فأصحاب المليارات الذي يتولّون مناصب في إدارة ترامب مهمتهم تخفيض نفقات الإدارة وخاصة في البرامج الاجتماعية والتربوية والبيئية والصحية ولكن دون المس بالدفاع والأمن.

وفقا لهذه المعطيات فإن إدارة ترامب مقبلة على اتخاذ قرارات تمسّ برفاهية المواطن الأميركي. هناك أحاديث حول إعادة هيكلة الضمان الصحي للمتقاعدين. كما أن الحديث عن إبطال قانون التغطية الصحية الذي أوجده الرئيس أوباما والمعروف “باوباماكير” يتفاعل في الكونغرس رغم الصعوبات في إبطاله. الاوليغارشية الأميركية أصبحت تحكم بشكل مباشر الولايات المتحدة بينما كانت توظّف سياسيين لذلك الغرض. الغريب أن الهجوم على ترامب لا يتناول بشكل ملموس الأجندة الداخلية التي قد تكون في الحد الأدنى مطابقة للنيوليبرالية التي بدأت في الولايات المتحدة في عهد ريغان وتصاعدت في عهد كلينتون لتصل إلى ذروتها في عهد أوباما. الخلاف هو حول الأجندة الخارجية حيث ترامب أعلن في حملته الانتخابية عن رغبة في “تحسين العلاقات” مع روسيا وعدم التورّط في حروب لا تخدم المصلحة الأميركية كما يفهمها هو.

فما هو مستقبل سياسة ترامب، على الأقل بالنسبة للشعارات التي رفعها؟ من الواضح أن المجمّع العسكري الصناعي ومعه الإعلام المهيمن ربح جولة كبيرة في إبعاد مايكل فلين ولكن هل كانت حاسمة؟ النتيجة الأولية هي إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في المحافل الخارجية. المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في ميونخ الأسبوع الماضي تحدّت عن الخطر الروسي الذي يهدّد كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. الجدير بالذكر أن نفقات وزارة الدفاع الروسية في حدود 66 مليار دولار بينما نفقات بلاد الحرمين وصلت إلى 88 مليار دولار. معظم الدول الأوروبية تنفق أكثر من روسيا على الدفاع فكيف تحوّلت روسيا إلى تهديد حيوي لأوروبا؟ هذا التهديد هو ما شدّد عليه الشيخ الأميركي جون ماك كين على هامش المؤتمر مخالفا بالتالي موقف ترامب. صحيح أن وزيري الخارجية والدفاع الأميركي تكلّما عن تهديد روسي ولكن بشكل غير مقنع. فأين يقين الموقف الأميركي؟ الأسابيع المقبلة ستحمل بعض الأجوبة ولكن في اعتقادنا فإن إدارة ترامب ومعها الولايات المتحدة دخلت مرحلة لا توازن ولا استقرار وحالة ضعف خطيرة قد تطول طالما لم تستوعب النخب مدى عمق التغيير الحاصل في المجتمع وضرورة الانصياع إلى ذلك الواقع الجديد.

الوجه الآخر لحقيقة مُغيّبة.. وجه يكشفه روبرت فيسك في سورية!

nabil-nayli.jpg777

نبيل نايلي

“كل ما يُتوقّع من الأسلحة التقليدية سيكون مُتوقّعاً كذلك من الأسلحة الصامتة ولن تختلف عنها إلاّ بالأداء الوظيفي. الأسلحة الصامتة تُطلق وتُحدّد المواقف بدلاً من إطلاق الرصاص، وتقوم بمعالجة المعلومات بدلاً من التفاعلات الكيميائية، وتستخدم الحاسوب بدلاً من البندقية، ويتحكم بها مُبرمج الحاسوب بدلاً من المسلّح، وتخضع للأوامر المصرفية بدلاً من العسكرية. عندما يُطبَّق نظام الأسلحة الصامتة تدريجياً سيتكيّف الشعب مع وجوده ولن يشعر حقيقةً بالتعدّي الذي يُمارسه هذا السلاح على حياته إلى أن يصل الضغط النفسي إلى الحد الذي يؤدّي إلى انهيار الشعوب.” مُقتطف من وثيقة “الأسلحة الصامتة للحروب الهادئة، Silent Weapons for Quiet Wars .
نشر الكاتب الصحفي البريطاني الغني عن التعريف، روبرت فيسك، Robert Fisk، بصحيفة الأندبندنت، The Independent ، البريطانية مقالا مطوّلا مخالفا لل”جوقة” الإعلامية وللسردية التي نقرأ أو نسمع، وجب قراءته بتمعّن شديد. قد يتفق بعضنا مع قراءات فيسك أو يختلف، قد يحترمه أو يمقته، لا خلاف، ولكنها رؤية تهزّ -حدّ الأسس- ما أريد لنا من “ثوابت” و”قناعات” منذ “سفر درعا” حتى الجولات الأخيرة لحرب على سوريا، تناهز عامها السادس، بضحاياها وخرابها وتداعياها!!
يرسم فيسك، ورماد حلب لمّا ينجلي بعد، حقيقة أخرى، مغايرة تماما، يصمّ عنها ممارسو حالة الانكار ومحترفو دور الببغاء ال”غوبلزي” يردّدون صباح مساء رواية “الزيف الثوري” الذي يعلّبه “صنّاع الرأي” وشركات العلاقات العامة لوكالات الإستخبارات العالمية! روبرت فيسك كما غيره ممن فضح زيف رواية بنغازي غراد” وغيرها ممّا سوّقه ويسوّقه “إعلام” إغتصاب المعاني يُفتي في قاعة الأخبار بإهدار دم هذا، ويدّعي بلا خجل، أنّ الرسول الأعظم –عليه أفضل الصلوات والسلام وعلى آله الصالحين الطيبين- كان سيختار القتال تحت راية حلف شمال الأطلسي، ويستجدي “غضبة إلهية” من جيش المارينز! روبرت فيسك فضح بمقاله المستور وكشف ألاعيب “الإعلام” الغربي والعربي الرسمي، بقوله:
“سيكون على السياسيين والخبراء والصحافيين الغربيين أن يُعيدوا كتابة قصصهم في الأيام المقبلة من جديد وقد استعاد جيش بشار الأسد السيطرة على حلب الشرقية،”
“سنكتشف ما إذا كان المدنيون المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في المدينة كانوا فعلاً بهذا الكم”،
“سنسمع المزيد عن عدم قدرتهم على المغادرة حين قصفت الحكومة السورية وسلاح الطيران الروسي الجزء الشرقي من المدينة. وسنعرف المزيد عن المتمرّدين الذين نحن في الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب حلفائنا قاطعي الرؤوس في الخليج، قمنا بدعمهم”،
“نعم لقد دمّر بشار الأسد مساحات شاسعة من مدنه في معركته ضد الذين أرادوا الإطاحة به، يجدر بنا أن نقلق على حياة الأطباء الشجعان في شرق حلب والأشخاص الذين يعتنون بهم هناك”،
“سيكون على السياسيين والخبراء والصحافيين الغربيين أن يعيدوا كتابة قصصهم في الأيام المقبلة من جديد وقد استعاد جيش بشار الأسد السيطرة على حلب الشرقية. سنكتشف ما إذا كان المدنيون المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في المدينة كانوا فعلاً بهذا الكم”،
“سنسمع المزيد عن عدم قدرتهم على المغادرة حين قصفت الحكومة السورية وسلاح الطيران الروسي الجزء الشرقي من المدينة. وسنعرف المزيد عن المتمردين الذين نحن في الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب حلفائنا قاطعي الرؤوس في الخليج، قمنا بدعمهم”،
“قبل أسابيع قليلة فقط قابلت إحدى العائلات المسلمة التي هربت من شرق حلب خلال الهدنة. أخبرني الوالد أنهم أبلغوه بأن المتمرّدين سيقومون بإعدام شقيقه لأنه اجتاز الخطوط الأمامية مع زوجته وابنه. لقد اتهم المقاتلين بإقفال المدارس وتخزين الأسلحة بالقرب من المستشفيات علماً أنه لم يكن موالياً للنظام بل إنه كان من المعجبين بسلوك داعش في الأيام الأولى للحصار”،
“من المفيد جداً أن ننظر في تقاريرنا حول هذين الحدثين المتوازيين. تقريباً تتحدث كل العناوين اليوم عن سقوط حلب بيد الجيش السوري وليس استعادة المدينة من المسلحين كما كنا سنقول في ظروف أخرى، فيما يتم الحديث عن سقوط تدمر بيد الحكم البشع لداعش بوصفه استعادة للسيطرة على المدينة”،
“لسبب ما لم تكشفهم الأقمار الصناعية الأميركية ولا الطائرات بدون طيار ولا الاستخبارات، خلافاً لما قاموا به حين قاد داعش المواكب الانتحارية نفسها حين سيطرة للمرة الأولى على المدينة في ماي 2015″،
فيسك يذهب أبعد من ذلك ليقولها بصوت عال لهؤلاء “الدمى” و”البيادق” و”البنادق التي تطلق للخلف”، وبلا مواربة:
“هؤلاء الرجال، أو “رجالنا” في حال واصلنا السرد الجهادي الحالي، هم الذين قاموا بعد احتلالهم لتدمر بذبح عالم الآثار البالغ من العمر 82 عاماً والذي حمى كنوزها، ثم وضعوا له نظاراته على رأسه المقطوع″،!
“أتوقّع أن نسمع المزيد من هذا الكلام في الأيام المقبلة. الشهر المقبل سنقرأ أيضاً كتاباً مخيفاً جديداً للصحافية الإيطالية، لوريتا ناوبليوني، Loretta Napoleoni، حول تمويل الحرب في سوريا”،
“عار على تيريزا ماي ووزرائها الذين تذلّلوا الأسبوع الماضي للمستبدّين ”السنة“ الذين دعموا الجهاديين في سوريا، على أمل الحصول على مليارات الجنيهات في صفقات أسلحة مع الخليج في مرحلة ما بعد البريكسيت”.
أفظع ما كتب فيسك، والأفظع منه أنه يُقال “بعد خراب مالطا”، إلاّ إذا كنّا نعتبر أن شهادته يمكن أن تشكّل أولى حلقات عودة الوعي، فتفتح هذه السطور العيون المغمضة، مع سبق الإصرار والترصّد،:
“حان الوقت لقول الحقيقة الأخرى بأن الكثير من المتمرّدين الذين دعّمناهم في الغرب هم من أكثر المقاتلين قسوة في الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي كنا نعبّر عن رفضنا وانزعاجنا من شناعة داعش خلال حصار الموصل، تجاهلنا -عمداً- سلوك المتمرّدين في حلب”!!!
هذه شهادة فيسك لعلّ المكابرين ومحترفي حالة الإنكار، يرون وجها آخر، فقط وجها آخر مغاير، للإسطوانة المشروخة التي تصمّ الآذان ولا تقول شيئا!
نعم حان الوقت الوقت لإعادة كتابة السردية السورية التي يخطّها متضاربو الأجندات ب”أسلحة صامتة” غادرة وأخرى “هادرة”!!
حان الوقت لما سمّاه الأستاذ عريب الرنتاوي، وغبار حلب وسوريا وباقي الأواني المستطرقة نازفة وجراحاتها لما تلتئم، لـما سمّاه “مبادرة مصالحة تاريخية” ، وإن تأخّر كثيرا، ليس من موقع ”المنتصر“ صاحب “أوهام الحسم والحل العسكريْين”، “مبادرة تتخطّى المصالحات المحلّية “و “حدود التعديل الوزاري” و”العفو الرئاسي العام“ بل مع المعارضة الوطنية الشريفة ممّن لم يخض في الدم السوري ولم “يتورّطوا في ألاعيب الاستخبارات والإرهاب ولا تملّق إسرائيل”، وكل ما من شأنه أنيحصّن الجبهة الداخلية ويعيد بناء التوافق الوطني والاجتماعي وأن تسدّ الشقوق والمنافذ، التي تتسلّل منها مختلف أشكال التدخّلات الخارجية”، ل”تسحب البساط من تحت أقدام قوى إقليمية ودولية”!
أ ليس الوعي بالمشكلة أولى الخطوات نحو الحلّ ؟!
*باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة – د. زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الجزيرة العربية‬‎"

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

12/12/2016

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه.

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول.

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول.

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات.

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى.

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية!

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها. فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها.

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي!

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟.

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق!

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع.

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين.

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة.

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.

أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟.

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات – د.زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الانتخابات الامريكية‬‎"

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

9 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

نتائج الانتخابات الأميركية كانت بمثابة زلزال هزّ مرتكزات العمل السياسي في الولايات المتحدة بعدما تحدّثت النخب المتحكّمة بحتمية فوز بنت المؤسسة الحاكمة هيلاري كلنتون. وانتخاب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يوازي في الأهمية التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يرافقهما من تغيرات في موازين القوة على صعيد العلاقات الدولية. هذا إذا ما كتب للمملكة المتحدة الخروج نهائيا من الاتحاد الأوروبي دون أي عائق قانوني داخلي وإذا ما سمح للرئيس المنتخب ترامب من تحقيق كل أو بعض القضايا على أجندته السياسية. فالرئيس المنتخب يأتي بتوجّهات مختلفة عن توجّهات النخب الحاكمة ويبقى السؤال من يستسلم لمن؟

فمع انتخاب دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة طويت صفحة يعتبرها المراقبون الأميركيون من أسواء الحملات الانتخابية التي مرّت بها البلاد وإن لم تكن الأولى. فالحملة التي اتسمت بتبادل الشتائم والتهم وتجنّبت مقاربة القضايا الوطنية والخارجية تدلّ على مستوى ترهّل النظام السياسي القائم الذي لا يفرز إلاّ نوعيات رديئة في العلم والخبرة والأخلاق. لذلك سيكتشف الرئيس المنتخب صعوبة كبيرة في تنفيذ أجندته إن لم يأخذ بعين الاعتبار اهتمامات خصومه داخل الحزب الحاكم وداخل حزب الحرب المهيمن على مقدّرات البلاد وإن كانت حملته تمرّدا على كل ذلك.

في مطلق الأحوال جاءت النتائج لتؤكّد عدّة حقائق كنّا قد أشرنا إليها سابقا. أولى هذه الحقائق هي استمرار تدنّي مستوى المرشّحين وعدم اكتراثهم لهموم المواطنين مما أثار نقمة الجمهور الأميركي. فالانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة شهدت تمرّدا للجمهور الأميركي على نخبه الحاكمة. تعدّدت الأسباب التي لا داعي سردها الآن إلاّ أنها تعبّر عن ضرورة إصلاح النظام السياسي بشكل يأتي بمسؤولين يعملون لصالح الجمهور الأميركي وليس لصالح المصالح الخاصة. فهذه الانتفاضة سمّاها المرشح سندرز ب “الثورة” بينما حملة ترامب كانت مركزة ضد رموز الحزب الجمهوري التقليدي فكانت بمثابة ثورة شخص استطاع أن يعبّر عن غضب القاعدة.

الحقيقة الثانية هي تكريس هزيمة عدد من القوى التي كانت وما زالت تتصدّر المشهد السياسي على مختلف الأصعدة. فالهزيمة طالت أولا النخب المتحكّمة بالحزبين السياسيين اللذين يتصدّران المشهد السياسي منذ بداية الدولة الفتية في أواخر القرن الثامن عشر. الانتخابات التمهيدية عند الحزب الديمقراطي شهدت ثورة قاعدة الناخبين الشباب وقاعدة العمّال والقوى الكادحة على قياداتها التقليدية إلاّ أن النخب المتحكّمة بالحزب استطاعت تزوير العملية الانتخابية وتجييرها لمصلحة بنت المؤسسة الحاكمة وممثلتها هيلاري كلنتون. إن جمهور برني سندرز لم يرق له أن يساند قائد الحملة الإصلاحية مرشّحة المؤسسة الحاكمة فكان تحوّل قسط من القاعدة للتصويت لدونالد ترامب أو عدم التصويت. لم تنل هيلاري كلنتون أكثر من 55 بالمائة من أصوات الشباب بينا نال الرئيس أوباما في الانتخابات الماضية ما يوازي 80 بالمائة من أصواتهم. أما على صعيد الحزب الجمهوري فاستطاع دونالد ترامب أن يطيح برموز الحزب الجمهوري المتحكّمة خلال الحملة التمهيدية. والجدير بالذكر أن النخب في الحزب الجمهوري تجنّبت إلى حد كبير المساندة العلنية لدونالد ترامب لما يجلب الأخير من انتقادات حول شخصه وتصريحاته المثيرة والعنصرية والمهينة بحق المرأة. ففوز ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض يشكل أيضا هزيمة لهذه النخب.

القوة الأخرى التي هُزمت هو الاعلام المهيمن الذي كان مؤيدا بشكل سافر لهيلاري كلنتون ومعاديا لدونالد ترامب. فصحف مرموقة كالواشنطن بوسط والنيويورك تايمز واللوس انجلس تايمز والمحطاّت التلفزيونية الكبرى ك سي أن أن، وأن بي سي، وأي بي سي، وسي بي أس مُنيت بهزيمة نكراء. فتغطيتها للحملة الانتخابية كانت فاقدة للحد الأدنى من الموضوعية ومركّزة على التصريحات المثيرة لترامب ومتجاهلة لإخفاقات وفضائح هيلاري كلنتون. والجدير بالذكر أن أكثر من 90 بالمائة من الاعلام الأميركي تملكه فقط ست شركات عملاقة. فارق الفوز عند دونالد ترامب ملفت للنظر ويؤكّد إما عدم معرفة الإعلام بواقع المشهد الشعبي أو أنه متواطئ مع مصالح المؤسسات المالية والمجمع العسكري الصناعي والأمني الذي يملكه أو يسيطر عليه والذي لا يكترث لواقع الشعب.

الفريق الآخر الذي مُني بالهزيمة هو سقوط مؤسسة استطلاعات الرأي العام التي كان يروّجها الاعلام المهيمن. وتأتي هذه الهزيمة في أعقاب إخفاقات كبرى في التنبؤ في العديد من الاستحقاقات المفصلية ليس فقط في الولايات المتحدة بل في مختلف أنحاء العالم، كالإخفاق في توقّع فوز حزب المحافظين في المملكة المتحدة، أو فوز نتانياهو في الكيان، أو التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي أو البقاء فيه. هذا يدّل إما على عدم مهنية أو معرفة في إجراء الاستطلاعات أو على “لغم” الاستطلاع للمجيء بنتائج تدعم الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لصاحب الاستطلاع. ومن كان يتابع بدقة الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية منذ بدايتها وكان على تواصل على الأرض وخارج وصاية الاعلام المهيمن وجد منذ البداية أن تلك الاستطلاعات مغلوطة ومضلّلة ولا تعكس مدى التجاوب الشعبي الفعلي على الأرض مع المرشحين. فبينما كانت الحشود الانتخابية للمرشح ترامب بعشرات الالاف كانت الحشود لصالح المرشحة كلنتون لا تتجاوز بضعة المئات، أي التجاوب الشعبي كان لصالح ترامب وليس لصالح كلنتون. حاول الاعلام الإيحاء بان المعركة محسومة حتى جاهر بالتحسّر على مستقبل ترامب بعد هزيمته الحتمية! فمن شاهد المعلّقين على الشبكات الرئيسية الأميركية لدي الفرز لاحظ مدى إحباطهم وخيبة أملهم. المحطة الوحيدة التي حافظت على توازنها في التغطية كانت محطة “أر تي” روسيا اليوم!

في خانة المهزومين أيضا كان اللوبي الصهيوني الذي دعم بقوّة حملة هيلاري كلنتون. هذه هي الهزيمة الثانية المتتالية لذلك اللوبي في الانتخابات الأميركية (بعد إخفاقه في دعم ميت رومني ضد باراك أوباما) مما يعني أن نفوذ اللوبي لا يتعدّى النخب الحاكمة والمتحكّمة ولا يصل إلى القاعدة الكبرى من الجمهور الأميركي. الجالية اليهودية صوّتت لهيلاري كلنتون ولكن اللوبي الصهيوني لم يستطع أن يجنّد أكثر من ذلك. استطاع ترامب تجاوز نفوذ اللوبي عبر مخاطبته المباشرة للجمهور الأميركي ومحاكات همومهم بينما اكتفت كلينتون بترداد الشعارات التي لم تعن شيء لذلك الجمهور إضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسة الحاكمة. في خانة المهزومين في هذه الحملة بعض الدول العربية التي كانت تراهن أيضا على هيلاري كلنتون فدعمتها ماليا كما كشفتها تسريبات ويكيليكس والتي أكّدت على التواصل المالي مع مؤسسة كلنتون فأصبحت محور ملاحقة من مكتب التحقيق الاتحادي (اف بي أي).

الحقيقة الثالثة هي ترابط البيوت المالية والنخب الحاكمة. فالأسواق المالية أبدت استياءها عند فرز الأصوات من النتائج الوافدة التي كانت تشير منذ بدايتها إلى إمكانية فوز ترامب، فشهدت انخفاضات كبيرة في التعامل المستقبلي. فعلى ما يبدو هناك حدود لما تستطيع أن يقوم به المال المؤسّسي، أي بيوت المال، في توجيه الرأي العام والمجيء بأشخاص ينفّذون أجندتهم بدون مسائلة ومحاسبة. هذا لا يعني أن دونالد ترامب سيكون بعيدا عنها، فهو رجل أعمال أولا وأخيرا وبحاجة إلى المؤسسات المالية، لكنه ليس مدينا لهم بالوصول إلى البيت الأبيض.

الحقيقة الرابعة هي أن الشعب متفوّق على النخب الحاكمة وأو الطامحة إلى الحكم. فحس الجماهير أقوى من آلة الاقناع التي تشكّلها الدعاية والمال. فلا الاعلام ولا استطلاعات الرأي العام ولا النخب الحاكمة في الأهمية التي يعتقد العديد من المراقبين والمحلّلين. الانتخابات الأميركية الأخيرة قلبت رأسا على كعب قوانين اللعبة السياسية وخطورة الاستهتار برأي الشعب.

الحقيقة الخامسة هو انتصار وسائل التواصل الاجتماعي في تعبئة وتنظيم وتنفيذ الحملة الانتخابية على مقولة ضرورة التنظيم على الأرض. فعلى ما يبدو استفاد ترامب من دروس الحراك الشعبي العربي في مطلع هذا العقد وطبّق نتائجه! استطاع ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتفوق على الآلة التنظيمية للمرشحة هيلاري كلنتون. فالإعلام المهيمن لم يستطع أن يغيّر رأي العام بشكل ملموس لأنه تجاهل عمق الغضب والحنق وحتى الخوف عند الناخب الأبيض الأميركي. الإعلام المهيمن ركّز على أهمية الأقليّات وتناسى دور الأكثرية وحنقها. فدفعت هيلاري كلنتون ثمن الاستهتار برأي الأكثرية. ربما هناك عبرة لمن يعمل بالشأن العام في لبنان والوطن العربي!

أما على صعيد التداعيات فما زال من المبكر تحديدها لتعقيد وتركيب المشهد على الصعيد الداخلي والخارجي. كما أن الرئيس المنتخب لم يحدّد من هو فريق عمله في الحكم وكيف سيتعامل مع النتائج لفوزه وكيف سيتعامل مع سلوك خصومه بعد المعركة. فالدولة العميقة التي اختطفها حزب الحرب في الإدارة الأميركية لن يستسلم بسهولة للواقع الجديد الذي يمثله ترامب. فهو يسيطر على كافة مفاصل الإدارة ويستطيع إما تسهيل أو إفشال أي قرار للرئيس المنتخب. لذلك سيحاول الحزب في المرحلة الأولى استقطاب ترامب عبر الترغيب وإذا فشل سيلجأ إلى الترهيب. ليس من السهل لحزب الحرب أن يسلّم بالهزيمة أو أن يخرجه عن أهدافه. فعلى سبيل المثال، التزم ترامب بزيادة النفقات العسكرية لتقوية القوّات المسلّحة. لم يحدّد من اين سيتم التمويل وإن كان في رأينا سيكون على حساب انتشار القواعد العسكرية. فهذه القواعد تستنزف القدرات المالية دون أن تزيد في الفعّالية العسكرية بل العكس فهي تزيد من خطورة الانكشاف لدى خصوم الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم. كما أن نفقات التسليح تعطى للشركات الخاصة التي تصنّعها وإن كان همّها الأول هو الربح وليس الجدوى العسكرية والفعّالية. فكيف سيتعامل ترامب مع حزب الحرب؟ هناك مقولة لجوليان اسانج صاحب موقع ويكيليكس وهي أنه لن يُسمح لترامب بالفوز، ما يعني حتى لو فاز فإن المؤسسة الحاكمة، أي حزب الحرب، سيجهد إما لإفشاله أو إزاحته. والله أعلم!

لكن بشكل عام فإذا ترك الأمر للرئيس المنتخب أن يعمل وفقا لأجندته فإن محور اهتمامه سيكون الشأن الداخلي. أما على الصعيد الخارجي فالواقعية السياسية هي التي ستكون سيّدة الموقف، وليست التوجّهات العقائدية للمحافظين الجدد أو أصحاب التدخّل الليبرالي. لذلك ستكون خلفية التوجه نحو الانكفاء الأميركي حتى يتم إعادة بناء عناصر القوة في الولايات المتحدة. هذا معنى شعاره “لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى”، الذي هو اعتراف واضح بالضعف الحالي.