الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

Résultat de recherche d'images pour "‫القمة العربية الإسلامية الأمريكية‬‎"

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

زياد حافظ

الأمين العام للمؤتمر القومي العربي

23/5/2017

القمة العربية الإسلامية الأميركية التي انعقدت في الرياض في 20 و21 من شهر أيّار/مايو 2017 كانت مشهداً سوريالياً بامتياز. في البداية لا يمكن إلاّ أن نلاحظ أنّ موعد انعقاد هذه «القمة» جاء في فترة إحياء ذكرى النكبة، والتي لم يتكّلم عنها المؤتمرون في الرياض، وخلال إضراب الأسرى عن الطعام في السجون الصهيونية الذي تجاهله مجمع العرب والمسلمين المجتمعين في الرياض، وعشية الاحتفال بذكرى النصر في 25 أياّر/مايو التي يحاول نسيانها مؤتمرو الرياض، كما عشية شهر رمضان المبارك شهر التضحية والعطاء، وإذ كان العطاء للرئيس الأميركي فقط لا غير! فتأتي هذه القمة لضرب كلّ الموروث العروبي والإسلامي الذي لم يضمّ جميع المسلمين غابت تركيا وإيران لتؤكّد أنّ الفتنة بين المسلمين هي قرار صادر عن حكومة الرياض، وأنّ قضية فلسطين، القضية المركزية للأمة العربية قضية عابرة إن لم تكن ثانوية بالنسبة لها.

السوريالية في المشهد تكمن في أمكنة عدّة. المشهد السوريالي الأوّل هو وجود الرئيس الأميركي إلى جانب ملك تتحمّل حكومته مسؤولية إيجاد البيئة الحاضنة لمرتكبي أحداث أيلول 2001. فبعض المعلّقين الأميركيين تساءلوا وهم يستمعون للخطابات «التاريخية» كيف يمكن لرئيس أميركي أن يعطي شهادات حسن سلوك لدول وحكّامُها مسؤولون عن تغذية الفكر المتطرّف، وموضوع القمة اللفظي هو محاربة التطرّف والتعصّب والغلو والتوحّش. وما يزيد سوريالية المشهد كون الولايات المتحدة مع الدولة المضيفة مسؤولة عن كلّ مآسي التطرّف والتعصّب التي نتجت عن سياسات متعمّدة لتغذية ذلك السلوك عند الشباب العربي والمسلم المضلّل. لم تكن الأولوية عند حكومة الرياض في الثمانينيات من القرن الماضي مواجهة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان بل كانت مواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، فكانت ولادة أمّ تنظيمات التعصّب والغلو أيّ تنظيم القاعدة. وتؤكّد هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة أنّ الولايات المتحدة هي مَن صنعت تلك المجموعة كما غطّت سلوك تلك المجموعات في سورية خلال السنوات الماضية. السوريالية تكمن في اجتماع مَن صنع التطرّف لمحاربة ما صنعوه، على الأقلّ لفظياً، بينما الحقيقة هي لمحاربة المقاومة والمحور الذي يضمّ كلاً من الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية العربية السورية وبطبيعة الحال المقاومة في كلّ من لبنان وفلسطين. فاليوم عند هؤلاء المجتمعين في الرياض أصبحت المقاومة للكيان الصهيوني إرهاباً يجب استئصاله!

ليس ذلك بجديد. فمنذ سنوات بل عقود كانت حكومة الرياض والولايات المتحدة في طليعة محاربة حركة التحرّر العربي كما يفتخر وزير خارجية حكومة الرياض. لكن اليوم يأخذ مظهر الإجماع العربي والإسلامي على الأقلّ من منظور لفظي. ونشدّد على الطابع اللفظي بسبب عدم رضى العديد من المجتمعين عن مسار الأمور، كما أظهرته لغة الجسد لهم خلال تلاوة الخطابات. لكن هذه قضية ثانوية إذا ما اعتبرنا أنّ السوريالية تكمن أيضاً في ما نسمّيه بصفقة المخدوعين، أو كما يُقال بالفرنسية بـ march des dupes . فالطرفان، الرئيس الأميركي وخادم الحرمين، يعتقدان أنهما حقّقا إنجازاً كبيراً بينما في رأينا كان «الإنجاز» أقرب للمخادعة المتبادلة المبنية عن سوء تقدير فادح لموازين القوّة في كلا البلدين. لا نريد أن نقلّل من أهمية الاجتماع وما نتج عنه، ولكن لا يمكننا أيضا أن نبالغ بنتائجه الورقية حتى الآن.

العامل الأول في التريّث والتحفّظ في تقييم النتائج هو مصداقية الطرفين. فكلاهما يعاني من أزمة داخلية طاحنة قد تطيح بهما رغم ظواهر القوّة. والتركيز على تلك الظواهر كانت حاجة لحجب الضعف البنيوي والمتفشّي في العديد من الساحات والملفّات نذكر بعضها على سبيل المثال وليس الحصر لكثرتها. فالرئيس الأميركي مطارد سياسياً من قبل الدولة العميقة في الولايات المتحدة والتي أبرز وجوهها الإعلام المهيمن والإعلام الموازي. كما أنّ خطر العزل أو الإقالة أصبح حقيقة وإنْ لم تظهر حتى الآن أية دلائل قانونية تحتّم المحاكمة. فحتى الساعة ليس هناك إلاّ اتهامات سياسية من دون أيّ إثبات مادي يدلّ على خرق القانون. فلا يمكن محاكمة الرئيس الأميركي إلاّ إذا تبيّن أنه خرق القانون بشكل واضح ومتعمّد أو أنّ سلوكه يشكّل خطراً مادياً حقيقياً ومباشراً على أمن الولايات المتحدة وهذا من الصّعب إثباته. لكن في آخر المطاف يواجه الرئيس الأميركي حملة لا سابقة لها تفوق الحملة التي أطاحت بريتشارد نيكسون في السبعينيات من القرن الماضي وإنْ تشابهت بعض المشاهد. ففي أحسن الأحوال يكون بطّة عرجاء منذ السنة الأولى لولايته وفي أسواء الأحوال يتنحّى أو يُعزَل!

أما على صعيد المضيف العربي فإنّ الوضع الداخلي أقرب للكارثة من أن يكون فقط أزمة عابرة كما يروّج لها المسؤولون وإعلامهم التابع. فتداعيات العدوان العبثي على اليمن تشير إلى وجود تجاذبات حادّة داخل النخب الحاكمة وإنْ يسكت عنها الإعلام الرسمي والمهيمن بينما وسائل التواصل الاجتماعي في الجزيرة تشير إلى قلق كبير بل نقمة. فتراجع الحكومة عن قرارات التقشّف وإعادة العلاوات والامتيازات للقوّات المسلّحة وموظّفي الإدارة دليل عن مدى الامتعاض الذي ساد المشهد. فالدولة هي مصدر توظيف ثلثي اليد العاملة لمواطني الجزيرة وحجمها يوازي تقريباً ضعفي اليد العاملة في القطاع الخاص. كما أنّ حركة النشاط الاقتصادي شبه مشلولة وليس هناك من بوادر استعادة العافية الاقتصادية.

وأما إن أقبلت حكومة الرياض على الالتزام بصفقات قيمتها تقارب نصف تريليون دولار للسنوات المقبلة فيمكن التساؤل كيف تستطيع القيام بذلك من دون تداعيات داخلية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قد تنسف قاعدة التوافق القائم حتى الآن، والذي برزت فيه مظاهر التصدّع. أما رؤية ولي ولي العهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، فلن تظهر نتائجه قبل 2030 على حدّ زعمه هذا إذا ما تمّ تنفيذها. مجلّة «الإيكونوميست» شكّكت في افتتاحية لها في إمكانية تنفيذ المشروع. والجدير بالذكر أنّ ولي ولي العهد كان قد خصّ المجلّة بمكانة هامة في استراتيجية ترويج «الرؤية».

السوريالية تكمن أيضاً في إمكانية تنفيذ ما يحاول الطرفان الأميركي والعربي الإقدام عليه. الرئيس الأميركي يعود إلى بلاده حاملاً توقيع اتفاقات قيمتها تقريباً نصف تريليون دولار منها اتفاقية تسليح المملكة بحدود 110 مليارات دولار. بالمناسبة، معظم مضمون الصفقة تمّ التوافق عليها في إدارة أوباما بينما كانت بانتظار التواقيع. فترامب لم يعرض أيّ شيء جديد! لكن هذه الاتفاقيات يجب أن تحظى بموافقة الكونغرس الأميركي. وهنا نتساءل: كيف سيوافق ذلك الكونغرس على تسليح حكومة الرياض وهو الذي صوّت بشبه إجماع على قانون «جاستا» يحمّل فيها حكومة الرياض مسؤولية أحداث أيلول 2001؟ كما أنّ المُناخ السائد في الولايات المتحدة من خلال الإعلام المهيمن في منتهى السلبية تجاه المملكة رغم إنفاقها مبالغ ضخمة لتلميع صورتها عند عدد من اللوبيات الجمهورية كالتي يقودها الشيخ السابق ترينت لوط أو الديمقراطية كالتي يقودها جون بودستا رئيس حملة هيلاري كلنتون؟ لكن رهان حكومة الرياض قد يكون على نفوذ اللوبي الصهيوني وحكومة نتنياهو. وهنا نتساءل عن مدى إمكانية «نجاح» ذلك اللوبي خاصة بعد الهزائم التي مُني بها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما قبل الأخيرة؟

وإذا افترضنا جدلاً إمكانية تجاوز عقبة الكونغرس، فإنّ الرئيس الأميركي صرّح بشكل واضح أنّ التسليح لحكومة الرياض لن يكون بمستوى يهدّد التفوّق النوعي التسليحي الصهيوني. فماذا سيبيع لها؟ ما هي نوعية الأسلحة التي ستنفق عليها حكومة الرياض ما يوازي 110 مليارات دولار؟ هل ستكون أكثر فعالية من السلاح المستخدم في العدوان على اليمن؟ وما هي النتيجة الميدانية التي حقّقتها سوى الدمار والمجاعة وانتشار الكوليرا بين الشعب اليمني، رغم التفاوت الواضح بالتسليح بين الطرفين؟

أما على صعيد النتائج السياسية فليس هناك من جديد. فالعداء لمحور المقاومة قديم. ولكن من يراهن على موقف أكثر حزماً في الولايات المتحدة فلن يتعدّى في رأينا عتبة العقوبات. كان الرئيس الأميركي واضحاً أنّ الولايات المتحدة لن تخوض حرباً بالنيابة عن دول المنطقة في صراعها مع محور المقاومة وحتى مع جماعات التعصّب والغلوّ والتوحّش لو أقدمت على ذلك. فمن يحارب فعلياً تلك الجماعات هو حكومات العراق وسورية ومعهما الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا والمقاومة. الولايات المتحدة لن تخوض حرباً على إيران، فعلى ماذا يبني المراهنون على «حزم» الولايات المتحدة؟ الغارات الوضيعة على كلّ من مطار الشعيرات والتنف كانت وظيفتها لطمأنة الدولة المضيفة وإنْ لم تكن لها أيّ نتيجة عسكرية تذكر تغيّر في قوانين الاشتباك أو في الواقع الميداني.

اللافت للنظر موقف الرئيس المصري الذي أظهر تمايزاً واضحاً في مقاربته لمحاربة الإرهاب ولضرورة تحميل مسؤولية الدولة التي شكّلت حاضنة للإرهاب. وإذا كان المقصود كلّ من تركيا وقطر، فما هو المانع أن تكون حكومة الرياض في تلك القائمة؟ المقاربة الأميركية مع الدولة المضيفة لمحاربة التطرّف مقاربة أمنية عسكرية فقط لا غير، بينما المطلوب هو مقاربة فكرية ثقافية سياسية واقتصادية واجتماعية وهذا لم يتكلّموا عنه في تلك القمة باستثناء مصر واندونيسيا.

يبقى الكلام عن قوة مشتركة قوامها 34000 عنصر. الأسئلة أكثر من الإجابات الممكنة. مَن يقود، ومَن يشكّل العمود الفقري لتلك القوة؟ مَن يموّلها؟ أين ستتواجد؟ أين سيكون مسرح العمليات؟ كيف يمكن الدخول إلى دول أخرى تستطيع أن تجابه وتلحق الهزيمة بها؟ كيف قيّمت تجربة قوّات التحالف في العراق ضدّ جماعات التعصّب؟ كيف كان أداء قوّات التحالف في المسرح اليمني؟ إلخ… التجربة السابقة القريبة تدلّ على فشل أو نجاح نسبي محدود جدّاً. فماذا تغيّر الآن؟

الكلام عن حلف ناتو «عربي سنّي» كلام غير قابل للصرف والتنفيذ، إذا أخذنا بعين الاعتبار الخلافات العربية العربية حتى داخل مجموعة مجلس التعاون الخليجي. كما أنّ حلفاً لا يضمّ بشكل فعّال مصر وسورية والعراق والجزائر لن يكون إلاّ مجرّد حبر على الورق. بالمناسبة ماذا عن اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة منذ الستينيات من القرن الماضي؟ هل تعتقد حكومة الرياض أنّ ما لم تستطع حقبة الرئيس جمال عبد الناصر تحقيقه بإمكانها تحقيقه هي فقط بقوّة المال؟ أما الدعم الأميركي لها فهو أقرب من حماية يقدّمها نمر من ورق من دولة فاشلة أصبحت أقرب إلى جمهورية الموز على حدّ دافيد روثكوف رئيس تحرير مجلّة «فورين بوليسي» المعروفة!

أخيراً يخجل الإنسان العربي من الأرقام التي وردت في الاتفاقيات مع الإدارة الأميركية. فهذه الأموال أموال عربية بامتياز، لكن لن يستفيد منها أي عربي باستثناء المنتفعين من دائرة النخب الحاكمة الضيّقة. لو صرفت هذه الأموال على بناء كلّ من العراق وسورية ولبنان وفلسطين لما كانت هناك جماعات تعصّب وغلو وتوحّش. ثلثا العرب تحت سنّ الثلاثين. فمع معدل استهلاك مرتفع يصبح المكرّر الاستثماري عالياً جداً ما كان يبشّر بنمو كبير في المنطقة. الصفقة التي تمّت هي صفقة المخدوعين، ولكن المخدوع الأكبر هو مَن يعتقد أنه حقق الإنجاز الأكبر! رحم الله جمال عبد الناصر عندما قال مال العرب للعرب ونفط العرب للعرب. على ما يبدو فإنّ مال العرب هو للأميركيين والصهاينة فقط!

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟ زياد حافظ

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟

زياد حافظ

الأمين عام المؤتمر القومي العربي

17/3/2017

مع إنجازات الجيش العربي السوري وحلفاءه في سورية ضد التحالف الكوني الذي استهدف وما زال يستهدف سورية في وحدتها ودورها كشعب ودولة وقيادة، يبدو أن معارك خلفية جديدة تجدّدت تستهدف كل من وقف أو يريد الوقوف مع سورية.

فجأة انفجر الوضع في الجزائر وتصاعدت هجمات جماعة التعصّب والغلو والتوحّش في سيناء، واستولت فصائل قريبة من تلك المجموعات على مواقع هامة في شرق وشمال شرق ليبيا، كما تمّ ضرب وسط دمشق بتفجيرات انتحارية مجرمة مستهدفة المدنيين الأبرياء. كما لا يغيب عن بالنا لا التفجيرات شبه اليومية في مختلف أنحاء العراق والموت اليومي في اليمن.

من الصعب أن نضع كل هذه التطوّرات في خانة الصدف وقد تعلّمنا أن الصدفة هي أبعد عمّا يتم في مختلف أنحاء الوطن العربي.

إن استهداف سورية اليوم، بعد العراق قبل سنوات، حلقة متقدّمة من مشروع سياسي ضخم يستهدف الأمة برمتها كما تؤكّده التفجيرات والحروب المشتعلة ضد أطراف محدّدة بينما “تنعم” اقطار مؤيّدة للمشروع باستقرار نسبي، على الأقل حتى الآن. لكن هذه التفجيرات تأتي في أجواء مضطربة على الصعيد الدولي والإقليمي ما يعزّز انطباع العجز في تحقيق أهداف المشروع. والعجز يكمن داخل أطراف المشروع بدءا بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومرورا ببعض دول الاتحاد الأوروبي كفرنسا والمملكة المتحدة إلى الإقليم سواء في تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي.

ويستنفذ هذا المحور كل يوم من كافة الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق الأهداف لاسيّما تسخير منظمة الأمم المتحدة لترويج ادعاءات ضد الحكومة السورية في إما استعمال مواد محظورة كالغاز السام أو حتى ارتكاب جرائم حرب كقصف مراكز ضخ المياه لتعطيش 5،5 مليون مواطن سوري في العاصمة ومحيطها ومتجاهلة مسؤولية الجماعات المسلّحة في كلا الحالتين.

والمضحك المبكي في موقف الأمم المتحدة المنحاز كلّيا لموقف الإدارة الأميركية خلال العقود السابقة وحتى الساعة هو أن الإدارة الحالية تفكّر جدّيا في تخفيض مساهمة الولايات المتحدة في تمويل الأمم المتحدة بنسبة 40 بالمائة.

حاليا مساهمة الولايات المتحدة هي بنسبة 22 بالمائة من 5،4 مليار دولار من موازنة الأمم المتحدة. فتخفيض المساهمة الأميركية سيضعف الأمم المتحدة ويقلّص برنامج المساعدات التي تقر وفقا لتوصيات الدول الكبرى كالولايات المتحدة وتنفيذا لسياساتها. والجدير بالذكر أن التحريض على الأمم المتحدة يأتي مباشرة من رئيس وزراء الكيان الصهيوني في زيارته الأخيرة لواشنطن حيث حرّض على الأمم المتحدة “المنحازة دائما ضد إسرائيل”!

التفجيرات الأخيرة تدلّ على أن أطرافا دولية وعربية وإقليمية كالكيان الصهيوني ما زالت تراهن على تغيير ما في موقف الولايات المتحدة. وهنا علينا أن ننتبه أن ليس كل التفجيرات، بالضرورة، تابعة لجماعات التعصّب والغلو والتوحّش. فبيان مجموعة “أحرار الشام” الذي ينفي مسؤوليتها عن التفجير يثير تساؤلات عدة. أولا، لماذا تتنكّر تلك المجموعة للمسؤولية ولم تعمد سابقا إلى ذلك؟ وثانيا، هل هناك من اختلافات بينها وبين الفصائل الأخرى؟ فإذا سلمّنا جدلا بذلك فهذا يعني أن للتفجيرات دور وظيفي يخدم مخطّطات محدّدة، وليس بالضرورة مرتبطة بوقائع الميدان حتى من باب تخفيف الضغط في أماكن أخرى. فلا يمكن أن نسقط من حساباتنا أن للاختراق لبعض دوائر الاستخبارات الأميركية مسؤولية في ضرب أي توافق روسي أميركي في الإقليم. ففي رأينا تأتي هذه التفجيرات في سياق رهانات جديدة خاصة بعدما اتضح التوافق الروسي الأميركي للقضاء على تلك الجماعات من داعش إلى النصرة. فالهدف الأساسي يعود إلى الواجهة أي إلى الأمل أن الولايات المتحدة ستقدم على مهاجمة إيران وسورية في آن واحد.

بعض المؤشرّات التي تستند إليها تلك الأطراف هي وجود قوّات خاصة أميركية في شمال شرق سورية. وقد يزداد عددها إذا ما ترك الأمر للقيادات العسكرية الميدانية الأميركية. وعلى ما يبدو فإن الرئيس الأميركي أطلق يد البنتاغون وذلك منذ تسلّمه الرئاسة. فازدادت العمليات العدوانية على اليمن واليوم نشهد تصعيدا للعمليات العسكرية الأميركية في سورية كتمهيد لعمليات أوسع. ومن الواضح أن الوجود الأميركي في الأراضي السورية غير شرعي، كما أوضحته القيادات السورية أكثر من مرّة. هذا ما يزيد فرص الصدام المباشر مع القوّات الأميركية التي تتخذ من العراق ممرّا لعدوانها المرتقب على سورية. فما هو موقف روسيا في هذا الموضوع؟  وفي هذه الأجواء المشحونة تزداد فرص الصدام عن طريق “الخطأ” في ممرّات الخليج العربي مع وحدات البحرية التابعة للجمهورية الإسلامية في إيران، إضافة إلى تكرار “أخطاء” أخرى مع كل من تركيا أو روسيا. حتى الساعة الأمور مضبوطة ولكن من يستطيع أن يضمن استمرار ذلك الضبط؟

التفجيرات المتنقلة تزامن معظمها، وخاصة الأخيرة في سورية، مع زيارة ولي ولي العهد في بلاد الحرمين إلى واشنطن. اجتماعه مع الرئيس الأميركي له دلالات عدة. فهو أول مسؤول من بلاد الحرمين يلتقي الرئيس الجديد وذلك تحت سقف تنافس داخل الأسرة الحاكمة على النفوذ والسيطرة.

ففي عهد الرئيس أوباما كانت العلاقة الوثيقة مع ولي العهد وليس مع ولي ولي العهد. وهنا يمكن التساؤل هل غيّرت الإدارة الأميركية رهانها في بلاد الحرمين بعد إطلاق التصريحات النارية بحق الأخيرة؟ وهل اعتمدت “وكيلا” جديدا فيها ينفّذ مشروعها؟ ثم كيف تتعامل بلاد الحرمين مع الجو المعادي لها داخل الكونغرس الأميركي الذي ما زال يفكّر بالمزيد من العقوبات تجاهها؟  وماذا يمكن للوبي الصهيوني أن يقدّم لبلاد الحرمين في ذلك المجال؟

مراكز الأبحاث المقرّبة من المحافظين الجدد كمعهد المبادرة الأميركي (أميريكان انتربرايز انستيتوت) ومعهد دراسة الحرب (انستيتوت فور زي ستادي اوف وار) واللذان يعمل فيهما كل من فريدريك كاغان وزوجته كيمبرلي رئيسة المعهد الثاني، إضافة إلى شقيقه روبرت كاغان وزوجته فيكتوريا نيولاند، تروّج لنظرية ضرورة إقامة حلف سنّي أميركي صهيوني لضرب إيران وحلفائها أي الجمهورية العربية السورية وحزب الله. ويدعم ذلك التوجّه المنظّر العقائدي في إدارة ترامب ستيفن بانون المعروف بعداءه للإسلام بشكل عام، وللجمهورية الإسلامية بشكل خاص، ويتماهى مع أبعاد صراع الحضارات التي روّج لها “برنارد لويس” وفيما بعد سامويل هنتنغتون.

لم تعد المسألة محصورة في “تحجيم” أو “احتواء” الجمهورية الإسلامية في إيران بل تغيير النظام برمّته. وكذلك الأمر بالنسبة لسورية والقضاء على المقاومة. وعلى ما يبدو فهناك قناعة عند هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية لتوجيه ضربات قاسمة للجمهورية إضافة إلى دور “الحلف السنّي” والصهيوني خاصة بعد “تجنيد” الحليف العربي السنّي. وزيارة العاهل لبلاد الحرمين لأكبر دولة إسلامية اندونيسيا والمتزامنة مع زيارة نجله ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة تسعى للحصول على تأييد سنّي عالمي واسع النطاق للمشروع المرتقب. لكن حالة إنكار التغييرات الميدانية والتحوّلات السياسية في الإقليم وفي العالم تجعلهم يتبعون سياسات تلبّي طموحاتهم غير مكترثين لما يمكن أن يحصل للمنطقة وللولايات المتحدة. من هنا يمكن فهم “التمرّد” لدى بعض الفصائل على الإرادة التركية بعدم حضورها اجتماع الاستانة الأخير والالتزام بوعود حكومة الرياض في دعم استمرار النزيف في سورية واليمن.

لكن بالمقابل فإن الدور الأميركي المرتقب من أطراف عربية والكيان الصهيوني قد لا يكون في مستوى طموحاتهم لأن الوضع الداخلي الأميركي في حال تخبّط كبير ينذر بانهيارات ضخمة على الصعيد السياسي والأمني ناهيك عن الوضع الاقتصادي والمالي. فالصراعات داخل الإدارة وخارجها بين مراكز قوة متعدّدة تشّل حركة الإدارة الجديدة. وقلّة الخبرة السياسية للرئيس الأميركي تكشف ضعفه في مقاربة الملفّات الصعبة، إضافة إلى ضيق فترة الانتباه والاهتمام التي يمكن أن يعطيها لأي ملفّ. وبالتالي هناك تساؤلات حول من يقود فعلا السفينة الأميركية الغارقة في تلك التناقضات والتي قد توصلها إلى الهلاك. ونشير هنا على سبيل المثال إلى التخفيضات المقترحة في الموازنة العامة لوزارة الخارجية بنسبة 28 بالمائة (من 54 مليار دولار إلى 39 مليار دولار) ما يقوّض فعّالية الدبلوماسية الأميركية. هذا ينسجم مع تطلّعات ترامب الشخصية حول الانكفاء عن مشاكل العالم، ولكنه يتناقض مع طموحات مستشاريه وبعض وزرائه في الاشتباك مع روسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران. فمن له القرار النهائي يا ترى؟ كما أن هناك معارضة داخل الحزب الجمهوري لذلك التوجّه الذي يؤثّر في الاعتبارات الأمنية ما يدلّ على مدى التخبط والحبل على الجرّار.

أما على صعيد “الحليف العربي السنّي” فمن غير المؤكّد أن السياسة المتبعة في بلاد الحرمين ستستمر في ظل إخفاقات ميدانية في اليمن، وفي ظل تراجع اقتصادي ومالي حاد، وفي ظل صراعات داخلية مرشّحة للتفاقم، وفي ظل عزلة دولية تتزايد يوما بعد يوم رغم محاولات تجنيد رأي عام إسلامي وآسيوي لسياساتها.

والحليف الصهيوني عاجز عن تغيير أي شيء في الإقليم. فهو المذعور من تسليم جثمان شهيد لذويه خشية من المظاهرات. كما هو المرتعب من الآذان وصوت “الله أكبر”. كما وأن تقارير من داخل الكيان الصهيوني حول أدائه العسكري في حربه على غزّة لا تدلّ على قدرة وفعّالية في مواجهة مقاومة فلسطينية محاصرة وفوق جغرافية صعب الدفاع عنها! فلا يبقى له إلاّ التهويل والتهديد والاتكال على “حليف عربي”! صحيح أن قدرة التدمير موجودة ولكن ماذا عن الرد؟  هل يستطيع الكيان تحمّل تبعات الرد وهو يشهد هجرة مضادة من الأراضي المحتلة؟  فيهود الكيان لم يعودوا راغبين في البقاء ويهود العالم لديهم تحفّظات كثيرة على الهجرة إلى الكيان. فآفاق الكيان ضعيفة للغاية وفعلا فإن الكيان أوهن من بيت العنكبوت. فعن أي حلف وعن أي متابعة وعن أي قدرة يتكلّمون في هذه الظروف؟

وهذه المخططات التي يحلم بها التحالف الأميركي الصهيوني العربي تتجاهل ردّة الفعل من قبل محور المقاومة وحلفائه الدوليين. وكأن الأمور تسير في اتجاه واحد بالنسبة لهم. كان القائد الفيتنامي الجنرال جياب يردّد دائما أن الأميركيين تلاميذ غير نجباء لأنهم لا يتعلّمون من أخطائهم. ونرى اليوم بقايا المحافظين الجدد والمتدخّلين الليبراليين يروّجون لتكرار الأخطاء المدمّرة.

كل ذلك، من تفجيرات ومخطّطات، لن يؤثّر في المسار الاستراتيجي للأمور في الميدان السوري، ولن يؤّثر في استقلالية القرار المصري بعد فشل محاولات ترويضه. ولن يؤّثر في صلابة الموقف الجزائري رغم الانتخابات القادمة والصراعات الداخلية بقضايا مفتعلة كصراعات محلية، وتفاعلاتها بين مجموعات متطرّفة مدفوعة، على الأرجح، من جهات استخباراتية أوروبية وصهيونية. كما لن يؤثّر في صمود الشعب اليمني، وطبعا لن يؤثر في استمرار الانتفاضة في فلسطين، ولا في تنامي قدرات المقاومة في لبنان، فالتفجيرات المتنقّلة ليست إلاّ معارك خلفية عبثية لن تغيّر في التحوّلات وإن أراد مخطّطو تلك التفجيرات أن تكون تحضيرا لمجابهة أوسع ولكن عناصرها غير موجودة أو غير فاعلة.

كما نلفت النظر أن التهديد المتكرّر يساعد على استمرار اليقظة والتنبّه وإفقاد الخصم والعدو عنصر المفاجأة والمباغتة وهذا ما يُضعف أكثر إمكانية نجاح أي هجوم. لذلك لن يحصل ذلك الهجوم إذا ما افترضنا العقلانية عندهم مع استدراكنا بخطورة الحماقة والغباء وحالة الإنكار وعدم القراءة المتأنية للتغييرات لديهم التي لا يمكن تجاهلها.

 

هل بدأت الحرب الأهلية الأميركية؟

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

21 شباط/فبراير 2017

تتسارع الأحداث في المشهد السياسي الأميركي بشكل ينذر بتطوّرات خطيرة جدّا تهدّد استقرار الولايات المتحدة ومعها العالم أجمع. فإذا كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 زلزالا سياسيا في المشهد الأميركي وحتى العالمي فإن النخب التي كانت متحكّمة في مفاصل السلطة في الولايات المتحدة لم تقبل ولم تستسلم للواقع الجديد. وبات واضحا من أول يوم بعد الانتخابات أن ما يُسمّى بالدولة العميقة ستجهد لجعل ولاية ترامب صعبة، هذا إذا ما كُتب لها البقاء. فهناك من يتكهن أنها لن تتجاوز مئتين يوم حسب موقع انرفورماشيون كليرينغ هاوس الواسعة الانتشار. فالدولة العميقة أعلنت الحرب على ترامب لإسقاطه دون الانتظار أو حتى التفكير بترويضه. فعلى ما يبدو اعتبرت الدولة العميقة أنه غير قابل للتطويع وإن كان ميله الطبيعي عقد الصفقات. فلا صفقات معه والمعركة على ما يبدو ذاهبة إلى النهاية.

الدولة العميقة اليوم يتصدّرها مجمع مؤسسات الاستخبارات ضمن المجمع العسكري السياسي الأمني والمالي. واليوم يمكن إضافة السلطة الرابعة، أي الاعلام المهيمن إلى ذلك التحالف حيث أسقط الاعلام أي زعم بالمهنية وأخذ بتصنيع الأخبار الكاذبة حول ترامب. بالمقابل يعتبر ترامب أن “الاعلام هو العدو”. ويجب الاعتراف أن ترامب سهّل ويسهّل إلى حدّ كبير مهمة خصومه بسبب تسرّعه في اتخاذ القرارات ثم التراجع عنها وكأنها ستكون دون أي تأثير. وهذا ما يجعل هدفه في “تجفيف المستنقع” مهمة في غاية الصعوبة لشراسة أرباب “المستنقع” وخفّة الرئيس الأميركي في اتخاذ القرارات.

وبالفعل، ارتكب الرئيس الجديد عدة أخطاء متتالية ساعدت الاعلام وأجهزة الاستخبارات على خوض حملة ناجحة ضدّه وكأنه عاجز عن الرد حتى الآن. وليس في الأفق ما يدّل على إمكانية ردّ فعّال غير المكابرة في الكلام أو التراجع الموقت. أما الأخطاء التي ارتكبها عديدة: أولا ما زال يعتبر نفسه في مرحلة الحملة الانتخابية ولم يستوعب أنه أصبح الآن في الحكم. فما زال يطلق مواقف لا تتجاوز مرحلة الشعارات، أي دون دراساتها بعمق وخاصة تداعياتها وسرعان ما يقوم بالتراجع عنها.

الخطأ الثاني هو عدم اعداده لفريق عمل متجانس يمكن الاتكال عليه. فالتسميات لمناصب عديدة أثارت العديد من الجدل خاصة فيما يتعلق بأمرين: أولا التناقض مع شعاراته الانتخابية بأنه يمثّل الشعب وأنه سينقل السلطة إلى الشعب كما صرّح في خطاب القسم، وإذ يعّين العديد من أصحاب المليارات في وزاراته. وثانيا، يفتقد العديد من هذه أصحاب هذه التعيينات الحد الأدنى من الكفاءة في علم إدارة الدولة أو الشأن العام، أو أنهم يمتلكون تصوّرا لما يمكنوا أن يقوموا به.

فوزيرة التربية بتسي ديفوس نالت على موافقة مجلس الشيوخ بشق الأنفس بسبب قلة خبرتها وحنكتها رغم أنها كانت رئيسة فرع الحزب الجمهوري في ولاية ميشيغان، وهي ومن أصحاب المليارات وشقيقة أريك برنس مؤسس إحدى أكبر الشركات الأمنية في العالم “بلاك واتر”. الجدير بالذكر أنها لم تكن من أنصار ترامب واعتبرت أنه لا يمثّل الحزب الجمهوري فكيف تمّت تسميتها من قبل ترامب؟ أو هل هناك جهة أخرى داخل الفريق المقرّب من ترامب تقترح الأسماء دون التعمّق في خبرة المرشّحين وكأنها تريد إفشاله؟

المرشح الثاني الذي اضطر إلى الانسحاب هو المرشح لمنصب وزارة العمل اندرو بوزدر وذلك بسبب عدم كفاءته. مثل ثالث على عدم كفاءة فريق العمل داخل الإدارة تعيينه لشون سبايسر كناطق باسم البيت الأبيض الذي يتخبّط بالتناقضات والمعلومات الخاطئة أو الناقصة. يرافق كل ذلك أخبار وتسريبات عن صراعات داخل البيت الأبيض بين فئات متخاصمة تسعى للتأثير على الرئيس ما يزيد من البلبلة والغموض حول آليات العمل داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. هذه بعض الملاحظات حول فريق العمل الجديد ويمكن الاسترسال في الأمثال لتأكيد ما أوردناه.

ومن الهفوات القاتلة في التعيينات تعيين مايك فلين كمستشار الأمن القومي الذي أربك الرئيس الأميركي ونائبه مايك سبانس بسبب معلومات ناقصة لم يفصح عن كاملها ما أفقده ثقتيهما به. وقضية فلين تنذر بإعادة سيناريو إسقاط نيكسون في السبعينات من القرن الماضي حيث بادر بعد النوّاب والشيوخ في الكونغرس إلى طرح ضرورة تحقيق من قبل محقّق مستقل لمعرفة ما كان يعلم ترامب من محادثات بين فلين والروس. لسنا متأكدين أن هذه الحملة قد تنجح بإطاحة ترامب ولكنها قد تضرب مصداقيته على الصعيد الدولي. وقد تجلّى ذلك من النتائج المحدودة للزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد ريكس تيللرسون ولقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

لكن رغم كل ذلك فما زال ترامب يتمتع بشعبية كبيرة تقارب أكثر من خمسين بالمائة ما يغيظ خصومه. فمعهد رساموسن لاستطلاع الرأي العام، والمعروف بجدّية ودقّة استطلاعاته، نشر استطلاعا الأسبوع الفائت يدّل على مدى موافقة الجمهور الأميركي على سياسات ترامب. والأهم من ذلك، جاء في ذلك الاستطلاع أن الجمهور الأميركي يثق أكثر بترامب مما يثق بأخبار الاعلام المهيمن، أي بمعنى آخر أن مصداقية ذلك الاعلام لدى الجمهور الأميركي مشكوك بأمرها. كما أكّد ذلك الاستطلاع عدم رغبة الجمهور الأميركي بالتورّط في قضايا خلافية خارجية. من جهة اخر فإن استطلاعا آخرا قام به موقع يوغوف (YouGov) حول التهديدات الخارجية كما ينظر إليها الجمهور الأميركي أبرز أن روسيا تأتي في المرتبة السادسة (22 بالمائة)، وراء كل من كوريا الشمالية (57 بالمائة) في المرتبة الأولى، ويليها كل من إيران (41 بالمائة)، وسورية (31 بالمائة)، والعراق (29 بالمائة) وأفغانستان (23 بالمائة). لكن جميع هذه الاستطلاعات، باستثناء الخطر الكوري الشمالي) تفيد أن التهديد لا يتجاوز الخمسين بالمائة عند الجمهور الأميركي. فكل الكلام الإعلامي ولرموز الاستخبارات أن روسيا هي الخطر الأول يتعارض مع رأي الأميركيين.

لكن بات واضحا أن الانفصام بين النخب والجمهور العام الأميركي يتزايد. لذلك نرى “التقدّميين الليبراليين” في الولايات المتحدة يدعون إلى ابتكار الوسائل الفاشية كعدم السماح لإعطاء رأي مخالف لرأيهم. كما أن هذه الجوقة من “التقدميين الليبراليين” يدعون إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين. فسخرية القدر هو تبدّل المواقع بين المحافظين التقليديين والذين كانوا من “الصقور” وبين الليبراليين الذين كانوا يبدون اعتراضهم على المغامرات الخارجية الأميركية. فمنذ ولاية كلنتون أصبحت النخب الأميركية بمختلف تشكيلاتها تؤيّد التدخّل الخارجي واليوم متحالفة مع صقور الأمس من الجمهوريين في إعادة أجواء الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك هو استطلاع آخر أجرته مركز المصلحة الوطنية بالاشتراك مع مؤسسة كوخ حيث تبيّن أن 69 بالمائة من الأميركيين أن المصلحة الوطنية هي التي يجب أن تحرّك السياسة الخارجية وليس المواقف العقائدية تجاه الصين أو روسيا. كما أن نشر الديمقراطية في العالم عبر القوة العسكرية كما يتمنّاه المحافظون الجدد والمتدخّلون الليبراليون لم يحظ على 24 بالمائة من التأييد بينما الأكثرية خالفت ذلك التوجه.

تحالف مراكز الاستخبارات الأميركية مع الاعلام الأميركي أطاح بمايكل فلين. ولكن هل يستطيع ذلك التحالف في الاستمرار في هجومه على الرئيس الأميركي للوصول إلى إما تنحّي الرئيس أو إسقاطه في الكونغرس؟ وماذا ستكون ردّة الفعل الشعبية؟ الانقسام الحاد بين الأميركيين من جهة وبين النخب الأميركية وجمهور ترامب يساهم في ضرب تماسك النسيج الاجتماعي خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. من الواضح أن النخب لا تكترث إلى حال المواطن الأميركي العادي وتريد أن تصوّر وتتصوّر أن معظم الاميركيين يؤيّدونها في صراعها مع ترامب. من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يكتشف مدى حدّة الانقسام الذي يحاول أن يخفيه الاعلام المهيمن. والاستمرار بالصراع المفتوح ودون ضوابط ينذر بالتحوّل إلى مجابهة شعبية مع أنصار ترامب الذين لا يقل عددهم عن نصف الناخبين. لم نصل إلى تلك المرحلة ولكن هناك العديد في الولايات المتحدة من يعتبر أن احتمال حرب أهلية أصبح واردا.

أجواء الحرب الباردة ضرورة حيوية للمجمع العسكري الصناعي. ففي عصر التراجع الاقتصادي تزداد الضغوط على الحكومة لخفض النفقات العامة. ولكن ما لا يمكن تخفيضه بالنسبة للمجمع العسكري الأمني الصناعي هو نفقات الدفاع والأمن الذي يحظى بتأييد الجميع. يبقى تخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية وهذا يمس مباشرة مصالح الجمهور الأميركي. فأصحاب المليارات الذي يتولّون مناصب في إدارة ترامب مهمتهم تخفيض نفقات الإدارة وخاصة في البرامج الاجتماعية والتربوية والبيئية والصحية ولكن دون المس بالدفاع والأمن.

وفقا لهذه المعطيات فإن إدارة ترامب مقبلة على اتخاذ قرارات تمسّ برفاهية المواطن الأميركي. هناك أحاديث حول إعادة هيكلة الضمان الصحي للمتقاعدين. كما أن الحديث عن إبطال قانون التغطية الصحية الذي أوجده الرئيس أوباما والمعروف “باوباماكير” يتفاعل في الكونغرس رغم الصعوبات في إبطاله. الاوليغارشية الأميركية أصبحت تحكم بشكل مباشر الولايات المتحدة بينما كانت توظّف سياسيين لذلك الغرض. الغريب أن الهجوم على ترامب لا يتناول بشكل ملموس الأجندة الداخلية التي قد تكون في الحد الأدنى مطابقة للنيوليبرالية التي بدأت في الولايات المتحدة في عهد ريغان وتصاعدت في عهد كلينتون لتصل إلى ذروتها في عهد أوباما. الخلاف هو حول الأجندة الخارجية حيث ترامب أعلن في حملته الانتخابية عن رغبة في “تحسين العلاقات” مع روسيا وعدم التورّط في حروب لا تخدم المصلحة الأميركية كما يفهمها هو.

فما هو مستقبل سياسة ترامب، على الأقل بالنسبة للشعارات التي رفعها؟ من الواضح أن المجمّع العسكري الصناعي ومعه الإعلام المهيمن ربح جولة كبيرة في إبعاد مايكل فلين ولكن هل كانت حاسمة؟ النتيجة الأولية هي إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في المحافل الخارجية. المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في ميونخ الأسبوع الماضي تحدّت عن الخطر الروسي الذي يهدّد كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. الجدير بالذكر أن نفقات وزارة الدفاع الروسية في حدود 66 مليار دولار بينما نفقات بلاد الحرمين وصلت إلى 88 مليار دولار. معظم الدول الأوروبية تنفق أكثر من روسيا على الدفاع فكيف تحوّلت روسيا إلى تهديد حيوي لأوروبا؟ هذا التهديد هو ما شدّد عليه الشيخ الأميركي جون ماك كين على هامش المؤتمر مخالفا بالتالي موقف ترامب. صحيح أن وزيري الخارجية والدفاع الأميركي تكلّما عن تهديد روسي ولكن بشكل غير مقنع. فأين يقين الموقف الأميركي؟ الأسابيع المقبلة ستحمل بعض الأجوبة ولكن في اعتقادنا فإن إدارة ترامب ومعها الولايات المتحدة دخلت مرحلة لا توازن ولا استقرار وحالة ضعف خطيرة قد تطول طالما لم تستوعب النخب مدى عمق التغيير الحاصل في المجتمع وضرورة الانصياع إلى ذلك الواقع الجديد.

الوجه الآخر لحقيقة مُغيّبة.. وجه يكشفه روبرت فيسك في سورية!

nabil-nayli.jpg777

نبيل نايلي

“كل ما يُتوقّع من الأسلحة التقليدية سيكون مُتوقّعاً كذلك من الأسلحة الصامتة ولن تختلف عنها إلاّ بالأداء الوظيفي. الأسلحة الصامتة تُطلق وتُحدّد المواقف بدلاً من إطلاق الرصاص، وتقوم بمعالجة المعلومات بدلاً من التفاعلات الكيميائية، وتستخدم الحاسوب بدلاً من البندقية، ويتحكم بها مُبرمج الحاسوب بدلاً من المسلّح، وتخضع للأوامر المصرفية بدلاً من العسكرية. عندما يُطبَّق نظام الأسلحة الصامتة تدريجياً سيتكيّف الشعب مع وجوده ولن يشعر حقيقةً بالتعدّي الذي يُمارسه هذا السلاح على حياته إلى أن يصل الضغط النفسي إلى الحد الذي يؤدّي إلى انهيار الشعوب.” مُقتطف من وثيقة “الأسلحة الصامتة للحروب الهادئة، Silent Weapons for Quiet Wars .
نشر الكاتب الصحفي البريطاني الغني عن التعريف، روبرت فيسك، Robert Fisk، بصحيفة الأندبندنت، The Independent ، البريطانية مقالا مطوّلا مخالفا لل”جوقة” الإعلامية وللسردية التي نقرأ أو نسمع، وجب قراءته بتمعّن شديد. قد يتفق بعضنا مع قراءات فيسك أو يختلف، قد يحترمه أو يمقته، لا خلاف، ولكنها رؤية تهزّ -حدّ الأسس- ما أريد لنا من “ثوابت” و”قناعات” منذ “سفر درعا” حتى الجولات الأخيرة لحرب على سوريا، تناهز عامها السادس، بضحاياها وخرابها وتداعياها!!
يرسم فيسك، ورماد حلب لمّا ينجلي بعد، حقيقة أخرى، مغايرة تماما، يصمّ عنها ممارسو حالة الانكار ومحترفو دور الببغاء ال”غوبلزي” يردّدون صباح مساء رواية “الزيف الثوري” الذي يعلّبه “صنّاع الرأي” وشركات العلاقات العامة لوكالات الإستخبارات العالمية! روبرت فيسك كما غيره ممن فضح زيف رواية بنغازي غراد” وغيرها ممّا سوّقه ويسوّقه “إعلام” إغتصاب المعاني يُفتي في قاعة الأخبار بإهدار دم هذا، ويدّعي بلا خجل، أنّ الرسول الأعظم –عليه أفضل الصلوات والسلام وعلى آله الصالحين الطيبين- كان سيختار القتال تحت راية حلف شمال الأطلسي، ويستجدي “غضبة إلهية” من جيش المارينز! روبرت فيسك فضح بمقاله المستور وكشف ألاعيب “الإعلام” الغربي والعربي الرسمي، بقوله:
“سيكون على السياسيين والخبراء والصحافيين الغربيين أن يُعيدوا كتابة قصصهم في الأيام المقبلة من جديد وقد استعاد جيش بشار الأسد السيطرة على حلب الشرقية،”
“سنكتشف ما إذا كان المدنيون المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في المدينة كانوا فعلاً بهذا الكم”،
“سنسمع المزيد عن عدم قدرتهم على المغادرة حين قصفت الحكومة السورية وسلاح الطيران الروسي الجزء الشرقي من المدينة. وسنعرف المزيد عن المتمرّدين الذين نحن في الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب حلفائنا قاطعي الرؤوس في الخليج، قمنا بدعمهم”،
“نعم لقد دمّر بشار الأسد مساحات شاسعة من مدنه في معركته ضد الذين أرادوا الإطاحة به، يجدر بنا أن نقلق على حياة الأطباء الشجعان في شرق حلب والأشخاص الذين يعتنون بهم هناك”،
“سيكون على السياسيين والخبراء والصحافيين الغربيين أن يعيدوا كتابة قصصهم في الأيام المقبلة من جديد وقد استعاد جيش بشار الأسد السيطرة على حلب الشرقية. سنكتشف ما إذا كان المدنيون المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في المدينة كانوا فعلاً بهذا الكم”،
“سنسمع المزيد عن عدم قدرتهم على المغادرة حين قصفت الحكومة السورية وسلاح الطيران الروسي الجزء الشرقي من المدينة. وسنعرف المزيد عن المتمردين الذين نحن في الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب حلفائنا قاطعي الرؤوس في الخليج، قمنا بدعمهم”،
“قبل أسابيع قليلة فقط قابلت إحدى العائلات المسلمة التي هربت من شرق حلب خلال الهدنة. أخبرني الوالد أنهم أبلغوه بأن المتمرّدين سيقومون بإعدام شقيقه لأنه اجتاز الخطوط الأمامية مع زوجته وابنه. لقد اتهم المقاتلين بإقفال المدارس وتخزين الأسلحة بالقرب من المستشفيات علماً أنه لم يكن موالياً للنظام بل إنه كان من المعجبين بسلوك داعش في الأيام الأولى للحصار”،
“من المفيد جداً أن ننظر في تقاريرنا حول هذين الحدثين المتوازيين. تقريباً تتحدث كل العناوين اليوم عن سقوط حلب بيد الجيش السوري وليس استعادة المدينة من المسلحين كما كنا سنقول في ظروف أخرى، فيما يتم الحديث عن سقوط تدمر بيد الحكم البشع لداعش بوصفه استعادة للسيطرة على المدينة”،
“لسبب ما لم تكشفهم الأقمار الصناعية الأميركية ولا الطائرات بدون طيار ولا الاستخبارات، خلافاً لما قاموا به حين قاد داعش المواكب الانتحارية نفسها حين سيطرة للمرة الأولى على المدينة في ماي 2015″،
فيسك يذهب أبعد من ذلك ليقولها بصوت عال لهؤلاء “الدمى” و”البيادق” و”البنادق التي تطلق للخلف”، وبلا مواربة:
“هؤلاء الرجال، أو “رجالنا” في حال واصلنا السرد الجهادي الحالي، هم الذين قاموا بعد احتلالهم لتدمر بذبح عالم الآثار البالغ من العمر 82 عاماً والذي حمى كنوزها، ثم وضعوا له نظاراته على رأسه المقطوع″،!
“أتوقّع أن نسمع المزيد من هذا الكلام في الأيام المقبلة. الشهر المقبل سنقرأ أيضاً كتاباً مخيفاً جديداً للصحافية الإيطالية، لوريتا ناوبليوني، Loretta Napoleoni، حول تمويل الحرب في سوريا”،
“عار على تيريزا ماي ووزرائها الذين تذلّلوا الأسبوع الماضي للمستبدّين ”السنة“ الذين دعموا الجهاديين في سوريا، على أمل الحصول على مليارات الجنيهات في صفقات أسلحة مع الخليج في مرحلة ما بعد البريكسيت”.
أفظع ما كتب فيسك، والأفظع منه أنه يُقال “بعد خراب مالطا”، إلاّ إذا كنّا نعتبر أن شهادته يمكن أن تشكّل أولى حلقات عودة الوعي، فتفتح هذه السطور العيون المغمضة، مع سبق الإصرار والترصّد،:
“حان الوقت لقول الحقيقة الأخرى بأن الكثير من المتمرّدين الذين دعّمناهم في الغرب هم من أكثر المقاتلين قسوة في الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي كنا نعبّر عن رفضنا وانزعاجنا من شناعة داعش خلال حصار الموصل، تجاهلنا -عمداً- سلوك المتمرّدين في حلب”!!!
هذه شهادة فيسك لعلّ المكابرين ومحترفي حالة الإنكار، يرون وجها آخر، فقط وجها آخر مغاير، للإسطوانة المشروخة التي تصمّ الآذان ولا تقول شيئا!
نعم حان الوقت الوقت لإعادة كتابة السردية السورية التي يخطّها متضاربو الأجندات ب”أسلحة صامتة” غادرة وأخرى “هادرة”!!
حان الوقت لما سمّاه الأستاذ عريب الرنتاوي، وغبار حلب وسوريا وباقي الأواني المستطرقة نازفة وجراحاتها لما تلتئم، لـما سمّاه “مبادرة مصالحة تاريخية” ، وإن تأخّر كثيرا، ليس من موقع ”المنتصر“ صاحب “أوهام الحسم والحل العسكريْين”، “مبادرة تتخطّى المصالحات المحلّية “و “حدود التعديل الوزاري” و”العفو الرئاسي العام“ بل مع المعارضة الوطنية الشريفة ممّن لم يخض في الدم السوري ولم “يتورّطوا في ألاعيب الاستخبارات والإرهاب ولا تملّق إسرائيل”، وكل ما من شأنه أنيحصّن الجبهة الداخلية ويعيد بناء التوافق الوطني والاجتماعي وأن تسدّ الشقوق والمنافذ، التي تتسلّل منها مختلف أشكال التدخّلات الخارجية”، ل”تسحب البساط من تحت أقدام قوى إقليمية ودولية”!
أ ليس الوعي بالمشكلة أولى الخطوات نحو الحلّ ؟!
*باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة – د. زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الجزيرة العربية‬‎"

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

12/12/2016

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه.

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول.

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول.

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات.

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى.

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية!

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها. فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها.

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي!

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟.

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق!

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع.

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين.

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة.

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.

أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟.

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات – د.زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الانتخابات الامريكية‬‎"

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

9 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

نتائج الانتخابات الأميركية كانت بمثابة زلزال هزّ مرتكزات العمل السياسي في الولايات المتحدة بعدما تحدّثت النخب المتحكّمة بحتمية فوز بنت المؤسسة الحاكمة هيلاري كلنتون. وانتخاب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يوازي في الأهمية التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يرافقهما من تغيرات في موازين القوة على صعيد العلاقات الدولية. هذا إذا ما كتب للمملكة المتحدة الخروج نهائيا من الاتحاد الأوروبي دون أي عائق قانوني داخلي وإذا ما سمح للرئيس المنتخب ترامب من تحقيق كل أو بعض القضايا على أجندته السياسية. فالرئيس المنتخب يأتي بتوجّهات مختلفة عن توجّهات النخب الحاكمة ويبقى السؤال من يستسلم لمن؟

فمع انتخاب دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة طويت صفحة يعتبرها المراقبون الأميركيون من أسواء الحملات الانتخابية التي مرّت بها البلاد وإن لم تكن الأولى. فالحملة التي اتسمت بتبادل الشتائم والتهم وتجنّبت مقاربة القضايا الوطنية والخارجية تدلّ على مستوى ترهّل النظام السياسي القائم الذي لا يفرز إلاّ نوعيات رديئة في العلم والخبرة والأخلاق. لذلك سيكتشف الرئيس المنتخب صعوبة كبيرة في تنفيذ أجندته إن لم يأخذ بعين الاعتبار اهتمامات خصومه داخل الحزب الحاكم وداخل حزب الحرب المهيمن على مقدّرات البلاد وإن كانت حملته تمرّدا على كل ذلك.

في مطلق الأحوال جاءت النتائج لتؤكّد عدّة حقائق كنّا قد أشرنا إليها سابقا. أولى هذه الحقائق هي استمرار تدنّي مستوى المرشّحين وعدم اكتراثهم لهموم المواطنين مما أثار نقمة الجمهور الأميركي. فالانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة شهدت تمرّدا للجمهور الأميركي على نخبه الحاكمة. تعدّدت الأسباب التي لا داعي سردها الآن إلاّ أنها تعبّر عن ضرورة إصلاح النظام السياسي بشكل يأتي بمسؤولين يعملون لصالح الجمهور الأميركي وليس لصالح المصالح الخاصة. فهذه الانتفاضة سمّاها المرشح سندرز ب “الثورة” بينما حملة ترامب كانت مركزة ضد رموز الحزب الجمهوري التقليدي فكانت بمثابة ثورة شخص استطاع أن يعبّر عن غضب القاعدة.

الحقيقة الثانية هي تكريس هزيمة عدد من القوى التي كانت وما زالت تتصدّر المشهد السياسي على مختلف الأصعدة. فالهزيمة طالت أولا النخب المتحكّمة بالحزبين السياسيين اللذين يتصدّران المشهد السياسي منذ بداية الدولة الفتية في أواخر القرن الثامن عشر. الانتخابات التمهيدية عند الحزب الديمقراطي شهدت ثورة قاعدة الناخبين الشباب وقاعدة العمّال والقوى الكادحة على قياداتها التقليدية إلاّ أن النخب المتحكّمة بالحزب استطاعت تزوير العملية الانتخابية وتجييرها لمصلحة بنت المؤسسة الحاكمة وممثلتها هيلاري كلنتون. إن جمهور برني سندرز لم يرق له أن يساند قائد الحملة الإصلاحية مرشّحة المؤسسة الحاكمة فكان تحوّل قسط من القاعدة للتصويت لدونالد ترامب أو عدم التصويت. لم تنل هيلاري كلنتون أكثر من 55 بالمائة من أصوات الشباب بينا نال الرئيس أوباما في الانتخابات الماضية ما يوازي 80 بالمائة من أصواتهم. أما على صعيد الحزب الجمهوري فاستطاع دونالد ترامب أن يطيح برموز الحزب الجمهوري المتحكّمة خلال الحملة التمهيدية. والجدير بالذكر أن النخب في الحزب الجمهوري تجنّبت إلى حد كبير المساندة العلنية لدونالد ترامب لما يجلب الأخير من انتقادات حول شخصه وتصريحاته المثيرة والعنصرية والمهينة بحق المرأة. ففوز ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض يشكل أيضا هزيمة لهذه النخب.

القوة الأخرى التي هُزمت هو الاعلام المهيمن الذي كان مؤيدا بشكل سافر لهيلاري كلنتون ومعاديا لدونالد ترامب. فصحف مرموقة كالواشنطن بوسط والنيويورك تايمز واللوس انجلس تايمز والمحطاّت التلفزيونية الكبرى ك سي أن أن، وأن بي سي، وأي بي سي، وسي بي أس مُنيت بهزيمة نكراء. فتغطيتها للحملة الانتخابية كانت فاقدة للحد الأدنى من الموضوعية ومركّزة على التصريحات المثيرة لترامب ومتجاهلة لإخفاقات وفضائح هيلاري كلنتون. والجدير بالذكر أن أكثر من 90 بالمائة من الاعلام الأميركي تملكه فقط ست شركات عملاقة. فارق الفوز عند دونالد ترامب ملفت للنظر ويؤكّد إما عدم معرفة الإعلام بواقع المشهد الشعبي أو أنه متواطئ مع مصالح المؤسسات المالية والمجمع العسكري الصناعي والأمني الذي يملكه أو يسيطر عليه والذي لا يكترث لواقع الشعب.

الفريق الآخر الذي مُني بالهزيمة هو سقوط مؤسسة استطلاعات الرأي العام التي كان يروّجها الاعلام المهيمن. وتأتي هذه الهزيمة في أعقاب إخفاقات كبرى في التنبؤ في العديد من الاستحقاقات المفصلية ليس فقط في الولايات المتحدة بل في مختلف أنحاء العالم، كالإخفاق في توقّع فوز حزب المحافظين في المملكة المتحدة، أو فوز نتانياهو في الكيان، أو التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي أو البقاء فيه. هذا يدّل إما على عدم مهنية أو معرفة في إجراء الاستطلاعات أو على “لغم” الاستطلاع للمجيء بنتائج تدعم الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لصاحب الاستطلاع. ومن كان يتابع بدقة الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية منذ بدايتها وكان على تواصل على الأرض وخارج وصاية الاعلام المهيمن وجد منذ البداية أن تلك الاستطلاعات مغلوطة ومضلّلة ولا تعكس مدى التجاوب الشعبي الفعلي على الأرض مع المرشحين. فبينما كانت الحشود الانتخابية للمرشح ترامب بعشرات الالاف كانت الحشود لصالح المرشحة كلنتون لا تتجاوز بضعة المئات، أي التجاوب الشعبي كان لصالح ترامب وليس لصالح كلنتون. حاول الاعلام الإيحاء بان المعركة محسومة حتى جاهر بالتحسّر على مستقبل ترامب بعد هزيمته الحتمية! فمن شاهد المعلّقين على الشبكات الرئيسية الأميركية لدي الفرز لاحظ مدى إحباطهم وخيبة أملهم. المحطة الوحيدة التي حافظت على توازنها في التغطية كانت محطة “أر تي” روسيا اليوم!

في خانة المهزومين أيضا كان اللوبي الصهيوني الذي دعم بقوّة حملة هيلاري كلنتون. هذه هي الهزيمة الثانية المتتالية لذلك اللوبي في الانتخابات الأميركية (بعد إخفاقه في دعم ميت رومني ضد باراك أوباما) مما يعني أن نفوذ اللوبي لا يتعدّى النخب الحاكمة والمتحكّمة ولا يصل إلى القاعدة الكبرى من الجمهور الأميركي. الجالية اليهودية صوّتت لهيلاري كلنتون ولكن اللوبي الصهيوني لم يستطع أن يجنّد أكثر من ذلك. استطاع ترامب تجاوز نفوذ اللوبي عبر مخاطبته المباشرة للجمهور الأميركي ومحاكات همومهم بينما اكتفت كلينتون بترداد الشعارات التي لم تعن شيء لذلك الجمهور إضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسة الحاكمة. في خانة المهزومين في هذه الحملة بعض الدول العربية التي كانت تراهن أيضا على هيلاري كلنتون فدعمتها ماليا كما كشفتها تسريبات ويكيليكس والتي أكّدت على التواصل المالي مع مؤسسة كلنتون فأصبحت محور ملاحقة من مكتب التحقيق الاتحادي (اف بي أي).

الحقيقة الثالثة هي ترابط البيوت المالية والنخب الحاكمة. فالأسواق المالية أبدت استياءها عند فرز الأصوات من النتائج الوافدة التي كانت تشير منذ بدايتها إلى إمكانية فوز ترامب، فشهدت انخفاضات كبيرة في التعامل المستقبلي. فعلى ما يبدو هناك حدود لما تستطيع أن يقوم به المال المؤسّسي، أي بيوت المال، في توجيه الرأي العام والمجيء بأشخاص ينفّذون أجندتهم بدون مسائلة ومحاسبة. هذا لا يعني أن دونالد ترامب سيكون بعيدا عنها، فهو رجل أعمال أولا وأخيرا وبحاجة إلى المؤسسات المالية، لكنه ليس مدينا لهم بالوصول إلى البيت الأبيض.

الحقيقة الرابعة هي أن الشعب متفوّق على النخب الحاكمة وأو الطامحة إلى الحكم. فحس الجماهير أقوى من آلة الاقناع التي تشكّلها الدعاية والمال. فلا الاعلام ولا استطلاعات الرأي العام ولا النخب الحاكمة في الأهمية التي يعتقد العديد من المراقبين والمحلّلين. الانتخابات الأميركية الأخيرة قلبت رأسا على كعب قوانين اللعبة السياسية وخطورة الاستهتار برأي الشعب.

الحقيقة الخامسة هو انتصار وسائل التواصل الاجتماعي في تعبئة وتنظيم وتنفيذ الحملة الانتخابية على مقولة ضرورة التنظيم على الأرض. فعلى ما يبدو استفاد ترامب من دروس الحراك الشعبي العربي في مطلع هذا العقد وطبّق نتائجه! استطاع ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتفوق على الآلة التنظيمية للمرشحة هيلاري كلنتون. فالإعلام المهيمن لم يستطع أن يغيّر رأي العام بشكل ملموس لأنه تجاهل عمق الغضب والحنق وحتى الخوف عند الناخب الأبيض الأميركي. الإعلام المهيمن ركّز على أهمية الأقليّات وتناسى دور الأكثرية وحنقها. فدفعت هيلاري كلنتون ثمن الاستهتار برأي الأكثرية. ربما هناك عبرة لمن يعمل بالشأن العام في لبنان والوطن العربي!

أما على صعيد التداعيات فما زال من المبكر تحديدها لتعقيد وتركيب المشهد على الصعيد الداخلي والخارجي. كما أن الرئيس المنتخب لم يحدّد من هو فريق عمله في الحكم وكيف سيتعامل مع النتائج لفوزه وكيف سيتعامل مع سلوك خصومه بعد المعركة. فالدولة العميقة التي اختطفها حزب الحرب في الإدارة الأميركية لن يستسلم بسهولة للواقع الجديد الذي يمثله ترامب. فهو يسيطر على كافة مفاصل الإدارة ويستطيع إما تسهيل أو إفشال أي قرار للرئيس المنتخب. لذلك سيحاول الحزب في المرحلة الأولى استقطاب ترامب عبر الترغيب وإذا فشل سيلجأ إلى الترهيب. ليس من السهل لحزب الحرب أن يسلّم بالهزيمة أو أن يخرجه عن أهدافه. فعلى سبيل المثال، التزم ترامب بزيادة النفقات العسكرية لتقوية القوّات المسلّحة. لم يحدّد من اين سيتم التمويل وإن كان في رأينا سيكون على حساب انتشار القواعد العسكرية. فهذه القواعد تستنزف القدرات المالية دون أن تزيد في الفعّالية العسكرية بل العكس فهي تزيد من خطورة الانكشاف لدى خصوم الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم. كما أن نفقات التسليح تعطى للشركات الخاصة التي تصنّعها وإن كان همّها الأول هو الربح وليس الجدوى العسكرية والفعّالية. فكيف سيتعامل ترامب مع حزب الحرب؟ هناك مقولة لجوليان اسانج صاحب موقع ويكيليكس وهي أنه لن يُسمح لترامب بالفوز، ما يعني حتى لو فاز فإن المؤسسة الحاكمة، أي حزب الحرب، سيجهد إما لإفشاله أو إزاحته. والله أعلم!

لكن بشكل عام فإذا ترك الأمر للرئيس المنتخب أن يعمل وفقا لأجندته فإن محور اهتمامه سيكون الشأن الداخلي. أما على الصعيد الخارجي فالواقعية السياسية هي التي ستكون سيّدة الموقف، وليست التوجّهات العقائدية للمحافظين الجدد أو أصحاب التدخّل الليبرالي. لذلك ستكون خلفية التوجه نحو الانكفاء الأميركي حتى يتم إعادة بناء عناصر القوة في الولايات المتحدة. هذا معنى شعاره “لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى”، الذي هو اعتراف واضح بالضعف الحالي.

سياسة شفير الهاوية – د.زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ facebook‬‎"

سياسة شفير الهاوية

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

5 تشرين الأول/أكتوبر 2016

الفرضية الأساسية في الحسابات السياسية بين أطراف متخاصمين هي فرضية العقلانية عند الطرف الآخر. أي بمعنى آخر يتحرّك الفرقاء على قاعدة أن الحماقة أصبحت خارج إطار الحسابات. فعلى سبيل المثال أزمة الصواريخ بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في كوبا عام 1962، كادت تؤدّي إلى محرقة نووية للطرفين والعالم معهما إذا ما أساء التقدير أحد الطرفين. سياسة شفير الهاوية التي اعتمدها كل من خروتشيف وكنيدي اعتمدت على فرضية أن الطرف الآخر لن يجرؤ على اتخاذ قرار أرعن يؤدّي إلى هلاك الجميع. وبالتالي كانت الحسابات عند الطرف الأميركي أن الاتحاد السوفيتي سيتراجع لأن موازين القوة لم تكن بصالحه آنذاك وأن المجابهة المباشرة بينهما قد تؤدّي إلى نهاية الاتحاد السوفيتي وإن أدّت أيضا إلى خراب ودمار كبير في الجانب الأميركي.

اما اليوم نشهد مناخا مشابها لذلك المناخ السائد آنذاك في أزمة الصواريخ الكوبية. المسرح اليوم هو سورية لأنها المفتاح لتغيير الميزان الاستراتيجي في المنطقة وبالتالي في العالم. الفارق أن الصواريخ التي تنشرها روسيا في سورية هي دفاعية وغير هجومية ولكنها تردع السلاح الجوي الأطلسي. لكن موازين القوة مختلفة عما كانت عليه في الستينات من القرن الماضي. آنذاك، كان الشعب الأميركي ملتفّا تلقائيا حول قيادته. فالمجابهة كانت عقائدية بين منظومتين سياسيتين واقتصاديتين مختلفتين. فالمنظومة الشيوعية لم تكن مقبولة لدى الجمهور الأميركي بينما لم يعد ذلك الأمر سائدا اليوم. فمن الصعب للنخب الحاكمة الأميركية إيجاد سردية مقنعة تعبّئ بها الجمهور الأميركي. أما اليوم، وبعد تجربة فيتنام والعراق وأفغانستان فإن المجاز الأميركي لم يعد مؤيّدا لأي حرب باستثناء بعض النخب التي تتحكّم بهم إما المصالح الخاصة أو العقائد. فهم أقلّية من بين الأقلّيات ولكنهم في صلب صنع القرار وفي مختلف مفاصل السلطة.

أما في الاتحاد السوفيتي فمن الصعب اعتبار أن الشعب الروسي كان يحبّذ المجابهة مع الولايات المتحدة وهو الذي دفع الثمن الباهظ في الحرب العالمية الثانية. ذاكرة الخسائر البشرية كانت حيّة آنذاك، وهي التي فاقت 11 مليون جندي وأكثر من 20 مليون مدني بينما خسائر الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية لم تتجاوز 400 ألف جندي ولا خسارة بين المدنيين وفقا لمعهد ايزنهاور في جامعة جتيسبرغ الأميركية. لذلك تراجع الاتحاد السوفيتي شكليا ولكن بعد الحصول على اتفاق تمتنع من خلاله الولايات المتحدة من نشر صواريخ بالستية في تركيا. الجدير بالذكر أنه تم اغتيال الرئيس كندي بعد سنة والإطاحة بخروتشيف بعد سنتين!  أما اليوم، فإن الشعب الروسي ملتف حول قيادته التي أعادت الاعتبار والكرامة له بعد فترة الذلّ والاذلال التي مرّ بها عقب تفكيك الاتحاد السوفيتي. كما أن الاستعداد لأي مجابهة بعد تجربة المجابهة مع جورجيا عام 2008 ومن بعدها مع أوكرانيا (2012) جعلت الشعب الروسي أكثر التحاما مع قيادته. واليوم، يعتبر الشعب الروسي أن سياسة قيادته تصون الأمن القومي الروسي وأن الموقف الروسي من الأزمة السورية هو لتحقيق ذلك الهدف.

أما السبب الثاني في تغيير موازين القوة بين روسيا والولايات المتحدة هو الوضع التسليحي. فسباق التسلّح الذي ربحته الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة لم يعد ممكنا في الظروف الراهنة. فالترسانة النووية الأميركية بحاجة إلى إعادة تأهيل وكلفتها تتراوح بين 340 و540 مليار دولار خلال فترة 2016-2024. أما إعادة تجهيز الترسانة كاملا فإدارة أوباما اقترحت ميزانية قدرها تريليون دولار تُنفق خلال السنوات العشرة القادمة. الواقع الاقتصادي الأميركي يصطدم مع هذه النفقات التي ستؤدّي في أحسن الأحوال إلى المحافظة فقط على الوضع القائم من الناحية التسلّيحية دون إعطاء أي تفوّق ما للولايات المتحدة، وذلك حسب العديد من الخبراء العسكريين. فمن الصعب تسويق سياسة نفقات كبيرة تهدف إلى المحافظة على الوضع القائم دون أي تفوّق في عصر التقشّف المالي الذي ينادي به الكونغرس الأميركي. كما أن حاجات إعادة تأهيل البنى التحتية الأميركية المترهلّة من مستشفيات، ومدارس وجامعات، وجسور ومرافئ وشبكات طرق وسكك حديد ومطارات، هي الأولوية عند أكثرية الأميركيين. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار عامل الدين العام الذي أصبح يفوق الناتج الداخلي الأميركي نجد الصعوبة إن لم تكن الاستحالة في تحقيق الأهداف التسليحية التي ينادي بها أرباب المجمّع العسكري الصناعي.

عامل آخر قد يردع المجهود التسليحي ويساهم في تعديل موازين القوة هو الضغط المتزايد على الدولار. فمنذ بداية السبعينات قطعت الولايات المتحدة العلاقة بين الدولار والذهب. وبالتالي أصبحت تطبع كمّيات من الدولارات دون أي رادع. استطاعت عبر تلك الطباعة اللامتناهية تمويل نفقاتها العسكرية وسياساتها العدوانية في العالم. نذكّر أن الحروب التي خاضتها وما زالت تخوضها الولايات المتحدة منذ ما بعد حرب الفيتنام وصل عددها إلى ستة عشر، أي لم تكن الولايات المتحدة خارج حالة حرب مع طرف ما في أي سنة منذ 1975 حتى اليوم. الحرب الدائمة كانت ممكنة بسبب الدولار. لكن الدولار يتعرّض إلى ضغط متزايد يصعب على أي إدارة أميركية منعه أو تخفيف من وطأة تداعيات تراجعه. فدول وازنة وصاعدة أصبحت تفكّر جدّيا بإيجاد نظام مالي دولي غير خاضع لهيمنة الدولار. كما أن تسعير السلع الاستراتيجية قد لا يكون بالدولار. وهذا التسعير بالدولار هو الذي يجعل الطلب على الدولار قائما. فإذا ما تم استبدال سلّة من العملات أو عملات أخرى بالدولار يتراجع عندئذ الطلب على الدولار وبالتالي يتراجع نفوذ الهيمنة الأميركية وقدرتها على تمويل حروبها بدون الاكتراث إلى كلفتها. فطالما تستطيع الحكومة الأميركية طباعة الدولار بدون قيد ولا شرط تستطيع أن تخوض الحروب التسليحية والحروب الفعلية. قوّة الولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية هي الدولار فإذا تراجع دور الدولار في المبادلات الدولية تراجعت قدرة الولايات المتحدة على فرض مشيئتها. لذلك تبذل الولايات المتحدة جهودا كبيرة لمنع ذلك. في الماضي القريب كانت الحرب على العراق بسبب قرار الرئيس الشهيد صدام حسين باستبدال سلّة من العملات بالدولار في تسعير سعر برميل النفط. أما اليوم فلن تستطيع الولايات المتحدة شن حروب مباشرة على من يتمرّد عليها. لذلك تلجأ إلى الحرب بالوكالة، وهذه الاستراتيجية تتبدّد في المسرح السوري وقد تتعمّم على مسارح أخرى.

لكن هذه الاعتبارات لا تدخل في حسابات العقول الحامية الموجودة حاليا في الإدارة الأميركية وعند الجمهوريين. فحزب الحرب في الولايات المتحدة يضمّ الحزبين. ويضاف إليهم مجموعة المحافظين الجدد وأصحب التدخّل الليبرالي. فيتكّلمون عن مجابهة مع روسيا والصين يستعمل فيها سلاح نووي تكتيكي ينهي الجيوش العدوة دون أن يدمّر المعمورة، وكأن الطرف الآخر، سواء روسيا أو الصين، ستقبل بتلك قواعد الاشتباك. عام 2013 كاد يشهد مجابهة شاملة في المنطقة وربما في العالم. فالرسائل التي أرسلت إلى الإدارة الأميركية ساهمت في دعم موقف العقلاء في الإدارة الأميركي تجنّب المجابهة مع كل من سورية وإيران وروسيا. تعقّل الرئيس أوباما ورئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك مارتن ديمبسي ووزير الدفاع شاك هيغل أجهض المغامرة غير المحسوبة، مما أغضب حلفاء الولايات المتحدة الإقليمين والعرب. لكن حزب الحرب استطاع استبدال رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع. فأشتون كارتر الوزير الحالي من الصقور وفي طليعة المطالبين في مواجهة روسيا عسكريا في أوكرانيا وأوروبا. ورئيس هيئة الأركان جون دانفورد غير معروف عنه أنه صاحب رأي مستقل. فهو ينصاع إلى القرار السياسي الذي تتخذه القيادة السياسية. غير أن موقفه الأخير في معارضته لحظر الطيران فوق سورية أغضب حزب الحرب، لأنه أجبرت الإدارة على طيّ صفحة المجابهة في الأيام المتبقية لولاية أوباما.

ما زال حزب الحرب يعمل على تأجيج الموقف للوصول إلى المجابهة وإن كانت ظروفها السياسية غير متوفرة داخليا وفي العالم. ومن أعمال التأجيج استعمال الاعلام المهيمن من ترويج الأكاذيب والتحريض لقلب رأي العام الأميركي. حتى هذه الساعة ليس هناك من دليل على تجاوب الرأي العام الأميركي. قد يشاطر الأخير تقييم حزب الحرب للرئيس الروسي والسوري ولكن دون أن يصل إلى مرتبة المجابهة. وهذه ثغرة كبيرة في ترسانة حزب الحرب الذي لا يملك قدرة توجيه الرأي العام. فما زال الأخير يتذكّر أكاذيب إدارة بوش الابن بالنسبة للحرب على العراق وبالتالي إقناع الرأي الأميركي بجدوى حرب جديدة أصبح في منتهى الصعوبة.

لكن ماذا عن الإدارة القادمة؟  إذا وصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فمنسوب المجابهة قد يتراجع بدرجة كبيرة إذا ما التزم بوعوده الانتخابية في التفاهم مع الرئيس الروسي والسوري. أما إذا ما وصلت المرشحة الديمقراطية إلى البيت الأبيض فكافة الاحتمالات أصبحت ممكنة بما فيها المجابهة. غير أن الصعوبات التي ذكرناها قد تجبر الرئيسة الجديدة على إعادة ترتيب أولوياتها. لكن العوامل الرادعة تفترض عقلانية ما عند الطرف الآخر. هناك رأي منتشر لدى العقول الحامية بتفوّق الإمكانيات العسكرية الأميركية كما أنه هناك استخفاف بإمكانيات الخصم العسكرية والاقتصادية. الخطورة تكمن في سوء التقدير للموقف الفعلي ولموازين القوة عند هذه العقول.

روسيا لها أصدقاء وتحالفات. يعتقد حزب الحرب الأميركي أنه بإمكانه عزل روسيا عن حلفائها في البريكس عبر مزيج من الإغراءات والترهيب. بدأ حزب الحرب في التشويش على متانة التكتّل داخل دول البريكس عبر المشاغبات على حكومة جنوب إفريقيا وعلى البرازيل بالانقلاب الأبيض الذي أنجزه عملائها في البرازيل. أما الصين فمشروع “التحوّل” إلى آسيا يهدف إلى عزل الصين عن سائر دول القارة عبر مشروع الشراكة عبر المحيط الهادي. لكن هذا المشروع يلاقي عقبات داخليا في الولايات المتحدة يصعب تجاوزها. كما أن الصين أعربت عن رغبتها وقدرتها بأنها قوة بحرية في آسيا لا يمكن تجاوزها. وزيارة مسؤولين رفيعي المستوى إلى دمشق رسالة إلى العالم أن القارة الاوراسية ليست ملكا للولايات المتحدة. وما يستخفّ به حزب الحرب في الولايات المتحدة مدى العلاقة الاستراتيجية بين الصين وروسيا. فما زال يراهن عن تفكّك في هذه العلاقة الاستراتيجية. حالة الإنكار مسيطرة على عقول صقور حزب الحرب. فعلى حزب الحرب أن يعي أن أي عدوان على سورية هو عدوان على روسيا وبالتالي أيضا على الصين، ناهيك عن أنه أيضا عدوان على إيران. فالولايات المتحدة التي لم تستطيع أن تحسم المعركة في أفغانستان والتي اضطرت إلى الخروج من العراق لا يمكنها مواجهة ذلك الحلف دفعة واحدة، اللهم إذا ما كان الجنون وعدم العقلانية هو سيّد الموقف عندهم.

التعقّل موجود عند بعض العقول الأميركية. زبغنيو برجنسكي مستشار الرئيس الأميركي باراك أوباما يدرك ويقرّ بمحدودية القوّة الأميركية. وفي مقابلة في غاية الأهمية في مجلّة “ذي اتلنتيك” يحدّد فيها قراءته للمعطيات الجيوسياسية حذّر من شيطنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فهو يدعو إلى التفاهم معه دون التخلّي عن ردع ما يسمّيه برجنسكي “التوجّهات التوسعية الروسية”. فحوى مقابلته في المجلّة تثبيت مقولته أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها بل باستطاعتها قيادة العالم بالتفاهمات!  بمعنى آخر لا مكان للمجابهة العسكرية. طبعا، برجنسكي الذي كان يعتبر من الصقور خلال الحرب الباردة بسبب الموروث السياسي والنفسي الذي جلبه معه من بولونيا مسقط رأسه لا يلاقي تأييدا من جبهة المحافظين الجدد والمتدخّلين الليبراليين. على كل حال، العالم بحاجة أن تتغلّب العقول الباردة على العقول الحامية.

بعض الجهات في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الأميركية أرادت إجهاض التفاهم الذي توصّل إليه كلّ من الوزير الروسي لافروف والوزير الأميركي كيري. هذا التفاهم ما كان ليحصل لولا الموافقة والدعم له من الرئيس الروسي والأميركي. لكن حزب الحرب الأميركي أجندته مختلفة عن روح وفحوى التفاهم. بالمناسبة، حتى هذه الساعة امتنع الطرف الروسي من نشر بنود الاتفاق وذلك بناء على طلب الطرف الأميركي. أي شعرة معاوية لم تنقطع حتى الآن ونستبعد أن تنقطع! أما حزب الحرب، فسواء حصل على بنود الاتفاق أو لا إلاّ أن تحرّكه كان في اتجاه إجهاض التفاهم. الغارة الأميركية على المواقع السورية حققت أهدافها. فكان القرار السوري بعدم تمديد المهلة. لم يكتف حزب الحرب بذلك فأوعز إلى عملائه بقصف قافلة المساعدات للأحياء الشرقية لمدينة حلب وإلصاق التهمة بكل من روسيا وسورية. رافق كل ذلك حملة هذيان في أروقة الأمم المتحدة وفي وزارة الخارجية الأميركية. لكن على ما يبدو لم يتحرّك الرأي العام الأميركي المنشغل بالحملة الانتخابية. فكان القرار الروسي بتعليق المفاوضات النووية والرد على ذلك القرار الأميركي بتعليق الاتصالات مع روسيا بشأن الملف السوري. نلاحظ هنا التشديد على التمييز بالملفّات! لذلك يبقى كل الضجيج تحت سقف لا يؤدّي إلى مجابهة شاملة اللهم إذا ما قرّر الأميركيون استئناف التصعيد وهذا من المستبعد قبل الانتخابات الأميركية. أما فيما بعد فالله أعلم!.

******************************************

المؤتمر القومي العربي

ARAB NATIONAL CONFERENCE

هاتف وفاكس: 009611742771009611742772

Http: www.arabnc.org    Email: info@arabnc.org

الاسلام بين العروبة والقومية – الدكتور عصمت سيف الدولة

islam_fadhl

الاسلام بين العروبة والقومية

(  1   )

  أريد أن أتدخل فيما نشر  من حوار حول العروبة والقومية بين الشيخ محمد حسين فضل الله وبين متحدث باسم جريدة  الخليج ، ولكنى لست واثقا من أني سأجيد التدخل، وذلك لأسباب  عدة . أولها وأهمها أن التدخل في حوار انقطع هو مشاركة فيه تتم في غيبة المتحاورين، هذه الغيبة قمينة بان توهم المشارك المتأخر بأنه صاحب الكلمة الأخيرة. فيظلم  نفسه حينما لايعصمها من ظلم صاحبى الكلمات الاولى ولايجد منهما حاضرا برده عن الظلم في الحالتين . وقد يكون المنزلق  الى الظلم مجرد عجز المحاور الاخير عن فهم دلالات الالفاظ المقرؤة بعيدا عن وسائل  التعبير المساعدة في حوار الحاضرين حيث قد تكون الاشارة اوضح دلالة من العبارة . والواقع اننى قد وجدت كثيرا من الاسئلة والاجوبة المنشورة  غامضة الدلالة  الفاظا وغائمة الدلالة مضمونا . فلا الاسئلة تريد أن تفصح عما يراد السؤال عنه محددا ، ولا الاجوبة تفصح عما  يريده المجيب تحديدا . انه حوار اصدقاء ، او كحوار الاصدقاء  ذوى الالفة بأفكارهم ومواقفهم حيث تكفى الهمهمات اللفظية وانصاف الجمل والافعال مجهولة الفاعل ليعرفوا جميعا فيم يتحاورون .

   ثم يرد سبب مانع للتدخل وهو غير منكور . ذلك هو الاختلاف بين المتحاورين في استعمال الكلمات ذاتها للدلالة على مضامنين مختلفة . وقد نبه الشيخ فضل الله الى متاعب هذا الاسلوب  حين رد على اكثر الاسئلة فصاحة بقوله : ” لسنا متفقين على المصطلح ، وعندما لانتفق على المصطلح  عند ذلك انت تفهم الكلمة بمعنى فتثبته او تنفيه ، وانا افهم الكلمة ببمعنى اخر  فتصبح امام كلمتين متضادتين . اللغة العر بية تمتاز بوجود اللفظ المشترك وهو الفلظ الواحد لاكثر من معنى . مثلا كلمة عين تطلق على الباصرة والنابعة . هذا اللفظ المشترك الذى يحمل اكثر من معنى لا يمكن ادراك ماتريد  منه الابقرينة تدل عليه والا يكون مجملا ومبهما . المسألة أن كلمة القومية او كلمة العروبة ، مرة تظلقها كحركة ومرة تطلقها كهوية ، فيختلط عند ذلك جانب الهوية بجانب الحركة بجانب المضمون السياسى … الخ ” كل هذا واكثر منه كان مقدمة لرد متوقع على سؤال عن تضمين جماعة ” الاخوان المسلمون ” برنامجهم الدعوة الى الوحدة العربية .. ثم لم يرد الرد هذا المثال المتكرر في الحوار يجعل من الاختلاف في دلالة الا لفاظ مصدرا لمتاعب في الفهم المتبادل على مستويين . مستوى عدم ادراك الدلالة المقصودة اللازمة لجواب . ومستوى قصد عدم ادراكالدلالة حتى لايكون الجواب ملزما. وكلها من فنون الحوار بين الاذكياء خاصة ، اذ يجدون فيها متعة الرياضة الفكرية .. وهى، ككل رياضة ممتعة ، لها وقتها المناسب وظروفها المواتية . ,لكن ، لسوء حظ هواة تلك الرياضة ، رياضة اللعب بدلالات الكلمات ، ان هموم الامة العربية لاتسمح لابنائها  الجادين بمتعة التفنن الذكى فى الحوار الفكرى خاصة وان من بين ابناء هذه الامة شبابا يبذلو ن دماءهم الزكية دفاعا عن امتهم فى جنوب لبنان ، ويضيئون من ارواحهم الطاهرة  مصابيح امل فى ظلمة اليأس المدلهمة . فيصبح فرضا علينا ، نحن الذين ندعوهم الى القتال ولانقاتل ، ونفتيهم بما يحبب اليهم الموت ولانموت ، نحن المشايخ والشيوخ، فرض علينا دينيا وقوميا واخلاقيا ان نؤجل رياضة  الكلمات المتشابهات الى مابعد النصر  حتى لايحيط بمسيرة الشهداء  أى قدر من الشك فى صدق المنطلقات ونبل   الغايات وسلامة الاسلوب .

     لهذا بالذات ، لبقاء سمو الاستشهاد فوق نطاق الاجتهاد نتدخل فى هذا الحوار .

    لقد كان جميلا من الشيخ فضل الله قوله”: . مثلا قد يدعى احد انه فى حالة اسلامية وهو يسرق بنك .. يسرق من خلال الاسلام ” . اذا كان هذا يحدث وللاسلام حرمته المقدسة فما بالنا بالعربية والقومية والوحدة ..  الخ . ان بعضهم ارتكب ويرتكب جرائم الخيانة العظمى لامته العربية وهو يدعى انه فى ” حالة قومية ” ، فلندع ، اذن ، الشكوى ممن يزيفون الكلمات النبيلة اصلا ، او يفرغونها من مضامينها  فتصبح كلاما فارغا . ندعها فلا  نتخذها حجة لنا ولانقبلها حجة علينا . العبرة بما نقوله نحن . المهم مانعنيه  بالعروبة ومانعنيه بالقومية نحن . المهم من نحن ؟

   تفضل الشيخ فضل الله فأجاب عن نفسه فقال:” اننى من عائلة فضل الله من بلدة عيناتا من جنوب لبنان” .( بيت جودة . هكذا يقولون فى صعيد مصر تحية لمن يقدم نفسه منسوبا الى عائلته او قريته .  يعنون ـ طبعا ـ انه كريم من بيت كريم . والكرم قيمة عربية  فصلحت تحية وبها نحيه ) . وبعد ؟ اعتقد ان كثيرين من عائلة فضل الله ، من بلدة عيناتا ، من جنوب لبنان ، لايتفقون مع الشيخ فضل الله فى موقفه من العروبة ومن القومية . ان هذا يعنى ان مجرد ان يكون الشيخ من عائلة فضل الله من بلدة عيناتا من جنوب لبنان لايكفى لمعرفة موقفه من العروبة ومن القومية . فتفضل وقال : ان العروبة قومية “و” هى اطار لوضع بشرى يجمع فريقا من الناس كما هى أى قومية اخرى . “و” هى داخلة  فى المعنى الواقعى الذى يتميز بخصائص وعناصر مثل ماتتميز به أى قومية اخرى . “و” هى هوية مثل الفارسية والتركية . “و” انهم يعترفون بالهوية العربية  فى مضمونها الانسانى .” و ” هى بالنسبة اليه واقع يدخل فى تكوينه الذاتى . وتساءل فضيلته مستنكرا :” هل تستطيع ان تخرج من جلدك؟” .. طبعا لايامولانا .. لاهو ولا انت ولا انا.

     كنت اتمنى الا اعلق على هذا القول . اذا انه ، فى مجمله ، تعبير عن قناعة بأن ” القومية” او ” العروبة ” اسم يطلق على واقع بشرى لايستطيع احد ينتمى اليه ان يفلت من الانتماء اليه ( يتجرد من هويته ) . وانه على وجه او على آخر يدخل فى التكوين الذاتى لمن ينتمى اليه ( تكوين شخصيته) وان القوميات متعد دة فمنها العربية ومنها الفارسية ومنها التركية ، وانما تتمايز بخصائص كل قومية   . ومن خصائص القومية او العروبة انها ذات تراث تختزن فيه الاسلام .

   لم يقل احد من المفكرين والكتاب والقادة العرب القوميين ماهو اكثر صحة من هذا الذى قيل ، بل ان التعبير عن العروبة      او القومية بانها واقع لايستطيع احد ان ينسلخ منه حتى لو اراد. ينطوى على ادراك لحقيقة القومية اكثر صحة من عشرات الاجتهادات التى حاول فيها بعض الكتاب العرب تحديد العلاقة  بين الامة والشعب .وليس من المنكور ان فريقا كبيرا من اوائل الذين كتبوا فى القومية او دعوا اليها وتلاميذهم حتى الان مايزالون يرددون نظرية فى القومية مستعارة من الفيلسوف الفرنسى رينان وخلاصتها ان القومية ارادة حياة مشتركة وبالتالى ان الانتماء الى الامة  او عدم الانتماء اليها موقف ارادى . وهى نظرية ” سياسية ” فى القومية استهدف بها رينان  خدمة دولته وليست نظرية علمية او شبه علمية  فى فهم وتفسير ظاهرة الامة . اياما كان النظر او كانت النظرية فانى والشيخ فضل الله على مذهب واحد فى العروبة عبرت عنه بما قلته فى كتاب ” عن العروبة والاسلام ” من ” ان العروبة علاقة انتماء الى وضع تاريخى تدرك العربى منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزا ، ولو لم يدركها ، ولو كفر بها . لايستطيع أى انسان ان ينتمى الى العروبة او ان ينسلخ منها ولو اراد.”

    من حقى اذن ان اعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله واحدا من قادة الحركة العربية القومية وان اعتبر ” حزب الله ” فصيلا من القوى العربية القومية ، واعتبر شهداء جنوب لبنان شهداء العروبة . هذا من حقى سواء اعجب اصحابه ام لم يعجبهم ، لان العبرة بحقيقة المواقف وليس بما يفضله كل واحد من اسماء لموقفه . ولاننا نعتبر هذا حقا لنا فاننا نعتبر     ان لهم علينا حق الراى  فيما يرونه  من مواقف ويروونه من حكايات لاتتفق  مع موقفهم القومى الاصيل ، وبالتالى يضعف من اثار نضالهم القومى البطولى . والخطأ ـ بعدـ شائع فى كثير من كتابات ومواقف القوميين . انه التوحيد فى الدلالة بين ” العروبة ” وبين ” القومية ” . وقد تكرر فى الحوار المنشور هذا التوحيد بصيغة :” ان كملمة القومية او العروبة ” ، من ان ل كلمة منها ذات دلالة متميزة . ويؤدى  عدم ادراك هذا التمايز او التساهل فى الاعتداد به الى مواقف فكرية وعلمية ضارة بصاحبها موقفا وفكرا .

   المسألة ، باختصار شديد، ان العروبة نسبة الى العرب وهم فرع من الجنس السامى يتميز بلغة عن بقية الفروع . ولقد كان العرب  اسرا ثم عشائر ثم قبائل  و هى اطوار من التكوين البشرى وردت ويرد على كل البشر فيتحولون خلال التفاعل بينهم وبين ظروفهم من اسر الى عشائر الى قبائل حتى اذا مااستقرت القبائل على الارض اصبحوا شعوبا قبل ان يتطوروا ليصبحوا امما .( امة ـ رجاء ـ بالمعنى الاجتماعى الحديث لكلمة الامة ). ولقد مر العرب بكل تلك الاطوار قبل الاسلام ولكنهم لم يبداوا التطور  الى امة الابعد الهجرة من مكة الى المدينة . فبالهجرة وفى المدينة اجتمع المسلمون من قبائل كثيرة مهاجرين وانصارا   مع غير المسلمين من اهل المدينة لينشئوا معا مجتمعا موحد القيادة ( الرسول عليه الصلاة والسلام ) موحد النظام الاساسى ( الصحيفة ) موحد الوطن ( المدينة)  مطهرا تماما من الاحتكام الى العلائق  الاسرية او العشائرية او القبلية . فكانت ثمة نواةتكوين بشرى جديد ، سينمو بالاسلام بشرا وارضا وينمو به الاسلا م دينا ودنيا ، فينموان  حضارة وبها يصبح العرب امة عربية اسهم الاسلام فى وجودها ولم تكن موجودة من قبله ، وان كانت العروبة سابقة عليه زمانا . فيقال لعروبة التى تطورت الى امة ” قومية ” وتكون القومية دالة ، دون غيرها ، على ان البشر فى وضعهم العروبى قد اكتمل تكوينهم امة . ومن هنا تنسب العروبة الى العرب  وتنسب القومية  الى الامة العربية وليس الى ” القوم ” العرب. ويصبح من الجوهرى لامكان تحديد وفهم المواقف والافكار معرفة ما اذا كانت متعلقة بالعربية ام بالقومية .    لماذا يصبح من الجوهرى لامكان تحديد وفهم المواقف  والافكار معرفة ما اذا كانت متعلقة بالعروبة ام بالقومية مع انه ، منذ ان اكتملت الامة العربية تكوينا ، انقضت مرحلة  العروبة قبل القومية ( الاسرية والعشائرية والقبلية والشعوبية ) فاكتسبت كلمة العروبة دلال قومية . لماذا لاتتوحد الكلمتان فى الدلالة على الواقع العربى مادام لايوجد فى هذا الواقع ماتدل عليه ايهما الا امة عربية واحدة ؟.

     لقد كان هذا ممكنا لولا ماطر أعلى الوجود القومى من تجزئة الامة العربية الواحدة الى دول مستقلة بعضها عن بعض  وامتداد العمر بتلك التجزئة ( اكثر من نصف قرن ) حتى ولدت الحياة فيها مصالح اقليمية تحرسها قوى اقليمية فى رؤوسها افكار اقليمية   تستثمرها دعاوى ضد القومية . بالتجزئة ـ اذن ـ ولدت ظاهرة الاقليمية فى التاريخ العربى كنقيض لظاهرة القومية  التى ولدت منذ ان اكتملت الامة العربية تكوينا ( منذ نحو سبعة قرون )  فاصبحت كلمة العروبة حمالة وجهين متناقضين . اذ الاقليمية اقليمية عربية ، والقومية قومية عربية . الاولى تعبر عن تجزئة الامة وتنفى وحدتها . والثانية تعبر عن وحدة الامة وتنفى تجزئتها . وكلاهما واقع فى التاريخ العربى المعصر . الاقليمية  واقع ملموس والقومية واقع تاريخى محسوس ، وليس التاريخ العربى المعاصر ولن يكون لمدى قد يطول فى المستقبل الا تاريخ الصراع الذى لاتوفيق فيه ولاتلفيق بين الاقليمة ( وحلفائها ..) والقومية (وحلفائها ..) وقد يكون الحلفاء عربا او  غير عرب . ولكن  قوى  الصراع قوى عربية والصراع عربى  المنطلقات عربى الغايات  لانه يدور حول المصير العربى هل يكون اقليميا او يكون قوميا . كل القضايا الاخرى التى يدور حولها الصراع فى الوطن العربى هى فروع للصراع الاساسى بين الاقليمية والقومية . ولما كانت التجزئة  الاقليمية هى ردة  الى طور مختلف عن الطور القومى ،  طور شعوبى فى بعض الدول ، وفى بعض الدول طور قبلى ، وفى بعضها عشائرى ، فان الاقليمية كثيرا  ماتتستر ” بالعروبة ”  التى تتسع دلالتها لغويا للاسر والعشائر والقبائل   والشعوب ” العربية ” ، وذلك لتحقيق هدفين : الاول  استبعاد دلالات وايحاءات كلمة القومية من الفكر العربى ” وغسل” ادمغة الشباب منها . والهدف الثانى ، رئاء الشعب العربى واختلاس قبوله الاقليميين  ظنا بانهم ماداموا ” عروبيين ” والعروبة تساوى القومية منذ ان كان العرب امة فهم قوميون .

   ازاء هذا اصبح واجبا ـ اخلاقيا على الاقل ـ بالنسبة الى كل عربى  ان يختار موقفا واضحا يجيب علنا بدون لبس او غموض    او ابهام او “لعب بالالفاظ ”  عما اذا كان هو قوميا ينطلق من وحدة الامة  الى دولة الوحدة ، ام انه اقليمى ينطلق من تجزئة الا مة الى استقلال دولته . كما اصبح واجبا قوميا على الكتاب والمفكرين والدعاة والدارسين القوميين  ان ينبهوا الناشئة من الجيل العربى الجديد الى مايحصنهم ضد المحاولات الاقليمية لكسب ثقتهم عن طريق الا ستعمال المنافق لتعبير ” العروبة “.

     ان الموقف ” العربى ” المعادى للقومية قد يقوم على واحد او اكثر من ثلاثة اسس. اولها ، واقلها خطرا ، موقف الذين ينكرون وجود امة عربية اصلا ، او يقولون انها لم تزل  فى سبيل التكوين . يقف هذا الموقف بعض الماركسيين الذين يستبدلون بالوحدة العربية وحدة الطبقة العاملة فى العالم كله . ويقفه بعض العرب الشعوبيين الذين يتصورون ان شعوبهم الدارسة مثل  الاشورية والفرعونية ماتزال قابلة للاحياء.. لتبعث امما . انهم يحملون فىرؤوسهم ذات الفكرة الصهيونية . فكرة عدم شرعية ” الاحتلال” العربى  وتحرير ارض الاباء والاجداد من الاجانب الذين عاشوا فيها اربعة عشر قرنا. ولم  تكن المحاولة الصهيونية  الا نموذجا للعداء الشعوبى ، ظل الشعوبيون ينتظرون نهايتها ، حتى اذا مااعترفت مصر الفرعونية باحقية اليهود فى فلسطين بدأت المحاولة الطائفية  فى لبنان وفى ا لمغرب وفى مصر وفى السودان . ومن هنا نرى كيف تستطيع الشعوبية ان تستر موقفها الصهيونى بكلمة ” العروبة ” ويصبح متعينا هت سترها بالزامهم ، او ارغامهم ، على ان يحددوا موقفهم من القومية العربية ، خاصة وان عروبيين كثيرين يتسلون على استحياء الى الموقف الشعوبى الصهيونى ” الان “.

    الاساس الثانى لموقف العربى المعادى للقومية هو الهرب الى ماهو اوسع من الامة العربية شعبا ووطنا : الشرق اوسطية ، الاسلامية ، الافريقية ، العالمية . لكل واحدة من هذه الكلمات دلالة على واقع متعين ولكنه ليس موازيا ولا مناقضا للواقع القومى العربى . ومن الوحدة العربية  الى الوحدة العالمية ومابينهما طريق متصل وممتد ، واذا ظلت الظروف العربية والاسلامية والدولية على ماهى عليه الان فيمكن القطع ـ بدون ترددـ بان القوى القومية العربية  ما ان تنتهى من توحيد امتها حتى تستأنف  مسيرتها الى الوحدة الاسلامية بحكم انها  ” تختزن تراث الاسلام فى حضارتها ” . ويستطيع القوميون منذ الان ان يبشروا باستئناف رسالتهم بمجرد ان يحطموا اسوار التجزئة الاقليمية التى تجزئ طاقات الامة ثم تحبس كل جزء منها فى دولة او دويلة . ويواجه انصار ودعاة الوحدة الاسلامية ، او الوحدة الافريقية ، او الوحدة العالمية ـ هنا ـ سؤالا حاسما .هل وحدة الامة العربية  مرحلة اولى فى خططكم الطموحة ام انكم تقبلون تجزئة امة واحدة وتزعمون   الجهاد فى سبيل  توحيد عدة امم ؟ وفى الاجابة على هذا السؤال  يمكن اكتشاف الموقف المعادى  للقومية الذى يخفى ” اقليميته ” الع ربية تحت ستار الدعوة الى وحدة تتجاوز الوحدة القومية وتسبقها فى الوقت ذاته باسم رسالة ” العروبة” الخالدة .

ألآساس الثالث للموقف العربى  المعادى للقومية  موقف ” بهلوانى ”  فكريا وسياسيا وحركيا ، انه الاحتفاظ فى ” خرج” الحاوى بكلمتين : ” العروبة” و” القومية ” واستعمال كل منهما استعمالا لا اخلاقيا . ان كان ذا مصلحة مع قوة قومية فهو قومى . وان كان ضد تجربة قومية فهو عروبى . وان كان يحلم بما هو غير هذا وذاك ويحتفظ فى الوقت ذاته بهذه وتلك فهو .. ولانزيد .

  المهم ان عدم تحديد وفهم المواقف والافكار المتعلقة بالعروبة  او بالقومية خاصة اذا ماكان الاسلام مطروحا كموقف او كفكر ، يؤدى  فىة كثير من  الحالات الى اخطاء فادحة فى المواقف  والافكار جميعا . وهى لاتتحدد وتفهم اذا ماتجاهلنا ان ورود التجزئة على الامة مع اسناد الامرين  الى  العروبة  يفرق  تفرقة دقيقة بين دلالة العروبة ودلالة القومية  حينما يكون الحديث دائرا حول  القضايا  المصيرية مثل علاقة العروبة بالاسلام ، والموقف القومى من الدول العربية وصراعاتها ، والموقف الصحيح من القضية الفلسطينية .

   قمثلا ، حين يقال ان القومية تختزن الاسلام فى تراثها يكون القول مفهوما لا ن الامة العربية ولدت مع الاسلام  وشبت معه وتكونت حضاريا من خلال تفاعلها فى ظله دينا ودنيا فيكون من المفهوم او القابل للفهم  ان يقال ان القومية تختزن الاسلام فى تراثها . ولايكون مفهوما على أى وجه ان تسند اية علاقة بتراث الا سلام الى العروبة  مع انكار الوجود القومى العر بى و التنكر  لهدف الوحدة العربية أى من موقف اقليمي . ذلك لان العروبة ، من ناحية ، سابقة تاريخيا على الاسلام  كما ابلغ به محمد رسول  الله (ص)  فى القر ن السابع الميلادى . ومن قبل الاسلام لم يكن للاسلام تراث ، وبالتالى لايكون مفهوما او قابلا للفهم ان يقال ان العروبة تختزن الاسلام فى تراثها  قبل ان يتطور العرب الى امة ذات وعاء حضارى  تختزن فيه التراث . ومن ناحية اخرى فان العروبة قبل الاسلام كانت اسما على مطلق فرع من جنس بشرى  متناثر اسرا وعشائروقبائل  لايجمعهاا تراث حضارى واحد وتتناثر على السنة الناس منها لهجات شتى لم تسد احداهما لتكون لغة العروبة ، الى ان جاء الاسلام فجمعهم  امة واحدة وامدهم بلغة واحدة  فأنشأوا به وفى ظله تراثا حضاريا واحدا . فيبدو لنا بالغ الغرابة وعصيا على الفهم القول الذىيتجدث  عن الاسلام كما لوكان  دين العروبة  او الصيغة الا لهية لتراثها الا ان يكون تعبيرا عن موقف ” خجل” من الجهر بالعداوة للاسلام دينا وتراثا.

    هذا مثال من الاخطاء التى يؤدى اليها التوحيد بين العروبة والقومية فى الدلالة . وثمة امثلة كثيرة اخرى . منها موقف الدول العربية جملة وفرادى  بدون تفرقة بينها . انها جميعا قائمة على ارض لوطن العربى ، ويكون مجموع مواطنيه جملة الشعب العربى ، فهى مؤسسات ” عروبية ” لاشك فى هذا .. وبه يمكن ان  تفهم دلالة الاخوة العرب ، والدول العربية الشقيقة .. لكنها جميعا وبدون استثناء واحد دول غير قومية . انها تجسيد سياسى لتجزئة الوطن العربى  الواحد . من اين جاءت ” فكرة ” وحدانية  الوطن ؟  من وحدة الامة كتكوين بشرى ، أى من القومية ، فالقومية  تتضمن فى دلالتها وحدة الشعوب ، ووحدة الوطن ، ووحدة الحضارة  التى صنعتها وحدة التاريخ .يرحب القوميون بكل تفاهم او تقارب او تضامن بين ” الاخوة العرب” او بين ” الدول العربية الشقيقة  “، ويدافعون  عن العرب افرادا ضد القهر الداخلى والعرب دولا ضد العدوان الخارجى لانهم يدافعون عن الشعب القومى  الموزع افرادا بين الدول العربية ، والوطن القومى  الموزع اقطاعا بين الدول العربية ولكن القوميين لاينحازون لاية دولة عربية ضد اية دولة عربية اخرى ، لان معارك  الدول العربية فيما بينها حفاظا لوجودها او حدودها لاتهم فى ذاتها أى قومى .

   المثال الاكثر تأكيدا  لضرورة الانتباه الى التفرقة  فى المواقف والافكار بين العروبة  والقومية يتعلق بقضية فلسطين . فمنذ عام 1948 وجزء من ارض فلسطين قد اغتصبه الصهاينة عنوة . ومنذ 1967 اغتصبوا مابقى من ارض فلسطين وزادوا عليها فاغتصبوا سيناء والمرتفعات السورية . ان كثيرا من ” العروبيين ” دافعوا عن فلسطين قبل ان تغتصب ارضا ، ويدافعون عنها الان سياسيا ودعائيا بل ونقول ان كل ” ابناء العروبة ” ـ معدا الخونة ـ يدافعون عن فلسطين . الا يقال انها قضية العرب المركزية ؟ بلى . اين الفارق اذن بين الدفاع عن فلسطين من موقف قومى ، والدفاع عنها من موقف عروبى؟ .

   الفارق ان العروبى يدافع عن فلسطين انحيازا الى ” الفلسطينيين”  ضد الصهاينة ، او دفاعا ضد مخاطر التوسع الصهيونى  الى ارضه ، او تفاديا لسيطرة الصهاينة  اقتصادياا و ماليا على اقتصاده او ماله ، او انقاذا لبيت المقدس اول القبلتين وثانى الحرمين ، او حتى تخلصا من عبئ  الانحياز الى الفلسطينين  اللاجئين بتسكينهم جزءا من ارض فلسطين .. وطبيعى ان الاهداف النهائية لهؤلاء العروبيين   تختلف تبعا لاختلاف مواقفهم  فبعض العرب يقبلون الوجود الصهيونى فى فلسطين ، وبعضهم يناضل من اجل تقسيم فلسطين مع الصهاينة ، وبعضهم يقبل مايقبله العرب المطرودون من فلسطي، وبعضهم يقبل مبادلة ارض فلسطين بالسلام مع الصهاينة .. كل هذه مواقف عروبية ، وكلها عند القوميين عار عربى ولكنه على أى حال ليس عارا قوميا الا ان يكون عار الصبر على هؤلاء  العروبيين اذ القومى لايقبل الوجود الصهيونى فى فلسطين ، ولا يقبل مبادلة ارض فلسطين بالسلام الصهيونى ، ولايعترف بان من حق احد ان يتنازل عن شبر واحد من ارض فلسطين لسبب بسيط  هو ان القومى يتعامل مع ارض فلسطين باعتبارها جزءا من وطنه هو ، وطنه  القومى الذى لايملك حتى هو ان يتنازل عن شبر منه ..

       وماهذه الا أمثلة ” عامة”

   اما الامثلة الخاصة بآراء الشيخ فضل الله فى العروبة والقومية ، ومدى نصيبها من الخطأ والصواب ، ومرجع الخطأ والصواب فيها فتحتاج الى مداخلة مستقلة. للحدبث ـ اذن ـ بقية.

دكتور / عصمت سيف الدولة

 القاهرة : 10 اكتوبر 1987

 (  2  )

   حينما قال الشيخ محمد حسين فضل الله ” العروبة قومية ” لم يعد ثمة أى وجه لينسب اليه انه يستعمل كلمة ” العروبة ” بدلالتها السابقة على التكوين القومى العربى ، أى بدلالتها الاسرية او العشائرية  او القبلية او الشعوبية . ويصبح حقا له ان تؤخذ كلمة العروبة فى أى موضع استعملها على على انها تعنى القومية العربية . ولكن هذا لايعنى ان يكون من حق احد ان يسند اليه مفهوما معينا  للقومية  لم يصرح هو به . ثم انه  حينما قال فضيلته ان العروبة او القومية اطار لوضع بشرى يجمع فريقا من الناس وانها داخلة فى تكوينه الذاتى الذى لايستطيع ان يخرج منه ، فقلنا ان فضيلته ونحن على مذهب واحد فى القومية  فان هذا الفهم المشترك لظاهرة القومية كواقع بشرى  غير اختيارى لايعنى اننا متفقان على مفهوم القومية الذى عبر عنه فى حديثه . بالعكس.  اننا مختلفان جذريا  فى هذه الجزئية . هذا الخلاف هو موضوع هذه المداخلة فى الحوار . سنبين كيف ان فضيلة الشيخ  قد اسقط الاثار الحتمية  للقومية كما عرفها . نقول الحتمية أى  التى لاتتوقف على اختياره وارادته . فتركنا ، نحن قراء  الحديث، امام معضلة منطقية . ان اخذنا بالمقدمات التى طرحها فضيلته اصبح محالا ان نقبل النتائج التى انتهى اليها . وان قبلنا ماطرحه كنتائج استحال علينا اكتشاف العلاقة بينها وبين  المقدمات ، بل استحال علينا ان نفهم لماذا يتبنى  فضيلته تلك المقدمات .. لماذا ـ مثلا ـ يقول ان العروبة قومية وانها واقع دخل فى تركيب ذته لايستطيع ان يخرج منه ثم يقول ان ليس لها مضمون يملآ فكره .

      على أى حال نتمنى ،  وسنحاول ، ان يكون الحوار سهلا. ذلك لاننا اذا قلنا فيما بعد لقد اخطأ الشيخ فضل الله فى بعض ماقاله فى العروبة  فاننا لانحاكم قوله بل نرد اليه قضية اثارها ونحتكم فيما قاله الشيخ او فيما لم يقله عن مسائل منهجية او تفصيلية الى ماقاله عن القومية كهوية ثم نكمل من مصادر العلم  مالم يقله ليكون كل القول قابلا للفهم .

   قال الشيخ عن العروبة ” : اننا نعتبر العروبة حالة فكرية ” و” ان العروبة لم تكن حركة تحمل مضمونا محددا يملآ  فكر الانسان العربى ” و” مسلمون عرب على اساس ان لاتكون  صفة العروبة داخلة فى المعنى الفكرى” و” كيف يمكن  ان تكون العروبة فكرة الى جانب الافكار” و” العروبة هى شعب . هى ناس . الناس ليسو فكرة . الناس يحتاجون الى فكر “…. الخ. إن أول ما يلفت في هذا القول المنهج      ” المثالي ” المفرط فى فرديته حتى انه لايتوقف عند سنن الله التى تربط حركة الظواهر حتما ثم لاتتبدل . فها هو الشيخ محمد حسين فضل الله يقدم لنا العروبة كواقع. ظاهرة . جزء من الكون . شعب . ناس . ويبلغنا بانها ليست فكرة . وقد ان المتوقع ان يقول  لنا لماذا لاتكون القومية فكرة لنعرف ـ على الاقل ـ  كيف تكون القومية  فى عقله المدرك وهو ” يتفكر ” فيها فيدرك انها واقع من ناس  فينقلها الى القراء  بعد  ان يرمز اليها بكلمات منشورة . او كيف  يكون الناس وهم يطيعون اله فيتفكرون فى” انفسهم ” ( الروم : 8) . الناس  هنا هم المتفكرون  وهم موضوع التفكر ففى أى الحالتين انوا فكرة . او لنعرف ماالذى يقصده ” بالفكر” على وجه التحديد لعله  ان يكون  قد حلال تلك المعضلة الفلسفية التى لم تحل  منذ ثلاثة  قرون من الجدل الفلسفى .. المهم ، اننا نتوقع ممن  يقول لنا ” هذه امة ” وهى” قومية ” وهى ” واقع” وهى ” ناس” ولكنها ليست فكرة ، ان يقول لنا لماذا ؟  لا ان يبلغنا حكم اصدره منفردا على ظاهرة طبيعية او ظاهرة بشرية بانها ليست فكرة وليست متضمنة  فى فكرة كما لو كان يملك على ظواهر  الكون سلطانا  واستغفر الله . الم نقرأ له صيغة الامر على الاشياء ان تكون كما يريد . لاتهم ماهية العروبة كما هى واقع لان فضيلته لايعتبرها فكرة . انه مسلم عربى بشرط الا تكون العروبة داخله فى المعنى الفكرى … لقد كان السلف   الصالح من الائمة يبدعون مجلدات من الفكر البديع  ثم يقولون فى النهاية ” الله اعلم ” ، فما ضر الشيخ فضل الله الايكون محيطا بماهية الفكر او بماهية القومية وان يكتفى  بما قاله ” كيف يمكن ان تكون العروبة فكرة الى جانب الافكار …” انه سؤال الى اهل  الذكر يستحق الجواب فى أى حوار جاد لولا ان سبقه  رفض لاى جواب .

    نتغاضى عن الرفض ليبقى الحوار متصلا، ونتساهل مع التساهل في استخدام كلمة ” الفكر” ونأخذ بمدلولها كما يبدو من حديثه انه يقصده . فهو يتحدث عن ” مضمون الفكر الذى تتحرك القيادة فى ضوئه ” لانه” من الناس الذين يحاولون ان يتحركوا فكريا ” و” الناس يحتاجون الى فكر يحرك  العناصر المبدع والعناصر القومية لكى تنطلق ..” انه يقصد بالفكر ـ اذن ـ العقيدة      او المذهب  او النظرية  التى تحدد الغاية او الغايات التى يتحرك الناس

من اجل تحقيقها فى الواقع ..

    قياسا على هذا قال ان العروبة ليست فكرة . يعنى ان العروبة او القومية ليست عقيدة ولامذهبا  ولانظرية تحدد الغاية       او الغايات التى يتحرك  العرب من اجل تحقيقها فى الواقع. انها واقع وهوية .

    وهذا حق لاشك فيه .

   الم نقل اننا وهو على مذهب واحد فى القومية ؟

    كل مافى الامر هو ان ” القومية العربية ” ان لم تكن عقيدة او مذهبا او نظرية ، الا انها تؤثر ايجابيا فى كل الافكار ( العقائد والمذاهب والنظريات )  القادرة على ان تقود الشعب العربى ، القابلة لتحقق  فى الوطن العربى . ومن هنا يمكن القول ان القومية العربية  تلعب  دورا اساسيا فى نجاح او فشل  المشروعات  الفكرية المعدة لصيغ الحياة فى الوطن العربى . وهو مايعنى تماما ان كل ” الافكار والمشروعات” المضادة للقومية العربية  مصيرها الى الفشل مهما حسنت نوايا اصحابها ومهما بذلوا فى سبيلها من جهد.  ونماذجها الصارخة الافكار الاقليمية التى تقود الناس لتحقيق  مشروعات  تحرر او تقدم              او ديموقراطية فى الدول العربية . كل الدول العربية . ومثل القومية  العربية  فى هذا  مثل اية قومية اخرى . مثل تأثير أى واقع فى أى فر  قادر على قيادة الواقع وقابل  للتحقق فيه . مثل توقف نجاح او فشل أى مشروع  لصياغة الواقع ، أى واقع ، على ملائمة  المشروع لخصائص ذاك الواقع .

    لو كنت حاضرا الحوار لطلبت من الشيخ فضل الله ان يدلنى من تاريخ البشر ، كل البشر ،  على ” فكرة” غير متأثرة بواقع ، وان يدلنى على فكرة ـ أى فكرة ـ  خارج  عقل الانسان ، وكان لابد لنا من ان نتفق  على ان كلا من المطلبين محال . حينئذ كنت سأجيبه عن السؤال: كيف يمكن ان تكون العروبة فكرة الى جانب الافكار؟

    الجواب هو ان ” العروبة ـ القومية ” تصوغ العرب وتنقل اليهم خصائصها حتى قبل  ان تكتمل فيهم ملكة التفكير (  قبل سن التمييز ) اولا ، ثم تحدد لهم ابعاد افكارهم فى الزمان والمكان ثانيا ، ثم تساهم فى تحديد مضامين تلك الافكار ثالثا ، ثم توقع بمن يخرج عليها فكرا عقوبة الفشل رابعا.

      وفيما يلى ايها الشيخ العربى تفصيل الجواب مختصرا .

اولا  : قلت فاحسنت القول ان صفة العروبة ” داخلة فى المعنى الواقعى الذى يتميز  بخصائص وعناصر مثل ماتتميز به أى قومية اخرى ” ,” ان كلمة شعوبا وقبائل لتعارفوا معناها ان كل واحد ينقل تجربته للطرف الاخر ليحاول ان يستفيد منها حتى يكون هناك تفاعل بين الخصائص ” و” ان الاسلام لايلغى خصوصيتك الذاتية ” و” خصوصيتك تعنى فكرك” ,” انا مسلم اتحرك فى الساحة العربية  بصفتى الاسلامية … بما لايبتعد بالعروبة عن خصائصها الذاتية ” و” القومية العربية تختزن فى تراثها الاسلام ” …. الخ “.

    عظيم ، ماهى هذه الخصائص .

      لم تقل انت ولن اقول انا اذ لاحصر للخصائص  المميزة لكل امة عن الامم الاخرى المتميزة هى بدورها بخصائصها . وهناك بضعة علوم متقدمة تعنى بدراسة تلك الخصائص . علم تاريخ الانسان ، وعلم الحضارة ، وعلم الحضارت لمقرن وكلها قسمى التمايز تمايز حضارى ( وفى بعض المراجع يسمونه تمايز ثقافى ).. لايهمنا الا التذكير  بان بضعة علوم متقدمة تؤيد قولك  بان لكل قومية  خصائصها المميزة وتسمية تمايزا حضاريا . يهمنا حقا ميترتب على هذا . ومن اجله ننتقل الى حقول العلوم الاجتماعية  والنفسية لنعرف من هناك تاثير كل حضارة فى ” شخصية ” المنتمين اليها . فنجد يامولانا عجبا . نجد ان تلك العلوم تقرر بالاجماع ( وسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ) ان ا لهيكل الاجتماعى لاساسى للشخصية يتكون من مجموعة من الضوابط الذاتية  أى الداخلة فى تكوين الشخصية  ذاتها ( كما قلت عن العروبة ) التى تتحكم وتحدد لكل فرد موقفه واتجاههه وسلوكه  فى مواجهة الغير من الاشياء والظوهر ولناس ، وان المجتمع هو مصدر تلك الضوابط ، وانه يدس  بذورها  فى نفس الطفل وهو بعد كائن بيولوجى  لم يميز حتى ذاته ، ثم يتابع الطفل فى نموه الفسيولوجى  والعقلى داسا فى تكوينه بذور ضوابطه بذرة بذرة  ، راعيا لها  ومنميها . حتى  اذا مابلغ الطفل اشده  واكتمل  تكوينه كان ذلك لكائن الذى خلقه الله  انسانا قد خلقه المجتمع  شخصية  متميزة عن غيره  من بنى الانسان  بما يميز  مجتمعه من خصائص  حضارية . فنقول ـ تطبيقا ـ حين يبلغ الطفل لعربى شده  ويكتمل  تكوينه يكتشف  انه متميز بانه ” عربى”يدرى كيف . العلماء  يدرون  فيقولون ” الطفل لاينتقى   اساسا الا مايعتبر من اساسياات حضرة  مجتمعه مقودا فى ذلك باللغة  التى خلقها اسلافه الا قدمون  للتعبير عن تلك الاوجه المنتقاة من العالم ، ورث الطفل   السوى من مجتمعه  ايضا عددا كبير ا  من المعتقدت لمتعلقة بما انتهى الى اكتشافه من اشياء. وسيبقى الطفل  حاملا  تلك المعتقدات طوال حياته كلها بدون تساؤل  عن صحتها و حتى بحث كيف اصبحت معتقداته “.

    ولكن أى مجتمع ؟

     مجتمع العشيرة فى الطور العشائرى ( ثمة حضرات عشائرية )  او مجتمع القبلية  فى الطور القبلى ( فثمة حضارات   قبلية )  او مجتمع الامة فى الطور القومى كما هو الحال  بالنسبة لامتنا العر بية  حيث حضارتنا حضارة قومية .

     وهكذا نرى ، ياشيخ فضل  الله ان العربى على السجية ، بدون تغريب او بدون تخريب ، لن يختار من الافكار ا لا مايتفق مع هويته العربية  القومية ، بدون ان يعرف حتى لماذ ا اختار  هذه الافكار بالذات ، او مامعنى  الهوية او مامعنى القومية . وانك لترى اية هذا فى ثلاثة اجيال من اطفال العرب ماان يكتملوا شبابا حتى يقاتلوا الصهاينة من اجل استرداد فلسطين مع انهم لاهم ولا آباؤهم ولا اجدادهم  رأوا فلسطين او ياملون فى رؤيتها او لهم مصالح فيها ..انهم اطفال بسطاء  العرب فى القرى  العربية  من موريتانيا حتى   الخليج ومن جنوب السودان حتى شمال سورية .. البعيدون عن بؤر التخريب فى عواصم الدول العربية . انهم العرب على السجية . الذين صاغتهم  الامة قوميين  فما يفكرون اذ يفكرون الا قوميا . الذين مايزالون يحلمون بالوحدة العربية بدون ان يعرفوا من العلم انهم ينزعون الى الوحدة واعين وغير واعين لان بها تتحقق ذواتهم . لقد قلت ان العروبة ” اخذت من الاسلام الاجواء الحميمة، ونها ” زحفت” نحو الماركسية ، وعندما شعرت ان الماركسية تختلف فى بعض جذورها ” حاولت ان تختار ” .. الم تر ياشيخنا  انك قد جعلت من العروبة فاعلا بارادة حرة مدركة ، وهو حق ،  ولالكن كيف يكون ذلك فى الواقع؟ .. يكون متمثلا فى ارادة الجماهير  العربية المتحررة التى تدرك فتفعل على السجية .

 ثانيا :  تصوغ ” العروبة ـ القومية ” اذن الشعب العربى  الذى يختار الافكار التى تقود مسيرته ، ولن يختار ، وهو على السجية ، بدون تغريب او تخريب ، الا مايتفق مع هويته القومية ، ولكن دور القومية  فى صياغة الافكار لايقف  عند حدود هذا التأثير غير المباشر . هناك حدود الواقع لقومى شعبا ووطنا . وهذا ينطبق على كل قومية . ينطبق على القومية العربية  والقومية الفارسية  والقومية التركية تماما كم قلت انت ياشيخ فضل الله . اذن ،  فالمشروعات الفكرية ، او الا فكار القائدة  لشعب اية امة  لن تكون لها فرصة النجاح ـ أى لن تتحقق فى الواقع ـ الا اذا كانت متضمنة  الشعب القومى  كقوة حركة ، والوطن القومى كساحة تطبيق . هذا لايعنى انه محال على مجموعة من الامم او القوميات او الشعوب  ان تشترك فى افكار قائدة لتحقيق مشروع مشترك. لا. هذا ممكن بشرط  الا يكون انقضاضا ، او انتقاضا من المشروع القومى لكل امة . ان تجهيل او تجاهل  الشركاء خصائص  كل شريك كما هو فى الواقع  هو جهل لن يفيد اصحابه شيئا . وهكذا ترى مثلا ، القومية كواقع تحدد للفكر القومى الوطن العربى كما هو على الطبيعة لاقالة الوح ، وليس مترا مربعا اكثر من هذا وليس سنتيمترا مربعا اقل من هذا ولو كره اعداء الامة العربية . كما تحدد للحركة القومية قواها فهى الشعب العربى لامرتزقة من الخارج ولا اعفاء  فى الداخل . ثم تحدد للفكر القومى الاعداء  والاصدقاء  والحلفاء  والمؤلفة قلوبهم  على ضوء  مواقفهم من وحدة الامة العربية وسلامة وطنها وشعبها .. وهكذا ..

   فى منتصف الستينات اشتعلت فى مصر معركة فكرية ضارية حول وصف الاشتراكية  بانها عربية وكانت المعركة اساسا بين القوميين وبين الماركسيين . الاولون يصرون على ان توصف الاشتراكية التى يسعون اليها بانها عربية ، والاخرون يسخرون ويرددون ان لاتوجد الا اشتراكية واحدة  هى الاشتراكية العلمية ( يعنون الماركسية ) . ولقد كان لى شرف الا شتراك فى تلك المعركة مدافعا عن ضرورة وصف الاشتراكية  بانها عربية   لنقبل اقامتها نظاما فى الارض العربية . انقضت السنون ولااحد يتحدث الان عن الاشتراكية  . لقد عدنا الى نقطة البداية : التحرر بعد ان سلبنا الحرية  التى كانت قد تحققت . على أى حال عاد الشيخ فضل الله يسأل “:  مامعنى ا ن تأخذ الاشتراكية معناها العربى؟ ” . ذلك لانك يامولانا لاتدرى النتائج  التى تؤدى اليها منطلقاتك  لفكرية . من يقول مثلك ان العروبة واقع وهوية لابد يميز الافكار التى تقود الواقع بهوية الواقع . والواقع ان المعركة الفكرية التى اشتعلت فى الستينات لم تكن دائرة حول الاشتراكية ، كانت دائرة حول الوحدة المنتكسة بعد الانفصال . كنا نقول اشتراكية عربية أى نظاما اشتراكيا فى كل الوطن العربى المتجسد فى دولة الوحدة ، وكنوا يقولون ” تطبيق عربى للاشتراكية ” ليترك لكل دولة عربية  ان تطبق الاشتراكية بدون حاجة الى الوحدة . انه مثال لدور القومية فى فرض  حدود على الافكار .

 ثالثا : ليس هذا كل ماتؤثر به القومية تأثيرا يجابيا فى الافكار والمشروعات . انها تفرض على تلك الافكار عناصر معينة . هذ فى رايى  على الاقل.  ولابأس بان اقول اننى ـ فيما اعلم ـ انفرد بادعائه . اقول هذا لاستطيع ان اعبر عن قبولى اية مناقضة . والمسالة ببساطة انه الى ماقبل عام 1965 كانت  كل الدراسات  فى القومية تنصب على وصف الامم وتحديد خصائصها ، وانفرد الماركسيون بطرح ا  لسؤل  لماذا نشات الامم وقدموا لها سببا سياسيا يتفق مع مصالح البورجوازية  فى وحدة ” السوق” تطبيقا لمنهجهم المادى  الجدلى فى فهم الظوهر . فلم تناولت بالدراسة  ظاهرة الامة  كان لابد من الاجابة  على السؤال  لماذا نشأت وانتهيت الى مانشر عام 1965 من ان الامم تنشأ كآخر مرحلة معاصرة من مراحل تطور تكوين الجماعات البشرية من الاسرة ، الى العشيرة ، الى القبيلة ، الى الشعب ، الى الامة ، وهو تطور لم يحدث  اتفاقا بين البشر بل حلا لمشكلات  حية وصراعات وحروب ملأت التاريخ فى نطاق بحث البشر  فى كل عصر عن حياة افضل ، وبالتالى فان المجتمع القومى ( الامة) هو المجتمع المشترك الذى يحقق للناس فيه افضل حياة ممكنة . من هنا يفرض مفهوم الامة هذا على كل الافكار ولمشروعات التى تستهدف  صياغة الحياة  فى الوطن العربى  الحفاظ على وحدته والغاء تجزئته وعدم جواز تنزل الشعب العربى او أى جزء من الشعب العربى حقه القومى فى المشاركة فى امكانات وطنه القومى وكيفية توظيف تلك الامكانيات .. من هنا لاتقبل القومية افكارا ذت مضامين فرديه او عشائرية او طائفية او اقليمية  ولانظما يحمى او ينمى تلك  الافكار ..

رابعا :  واخيرا فان جزاء الذين  لايفكرون تفكيرا قوميا الا يستجيب لهم الواقع القومى فيفشلون  وهو جزاء توقعه القومية بما لايتفق معها من افكار .

    الى هذا  الحد تصوغ العروبة الافكار مع ان العروبة ليست فكرة .

     وعند هذا الحد نتوقف وبه نكتفى .

      فهل من مدّكر؟

دكتور / عصمت سيف الدولة

القاهرة فى 20 كتوبر 1987

السياق التاريخي…

منقول من كتاب عن الناصريين واليهم للدكتور عصمت سيف الدولة ” … وكنت قد تلقيت قبيل وفاة عبد الناصر دعوة من قيادة الثورة في ليبيا إلى زيارتها وإلقاء سلسلة من المحاضرات بمناسبة البدء في تنظيم الج…

Source : السياق التاريخي…

رسالة في الكفر والايمان – د. عصمت سيف الدولة

seif_eddawla

رسالة أولى

بسم الله الرحمن الرحيم،

تقول في رسالتك أن الإسلام لم يجبر أحدا على الاعتقاد فيه وبشكل خاص الكفار وأن كل الآيات التي حضت على قتال الكافرين لا باعتبارهم كافرين ومخالفين في العقيدة الدينية بل لدفع اعتداء واتقاء فتنة تصيب المسلمين نتيجة كيد أو مؤامرة. قول حسن وأرجو أن تسمح بإضافة خاطرات ..

أ – الكفر نقيض الإيمان، وكلاهما عقيدة، الأولى عدمية والثانية وجودية إذ محل كل منهما وجود الله ذاتا وصفات، الأولى تنفيه والثانية تثبته، وفي حدود ماهيتها العقيدية لا تتوقفان على الظهور، على التعبير، إثباتا أو نفيا فلا يسأل الكافر عن كفره أو المؤمن عن إيمانه ماداما مضمرين إلا أمام المطّلع  على السرائر، الله. من هنا نجد مئات الآيات في القرآن التي قررت جزاء على الكفر أو الإيمان أنذرت به أو بشّرت في الآخرة ولم ترد في القرآن آية واحدة تأمر بعقاب الكافر على كفره مادام مضمرا ولا بجزاء المؤمن على إيمانه غير المعلن.

ب – قال الله تعالى في كتابه : ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”  – الكهف 29 – . وقال :” إن تكفروا فإن الله غني عنكم ” -الزمر 7 – وقال :” إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد” .        – إبراهيم 8 – . لماذا إذن العذاب الأليم على الكفر والنعيم المقيم على الإيمان في الآخرة؟.. مفتاح الجواب جاء في قوله : “ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد”.-لقمان 12 -. وفي قوله “لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ.-البقرة 256 -. وفي قوله “أو أنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين”.-يونس 99-. وقوله “ومن كفر فلا يحزنك كفره”.-لقمان-.

دلالة هذه الآيات معا واضحة على أن الكفر ولو كان عقيدة مضمره لا يضر الله شيئا سبحانه وتعالى، ولكنه يضرّ صاحبه والمجتمع الذي ينتمي إليه، لأنه يجرّد صاحبه من صدق الالتزام في تعامله مع الآخرين بقواعد التعامل الاجتماعي بين الناس التي جاءت في القرآن والتي تسمّى جملة “الإسلام” بما فيها ممّا فيها مما يقال له عبادات، ويذهب بعض الشّراح إلى القول بأنها علاقة خاصة بين العبد وربّه.لا. كل ما جاء به الإسلام لمصلحة الناس، أمّا الله جلّ جلاله فهو غنيّ حميد. ولعلّك قرأت في كتابي “عن العروبة والإسلام”. إيضاحا أوفى لهذا الرأي. المهم أن الكفر بالله ولو كان مضمرا، ليس علاقة عقيدية خاصة بين الكافر والله، بل هو إنكار خفي للإسلام كنظام اجتماعي يستمد قوّته الملزمة من أنّه من عند الله. من هنا نفهم ما ذهب إليه بعض الشّراح والفقهاء من التدليل على الكفر بإنكار ما” عُرف من الإسلام بالضرورة” نفهمه ولكنّا لا نوافق عليه ولا نأخذ به، لأن القول بالضرورة حكم عقلي تتوقف صحته على توافر الصحة في أربعة مواضع : -1- صحة فكر الحاكم -2- صحة الواقعة السبب -3- صحة فكر محدث السبب -4- مطابقة فكر محدث السبب فكر الحاكم عليه بالكفر. فمحال أن يأتي الحكم محكما، ولا إلزام بغير قاعدة محكمة، لا تحتمل التأويل . هذا مبدأ قرآني.

ج- على أي حال سأورد إليك فيما يلي دليلا من القرآن على أن الكفر المضمر لا ينتقص من الإسلام المعلن شيئا إن اجتمعا. جاء هذا في قوله تعالى: ” قالت الأعرابُ آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم”       -الحجرات : 13-. الأعراب المذكورون في الآية كفره بشهادة الله عالم الغيب والشهادة. ومع ذلك أشهدوا الناس على أنهم مسلمون. هاهنا كفر -عدم إيمان- مضمر واسلام مشهرٌ، فما الحكم أو ما الجزاء؟ أما عن الإسلام المشهر فقد ارتبط الجزاء فيه بالتزام قواعد وعبّرت عن الآية بالقول “إن تطيعوا الله ورسوله” وهو شرط وجاء الجواب “لا يلتكم من أعمالكم شيئا” أي لكم كل حقوق المسلمين لا ينتقص منها شيء. أمّا عن الكفر المضمر فقد ذكرهم الله جل جلاله بأنه غفور رحيم وعدا بالمغفرة رحمة بهم.

د- من أشكال الكفر المضمر “النفاق” . وقد أنذر القرآن المنافقين بمصير ” في الدرك الأسفل من النار ”     – النساء 145 -. ولكنّه جاء خاليا من أي عقوبة على النفاق تطبيقا لذات القاعدة العامة المشار إليها في البند السابق، فالأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا طائفة من المنافقين.

 هـ – بقي حكم الكفر المعلن، الكفر المعلن نقيض الإسلام المعلن أو بمعنى أدق نقيض معلن للناس بانعدام القوة الملزمة اجتماعيا للقواعد الآمرة والناهية التي جاءت في كتاب الله، من حيث انه نقيض مصدرها: الله. وقد خصص القرآن سورة كاملة للموقف الإسلامي من الكفار، انه الاجتناب، قال الله تعالى في سورة “الكافرون” :” قل أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”. وهو موقف سلبي كما ترى لا ينطوي على إكراه    أو اعتداء أو قتل. وأوضح دلالة على موقف الاجتناب ما أُمر به الرسول صلّى الله عليه وسلم من عدم الاهتمام بما قد يلقاه من أذى من جانب الكافرين، قال تعالى: “ولا تُطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكّل على الله وكفى بالله وكيلا” -الأحزاب:48-.

 و – ومع ذلك فقد أمر القرآن المسلمين يقتل الكافرين إذا ما أوجدوا أنفسهم في المواقف التي أبيح فيها للمسلمين القتال. ولم يبح القرآن للمسلمين القتال إلا في ثلاثة مواقف : الأول، المبدأ، موقف الدفاع. “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” -البقرة 190-. وقد جاء تطبيقه بالنسبة إلى الكافرين في الآية التالية :” فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين”- البقرة 191-. وهو مشروط بالمبدأ “لا تعتدوا”. الموقف الثاني هو قتال الطائفة الباغية حين يتقاتل المؤمنون. قال تعالى :”وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”          – الحجرات 9-. عَرض الصلح على المتخاصمين من المؤمنين إجراء أولي من الإجراءات القضائية في الإسلام قبل الحكم. – بين الزوجة وزوجها وبين القاتل وولي الدم وما بينهما من مخاصمات – . وقد تضمّنت الآية عرض الصلح بصيغة الأمر “فأصلحوا” فأخذ حكم الفرض لا يجوز تركه قبل التدخل. ثم فُرض على المؤمنين قتال الطائفة الباغية وهي هنا التي ترفض الصلح وليست التي بدأت القتال. فيكون الموقف الثاني الذي أبيح فيه للمسلمين القتال أو فرض عليهم هو القتال حقنا لدماء المؤمنين في قتال دائر فيما بين طائفتين منهم لفرض الصلح على الطائفة التي لا تقبله ” حتى تفيء إلى أمر الله” وليس حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله” وليس حتّى تقبل وجهة نظر الطائفة الأخرى، ومنه نتعلّم أنّ الصلح ، حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله. وليس في أي دين سماوي أو غير سماوي، وليس في أي شريعة من شرائع الأرض الموضوعة حكم يبيح، أو يفرض القتال لوضع حدَ للقتال إلا في الإسلام . القتال ضد من يرفض الصلح الذي يراه المؤمنون، أي المجتمع.

ثم يأتي الموقف الرابع الذي أبيح فيه للمسلمين القتال ، مندوبا لا فرضا، أن يقاتلوا دفاعا عن ضحايا الظلم من الناس، أي ناس في أي مكان، من أي جنس، على أي دين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. قال تعالى :” وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا”-النساء 75-. شرط القتال هنا، بالإضافة إلى مبدأ “لا تعتدوا” أن – يستغيث المظلومون بالمسلمين لدفع ظلم واقع لا على فرد ولكن على مجتمع بما فيه من رجال ونساء وولدان. ويسمّى في الشريعة الإسلامية -القانون- “حق الغوث” فهو رخصة بالدفاع وليست فرضا واجبا.

ز- ختاما لهذه الخاطرات أعود إلى سؤالك لأعيد صياغة شطره الثاني صيغة مختصرة فأقول: ليس في القرآن آية تحض على قتال الكافرين أو غير الكافرين ولا المخالفين في العقيدة الدينية ولا اتقاء فتنة نتيجة كيد أو مؤامرة و إنما يفرض القرآن القتال دفاعا في كل الحالات. بل أن القرآن  يوصي المسلمين بأن يبَرّوا غيرهم وأن يكونوا عادلين في التعامل معهم إلا الذين قاتلوا المسلمين لردّهم عن دينهم أو أخرجوهم من ديارهم أو عاونوا من أخرجوهم فيحر القرآن على المسلمين مناصرتهم أو التحالف معهم  أو صداقتهم. وهي الحالة الوحيدة التي أمر فيها القرآن بقطع أوشاج الأخوة الإنسانية بين البشر. قال تعالى في سورة الممتحنة: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم إن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون”. -الممتحنة 8.7 -. الموالاة تعني الصداقة والمناصرة وما في حكمهما، من والى ولا تعني الولاية من تولّى، فلا شأن للآية بالحكم أو تولي القيادة كما يزعم البعض.

ح – ثم تأمّل من آيات الذكر الحكيم :” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. – البقرة 62-. و”إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.-المائدة 69-. الصابئ هو الذي ينتقل من دين إلى دين. والصابئون صفة كانت تطلق على جماعات طائفية لهم كتاب واحد “كتاب ألج نزا” ولكنهم موزعون انتماء إلى ديانات عديدة مثل المجوسية والزرادشتية والهندوسية والبوذية والكنفشيوسية. وقد كان من بينهم نفر يعيشون في البصرة جنوب العراق، وكانوا يعبدون الكواكب ويزعمون أنهم من أهل الكتاب الذين أوصى بهم القرآن احتجاجا بكتابهم.

المهم أنهم لم يكونوا مسلمين..

فانظر كيف قرر لهم القرآن أن “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. لقد أسند قراره إلى توافر أمرين: 1- الإيمان بالله واليوم الآخر. 2- العمل الصالح. ولم يشترط الإسلام. وقد يبدو هذا غريبا، ولكنه ليس غريبا، فليس الإسلام مقصورا على ما ابلغه محمد بن عبد الله إلى الناس بصفته رسولا من الله، ولكن الإسلام هو جوهر كل الأديان منذ إبراهيم عليه السلام. وجوهر ذاته هو “العمل الصالح”. الصالح لمن؟ للناس،للبشر إذ أن الله غني حميد. وإذا كان ما جاء في القرآن من أحكام وقواعد هي الصيغة الأخيرة للعمل الصالح فإن الصلاح كمضمون لا يتوقف على العلم بالقرآن أو على أن يكون “الصالح” مسلما بالضرورة. فإن لم يكن كأن كان يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو مجوسيا أو مجنونا فقد رفع عنه الخوف.-من الإكراه- والحزن -من القهر مثلا-.  وكل هذا لا مثيل له في أي دين أو مذهب أو إيديولوجية أو فلسفة أو نظام ما وضعه الإنسان، والمسلمون ملزمون باتباع هذا الموقف من الغير الذي لا مثيل له، فإن لم يفعلوا فقد خالفوا جوهر الإسلام واحتكموا في أمر الغير المسالم إلى غير ما أنزل الله، نقول المسالم حتى لا ننسى شرط فرض القتال ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” .-البقرة 190-. والله أعلم.

عصمت سيف الدولة