الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

تركيا والخيارات الصعبة – زياد حافظ

turki

تركيا والخيارات الصعبة

زياد حافظ

28 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

أمين عام المؤتمر القومي العربي

قد تكون القمّة الثلاثية في سوتشي التي جمعت كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيّب اردوغان نقطة فارقة ليس فقط في تاريخ المنطقة ولكن أيضا بالنسبة لتركيا وخياراتها الحاضرة والمستقبلية. فالعلاقات بين هذه الدول مرّت عبر التاريخ القديم والقريب بتقلّبات كانت تعكس موازين قوّة متنافسة بينما ما نشهده في هذا اللقاء تحوّلا في مسار هذه الموازين باتجاه التكامل وليس باتجاه التنافس. فبات واضحا أن العالم تغيّر حيث لم تعد هناك مراكز قوّة أحادية تستطيع فرض إرادتها على العالم دون منازع. القوّة أصبحت منتشرة ومتناثرة في العالم وداخل الدول التي كانت “قوّة” بحدّ ذاتها. وبالتالي لم يعد من الممكن اتباع سياسة “فرّق تسد” التي اتبعها الغرب منذ حقبته الاستعمارية بدءا مع البريطانيين وصولا اليوم إلى الولايات المتحدة. سياسة الضمّ والتجمّع حلّت مكان سياسة الإقصاء والتفرقة.

على قاعدة هذا التحوّل كان لا بد أن تتأثر به تركيا. فأحلام الهيمنة الإقليمية عبر إحياء “العثمانية الجديدة” وصلت إلى طريق مسدود تركيّا بسبب صمود سورية وبسبب عدم وجود بيئة إقليمية وعربية مؤيّدة لذلك. فبعد التنظير لسياسة “صفر مشاكل” مع دول الجوار لصاحبها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود اغلو أدّت السياسة المتبعة عند القيادة التركية إلى “صفر حلول” مع دول الجوار. ليس هدفنا استعراض ما حصل بمقدار ما يهمّنا استشراف ما يمكن أن يحصل ونتائج الخيارات التي يمكن أن تتخذها القيادات التركية.

فقمة سوتشي قد تكون تتويجا لمسار تركي بدأ منذ فترة وخضع لتقلّبات كبيرة خلال السنوات الست الماضية، وذلك بسبب موقف تركيا في سورية وتهديد مصالح كل من روسيا وإيران فيها. من جهة أخرى واكب هذه التقلّبات تدهور مستمرّ في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة لأسباب مختلفة منها بعض نواحي الموقف التركي في سورية (الولايات المتحدة في قضية أكراد سورية)، ومنها بسبب موجة النازحين واللاجئين إلى اوروبا عبر البوّابة التركية ناهيك عن يقين الموقف الرافض الأوروبي لعضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي. وبناء على هذا العرض المقتضب لمسار علاقات تركيا مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يكون السؤال: ماذا بعد لتركيا؟ فتركيا مقدمة على اتخاذ خيارات صعبة. لم تحسم عند كتابة هذه السطور تلك الخيارات إلاّ أنه بإمكاننا عرض بعض الوقائع وتطوّراتها المستقبلية.

فالخيارات الصعبة تتمثّل في رأينا في مراجعة العلاقة مع كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي والولايات المتحدة. كما أنها تتمثل بتوجّه جديد نحو نسج علاقات لها الطابع الاستراتيجي قد تصل إلى تحالف استراتيجي مع روسيا والجمهورية الإسلامية في إيران. فتركيا قد تكون إحدى البوّابات الغربية للكتلة الاوراسية الصاعدة وللحزام الواحد والطريق الواحد (حو طو) ولمنظومة شنغهاي الأمنية والاقتصادية، ومن يدري المدخل لمجموعة البريكس. وأخيرا يكمن الخيار الصعب الأخير والأهم بالنسبة لنا كعرب، أي مراجعة السياسة الخاطئة تجاه سورية ومراجعة النظرة الدونية تجاه العرب.

فنحن من دعاة تشكيل كتلة جغرافية سياسية اقتصادية مبنية على الموروث التاريخي والحضاري المشترك بين كل من العرب والأتراك والإيرانيين على قاعدة أن العرب عرب، والأتراك أتراك، والإيرانيين إيرانيون. علاقة أساسها التعاون والتكامل وليس التنافس. هذا يعني بالنسبة لتركيا التخلّي نهائيا عن أحلام عثمانية جديدة تهيمن على المنطقة. فالعثمانية القديمة كانت سببا لتفتيت المنطقة عبر الجنوح نحو التتريك القسري للولايات العربية داخل السلطنة العثمانية. أما العثمانية الجديدة فكانت صاحبة المآسي في سورية وسائر دول المشرق العربي عبر توظيف جماعات الغلو والتعصّب والتوحّش لتحقيق تلك المآرب. هنا قد يكون الخيار الأصعب للقيادة التركية أي التخلّي عن سراب العثمانية الجديدة. فهل تستطيع القيادة التركية القيام بذلك؟ في رأينا إن الوقائع الميدانية والوقائع السياسية ستؤدّي إلى تلك المراجعة ولكن ربما ليس في المدى المنظور. بداية المراجعة ستكون من البوّابة السورية. فالتلميح الأخير للرئيس التركية حول إمكانية التفاهم مع الرئيس السوري قد تكون بداية لذلك المسار الصعب ولكن الضروري لضمان وحدة تركيا ومستقبلها في بيئتها الطبيعية التي هي ما نسمّيه بالمشرق.

وهناك خيار آخر صعب قد تواجهه تركيا عاجلا أم آجلا (نأمل عاجلا!) هو العلاقة مع الكيان الصهيوني. لا يغيب عن بالنا أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بالكيان الصهيوني فور إعلان دولته المغتصبة وغير الشرعية. ولكن لا بد من تذكير أن شعبية الرئيس التركي اردوغان مبنية على دغدغة الشعور القومي التركي كما أنها مبنية على تمسّكه بالموروث الديني والحضاري. ذلك الموروث لا ينسجم مع العلاقة مع الكيان. نذكر أنه عندما كان عمدة مدينة استنبول استقبلت المدينة أول مؤتمر من أجل القدس. التجاوب الشعبي والإعلامي التركي حسم تردّد العمدة. فكانت سلسلة من المواقف الاستعراضية ضد الكيان (الانسحاب من دافوس بوجود شمعون بيريز وتدهور العلاقات بعدما تعرّضت له باخرة مرمرة التركية المشاركة في اسطول الحرّية لكسر الحصار على غزّة). طبعا، تراجع اردوغان عن تلك المواقف الظرفية ولكن مجرّد أنه أقدم عليها فإن ذلك يعني أن وفقا لظروف موضوعية مختلفة كالخروج من الأطلسي أو طيّ الصفحة مع الاتحاد الأوروبي أو الانخراط بالكتلة الاوراسية، فإن العلاقة مع الكيان الصهيوني قد تخضع لمراجعة لا تقلّ أهمية وصعوبة عن الخيارات الأخرى.

لكن كيف نقارب تلك الخيارات الصعبة؟ في البداية هناك إشكالية تركيا وعلاقاتها مع الغرب بشكل عام وبشكل خاص مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. هذه الإشكالية تعكس الصراع الفكري والعقائدي بين ورثة مؤسسي تركيا الحديثة أي بعد الحرب العالمية الأولى والتوجّه الصريح نحو التغريب والعمل على الالتحاق بأوروبا. في الحقيقة لم يكن ذلك التوجّه حكرا على مؤسسي الدولة التركية الحديثة فيجب أن نقرّ بأن العديد من النخب العربية وقبل انهيار السلطنة العثمانية نادوا بالتوجّه نحو الغرب وخاصة أوروبا وما زال العديد منهم اليوم ينادون الالتحاق بالغرب وخاصة بالولايات المتحدة. فثقافة الهزيمة موجودة ومترسّخة كما أوضح معالمها العلاّمة ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي. لكن توجّه نخب تركيا إلى الغرب اقترن بعمل دؤوب على طمس الموروث التاريخي لتركيا ما خلق تناقضا بين النخب وعامة المكوّنات المجتمعية لتركيا. كما أن “علمانية” تركيا لم تحسم الميل الطبيعي لفئات وازنة من المجتمع التركي للتمسّك بالإسلام وحضارته وتقاليده. فمع صعود حزب العدالة والتنمية كانت بوادر التصالح من قبل نخب حاكمة مع الموروث السياسي والثقافي ممكنة. وللمزيد عن ذلك نشير إلى دراسات الدكتور فؤاد نهرا ومحمد نور الدين.

فالتصالح إذا جاز الكلام مع الإسلام رافقه تشجيع أولي من قبل أوروبا والولايات المتحدة التي وجدت فيما سمّته بالإسلام التركي نموذجا يمكن تعميمه على الوطن العربي وعلى سائر الدول الإسلامية. فمظهر ذلك النموذج يمزج بين التراث والتقاليد ومعالم الحداثة الغربية. لكن في آخر المطاف لم تكن أوروبا مستعدّة لقبول تركيا بينها بسبب أنها كتلة بشرية مسلمة كبيرة (ما يقارب تسعين مليون) قد تدخل إلى الاتحاد الأوروبي وتهدّد الطابع المسيحي له، وهذا ما صرّح به الرئيس الفرنسي السابق فاليري جسكار ديستان. الصدمة كانت كبيرة عند معظم الأتراك، عند المتغرّبين كما عند غير المتغرّبين. فكأن استثمارا تركيا في التماهي مع أوروبا طال تسعة عقود تقريبا لم يف بالغرض لدخول الاتحاد الأوروبي. وكان لذلك الاستثمار نتائج مادية كبيرة كحجم التجارة مع عدد من دول الأوروبية. فالمستورد الأكبر للصادرات التركية كانت (وما زالت) ألمانيا بحوالي 14 مليار دولار عام 2016 تليها المملكة المتحدة بحوالي 12 مليار دولار. اما الولايات المتحدة فلم يتجاوز استيرادها من تركيا أكثر من 6،7 مليار دولار أقل من صادرات تركيا للعراق أي 7،6 مليار. فالسوق العراقي أهم من السوق الأميركي وقد يؤثّر في حسم الخيارات فيما بعد!

فعلى ما يبدو غضّت القيادات التركية النظر عن متابعة ملفّ عضويتها في الاتحاد الأوروبي، على الأقل في هذه الفترة وفقا للمعلومات المتداولة. لم تتخلّ عنها بالكامل وتحتفظ بها كورقة للمستقبل. هذا وقد هدّد الرئيس التركي في شهر أيار/مايو 2017 بسحب ملّف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ما لم يفتح الأخير فصولا جديدة في العلاقة. وهذا قد يشكّل أوّل الخيارات الصعبة التي قد تتخذها تركيا. كل ما يعرضه الآن الاتحاد هو علاقة تفضيلية استراتيجية بديلا عن الانضمام الكلّي وهذا ما لا ينسجم مع الأهداف التركية المعلنة.

أما على صعيد العلاقات الثنائية بين تركيا وألمانيا فالتدهور مستمر بينهما رغم العلاقات التاريخية التي تربطهما منذ العقود الأخيرة للسلطنة العثمانية، ورغم حجم الجالية التركية المقيمة في ألمانيا. فهذه الجالية حاول الرئيس التركي تعبئتها في حملته الانتخابية الرئاسية الأخيرة. غير أن اعتراض المستشارة الألمانية على السماح لوزراء أتراك بزيارة الجاليات التركية لأغراض انتخابية ساهمت في توتير العلاقات بين البلدين ما جعل الحذر والشكوك بينهما يسيطر على مستقبل تلك العلاقات. أضف إلى ذلك تهديد الرئيس التركي ألمانيا وسائر دول الاتحاد بإرسال موجات جديدة من النازحين واللاجئين زادت من الحذر المتبادل.

بالمقابل قامت الدبلوماسية الروسية بتنفيذ سياسة احتوائية لتركيا ضمّت عدّة أهداف، سياسية، وعسكرية، واقتصادية. في البداية اعتمدت روسيا على الإغراء الاقتصادي. فتمتين العلاقات الاقتصادية، هو قرار سياسي بامتياز وليس بالضرورة مبنيا على المنفعة المادية المباشرة أو حتى الطويلة المدى، فإن ذلك القرار يمهّد لعلاقات سياسية أكثر انسجاما مع المناخات التي توجدها الاتفاقات الاقتصادية. فرغم التقلّبات بالمواقف التركية بسبب الحرب في وعلى سورية والتي أدّت إلى مواجهة عسكرية بين روسيا وتركيا (إسقاط طائرة روسية فوق الحدود السورية التركية) اعتمدت روسيا سياسة الصبر بل زادت من الإغراءات الاقتصادية. فحجم المبادلات التركية الروسية كانت قد تراجعت بنسبة 43 بالمائة في بضعة أشهر عام 2016 إلى 6،3 مليار دولار بينما كانت حوالي 13،7 مليار دولار في العام السابق. لكن بعد محاولة الانقلاب الفاشل الذي أعدّته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والتي كشفتها أجهزة الاستخبارات الروسية منقذة بذلك الرئيس التركي فإن الهدف المرجو من الاتفاقات الاقتصادية المعقودة بعد لقاء الرئيسين بوتين وأردوغان هو الوصول إلى ما يقارب 100 مليار دولار أي تقريبا ثلث حجم التجارة الاجمالية الحالية في تركيا. وكذلك الأمر بالنسبة لقيمة الاتفاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران، أي 100 مليار دولار. فتصبح الدولتان تشكّلان تقريبا ثلثي التجارة الخارجية التركية حاليا بينما الغرب يتكلّم عن عقوبات على تركيا وليس على زيادة التبادل. إذا لم يكن ذلك تحوّلا استراتيجيا فما هو إذن مضمون التحوّل الاستراتيجي؟

وفيما يتعلّق بالبعد العسكري للعلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا فإن بيع منظومة الصواريخ الروسية المتطوّرة جدّا أس 400 لتركيا أقلقت الحلف الأطلسي. فهذه المنظومة تعني تدريب الكوادر عليها وبالتالي نسج علاقات متينة مع الضباط الأتراك. من جهة أخرى استطاعت روسيا أن تؤمّن مرور سفنها في المضائق التركية من البحر الأسود إلى البحر المتوسط دون التعرّض لها بتحريض أميركي أو أوروبي. كما أن الاتفاق الروسي التركي جعل من البحر الأسود بحرا مشتركا خارج النفوذ الغربي أو الأميركي رغم وجود بضع قطع حربية للأخير. هذا دليل واضح على بعد نظر القيادة الروسية التي استطاعت أن تتجاوز تداعيات إسقاط تركيا لإحدى طائراتها فوق الحدود السورية التركية.

أما على صعيد العلاقات مع الحلف الأطلسي فالمعلومات الوافدة تشير إلى تزايد تململ القيادات التركية من أداء قيادة الحلف الأطلسي. فالمناورات العسكرية الأخيرة للحلف وضعت تركيا ورئيسها في خانة “العدو” ما أغضب تركيا وأدّى إلى انسحابها من المناورات. لم تكن الاعتذارات الصادرة عن أمين عام الحلف الأطلسي كافية أو مقنعة لاسترضاء الحكومة التركية. ف “الخطأ” الذي وقع هو من صنع مقاول مقرّب من معارض الرئيس التركي فتح الله غولن، إي عذر أقبح من ذنب! في مطلق الأحوال هناك أصوات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تنادي بإعادة النظر في جدوى الاستمرار بالحلف الأطلسي. مما لا شكّ فيه أن الرأي العام التركي قد يتقبّل الخروج من الحلف وفقا لدراسة نشرها مركز أبحاث تركي “استنبول ايكونومي اراشتيرما” في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 حيث ما يوازي 67 بالمائة من المستطلعين يعتبرون أن أمن تركيا يمكن تحقيقه دون الاستمرار في الحلف. ما ساهم في فتور العلاقة بين الأطلسي وتركيا شراء الأخيرة منظمة صواريخ أس 400 الروسية. فكسر أحادية مصادر التسليح من خارج الأطلسي خطّ أحمر له تداعيات. لا نستطيع أن نجزم بأن تركيا ستخرج من الأطلسي لكن إرهاصات الخروج باتت واضحة. فالأشهر القادمة قد توضح الصورة. فخروج تركيا من الحلف قد يشكّل ضربة قاسية له خاصة وأن تركيا تملك أكبر قوّة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة. فهل سيسمح الأطلسي بذلك؟ فخروج تركيا من الأطلسي قد يكون خيارا صعبا للغاية قد يؤدّي إلى ردّة فعل أميركية قاسية.

ومن ضمن أسباب الفتور أو تدهور العلاقات بين تركيا والأطلسي بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص رفض الأخيرة تسليم فتح الله غولن المطلوب من المحاكم التركية. أما السبب الثاني فهو الخط الأحمر التركي في موضوع أكراد سورية. على ما يبدو فإن الرئيس ترامب حسم الخيار لصالح تركيا، أي أيقاف تسليح أكراد سورية، للحفاظ على العلاقة معها. غير أن الدولة العميقة ما زالت تراهن على القوّات السورية الديمقراطية (قسد) التي يشكّل الأكراد في سورية عمودها الفقري، وذلك كورقة تفاوض في الملّف السوري في الحد الأدنى وكأداة لاستمرار النزيف في سورية كحدّ أقصى، أو كتبرير لوجود القواعد العسكرية الأميركية غير الشرعية على الحدود الشرقية السورية العراقية. ليس من المؤكّد إذا سيتمسّك الرئيس الأميركي بقراره أو يتراجع عنه تحت ضغط مراكز القوة داخل الدولة العميقة وحتى في إدارته. ففي آخر المطاف لا يكترث الرئيس الأميركي لتركيا أو للأكراد. لكن بات واضحا أن العلاقات التركية الأميركية لم تعد كما كانت منذ سنوات وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ومراجعتها قد تكون الخيار الثالث الصعب.

أما فيما يتعلّق بالعلاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران فلا بد أن نتذكّر إلى التنافس التاريخي بين السلطنة العثمانية والدولة الصفوية. لكن في القرن الحادي والعشرين يبدو أن المنافسة قد تستمر ولكن ضمن سقف سياسي استراتيجي هو الجنوح نحو الانضمام الدولتين إلى الكتلة الاوراسية ومشروع طو حو (طريق واحد حزام واحد) الذي يربط بحر الصين بالبحر المتوسط. كما لا بد من التأكيد أن التقارب التركي الإيراني ينسف سردية الصراع السنّي الشيعي التي حاولت ترويجه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومعهما بعد دول مجلس التعاون الخليجي. فالتفاهم التركي الذي قد يتحوّل فيما بعد إلى علاقة استراتيجية قد يساهم بشكل أساسي في استقرار المنطقة أمام تحرّكات الحلف الأميركي الصهيوني وبعض أتباعه من العرب.

فيما يتعلّق بالعلاقة مع العرب فالخيارات الصعبة ستكون نتيجة لمراجعات عميقة. لسنا متأكدّين أن القيادة التركية الخالية قد تتخلّى عمّا تُسمّيه بالعثمانية الجديدة. موقفنا أوضحناه في الفقرة الخامسة من هذا المقال أي التكامل وليس التنافس بين العرب والأتراك. فلا استقرار بدون توازن ولا توازن بدون احترام مشاعر العرب ولغتهم وثقافتهم. فعدم فهم هذه الحقيقة أدّى إلى كارثة تفكيك السلطنة العثمانية والغرق في قرن من عدم الاستقرار. أما اليوم العودة إلى العثمانية، جديدة أو قديمة، لن يستقيم مع الشعور القومي العميق لدى جماهير العرب. ومدخل التغيير يكون في مراجعة القيادة التركية لسلوكها في سورية. فهل تستطيع القيادة التركية استيعاب تلك الحقيقة وعدم الاستمرار في حالة الانكار؟

فهذه التوجّهات نحو الشرق والمحيط العربي والاسلامي محفوفة بالمخاطر. المخاطر داخلية أولا. فهل يستطيع اردوغان أن ينتفض بشكل كلّي على إرث كمال اتاتورك في تغريب تركيا؟ هناك في الدولة العميقة في تركيا من يعتقد أن العلاقة مع الغرب هي طريق الخلاص. لكن حملات التطهير التي حصلت داخل القوّات المسلّحة وجهاز القضاء والتعليم أسست لترسيخ مفاهيم جديدة. غير أن التنوّع التركي في مكوّناته قد يشكّل عقبة في التوجّه إلى الشرق خاصة وأن فئات وازنة من المجتمع التركي تعتبر أنها مغبونة. فهل تصبح راس حربة لتقسيم تركيا إلى دويلات عرقية أو مذهبية؟

أما على الصعيد الخارجي فمن الصعب أن يستسلم الغرب إلى التوجّهات التي ترسم. حاول الغرب دعم انقلاب لكنه فشل. لكن من يضمن أنه لن يجرؤ مرّة ثانية وثالثة طالما الوضع الداخلي غير محصّن؟ وتحصين الوضع الداخلي لن يتّم عبر المزيد من القمع والإقصاء بل عبر الانفتاح والمشاركة الفعلية لمكوّنات المجتمع التركي. فهل يستطيع أو بل هل يريد ذلك الرئيس التركي رجب اردوغان؟ هذه مجمل الأسئلة والخيارات الممكنة التي تواجه تركيا في المستقبل القريب.

Advertisements

ماذا سيبقى من الولايات/الدول الأمريكية متحدة بعد 25 سنة؟ – د.زياد حافظ

United-States

ماذا سيبقى من الولايات/الدول الأمريكية متحدة بعد 25 سنة؟

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

5/11/2017

جاء في مقال هام جدّا، يوم الجمعة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، للصديق الأستاذ ناصر قنديل رئيس تحرير صحيفة “البناء” بعنوان مستقبل الجيوش العربية، أن الكيان الصهيوني قلق من التحوّلات في دول محور المقاومة. فهذه التحوّلات تربك الكيان وأن الحرب معه قادمة سواء كان هو البادئ أم لا. ويختم المقال بسؤال وجّهه إلى ثلاث شخصيات قيادية ذات صلة بالعمل العسكري والأمني، وهو هل من تصوّر نهائي لصيغة التسويات في المنطقة؟ ونقتبس منه أنه “كان جوابهم واحدا، كل شيء تقريبا واضح ومحسوم، والذي يؤخّر هو عقدة الإصرار الأميركي على ضمان “امن إسرائيل”، واستحالة الحصول على هذه الضمانة”.

استوقفتنا تلك الجملة لأنها مبنية على تقدير اللحظة القائمة دون استشراف ما يمكن أن يحصل في المستقبل. فمنطلق التقييم هو أن الولايات المتحدة الأميركية واقع ثابت لا تغيير فيه في المستقبل القريب أو المتوسط. لا تأخذ هذه التقييمات بعين النظر التراجع في المحافل الدولية. وهذا التراجع في الخارج أسبابه داخلية كما خارجية. في هذه النقطة بالذات، أي الأسباب الداخلية، نعتقد أن ذلك التقييم يغيب عنه عدّة نقاط مفصلية كنّا قد أشرنا إليها في عدد من المقالات والأبحاث. مفاد الأمر أنه هناك مؤشرات جدّية نحو تفكّك أو حتى تشظّي الولايات المتحدة إلى عدة تكتّلات. وتتراوح التكتلاّت الممكن إقامتها بين خمسة أو تسعة مجموعات من الولايات/الدول.

بالمناسبة لا نفهم الإصرار على ترجمة الوحدات المكّونة للجمهورية الأميركية إلى ولايات بينما المصطلح الإنكليزي المستعمل هو “دولة”، أي هناك الدول المتحدة لأميركا (الترجمة الحرفية). فكل “دولة” لها كونغرس مكوّن من مجلس ممثلين أو نوّاب ومجلس شيوخ. وحاكم “الدولة” له صلاحيات شبيها بصلاحيات رئيس الدولة الاتحادية.

في مطلق الأحوال، وبغض النظر عن الجدل حول التسمية، هناك نزعات انفصالية جادة داخل الاتحاد. صحيح أنها لم تصل إلى نقطة اللارجوع ولكنها تسير على خطى تتصاعد وتيرتها مع كل إدارة جديدة تصل إلى الحكم. وإذا لا بد من التذكير بهذه المؤشرات فإنها تعود إلى عدّة عوامل موضوعية وذاتية.

أولى المؤشرات هي التحوّلات في بنية الرأس المالية الأميركية التي كانت ركيزة الاقتصاد الأميركي والتي تلازمت مع بنية سياسية ومؤسسات أنتجتها وحمتها لفترة امتدّت على مدى قرنين من الزمن. فالتحوّل الذي حصل هو تحوّل من رأسمالية إنتاجية أنتجت السلع والخدمات التي صدّرتها للعالم إلى رأسمالية مالية تنتج ثورة افتراضية محصورة بيد القلّة وعلى حساب الطاقة الإنتاجية الفعلية التي خلقت طبقة وسطى تحمي الاستقرار في البلاد. هذا التحوّل أضعف العلاقة مع الدولة-الأمة التي كانت حاضنة الرأسمالية الإنتاجية عبر تهميش وصولاً إلى الإلغاء النسبي للطبقة الوسطى. أما النظام الجديد للرأسمالية المالية فيفرض تجاوز سيادة الدول بما فيها سيادة الولايات/الدول المتحدة في أميركا لصالح الشركات العملاقة المالية والخدماتية. من هنا كانت سياسية إضعاف المؤسسات الدستورية والتراجع عن التشريعات المنظّمة والقيود على التعامل. رافق كل ذلك تفشّي الفساد في مختلف مكوّنات الحكومة وهذا ما سنعرضه لاحقا.

ثانياً: رافق كل ذلك أيضا تغييرات في البنى السكّانية حيث الأكثرية البيضاء الانكلوبروتستنتية تتراجع أكثريتها العددية في عدد من الولايات الجنوبية الغربية للدولة الاتحادية لمصلحة أكثرية منحدرة من أصول اسبانية وكاثوليكية. وهذه الولايات/دول تضم كل من تكساس وكولورادو ونيومكسيكو واريزونا وجنوب كاليفورنيا، وهي دول وازنة سكّانيا واقتصاديا وجغرافيا. الإحصاءات السكّانية تشير إلى أن السكّان المنحدرين من أصول اسبانية أصبحوا الأكثرية في المدن الكبرى والولايات/الدول الأميركية في الجنوب الغربي. ويتوقع المراقبون أن عدد السكّان البيض في كافة البلاد لن يتجاوز الخمسين بالمائة عام 2040، أي فقدان الأكثرية البيضاء. فكل هذه التحوّلات السكانية إن لم يتم استيعابها بشكل هادئ فستهدّد تماسك المجتمع الأميركي. هذا ما يدفعنا إلى القول إن النظام السياسي القائم في الولايات/الدول المتحدة الأميركية لم يعد قادرا على مواكبة تلك التطوّرات. فحكم المال هو المسيطر على الحياة السياسية الأميركية سواء عند الجمهوريين أو عند الديمقراطيين. وبالتالي فإن الأقلّيات في الولايات/الدول عاجزة، حتى الآن وفي المدى المنظور، عن أن تحصل على حصّتها من “الحلم الأميركي” بشكل يعكس تلك التحوّلات.

كما أن مكوّنات المجتمع الأميركي مهدّدة بالمزيد من التفكّك بسبب تفكّك الأسرة، الوحدة الأساسية لأي مجتمع. نذكر هنا أن تعداد السكّان الذي يحصل في بداية كل عشرية أوضح أن في عامي 2000 و2010 شهدت البنية الأسرية تحوّلات خطيرة تنذر بتفكّك المجتمع الأميركي. هذه الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من خمسين بالمائة من الوحدات السكّانية التي يوجد فيها أطفال تفتقد إلى أحد الأبوين، وفي غالبية الأحوال إلى الأب أو ربّ العائلة. وبالتالي لا عجب من مظاهر تفكّك العائلة تفشّي المخدّرات وعدم إكمال السنوات الدراسية وإنجاب الأطفال خارج الإطار الأسري.

ثالثاً: من جهة أخرى هناك العنصرية المتفشية والتي لم يعد لها، على ما يبدو، من كوابح. تشير الإحصاءات الأخيرة أن أكثر من 1000 شخص من السود الأميركيين قتلوا علي يد الشرطة وذلك في الثمانية الأشهر الأولى من عام 2017، أي أكثر من ضحايا عمليات “الإرهاب” التي تزعم القيادات الأميركية أنها تحاربها في الولايات/الدول المتحدة وفي الخارج، بينما الإرهاب الرسمي إذا جاز الكلام يزداد يوما بعد يوم فيها.

ومن الدلائل على أن العنصرية ظاهرة بنيوية وليست ظرفية إحصاءات المسجونين في الولايات/الدول المتحدة الأميركية وفقا لتقرير صدر في 14 آذار/مارس 2017 عن موقع “بريزون بوليسي انيشياتيف” أي المبادرة السياسية للسجون. فعدد المسجونين يتجاوز 2،3 مليون شخص وهو رقم قياسي في العالم. عدد السجون، من اتحادية، أو في الولايات، أو في المدن عام ،2017 وصل إلى 7461 سجن! نسبة المعتقلين السود هي 40 بالمائة بينما النسبة السكانية للسود في البلاد هي 13 بالمائة فقط. أما المنحدرون من أصول اسبانية، أي “اللاتينو” فنسبتهم السكّانية في الولايات/الدول المتحدة 16 بالمائة في البلاد بينما نسبة المسجونين توازي تقريبا نسبة السود (39 بالمائة). أي هناك انحياز في النظام الجزائي الأميركي ضد السود واللاتينو. فلا عجب أن الثقة أصبحت مفقودة مع السلطة عند الأقلّيات كما أن قوى الأمن تزداد تشدّدا وعنصرية تجاه الأقلّيات. لكن مجموع الأقلّيات لن يدوم “أقلّية” في مستقبل ليس بالبعيد فكيف ستواجه النخب الحاكمة ذلك الوضع؟ هذا ما أشار إليه سامويل هنتنغتون عن الخطر الذي يهدّد الأكثرية (الآن) الانكلوساكسونية البروتستنتية البيضاء.

كما لا يمكن أن يغيب عن بالنا تصريحات المرشّح ترامب المعادية للاتينو اتهمهم باللصوص والمغتصبين. تفيد الدراسات عن الموضوع أن ترامب كان يعبّر عن مشاعر العديد من الأميركيين البيض الذين انتخبوه في آخر المطاف. تأتي من بعدها أحداث شارلوتفيل في ولاية/دولة كارولينا الجنوبية والاشتباك العنصري الذي حصل بين متطرّفين من البيض ومعارضيهم من السود والبيض. تصريحات الرئيس ترامب التي تبرّئ أو تتعاطف مع العنصريين البيض كانت بمثابة رمي المزيد من الزيت على النار. تصريحات مدير مكتب الموظفين في البيت الأبيض جون كيلي في تبرير الحقبة العنصرية في القرن التاسع عشر دليل آخر على أن العنصرية ظاهرة بنيوية موجودة في كافة أروقة الحكم.

رابعاً: وهذا ما يقودنا إلى مشكلة جوهرية هو تفاقم الفجوة في اللامساواة بين مكوّنات المجتمع الأميركي. حركة “احتلال وال ستريت” أو حركة مناهضة “الواحد بالمائة” الذي يسيطر على ثروات البلاد ناتجة عن الشعور بعدم إمكانية ردم فجوة اللامساواة عبر المؤسسات الدستورية. فاللجوء إلى الشارع مؤشر عن الأفق المسدود عند من يطالب بتحسين الأوضاع عبر المؤسسات. في سياق اللامساواة يفيد الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي صاحب المؤلف الشهير عن اللامساواة في العالم أن نسبة الواحد بالمائة من الأثرياء يفوق دخلهم السنوي 1،3 مليون دولار حتى آخر 2016 بينما كان متوسط الدخل لتلك الفئة لم يتجاوز 423،000 دولار سنويا في مطلع الثمانينات، أي حوالي ثلاث أضعاف عما كان عليه الوضع. بالمقابل فإن طبقة الخمسين بالمائة السفلى من المواطنين ما زالوا يتقاضون ما يوازي 16،000 دولار سنويا وذلك منذ الثمانينات. كما أن احتمال الأطفال في هذه الأيام في تحقيق “الحلم الأميركي” تراجع من نسبة 90 بالمائة في الأربعينات في القرن الماضي إلى أقل من 50 بالمائة في العقد الثاني من الألفية الثالثة، أي أن طفلا فقط من أصل طفلين قد “ينجح” بالنيل من حصّته في “الحلم الأميركي”.

خامساً: فقدان الثقة بتحقيق الحلم الأميركي له تداعيات كبيرة منها تماسك المجتمع رغم كل المصاعب. فما كان ممكنا في حقبات سابقة في مواجهة تحدّيات ومخاطر قد لا يعود ممكنا. فالنزاعات الانفصالية في تصاعد وهذا ما وجدناه في الخطابات السياسية لعدد من القيادات السياسية التي هدّدت ويمكن أن تهدّد في المستقبل بالدعوة إلى الانفصال. هذا هو جوهر خطاب ريك بري، وزير الطاقة الحالي في إدارة ترامب، والحاكم السابق لولاية/دولة تكساس حيث هدّد أكثر من مرّة بانفصال تكساس إذا ما استمرّت الحكومة الاتحادية بالتدخّل في شؤون الولاية/الدولة. كما لا بد من الإشارة أن في كل استحقاق انتخابي للكونغرس الأميركي هناك محاولات في عدد من الولايات/الدول لطرح انفصال ولاية/دولة عن الدولة الاتحادية. لم تصل تلك المحاولات إلى نقطة اللارجوع إلاّ أنها في تنام مستمر يدعمها أيضا وجود ميليشيات تزداد عددا وعتادا. المسألة هي مسألة متى وليست مسألة إذا رغم كل التطمينات التي تظهر ما يدّل على وجود تلك النزعات وإلا لما كان من الضروري نفيها.

من أسباب الترهّل في البنية السياسية حكم المال والفساد. فبسبب المال تمّ تمركز الاعلام الأميركي بكافة اشكاله من صحف ومجلاّت ومحطات راديو وتلفزيون إلى استديوهات السينما إلى شركات مالكة له لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة بينما كانت في مطلع الثمانينات من القرن الماضي أكثر من خمسين شركة. لم يعد هناك تعدّد للآراء كما أنه يتم السكوت عن القضايا الأساسية لتي تهم المجتمع الأميركي والتي هي من صنع الشركات العملاقة والمجمّع المالي العسكري الصناعي. والتوجّه الحالي للاعلام هو نحو المزيد من اللبرلة الاقتصادية التي هي القاعدة الفكرية للعولمة التي تتجاوز الأوطان وتتناقض مع السيادة الوطنية.

وبسبب المال تمّ شرعنة الفساد المالي في الانتخابات عبر قرار من المحكمة الدستورية العليا في حكم شهير ومشين عام 2010 اعتبرت فيه أن الإنفاق المالي وسيلة من بين وسائل التعبير التي يصونها الدستور الأميركي. لذلك أصبح المرشّح لأي منصب حكومي، سواء على المستوى المحلّي أو الاتحادي مدينا بوجوده في المنصب إلى من موّله أو قد يموّله في الاستحقاق الانتخابي التالي. إفساد القضاء من إفساد العملية السياسية وهذا ما ينذر بالانهيار الكبير حيث المبادئ وحكم القانون أصبح مجرّد “وجهة نظر” قانونية يمكن نقضها في أي وقت كان إذا ما أرادت ذلك الجهات صاحبة المال والنفوذ.

ومع تمركّز الإعلام في يد القلّة المسيطرة تتزايد معالم الفساد في كافة المجالات حيث إمكانية المحاسبة والمسائلة تصبح مهمّشة إن لم تكن معدومة إذا ما تعارضت مع مصالح الشركات التي تملك الإعلام. وبالتالي يصبح الفساد في سلوك الشخصيات القيادية مادة لإلهاء المواطن، وذلك لتدمير أي ثقة بقائد أو مُصلح. فالإعلام المهيمن مليء بفضائح جنسية للشخصيات البارزة سواء في الاعلام أو في السينما ناهيك عن عالم السياسة والاقتصاد. والفساد الأخلاقي أصبح “ميزة” في السلوك للنخب الأميركية صاحبة القرار، وربما شرط ضرورة للوصول إلى المنصب ولكن بشكل ضعيف أو قابل للرضوخ لمختلف الضغوط. نذكّر هنا بالفساد الأخلاقي للرئيس السابق بيل كلنتون فكان من ساهم في تفكيك القيود المنظّمة للمؤسسات المالية التي انطلقت بعد ذلك في إنتاج الثروات الافتراضية. أما زوجته هيلاري المرشّحة الفاشلة (مرّتان) في الانتخابات الرئاسية فإنها تواجه هذه الأيام عاصفة الفضيحة في قيادة الحزب الديمقراطي وكيف تمّ استعمال أموال الحزب لإقصاء منافسها للتسمية الرئاسية برني سندرز، ولترتيبات ملفّات مزيّفة بحق منافسها دونالد ترامب. كما أن الأخير يواجه حملات تنتقد صفقاته مع روسيا قبل الانتخابات وخلال الانتخابات الرئاسية إضافة إلى التستّر عن كشف حساباته والضرائب المفروض أن يدفعها للخزينة الأميركية. أما الرئيس السابق باراك أوباما فيتبيّن اليوم أنه كان رجل المؤسسات المالية الذي لم يلاحق المسؤولين عن الفضائح المالية والخسارات الباهظة في أزمة الرهونات العقارية. وتشير وسائل الاعلام بأنه يتقاضى اليوم مبالغ خيالية قد تصل إلى 400 ألف دولار لإلقاء محاضرات تدفعها المؤسسات المالية. هذا نوع من الرشوة المؤجّلة لخدمات مسلّفة من قبل الرئيس السابق.

لذلك نعتبر إن التردّي المزمن والمستمرّ في مستويات القيادة والنخب الحاكمة أو الطامحة للحكم ينذر بعدم قدرة مطلوبة على مواجهة التحدّيات التي تواجه الولايات/الدول الأميركية المتحدة.

هذا لا يعني أن أميركا ليست لديها مصادر قوة، غير أنها في تراجع:

أولاً: أحد مصدر قوة الولايات/الدول المتحدة في أميركا القوّات المسلّحة، أو على الأقل هذا ما يتمّ ترويجه في مختلف وسائل الإعلام الأميركية وغير الأميركية. صحيح أن القوّة النارية كبيرة تستطيع تدمير المعمورة آلاف المرّات لكنها عاجزة عن صرفها في السياسة. لم تربح الولايات المتحدة أي حرب مع خصم وازن، بل خسرت ضد من كان أضعف منها على الورق ككوريا الشمالية في أوائل الخمسينات أو الفيتنام في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لم تفلح في أفغانستان ولا في العراق ولا في الصومال ولا في لبنان ولا في اليمن ولا حتى في سورية. تستطيع أميركا أن تقتل وتدمّر ولكنها لا تستطيع أن تنتصر إلاّ في المسلسلات والأفلام الهوليوودية. جهوزية القوّات المسلّحة لخوض حرب طويلة المدى أمر مشكوك فيه كما تصرّح القيادات العسكرية الأميركية في جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي (شباط/فبراير 2017).

ثانياً: المصدر الثاني لقوّة أميركا هي سيطرتها على شرايين المال في المبادلات الدولية. لكن ما تقوم به دول البريكس وخاصة كل من الصين وروسيا سيخفّض من هيمنة الدولار وبالتالي السيطرة على الشرايين المالية وذلك في فترة لن تكون طويلة كما يتصوّره البعض. لكن حتى الآن تستطيع أميركا أن ترعب وترهب دولا صغيرة وضعيفة سياسيا كلبنان ولكن ذلك الضعف ليس مطلقا بل نسبيا. ومحدودية الترهيب الأميركي مرتبطة بحكمة خصومها في لبنان والمنطقة. الأيام والأسابيع المقبلة ستشهد مواجهات بين أميركا وحكومة الرياض من جهة والمقاومة ومحورها. الوضع خطير ولكن غير مقلق كما يتوهّم البعض. في النهاية السلبية تجاه لبنان ستدفع إلى تزايد نفوذ الجمهورية الإسلامية وروسيا والصين وذلك على حساب أميركا وحكومة الرياض ومن يدور في فلكهما.

ثالثاً: أما الاقتصاد الأميركي الذي ما زال حجمه من أهم الأحجام الاقتصادية في العالم غير أن بنيته الإنتاجية في تراجع. فسياسات العولمة المتبعة منذ سبعينات القرن الماضي أدّت إلى إعادة توطين الصناعات خارج أميركا إضافة إلى استبدال القطاع الخدماتي والمالي بالاقتصاد الإنتاجي. فالبطالة متزايدة رغم الإحصاءات غير الدقيقة التي تنشرها الحكومة الأميركية. فالمرشّح ترامب نقض تلك الإحصاءات التي كانت تروّج لها إدارة أوباما بأن مستوى البطالة انخفض إلى حوالي 5،5 بالمائة بينما أدّعى ترامب أن مستوى البطالة أكثر من 12 بالمائة وفي بعض الأماكن وصل إلى 20 بالمائة. طريقة احتساب البطالة المعتمدة هي طلبات تعويض عن فقدان العمل. لكن هذه الطلبات مدّتها محدودة وانخفاض الطلبات لا يعني انخفاض البطالة التي ما زالت مخفية وغير معلنة رسميا.

رابعاً: تراجع مستوى التعليم وخاصة في العلوم والرياضيات في المدارس الثانوية (انحدار إلى مرتبة 17 في العالم عام 2016) ينذر بتراجع قدرة الابداع العلمي. وإذا كانت أميركا الرائدة في الإبداع التكنولوجي إلاّ أنها لم تعد الوحيدة في العالم. فدول الشرق الآسيوي أصبحت تنافسها بشكل جدّي لها بل يمكن القول إن المعرفة لم تعد حكرا على الغرب وعلى الولايات/الدول المتحدة في أميركا بل عادت إلى الشرق مصدرها الأول تاريخيا.

هذه بعض العوارض التي تنذر بضعف الولايات/الدول المتحدة في أميركا، أو على الأقل ما يوجب عدم المبالغة بقدرتها في تغيير المعادلات التي تحصل خارجها وبعيدا عن إرادتها كما يحصل في الشرق ومجوعة البريكس ومحور المقاومة. كل ذلك ممكن تجاوزه اميركيا لو كانت النخب الأميركية متحرّرة من قبضة المال الذي أصبح يسيطر على المؤسسات الفكرية كالجامعات ومراكز الأبحاث ومؤسسات الدولة العميقة والأمنية. فالمطلوب الآن من قبل النظام القائم شخصيات لا تستطيع “تجفيف” المستنقع فمن يحاول ذلك يتّم الضغط عليه للإطاحة به حتى يرضخ كما يحصل الآن مع ترامب أو يتم اغتياله كما حصل مع الرئيس جون كندي كما بدأت تظهره وثائق وكالة المخابرات المركزية التي أفرج عنها منذ بضعة أسابيع.

عودة إلى مطلع المقال، فلا نرى لماذا الإصرار على انتظار “ضمانة أمن الكيان الصهيوني” من قبل الولايات/الدول المتحدة الأميركية؟ ألم يصبحوا أوهن من بيت العنكبوت رغم كل مظاهر القوّة؟

أبعاد أحداث كتالونيا – زياد حافظ

tampon1

أبعاد أحداث كتالونيا

زياد حافظ*

*أمين عام المؤتمر القومي العربي

29 تشرين الأول/نوفمبر 2017

المتابع الظرفي لأحداث كتالونيا يخرج بانطباعات متضاربة. فمن جهة هناك تعاطف مع مبدأ حق تقرير المصير خاصة وأن الشعب الكتالوني لم يسلّم عبر التاريخ باندماجه في وحدة جغرافية أكبر نعرفها اليوم كإسبانيا. من جهة أخرى هناك تساؤلات حول توقيت الاستفتاء ثم الإعلان عن الاستقلال كما هناك علامات استفهام حول مواقف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لكن هناك أبعاد متعدّدة لأحداث كتالونيا بغض النظر لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد. هذه الأبعاد تتعلّق بطبيعة الحال بإسبانيا ككيان سياسي وعضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، كما أنها تتعلّق بمستقبل الاتحاد الأوروبي فيما لو تكرّرت الحالات الانفصالية في عدد من الدول الأوروبية وما يمكن أي يؤثّر على تماسك الحلف الأطلسي في مواجهة الشرق الذي يعتبر الأخير خطرا وجوديا عليه.

وما يحصل في كتالونيا يشبه ما حدث في إقليم كردستان. فدول الجوار غير موافقة على استقلال الإقليم والاتحاد الأوروبي غير مؤيّد (على الأقل حتى الآن) لاستقلال كتالونيا رغم تصريح الأخير بالانضمام إلى الاتحاد. من جهة أخرى هناك تساؤلات حول مصداقية الاستفتاء التذي حصل في كتالونيا شبيهة بالتساؤلات حول استفتاء الإقليم. فنسبة الاقتراع في الاستفتاء في كتالونيا كانت متدّنية نسبيا حيث لم تتجاوز 47 بالمائة، أي أن الامتناع عن المشاركة في الاستفتاء يشير أن هناك أكثرية غير مقتنعة أو غير مكترثة بالدعوة إلى الانفصال والاستقلال. أما بالنسبة لإقليم كردستان فقد تبيّن أن القوى السياسية لم تكن على رأي واحد بالنسبة للدعوة إلى الاستقلال ما أدّى إلى تراجع كبير لمواقف قيادة الإقليم والخروج من كركوك الغنية بالآبار النفطية ما شكّل ضربة قاضية حول جدوى الاستمرار بالمغامرة الانفصالية.

أما في كتالونيا فالدعوة إلى الانفصال يثير تساؤلات. صحيح أن هناك مطالبة مزمنة من قبل قوى وازنة في كتالونيا للاستقلال لكن هناك دلائل أن القيادة الداعية للاستقلال وقعت في نفس الخطأ التي وقعت فيه قيادة الإقليم، أي سوء التقدير لموازين القوة. فمن جهة لم تأخذ تلك القيادة بعين الاعتبار مواقف دول الجوار والقوى الدولية. كما أنها بالغت بقدراتها الاقتصادية على الاستمرار حيث الاقتصاد الكتالوني يشكّل ما يوازي 20 بالمائة من الناتج الداخلي الاسباني. فالمؤسسات العاملة في كتالونيا مزدهرة ما أدّى إلى شعور بفائض القوة عند القيادات الانفصالية في إمكانية ابتزاز الحكومة المركزية. والمعلومات التي بدأت تظهر تفيد بأن عددا من المؤسسات الاقتصادية قرّرت الخروج من كتالونيا.

لكن ما يهمّنا هنا وبغض النظر عن الأسباب والظروف التي أدّت إلى نشأة تلك الأزمة هو التفكّر حول الحركات العميقة التي تدفع إلى قرارات قد تكون عبثية ومدمّرة. في رأينا، فإن الأزمة الكتالونية دليل على وجود أزمة عميقة في البنية السياسية الغربية والتوجّه الاقتصادي لقيادات دول الغرب إضافة إلى رداءة نوعية تلك القيادات وفسادها، وإلى بروز ثقافة نخبوية غير متجانسة مع تطلّعات الشعوب. فعلى الصعيد السياسي، هناك فجوة متفاقمة بين القيادات والنخب والجماهير شبيهة بما يحصل في الوطن العربي. لكن المفارقة أن القيادات والنخب في الوطن العربي معظمها فاقدة لشرعية شعبية بل ناتجة عن شرعية أوجدها الاستعمار القديم والجديد، بينما القيادات في الغرب كانت في البداية ناتجة عن شرعية شعبية أولدتها أنظمة سياسية ادّعت أنها ديمقراطية. لن نسترسل في تفاصيل الأنظمة السياسية إذا ما كانت ديمقراطية حقيقية أو إذا ما تمّ خطف البرنامج السياسي من قبل القوى الضاغطة صاحبة مصالح خاصة وليست بالضرورة متطابقة مع المصلحة العامة، فإن ما يهّمنا في هذه المداخلة إبراز بعض الظواهر الملفتة.

أولى هذه الظواهر هو تبنّي نموذج اقتصادي طابعه نيو ليبرالي يعتمد على الرأس المال المالي وإنتاج الثروة الافتراضية عبر المضاربات المالية التي تولد الريع بدلا من قيمة مضافة. كما أن الفائض ليس فائضا حقيقيا بل هو فائض افتراضي. وهذا النموذج اعتمد المؤسسات المالية وقطاع الخدمات بدلا من القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة. هذا لا يعني الإهمال لذلك القطاعين بل الأفضلية تذهب إلى القطاعات المالية بمعنى أن التشريعات التي تقوم بها القيادات السياسية هي لخدمة الرأس المال المالي والأسواق المالية وإن كان على حساب القطاع الإنتاجي. المؤشر الفعلي ل “صحّة” الاقتصاد الوطني هو واقع الأسواق المالية وليس الإنتاج الفعلي الذي أصبح منفصما عن واقع السوق المالي. هذا التوجّه أوجد سياسات، ومن ورائها ثقافات، تتجاهل الحدود بين الدول والمجتمعات وتهدف إلى فرض نمط واحد على سلوك الشعوب. فالأخيرة عليها أن تتحوّل من شعوب إلى مستهلكين لا رأي لهم غير الاستهلاك وفقا للتوجّهات التي تسوّقها القيادات السياسية.

نتيجة لذلك نشأت ثقافة تتجاهل مطالب الشعوب بشكل عام كما تجاهلت شعور هذه الشعوب خاصة فيما يتعلّق بالهويات الفرعية أو حتى الوطنية. فالدول الغربية ليست دول “صافية” الأعراق بل مركّبة. هذا التركيب حصل عبر تراكمات التاريخ الذي لم يلغيها كما اعتقد البعد. غير أن اليوم هناك من يريد إلغاء حتى الهويات الوطنية الجامعة. فالرئيس الفرنسي ماكرون يتحدّث بصراحة عن أولولة الهوية الأوروبية على حساب الهوية الفرنسية. ورئيس وزراء اسبانيا ماريانو راخوي اعتبر أنه لا يجوز تجاوز تعليمات الاتحاد الأوروبي. العولمة أصبحت عقيدة عند القيادات النيوليبرالية. أضف إلى ذلك موجة النازحين والمهاجرين من الشرق الأوسط وإفريقيا عزّزت الشعور بالهويات المهدّدة ما ساهم في صعود حركات اليمين المتطرّف.

فالقيادات الكتالونية الداعية إلى الانفصال تعتبر أنها “تدفع” من ثرواتها أكثر مما يجب لحساب المناطق ألأقلّ ثراءً. نرى نفس الشعور في مناطق إيطاليا الشمالية التي تعتبر جنوب إيطاليا عبئا عليها وبالتالي تطالب بالانفصال. فعلى ما يبدو فإن الدعوات الانفصالية في الغرب ليست مرتبطة بالضرورة بشعور “قومي” أو الحفاظ على هوية مهدّدة بالطمس بل لأسباب أنانية اقتصادية. فالنظام النيوليبرالي أفرز طبقات تشعر بأنها غير ملزمة بتحمّل أعباء شرائح مجتمعية أقلّ ثراءً منها. كما أنه أفرز شعورا بفقدان الهوية والاحساس بهدف نبيل يتجاوز الاعتبارات المادية.

ليس هناك ما يدلّ على وعي عند القيادات السياسية بأبعاد المشكلة التي تهدّد تماسك المجتمعات وبالتالي الاستقرار الذي هو شرط ضرورة للاقتصاد الافتراضي. هناك موجة متصاعدة عند الحكومات الغربية النيوليبرالية في قمع مطالب الطبقات الوسطى والعمّالية. كما أنه هناك تحرّك من قبل هذه الحكومات نحو الإلغاء التدريجي لمكاسب نشأت عن دولة الرعاية والرفاهية للتجانس مع سمات الحالة الأميركية. كل ذلك يؤدّي إلى ردود فعل متعدّدة الأشكال والأبعاد، منها الحركات الانفصالية بغض النظر عن طبيعتها السياسية أو الاقتصادية.

من تداعيات تلك الدعوات الانفصالية إضعاف الحكومات المركزية وربما هذا هو بيت القصيد. الدولة الاسبانية مثقلة بالديون ونظرة الاتحاد الأوروبي لها سلبية بشكل عام. هذا هو شعور الاتحاد الأوروبي تجاه اليونان والبرتغال وايطالي حيث تمّ وصف تلك المجموعة بمجموعة “بيغز” (الحرف الأول لهذه الدول) ما يعني “خنازير”. صحيح أن الاتحاد الأوروبي لم يدعم الانفصال على الأقل لفظيا وتضامن مع الحكومة المركزية الاسبانية. لكن بالمقابل لن تخرج الحكومة المركزية قوية من تلك المجابهة مع مقاطعة كتالونيا وإن انتصرت عليها بالمدى القريب. فضعف الحكومة المركزية سيمكّن الاتحاد الأوروبي من فرض المزيد من القيود على اسبانيا لجهة المزيد من القرارات والتشريعات التي تدعم المؤسسات والشركات المعولمة وعلى حساب قطاع العمّال. القاعدة الفكرية للعولمة هو مكافأة الرأس المال المالي على حساب العمل والعمّال. والتشريعات التي نشهدها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا ستؤدّي إلى المزيد من إضعاف الحركة العمّالية في مطالبة حصّتها من الفائض الافتراضي.

يرافق كل ذلك عسكرة المجتمعات عبر إعطاء صلاحيات قمعية أوسع لقوى الأمن. فالمواجهات العنيفة بين الشرطة المركزية في اسبانيا والمشاركين في الاستفتاء لم تكن مبرّرة حسب العديد من المراقبين. نشهد مجابهات مماثلة في فرنسا بين السلطة والقطاع العمّالي. هذا يعني أن اسبانيا ومعها عدد من الدول الأوروبية دخلت زمن الأزمات البنيوية في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (IV) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (IV)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

التحوّلات الميدانية في كل من العراق وسورية ستشكّل قاعدة للتحوّلات السياسية في المشرق العربي بشكل مباشر.  فالتلاقي الميداني بين قوات الجيش العربي السوري وحلفائه وفي طليعتهم المقاومة مع قوات الجيش العراقي وحلفائه على الحدود له دلالات عديدة.

أولا-أن التلاقي هو الرد القومي على تجاوز مفهوم الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية والذي حاول تسويقه مشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام على حد زعمه.  فالتلاقي على الحدود يكرّس وحدة الدم العربي في مواجهة المشاريع التقسيمية والتفتيتية التي يحاول الحلف الصهيوأميركي فرضه على بلاد الشام وبلاد الرافدين. وهذا التلاقي يحاكي ويشفي غليل المواطن العربي الذي ينادي إلى وحدة الصف والموقف والتكامل تمهيدا عند تسمح الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق الوحدة، حلم أبناء الأمة.

ثانيا-إن تصريح القائد الميداني لقوّات حزب الله على الحدود السورية العراقية وتأكيده على عروبة العراق هو الرد الميداني على ما حاول المحتل الأميركي تحقيقه في نزع عروبة العراق عن دستوره.  كما هو تأكيد على إفشال تقسيم العراق إلى كيانات مذهبية متناحرة.  فالعروبة تجمع أبناء الأمة بينما الطروحات الأخرى تفرّق بينهم.

ثالثا-إن تأكيد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أن الرئيس السوري بشّار الأسد هو القائد لمحور المقاومة يؤكّد أولا على قومية المعركة في وجه جماعات التعصّب والغلو والتوحّش، وثانيا، أنها تنفي الادعاءات المشكّكة في الدور العربي لمحور المقاومة.  فالتحالف مع الجمهورية الإسلامية في إيران هو تحالف ندّي وليس تحالفا تابعا لأي جهة إقليمية أو دولية.

رابعا-إن قرار الرئيس السوري بالتوجّه نحو “الشرق” على صعيد السياسي والاقتصادي يشكّل نقلة نوعية مفصلية قد تُخرج نهائيا الغرب من التأثير في الأقطار العربية في منطقة شرق الأوسط.  إن التلاقي الميداني السوري العراقي يواكب التلاقي السوري مع العمق الآسيوي أولا مع إيران وثانيا مع دول البريكس.  هذا التلاقي يربط بحر الصين ببحر المتوسط بشك غير منقطع رغم محاولات الولايات المتحدة في قطعه بتواجده المتعثّر في أفغانستان.

هذا الصمود ثم النصر التاريخي والأسطوري بدأت انعكاساته على المحور المناهض لمحور المقاومة.  فالسجال المؤسف الذي شهدنا في اجتماع على مستوى المندوبين في الجامعة العربية يعيدنا إلى ما شهدناه منذ ست سنوات عندما تمّت مخالفة ميثاق الجامعة بتعليق عضوية دولة مؤسسة لها أي الجمهورية العربية السورية.  إن السياسات العبثية التي اتبعتها بعض الدول الخليجية بدءا من تغطية احتلال العراق إلى تغطية العدوان الأطلسي على ليبيا إلى العدوان الوحشي على اليمن والعدوان الكوني على سورية أتت أكلها.  فمن استثمر في احتلال العراق وفي الفتنة المذهبية يحصد ما زرعه من مأسي وخيبات أمل وتراجع في المصداقية والنفوذ.  وهذا التراجع قد ينعكس سلبا في داخل هذه الدول التي استسهلت المراهنة على الخارج.  هذا المشهد لا يُفرحنا بل يؤلمنا.  والجامعة العربية مدعوة اليوم قبل غدا أن تقوم بمراجعة جذرية وجريئة لسياساتها منذ تغطيتها لاحتلال العراق حتى الساعة.  ولا تكتمل هذه المراجعة في المؤسسة وفي الدول المؤثرة فيها إلاّ بعد الرجوع إلى مقاومة الغرب والكيان الصهيوني.  كما أن المراجعة داخل الجامعة العربية يجب أن يترافق بمشاركة الشعوب فجامعة الدولة العربية مقتصرة على الحكومات وتقصي الشعوب وهذا لم يعد ممكنا.

إن التحوّلات في العراق وسورية ستكون حبلى بتطورات على الصعيد السياسي والاقتصادي في المشرق العربي.  فعلى الصعيد السياسي فإن التلاقي الميداني بين القواّت العراقية وحلفائها مع الجيش العربي السوري والمقاومة وحلفائه يعني أن أي مغامرة قد يقدم عليها الكيان الصهيوني أو حتى الولايات المتحدة والحلف الأطلسي سيواجه بطاقات بشرية ومادية من كل قطر عربي.  هذا هو فحوى رسالة أمين عام حزب الله في أحد خطاباته الأخيرة محذّرا العدو وحلفائه من أي حماقة.  فالجبهة الشرقية التي حاولت الدول العربية في الستينات إيجادها أصبحت قائمة وهذا ما يقلق الكيان الصهيوني.

من التداعيات السياسية أنهاء حالة النفور بين الدولة اللبنانية والجمهورية العربية السورية علما أن شرائح وازنة في تكوين الكيان اللبناني لم تقطع علاقاتها مع سورية رغم سياسة “النأي بالنفس” العبثية.  موازين القوة تغيّرت والمصلحة اللبنانية تقضي بالتفاهم مع الدولة السورية.  وقد بدأت ملامح التغيير في المشهد السياسي اللبناني حيث رموز التشدّد تجاه سورية بدأت بمراجعة مواقفه للحفاظ على مصالحها.  كذلك الأمر بالنسبة لحكومة الأردن التي تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع سورية.

ولا بد لنا من الإشارة أن النصر الذي يتحقّق أمامنا سيكون له انعكاسات كبيرة على الصراع مع الكيان الصهيوني.  فنهج المقاومة ينتصر في لبنان وسورية والعراق، وبطبيعة الحال في فلسطين.  نتوقّع نقلات نوعية في نهج المقاومة في فلسطين بعد ترتيب البيت الداخلي وعودة بعض الفصائل إلى نهج المقاومة وليس التفاوض.  فما زالت اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم منذ خمسين سنة صالحة اليوم.

وإذا ربطنا هذه التحوّلات مع التصدّع في مجلس التعاون والعودة التدريجية لدور مصر فإن ملامح نظام عربي جديد بات على الأبواب.  غير أن التغيير المرتقب يحتاج إلى عمل دؤوب لتكريس استقلالية ذلك النظام وتحصينه من اختراقات التطبيع والتبعية.  فما كان مستحيلا منذ فترة وجيزة أصبح ممكنا بل واجبا.  فهذه هي مسؤولية النخب العربية المسكونة بوحدة هذه الأمة ونهضتها.

أما على الصعيد الاقتصادي فورشة عملية إعادة إعمار خاصة بلاد الشام والتشبيك المرتقب مع بلاد الرافدين بالنسبة للبنى التحتية ستجعل المنطقة تشهد فورة اقتصادية لم تشهدها سابقا.  غير أن المشكّكين يثيرون مسألة التمويل الممسوك من المؤسسات المالية الغربية ما يعيد دخولها إلى المنطقة.  نعتقد أن البدائل للمؤسسات المالية الغربية موجودة وأن الإمكانيات متوفرة سواء من الصين أو الهند أو روسيا أو دول آسيوية أخرى تدور في فلك البريكس خاصة وأن كل من العراق وسورية تعومان على بحر من النفط والغاز.

في النهاية فإن النصر في سورية والعراق أمام الهجمة الكونية عليهما تحت عناوين جماعات التعصّب والغلو والتوحّش غيّر في المعادلة العربية والإقليمية والدولية.  يبقى استثمار هذا النصر لمصلحة شعوب المنطقة. ونختتم باقتباس ما جاء به الدكتور علي فخرو في مقال مثير قائلا: ” والآن، وبعد أن واجه القطران نفس المؤامرات، من نفس المصادر، بنفس أسلحة الغدر والخيانات من البعيد ومن الإخوة الأعداء القريبين، وبعد أن نجح كل ذلك في نشر الدمار والاقتلاع واضطرار الملايين للخروج إلى منافي الضياع وفي معاناة ستة ملايين من أطفال سوريا وخمسة ملايين من أطفال العراق من المرض والجوع والحرمان من الدراسة والتشرد في الشوارع، وبعد أن ضعفت الدولتان إلى حدود العجز أمام حركات الانفصال والتقسيم وإشعال الصراعات الطائفية والقبلية….. الآن وكلاهما يحصدان ما زرعه ضياع فرصة التوحيد التاريخية التي أشرنا إليها، فان السؤال (…) لا بد أن يطرح نفسه ويستدعي الجواب الواضح الصريح. السؤال: هل تعلم القطران الدرس، وهل سيستفيدان من عبر أوجاع وأهوال الجراح المتماثلة والمشتركة؟

بمعنى آخر هل سيحدثان زلزالاً استراتيجياً في الأرض العربية من خلال توجههما بخطي ثابتة، حتى ولو كانت تدريجية، نحو تبني وتنفيذ خطوات وحدوية في الاقتصاد والأمن الداخلي والخارجي والسياسة والعمالة والنظام المجتمعي المدني والتربية والتعليم وحقوق المواطنة، على سبيل المثال؟

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (III) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (III)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

عرضنا في المقال السابق بعض التحوّلات الدولية والإقليمية الناتجة عن التحوّلات الميدانية في كل من سورية والعراق. وكما ذكرنا سابقا فإن المشهد الدولي لا ينفصل عن المشهد الإقليمي والعربي. وكذلك الأمر بالنسبة للمشهد العربي. ففي السياق العربي نبدي الملاحظات التالية.

أولا-كانت الإنجازات الميدانية في كل من العراق وسورية إضافات عزّزت الدور الإيراني وعلى حساب دور حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وفي مقدمتهم دولة الكيان الصهيوني وفي الجزيرة العربية حكومة الرياض ومجلس التعاون الخليجي. ففي هذا السياق، نعتبر أن فعّالية مجلس التعاون ككتلة سياسية مهيمنة على المشهد السياسي العربي خلال العقد الماضي تراجعت بشكل ملحوظ بعد انفجار الأزمة بين حكومة الرياض وحكومة الدوحة.

ثانيا-إن قراءتنا لتلك التطوّرات تفيد بأن مصر لعبت دورا مفصليا في تحييد دور مجلس التعاون التي كانت تقوده حكومة الرياض. لذلك أصبحت حكومة الرياض مكشوفة وأضعف بعد الإخفاق المدوي في كل من اليمن والعراق وسورية وحتى في لبنان مع “تحرّر” نسبي لرموز لبنانية موالية لها من توجهّات كادت تبعدها نهائيا عن السلطة. ونضيف إلى كل ذلك تراجع سعر برميل النفط الذي أثّر بشكل مباشر وكبير على قدرة حكومة الرياض في الاستمرار في سياسة الانفاق الداخلي والخارجي العبثي في آن واحد. كما أن الابتزاز الأميركي لحكومة الرياض أفضى إلى شفط ما يقارب 450 مليار دولار من احتياطها المالي. وبغض النظر إذا ما تمّ دفع تلك المبالغ أو لا فإن الانطباع في مجمل الأوساط المراقبة هي تراجع القدرة المالية لحكومة الرياض في التأثير على القرار العربي بشكل عام وبالتالي على الصعيد الإقليمي والدولي.

دور مصر في إفشال قمة ترامب ونتائجها السياسية المرتقبة لتشكيل حلف أطلسي عربي سني في مواجهة إيران وتلقائيا محور المقاومة كان عبر الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في قمة الرياض التي جمعت قادة من الدول العربية والإسلامية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فمصر تستعيد تدريجيا وعلى خطى ثابته استقلالية قرارها السياسي. فمن جهة حافظت على التواصل والتفاهم مع حكومة الرياض حتى في المغامرة غير المحسوبة في العدوان على اليمن وعلى محاربة جماعات التعصّب والتوحّش والغلو التي دعمتها حكومة الرياض بشكل مباشر وغير مباشر. وبالتالي استطاعت أن تحيّد في الحد الأدنى حكومة الرياض تجاه توجّهات مصر وفي الحد الأقصى الاستفادة من المساعدات المالية. غير أن إصرار الرئيس المصري في خطابه في القمة على إدانة كل من يموّل الإرهاب فجّر العلاقة مع حكومة الدوحة، وبالتالي وحدة الموقف في مجلس التعاون. ومن المفارقات التي نتجت عن تلك القمة هي الانفصام في المواقف. فمن جهة كانت بعض قرارات تلك القمة إدانة لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله، ومن جهة أخرى فتحت مصر صفحة جديدة من العلاقات مع حركة حماس. فترميم العلاقة بين مصر وحماس يقلق الكيان الصهيوني وينسف نتائج قمة الرياض في حلف سني يخدم أهداف الكيان.

من جهة أخرى وبعد خمسين سنة على خروج مصر من اليمن تحت ضغط حكومة الرياض وما رافقها من شبهات بدور الأخيرة في العدوان الصهيوني على الجمهورية العربية المتحدة أصبحت مصر من يستطيع إخراج بلاد الحرمين من التعثّر في اليمن عبر احتواءها وليس عبر احتواء حكومة الرياض لمصر. قد ينقلب المشهد كلّيا وذلك بسبب حكمة ودقّة السياسة المصرية في الملفّات المعقّدة.

ثالثا-أما على صعيد علاقة مصر بالكيان الصهيوني فرغم كل التصريحات الرسمية بين الدولتين فهناك أنباء مصدرها وسائل الاعلام في الكيان الصهيوني تفيد أن صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتي تشمل تسليم 17 طائرة من طراز أف 35، هي لمواجهة “العدو” المصري! كما أن المشروع الصهيوني لربط المتوسط بإيلات عبر قناة يمر بالأردن هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري لأنه تعدّي مباشر على قناة السويس.

رابعا-إن قرار جامعة الدول العربية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في إنشاء لجنة مهمتها العمل على منع حصول الكيان الصهيوني على مقعد دائم في مجلس الأمن لم يكن ليحصل لولا مباركة مصر.

خامسا-إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العقيدة القتالية للجيش في جمهورية مصر العربية هي أن العدو هو الكيان الصهيوني، وبما أن الكيان لم يعد يخف نظرته العدائية لمصر ففي رأينا فإن الخط البياني للعلاقة بين مصر والكيان سيصل إلى تفريغ اتفاقية كامب دافيد من مضمونها في فترة قد لا تكون بعيدة. عندئذ يكتمل دور مصر في التوازن الإقليمي والدولي وعلى الصعيد العربي. وما قد يسرّع في ذلك التحوّل العداء الأميركي لمصر المتمثّل بقرارات الكونغرس الأميركي بتخفيض ملموس للمساعدات الأميركية وربطها بقرارات تمسّ السيادة المصرية. هذا ما لا تقبله مصر وقد يحرّرها من الجنوح إلى الولايات المتحدة. لم تصل الأمور حتى الآن إلى القطيعة مع الولايات المتحدة عير أن الحكومة المصرية بادرت منذ فترة بتبنّي سياسة التوازن وتنويع مصادر تسليحها ونسج علاقات مع البريكس التي تُوّجت بدعوتها لحضور القمة الأخيرة لها.

 

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (II) زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (II)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

أما على الصعيد الإقليمي فالدور المتنامي للجمهورية الإسلامية في إيران يشكّل تغييرا نوعيا في المعادلة القديمة التي كانت تضم كل من إيران الشاه وتركيا والكيان الصهيوني. فحتى تركيا بدأت تبلور خيارات تدلّ على توجهّ نحو الشرق بدلا من الغرب. قصر نظر الاتحاد الأوروبي في رفض انضمام تركيا إليه فرض ذلك التحوّل. والجمهورية الإسلامية في إيران كانت حريصة، مع حليفها الاتحاد الروسي، على احتواء تركيا وقد نجحا بالفعل. فخيارات تركيا تحت حكم اردوغان أصبحت محدودة ولا مفر من الانخراط في المحور الآسيوي الجديد. من هنا نفهم صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية S400 مع تركيا. الجدير بالذكر هنا أن الكيان الصهيوني حاول الحصول عليها وفشل كما فشل في منع بيعها إلى تركيا. فهل هذا تمهيد لخروج تركيا من الحلف الأطلسي؟

أما على صعيد الكيان الصهيوني فهو يسجّل التراجعات المتتالية. فصورة دولة التفرقة العنصرية التي يريدها الكيان أخسرته الكثير من التأييد الذي كان يحظى به في العديد من الدول الأوروبية وحتى في الولايات المتحدة. من جهة أخرى رضخ الكيان للمنتفضين في الأقصى وفي المعتقلات عبر إضراب الأمعاء الخاوية التي نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي العالمي بعد إخفاق الاعلام المهيمن الرسمي والمولي للكيان في نقل الصورة. المواقع الإلكترونية عديدة في العالم تندّد كل يوم بالأعمال الإجرامية التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني ما يساهم في تراجع التعاطف إن لم يلغه كليّا. ومن تجلّيات ذلك التراجع التصويت في إحدى هيئات الأمم المتحدة (اليونسكو) على أن لا حق لإسرائيل في مدينة القدس وخاصة الشق العربي من المدينة، وأن مدينة الخليل والحرم الابراهيمي جزء من التراث العالمي ولا يحق للكيان تغيير معالمهما. كما أن تعاظم حملة مقاطعة البضائع والاستثمار وفرض العقوبات بي دي أس في أوروبا والولايات المتحدة حتى ضمن الجاليات اليهودية دليل على تراجع مكانة الكيان الصهيوني وعدم فعّالية الدعاية الصهيونية.

من معالم التراجع الصهيوني تراجع الكيان في التأثير على مراكز القرار والنفوذ في العاصمة الأميركية. في مقال لموقع “فيترانز توداي” جاء فيه أن التصعيد الكلامي لقيادات الكيان ضد الجمهورية الإسلامية في إيران يعكس الهلع الذي يسود قيادة الكيان بعد تعثّر جهود نتنياهو في إقناع الإدارة الأميركية في ضرورة التدخّل العسكري في سورية. وموقع “فيترانز تودي” يعود لقدامى المؤسسات الاستخبارية الأميركية ويضّم أهم العقول والمحلّلين العسكريين والسياسيين. وهم على تناقض مع سياسات رموز الدولة العميقة التي يعرفونها جيّدا كونا كانوا جزءا منها في السابق وما زالوا على تواصل وثيق مع من يعمل داخلها حتى الآن. لذلك قراءتهم قراءات مدروسة ومبنية على معطيات ليست دائما في التداول وتتجاهلها عمدا وسائل الاعلام المهيمن عندما تتوفر. على سبيل المثال نذكر المقالات العديدة التي تفنّد مزاعم الإدارة والاعلام المهيمن في استعمال الجيش العربي السوري للسلاح الكيمياوي في مختلف محطّات الصراع في سورية.

وعلى ما يبدو فإن الرموز المؤيّدة للكيان داخل البيت الأبيض وداخل الإدارة وأروقة الكونغرس لا تستطيع إقناع من يمسك بمفاصل الدولة العميقة لتجيير قراراتها لمصلحة الكيان إلاّ بالحد الأدنى. فحتى الساعة لم يتم نقل السفارة الأميركية إلى القدس كما لم يقبل الرئيس الأميركي بمهاجمة سورية وإيران. أقصى ما يمكن أن يقدّمه هو المزيد من العقوبات على إيران دون المساس بالاتفاقية.

الخلاف في الأولويات واضح. إدارة ترامب تركّز على محاربة داعش بينما حكومة الكيان تعتبر أن “الخطر الإيراني” هو أكبر. جاء ذلك في مقالة لإيتمار رابينوفيتش على موقع “بروكنز”. رابينوفيتش كان في السابق سفيرا للكيان في واشنطن واليوم هو أستاذ جامعي. يشاطره في هذا الرأي قائد السلاح الجوي للكيان الصهيوني الذي يعتبر أنه يمكن التعايش مع داعش في سورية ولكن من المستحيل التعايش مع الجمهورية الإسلامية وحليفها حزب الله. إذا التباين واضح بين الولايات المتحدة والزعيق الصهيوني خير دليل أن وجهة النظر الصهيونية لا تجد آذانا صاغية لها في الإدارة.

كما أن الادعاء الصهيوني بأنه اخترق القارة الإفريقية وحوّل الموقف التاريخي لمعظم دول القارة من مناصرة للحق العربي إلى الحياد في الحد الأدنى وإلى التأييد للموقف الصهيوني في الحد الأقصى أصيب بنكسة كبيرة بعد صدور قرار تأجيل القمة الإفريقية الصهيونية في توغو. ويأتي هذا التراجع بسبب الضغط الشعبي والرسمي لعدد من الدول العربية ما يشير إلى هشاشة الادعاءات عن الغياب العربي أمام الكيان الصهيوني.

وأخيرا وليس آخرا هناك فقدان الكيان الصهيوني القدرة على التأثير على قرارات الجامعة العربية. فاللجنة التي تُشكّلها الجامعة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية لمنع الكيان من حصول على مقعد دائم في مجلس الأمن يشكل تطوّرا هاما وينقض ادعاءات الكيان بأن الدول العربية أصبحت تريد التطبيع.

ما يبقى للكيان الصهيوني من أوراق هو القليل. يحاول الكيان الصهيوني استخدام الورقة الكردية. فما جاء في مقال نشرته صحيفة يديعوت اهارونوت للأستاذ الجامعي يارون فريدمان هو تلازم المسار الكردي مع الكيان الصهيوني. فالتحريض الصهيوني على المضي بالانفصال هو لإرباك كل من الجمهورية الإسلامية في إيران والعراق وتركيا وسورية كما هو أيضا لإحراج الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي. فالفوضى التي يمكن أن ينتج عن عملية الانفصال قد تخدم بشكل مباشر المصالح الصهيونية. قد تكون الورقة الأخيرة التي يمكن أن يلعبها الكيان قبل التسليم بالهزيمة أو اللجوء إلى الحرب. نشير هنا إلى سلسلة مقالات الدكتورة نيفين مسعد في صحيفة الأهرام حول المسألة الكردية وفرص نجاح/فشل المغامرة الكردية. أما بالنسبة للخيار العسكري فقائد السلاح الجوي الصهيوني أعرب عن ثقته بأن جيش الكيان يستطيع هزم حزب الله بمفرده ولكن لا يستطيع هزم إلاّ مع تدخل الولايات المتحدة. لكن هل هذا ممكن ضمن المعادلات الجديدة؟ نشكّ في ذلك لأن الولايات المتحدة عاجزة عن الدخول في حروب جديدة لاعتبارات عديدة تعود لجهوزية القوّات المسلحة والمزاج العام الأميركي الرافض لأي حرب جديدة.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (I) – زياد حافظ

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (I)

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

14/9/2017

فجأة وبعد حالة أنكار غريبة يركّز الاعلام الغربي والعربي على التطوّرات العسكرية التي تحصل في الميدانين السوري والعراقي. المقالات والتعليقات والمداخلات التلفزيونية وغيرها من وسائل التواصل العام والخاص تغصّ بمعلومات وآراء متعدّدة. معظم هذه الآراء تجمع على أن التطوّرات الميدانية ستحمل تطوّرات سياسية. فما هي هذه التحوّلات السياسية المرتقبة؟

في رأينا لقد بدأت منذ فترة التحوّلات السياسية على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي لأن التحوّل الاستراتيجي حصل مع إيقاف المشروع الأميركي في العراق، وصمود المقاومة في لبنان وغزّة، ومع صمود سورية في وجه العدوان الكوني. أما التداعيات السياسية فهي متعدّدة. فلا يمكن إجراء مقاربة للتحوّلات الدولية دون مقاربة انعكاساتها إقليميا وعربيا، وكما لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بعيدا عن التطوّرات الدولية والعربية، وأخيرا لا يمكن فهم التطوّرات في المشهد العربي دون الالتفات إلى التحوّلات الدولية والإقليمية. فأي قراءة لأي مشهد تصبح قراءة متعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الدولي نشهد بروز كتلة سياسية وجغرافية وبشرية واقتصادية وعسكرية في العالم أكبر وأفعل من مجموعة “المجتمع الدولي” المكوّن أساسا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وذلك منذ تبيّن أن الهيمنة الأميركية تتعثر في مطلع الألفية الجديدة. المجموعة الجديدة هي مجموعة البريكس. لن نسترسل في سرد تطوّرات التي رافقت نشأة البريكس بل نكتفي بما حصل في اللقاء الأخير لقمة تلك الدول التي عُقدت في مدينة زيامين الصينية. فالقمة الأخيرة لها دلالات عديدة إضافة أنها المدينة التي كان عمدتها في السابق الرئيس الصيني الحالي زي جين بينغ.

الدلالة الأولى تكمن في طريقة الاستقبال الحار والفائض في الاحترام لمسؤولي الدول المشاركة خلافا عن الاستقبال الرسمي والمتعالي (والبارد أحيانا) الذي يحصل في الغرب تجاه الدول التي تعتبرها دول الغرب أقل شأنا (لا ننس دفع الرئيس الأميركي لرئيس الجبل الأسود في اجتماع قمة الأطلسي الأخير أمام الشاشات).

الدلالة الثانية هي مضمون المحادثات سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. ففلسفة هذه المجموعة هي الاستقرار ضمن حدود القوانين الدولية واحترام الدول وبهذا تختلف مع دول “المجتمع الدولي” التي تضرب عرض الحائك المواثيق الدولية والقانون الدولي. فقرار رفض أي مغامرة عسكرية في الأزمة الكورية كان بمثابة “نقض” لبعض التوجّهات الأميركية التصعيدية تجاه كوريا الشمالية. ويأتي هذا التوافق بعد اهتزازات في العلاقات بين الصين والهند ومحاولات الأخيرة في بلورة مبادرة منافسة لمبادرة الحزام والطريق الواحد، وذلك مع اليابان وبعض الدول الإفريقية تحت عنوان الممر الإفريقي الاسيوي للنمو.

أما على الصعيد الاقتصادي فكانت القرارات تثبّت المضي في إنشاء منظومة مالية دولية مستقلّة عن الدولار ما يحصّن الاستقلالية السياسية التي تتسم بها هذه الدول. وعلى ما يبدو فإن هذا التوجّه يقلق الإدارة الأميركية التي وجّهت على لسان وزير المال ستيفين منوخين تحذيرا للصين بمنعها من “الدخول إلى النظام المالي الأميركي والدولي للدولار” كما ذكر موقع “فورين بوليسي” و”روسيا اليوم”. جاء هذا التحذير بعد اعتراض الصين على عقوبات قاسية بحق كوريا الشمالية غير أن التهديد الأميركي أبعد من ملابسات الأزمة الكورية. غير أن الصين وحلفائها ماضون في إنشاء المنظومة المالية الموازية للدولار لردع الهيمنة الأميركية على العالم من الناحية الاقتصادية. فما يحصل في الميدان السوري والعراقي يُترجم على الصعيد الدولي بالمزيد من الاستقلالية عن الهيمنة الأميركية.

الدلالة الثالثة، وهي ربما الأهم في اللقاء الأخير، هو الانفتاح على العالم. فدعوة مصر وغينيا وتايلاند والمكسيك وطاجكستان ترمز إلى إقناع العالم أن الغرب ليس المرجع الوحيد للقرار السياسي والاقتصادي العالمي. دعوة مصر لها دلالات عديدة. فعبر مصر تدخل البريكس الوطن العربي كما تركّز وجودها في القارة الإفريقية مع وجودها في الجنوب عبر جمهورية جنوب إفريقيا إحدى الدول المؤسسة لمجموعة البريكس، ووجود غينيا الغنية بالموارد الطبيعية من معادن (بوكسيت، ذهب، الماس) والتي رفضت منذ استقلالها الهيمنة الفرنسية على مقدّراتها. فهي منذ حكم الرئيس المؤسس للجمهورية الغينية أحمد سيكو توري خارج منطقة الفرنك الإفريقي ٍسي أف آه والنفوذ الفرنسي المباشر. فثلاث دول إفريقية وازنة مشاركة أو مدعوة كمراقب في مجموعة البريكس لها معاني كثيرة أهمها أن الدول المستعمرة القديمة تراجعت سيطرتها وهيمنتها بشكل ملحوظ على القارة الإفريقية. أما دعوة المكسيك فهي مع البرازيل الدولة في أميركا اللاتينية صاحبة الشأن الاقتصادي الأبرز وعلى أبواب الولايات المتحدة. فيما بعد نعتقد أن فنزويلا وكوبا ستصبحان ضمن مجموعة البريكس اللاتينية.

أما على الصعيد الأميركي فحالة الإرباك هي المسيطرة على كافة مفاصل الإدارة والحكم. فالتحوّلات الميدانية في سورية والعراق لا تساعد على حسم الإرباك. فمن جهة هناك نزعة الرئيس إلى عدم التورّط في حروب جديدة ومن جهة أخرى هناك نزعة القيادات العسكرية التي لا تعرف كيف تنهي الحروب لتقلّل من خسائرها. فبعد الحرب العالمية الثانية لم تربح الولايات المتحدة حربا في العالم رغم انخراطها في حروب مستمرة والان هي منخرطة بشكل أو بآخر في حروب في سبع دول دون نتيجة إيجابية لها تذكر. فالميل الطبيعي عند القيادات العسكرية هي المزيد من التدخل لأنها لا تستطيع أن تقرّ بهزيمة ميدانية. هذا هو الحال في أفغانستان والعراق وسورية واليمن والصومال وباكستان وكاميرون.

هنا لا بد من ملاحظة تطوّر جديد في موقف المؤسسة العسكرية وهو عدم الرضوخ لمشيئة الكيان الصهيوني. هناك دلائل عديدة عن ذلك التحوّل الذي بدأ منذ بضعة سنوات في جلسات استماع للقيادات العسكرية في الكونغرس الأميركي مفادها أن سياسات حكومة الكيان تهدّد الأمن العسكري للقوّات الأميركية في المشرق العربي.

أما الحضور العسكري الأميركي في الساحتين العراقية والسورية فهو محدود ولا يستطيع تغيير المعادلات الاستراتيجية التي ترسم في الميدان. كل ما يمكن أن تفعله هو محاولة في إمساك ورقة في التفاوض. فروسيا التي تقود الحملة السياسية للحل السياسي للصراع في سورية تحرص على حفظ ماء الوجه الأميركي دون أن يسبّب ذلك أي ضرر لمصالحها في سورية والعراق وعامة المشرق، ولكن كل ذلك يُبقى اليد العليا لروسيا وحلفائها الإقليميين والدولة السورية.

وأخيرا على الصعيد الأوروبي فبات واضحا أن الدول الوازنة في الاتحاد تجنح إلى الإقرار بالهزيمة الميدانية والسياسية في سورية وتحاول التخفيف من الخسائر وحفظ دور ما في المعادلة السياسية الجديدة وربما المساهمة في إعادة إعمار سورية. فالاتحاد الأوروبي يتعرّض لهزّات عديدة وقوية نتيجة سياسات خاطئة أدّت إلى تدفّق اللاجئين من سورية والعراق ما مسّ بالأمن القومي الداخلي لدول الاتحاد.

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

Résultat de recherche d'images pour "‫القمة العربية الإسلامية الأمريكية‬‎"

القمة العربية الإسلامية الأميركية أو صفقة المخدوعين

زياد حافظ

الأمين العام للمؤتمر القومي العربي

23/5/2017

القمة العربية الإسلامية الأميركية التي انعقدت في الرياض في 20 و21 من شهر أيّار/مايو 2017 كانت مشهداً سوريالياً بامتياز. في البداية لا يمكن إلاّ أن نلاحظ أنّ موعد انعقاد هذه «القمة» جاء في فترة إحياء ذكرى النكبة، والتي لم يتكّلم عنها المؤتمرون في الرياض، وخلال إضراب الأسرى عن الطعام في السجون الصهيونية الذي تجاهله مجمع العرب والمسلمين المجتمعين في الرياض، وعشية الاحتفال بذكرى النصر في 25 أياّر/مايو التي يحاول نسيانها مؤتمرو الرياض، كما عشية شهر رمضان المبارك شهر التضحية والعطاء، وإذ كان العطاء للرئيس الأميركي فقط لا غير! فتأتي هذه القمة لضرب كلّ الموروث العروبي والإسلامي الذي لم يضمّ جميع المسلمين غابت تركيا وإيران لتؤكّد أنّ الفتنة بين المسلمين هي قرار صادر عن حكومة الرياض، وأنّ قضية فلسطين، القضية المركزية للأمة العربية قضية عابرة إن لم تكن ثانوية بالنسبة لها.

السوريالية في المشهد تكمن في أمكنة عدّة. المشهد السوريالي الأوّل هو وجود الرئيس الأميركي إلى جانب ملك تتحمّل حكومته مسؤولية إيجاد البيئة الحاضنة لمرتكبي أحداث أيلول 2001. فبعض المعلّقين الأميركيين تساءلوا وهم يستمعون للخطابات «التاريخية» كيف يمكن لرئيس أميركي أن يعطي شهادات حسن سلوك لدول وحكّامُها مسؤولون عن تغذية الفكر المتطرّف، وموضوع القمة اللفظي هو محاربة التطرّف والتعصّب والغلو والتوحّش. وما يزيد سوريالية المشهد كون الولايات المتحدة مع الدولة المضيفة مسؤولة عن كلّ مآسي التطرّف والتعصّب التي نتجت عن سياسات متعمّدة لتغذية ذلك السلوك عند الشباب العربي والمسلم المضلّل. لم تكن الأولوية عند حكومة الرياض في الثمانينيات من القرن الماضي مواجهة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان بل كانت مواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، فكانت ولادة أمّ تنظيمات التعصّب والغلو أيّ تنظيم القاعدة. وتؤكّد هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة أنّ الولايات المتحدة هي مَن صنعت تلك المجموعة كما غطّت سلوك تلك المجموعات في سورية خلال السنوات الماضية. السوريالية تكمن في اجتماع مَن صنع التطرّف لمحاربة ما صنعوه، على الأقلّ لفظياً، بينما الحقيقة هي لمحاربة المقاومة والمحور الذي يضمّ كلاً من الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية العربية السورية وبطبيعة الحال المقاومة في كلّ من لبنان وفلسطين. فاليوم عند هؤلاء المجتمعين في الرياض أصبحت المقاومة للكيان الصهيوني إرهاباً يجب استئصاله!

ليس ذلك بجديد. فمنذ سنوات بل عقود كانت حكومة الرياض والولايات المتحدة في طليعة محاربة حركة التحرّر العربي كما يفتخر وزير خارجية حكومة الرياض. لكن اليوم يأخذ مظهر الإجماع العربي والإسلامي على الأقلّ من منظور لفظي. ونشدّد على الطابع اللفظي بسبب عدم رضى العديد من المجتمعين عن مسار الأمور، كما أظهرته لغة الجسد لهم خلال تلاوة الخطابات. لكن هذه قضية ثانوية إذا ما اعتبرنا أنّ السوريالية تكمن أيضاً في ما نسمّيه بصفقة المخدوعين، أو كما يُقال بالفرنسية بـ march des dupes . فالطرفان، الرئيس الأميركي وخادم الحرمين، يعتقدان أنهما حقّقا إنجازاً كبيراً بينما في رأينا كان «الإنجاز» أقرب للمخادعة المتبادلة المبنية عن سوء تقدير فادح لموازين القوّة في كلا البلدين. لا نريد أن نقلّل من أهمية الاجتماع وما نتج عنه، ولكن لا يمكننا أيضا أن نبالغ بنتائجه الورقية حتى الآن.

العامل الأول في التريّث والتحفّظ في تقييم النتائج هو مصداقية الطرفين. فكلاهما يعاني من أزمة داخلية طاحنة قد تطيح بهما رغم ظواهر القوّة. والتركيز على تلك الظواهر كانت حاجة لحجب الضعف البنيوي والمتفشّي في العديد من الساحات والملفّات نذكر بعضها على سبيل المثال وليس الحصر لكثرتها. فالرئيس الأميركي مطارد سياسياً من قبل الدولة العميقة في الولايات المتحدة والتي أبرز وجوهها الإعلام المهيمن والإعلام الموازي. كما أنّ خطر العزل أو الإقالة أصبح حقيقة وإنْ لم تظهر حتى الآن أية دلائل قانونية تحتّم المحاكمة. فحتى الساعة ليس هناك إلاّ اتهامات سياسية من دون أيّ إثبات مادي يدلّ على خرق القانون. فلا يمكن محاكمة الرئيس الأميركي إلاّ إذا تبيّن أنه خرق القانون بشكل واضح ومتعمّد أو أنّ سلوكه يشكّل خطراً مادياً حقيقياً ومباشراً على أمن الولايات المتحدة وهذا من الصّعب إثباته. لكن في آخر المطاف يواجه الرئيس الأميركي حملة لا سابقة لها تفوق الحملة التي أطاحت بريتشارد نيكسون في السبعينيات من القرن الماضي وإنْ تشابهت بعض المشاهد. ففي أحسن الأحوال يكون بطّة عرجاء منذ السنة الأولى لولايته وفي أسواء الأحوال يتنحّى أو يُعزَل!

أما على صعيد المضيف العربي فإنّ الوضع الداخلي أقرب للكارثة من أن يكون فقط أزمة عابرة كما يروّج لها المسؤولون وإعلامهم التابع. فتداعيات العدوان العبثي على اليمن تشير إلى وجود تجاذبات حادّة داخل النخب الحاكمة وإنْ يسكت عنها الإعلام الرسمي والمهيمن بينما وسائل التواصل الاجتماعي في الجزيرة تشير إلى قلق كبير بل نقمة. فتراجع الحكومة عن قرارات التقشّف وإعادة العلاوات والامتيازات للقوّات المسلّحة وموظّفي الإدارة دليل عن مدى الامتعاض الذي ساد المشهد. فالدولة هي مصدر توظيف ثلثي اليد العاملة لمواطني الجزيرة وحجمها يوازي تقريباً ضعفي اليد العاملة في القطاع الخاص. كما أنّ حركة النشاط الاقتصادي شبه مشلولة وليس هناك من بوادر استعادة العافية الاقتصادية.

وأما إن أقبلت حكومة الرياض على الالتزام بصفقات قيمتها تقارب نصف تريليون دولار للسنوات المقبلة فيمكن التساؤل كيف تستطيع القيام بذلك من دون تداعيات داخلية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قد تنسف قاعدة التوافق القائم حتى الآن، والذي برزت فيه مظاهر التصدّع. أما رؤية ولي ولي العهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، فلن تظهر نتائجه قبل 2030 على حدّ زعمه هذا إذا ما تمّ تنفيذها. مجلّة «الإيكونوميست» شكّكت في افتتاحية لها في إمكانية تنفيذ المشروع. والجدير بالذكر أنّ ولي ولي العهد كان قد خصّ المجلّة بمكانة هامة في استراتيجية ترويج «الرؤية».

السوريالية تكمن أيضاً في إمكانية تنفيذ ما يحاول الطرفان الأميركي والعربي الإقدام عليه. الرئيس الأميركي يعود إلى بلاده حاملاً توقيع اتفاقات قيمتها تقريباً نصف تريليون دولار منها اتفاقية تسليح المملكة بحدود 110 مليارات دولار. بالمناسبة، معظم مضمون الصفقة تمّ التوافق عليها في إدارة أوباما بينما كانت بانتظار التواقيع. فترامب لم يعرض أيّ شيء جديد! لكن هذه الاتفاقيات يجب أن تحظى بموافقة الكونغرس الأميركي. وهنا نتساءل: كيف سيوافق ذلك الكونغرس على تسليح حكومة الرياض وهو الذي صوّت بشبه إجماع على قانون «جاستا» يحمّل فيها حكومة الرياض مسؤولية أحداث أيلول 2001؟ كما أنّ المُناخ السائد في الولايات المتحدة من خلال الإعلام المهيمن في منتهى السلبية تجاه المملكة رغم إنفاقها مبالغ ضخمة لتلميع صورتها عند عدد من اللوبيات الجمهورية كالتي يقودها الشيخ السابق ترينت لوط أو الديمقراطية كالتي يقودها جون بودستا رئيس حملة هيلاري كلنتون؟ لكن رهان حكومة الرياض قد يكون على نفوذ اللوبي الصهيوني وحكومة نتنياهو. وهنا نتساءل عن مدى إمكانية «نجاح» ذلك اللوبي خاصة بعد الهزائم التي مُني بها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما قبل الأخيرة؟

وإذا افترضنا جدلاً إمكانية تجاوز عقبة الكونغرس، فإنّ الرئيس الأميركي صرّح بشكل واضح أنّ التسليح لحكومة الرياض لن يكون بمستوى يهدّد التفوّق النوعي التسليحي الصهيوني. فماذا سيبيع لها؟ ما هي نوعية الأسلحة التي ستنفق عليها حكومة الرياض ما يوازي 110 مليارات دولار؟ هل ستكون أكثر فعالية من السلاح المستخدم في العدوان على اليمن؟ وما هي النتيجة الميدانية التي حقّقتها سوى الدمار والمجاعة وانتشار الكوليرا بين الشعب اليمني، رغم التفاوت الواضح بالتسليح بين الطرفين؟

أما على صعيد النتائج السياسية فليس هناك من جديد. فالعداء لمحور المقاومة قديم. ولكن من يراهن على موقف أكثر حزماً في الولايات المتحدة فلن يتعدّى في رأينا عتبة العقوبات. كان الرئيس الأميركي واضحاً أنّ الولايات المتحدة لن تخوض حرباً بالنيابة عن دول المنطقة في صراعها مع محور المقاومة وحتى مع جماعات التعصّب والغلوّ والتوحّش لو أقدمت على ذلك. فمن يحارب فعلياً تلك الجماعات هو حكومات العراق وسورية ومعهما الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا والمقاومة. الولايات المتحدة لن تخوض حرباً على إيران، فعلى ماذا يبني المراهنون على «حزم» الولايات المتحدة؟ الغارات الوضيعة على كلّ من مطار الشعيرات والتنف كانت وظيفتها لطمأنة الدولة المضيفة وإنْ لم تكن لها أيّ نتيجة عسكرية تذكر تغيّر في قوانين الاشتباك أو في الواقع الميداني.

اللافت للنظر موقف الرئيس المصري الذي أظهر تمايزاً واضحاً في مقاربته لمحاربة الإرهاب ولضرورة تحميل مسؤولية الدولة التي شكّلت حاضنة للإرهاب. وإذا كان المقصود كلّ من تركيا وقطر، فما هو المانع أن تكون حكومة الرياض في تلك القائمة؟ المقاربة الأميركية مع الدولة المضيفة لمحاربة التطرّف مقاربة أمنية عسكرية فقط لا غير، بينما المطلوب هو مقاربة فكرية ثقافية سياسية واقتصادية واجتماعية وهذا لم يتكلّموا عنه في تلك القمة باستثناء مصر واندونيسيا.

يبقى الكلام عن قوة مشتركة قوامها 34000 عنصر. الأسئلة أكثر من الإجابات الممكنة. مَن يقود، ومَن يشكّل العمود الفقري لتلك القوة؟ مَن يموّلها؟ أين ستتواجد؟ أين سيكون مسرح العمليات؟ كيف يمكن الدخول إلى دول أخرى تستطيع أن تجابه وتلحق الهزيمة بها؟ كيف قيّمت تجربة قوّات التحالف في العراق ضدّ جماعات التعصّب؟ كيف كان أداء قوّات التحالف في المسرح اليمني؟ إلخ… التجربة السابقة القريبة تدلّ على فشل أو نجاح نسبي محدود جدّاً. فماذا تغيّر الآن؟

الكلام عن حلف ناتو «عربي سنّي» كلام غير قابل للصرف والتنفيذ، إذا أخذنا بعين الاعتبار الخلافات العربية العربية حتى داخل مجموعة مجلس التعاون الخليجي. كما أنّ حلفاً لا يضمّ بشكل فعّال مصر وسورية والعراق والجزائر لن يكون إلاّ مجرّد حبر على الورق. بالمناسبة ماذا عن اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة منذ الستينيات من القرن الماضي؟ هل تعتقد حكومة الرياض أنّ ما لم تستطع حقبة الرئيس جمال عبد الناصر تحقيقه بإمكانها تحقيقه هي فقط بقوّة المال؟ أما الدعم الأميركي لها فهو أقرب من حماية يقدّمها نمر من ورق من دولة فاشلة أصبحت أقرب إلى جمهورية الموز على حدّ دافيد روثكوف رئيس تحرير مجلّة «فورين بوليسي» المعروفة!

أخيراً يخجل الإنسان العربي من الأرقام التي وردت في الاتفاقيات مع الإدارة الأميركية. فهذه الأموال أموال عربية بامتياز، لكن لن يستفيد منها أي عربي باستثناء المنتفعين من دائرة النخب الحاكمة الضيّقة. لو صرفت هذه الأموال على بناء كلّ من العراق وسورية ولبنان وفلسطين لما كانت هناك جماعات تعصّب وغلو وتوحّش. ثلثا العرب تحت سنّ الثلاثين. فمع معدل استهلاك مرتفع يصبح المكرّر الاستثماري عالياً جداً ما كان يبشّر بنمو كبير في المنطقة. الصفقة التي تمّت هي صفقة المخدوعين، ولكن المخدوع الأكبر هو مَن يعتقد أنه حقق الإنجاز الأكبر! رحم الله جمال عبد الناصر عندما قال مال العرب للعرب ونفط العرب للعرب. على ما يبدو فإنّ مال العرب هو للأميركيين والصهاينة فقط!

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟ زياد حافظ

التفجيرات المتنقّلة من سيناء إلى الجزائر وليبيا والعراق وسورية: تمهيد لمجابهة شاملة؟

زياد حافظ

الأمين عام المؤتمر القومي العربي

17/3/2017

مع إنجازات الجيش العربي السوري وحلفاءه في سورية ضد التحالف الكوني الذي استهدف وما زال يستهدف سورية في وحدتها ودورها كشعب ودولة وقيادة، يبدو أن معارك خلفية جديدة تجدّدت تستهدف كل من وقف أو يريد الوقوف مع سورية.

فجأة انفجر الوضع في الجزائر وتصاعدت هجمات جماعة التعصّب والغلو والتوحّش في سيناء، واستولت فصائل قريبة من تلك المجموعات على مواقع هامة في شرق وشمال شرق ليبيا، كما تمّ ضرب وسط دمشق بتفجيرات انتحارية مجرمة مستهدفة المدنيين الأبرياء. كما لا يغيب عن بالنا لا التفجيرات شبه اليومية في مختلف أنحاء العراق والموت اليومي في اليمن.

من الصعب أن نضع كل هذه التطوّرات في خانة الصدف وقد تعلّمنا أن الصدفة هي أبعد عمّا يتم في مختلف أنحاء الوطن العربي.

إن استهداف سورية اليوم، بعد العراق قبل سنوات، حلقة متقدّمة من مشروع سياسي ضخم يستهدف الأمة برمتها كما تؤكّده التفجيرات والحروب المشتعلة ضد أطراف محدّدة بينما “تنعم” اقطار مؤيّدة للمشروع باستقرار نسبي، على الأقل حتى الآن. لكن هذه التفجيرات تأتي في أجواء مضطربة على الصعيد الدولي والإقليمي ما يعزّز انطباع العجز في تحقيق أهداف المشروع. والعجز يكمن داخل أطراف المشروع بدءا بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومرورا ببعض دول الاتحاد الأوروبي كفرنسا والمملكة المتحدة إلى الإقليم سواء في تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي.

ويستنفذ هذا المحور كل يوم من كافة الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق الأهداف لاسيّما تسخير منظمة الأمم المتحدة لترويج ادعاءات ضد الحكومة السورية في إما استعمال مواد محظورة كالغاز السام أو حتى ارتكاب جرائم حرب كقصف مراكز ضخ المياه لتعطيش 5،5 مليون مواطن سوري في العاصمة ومحيطها ومتجاهلة مسؤولية الجماعات المسلّحة في كلا الحالتين.

والمضحك المبكي في موقف الأمم المتحدة المنحاز كلّيا لموقف الإدارة الأميركية خلال العقود السابقة وحتى الساعة هو أن الإدارة الحالية تفكّر جدّيا في تخفيض مساهمة الولايات المتحدة في تمويل الأمم المتحدة بنسبة 40 بالمائة.

حاليا مساهمة الولايات المتحدة هي بنسبة 22 بالمائة من 5،4 مليار دولار من موازنة الأمم المتحدة. فتخفيض المساهمة الأميركية سيضعف الأمم المتحدة ويقلّص برنامج المساعدات التي تقر وفقا لتوصيات الدول الكبرى كالولايات المتحدة وتنفيذا لسياساتها. والجدير بالذكر أن التحريض على الأمم المتحدة يأتي مباشرة من رئيس وزراء الكيان الصهيوني في زيارته الأخيرة لواشنطن حيث حرّض على الأمم المتحدة “المنحازة دائما ضد إسرائيل”!

التفجيرات الأخيرة تدلّ على أن أطرافا دولية وعربية وإقليمية كالكيان الصهيوني ما زالت تراهن على تغيير ما في موقف الولايات المتحدة. وهنا علينا أن ننتبه أن ليس كل التفجيرات، بالضرورة، تابعة لجماعات التعصّب والغلو والتوحّش. فبيان مجموعة “أحرار الشام” الذي ينفي مسؤوليتها عن التفجير يثير تساؤلات عدة. أولا، لماذا تتنكّر تلك المجموعة للمسؤولية ولم تعمد سابقا إلى ذلك؟ وثانيا، هل هناك من اختلافات بينها وبين الفصائل الأخرى؟ فإذا سلمّنا جدلا بذلك فهذا يعني أن للتفجيرات دور وظيفي يخدم مخطّطات محدّدة، وليس بالضرورة مرتبطة بوقائع الميدان حتى من باب تخفيف الضغط في أماكن أخرى. فلا يمكن أن نسقط من حساباتنا أن للاختراق لبعض دوائر الاستخبارات الأميركية مسؤولية في ضرب أي توافق روسي أميركي في الإقليم. ففي رأينا تأتي هذه التفجيرات في سياق رهانات جديدة خاصة بعدما اتضح التوافق الروسي الأميركي للقضاء على تلك الجماعات من داعش إلى النصرة. فالهدف الأساسي يعود إلى الواجهة أي إلى الأمل أن الولايات المتحدة ستقدم على مهاجمة إيران وسورية في آن واحد.

بعض المؤشرّات التي تستند إليها تلك الأطراف هي وجود قوّات خاصة أميركية في شمال شرق سورية. وقد يزداد عددها إذا ما ترك الأمر للقيادات العسكرية الميدانية الأميركية. وعلى ما يبدو فإن الرئيس الأميركي أطلق يد البنتاغون وذلك منذ تسلّمه الرئاسة. فازدادت العمليات العدوانية على اليمن واليوم نشهد تصعيدا للعمليات العسكرية الأميركية في سورية كتمهيد لعمليات أوسع. ومن الواضح أن الوجود الأميركي في الأراضي السورية غير شرعي، كما أوضحته القيادات السورية أكثر من مرّة. هذا ما يزيد فرص الصدام المباشر مع القوّات الأميركية التي تتخذ من العراق ممرّا لعدوانها المرتقب على سورية. فما هو موقف روسيا في هذا الموضوع؟  وفي هذه الأجواء المشحونة تزداد فرص الصدام عن طريق “الخطأ” في ممرّات الخليج العربي مع وحدات البحرية التابعة للجمهورية الإسلامية في إيران، إضافة إلى تكرار “أخطاء” أخرى مع كل من تركيا أو روسيا. حتى الساعة الأمور مضبوطة ولكن من يستطيع أن يضمن استمرار ذلك الضبط؟

التفجيرات المتنقلة تزامن معظمها، وخاصة الأخيرة في سورية، مع زيارة ولي ولي العهد في بلاد الحرمين إلى واشنطن. اجتماعه مع الرئيس الأميركي له دلالات عدة. فهو أول مسؤول من بلاد الحرمين يلتقي الرئيس الجديد وذلك تحت سقف تنافس داخل الأسرة الحاكمة على النفوذ والسيطرة.

ففي عهد الرئيس أوباما كانت العلاقة الوثيقة مع ولي العهد وليس مع ولي ولي العهد. وهنا يمكن التساؤل هل غيّرت الإدارة الأميركية رهانها في بلاد الحرمين بعد إطلاق التصريحات النارية بحق الأخيرة؟ وهل اعتمدت “وكيلا” جديدا فيها ينفّذ مشروعها؟ ثم كيف تتعامل بلاد الحرمين مع الجو المعادي لها داخل الكونغرس الأميركي الذي ما زال يفكّر بالمزيد من العقوبات تجاهها؟  وماذا يمكن للوبي الصهيوني أن يقدّم لبلاد الحرمين في ذلك المجال؟

مراكز الأبحاث المقرّبة من المحافظين الجدد كمعهد المبادرة الأميركي (أميريكان انتربرايز انستيتوت) ومعهد دراسة الحرب (انستيتوت فور زي ستادي اوف وار) واللذان يعمل فيهما كل من فريدريك كاغان وزوجته كيمبرلي رئيسة المعهد الثاني، إضافة إلى شقيقه روبرت كاغان وزوجته فيكتوريا نيولاند، تروّج لنظرية ضرورة إقامة حلف سنّي أميركي صهيوني لضرب إيران وحلفائها أي الجمهورية العربية السورية وحزب الله. ويدعم ذلك التوجّه المنظّر العقائدي في إدارة ترامب ستيفن بانون المعروف بعداءه للإسلام بشكل عام، وللجمهورية الإسلامية بشكل خاص، ويتماهى مع أبعاد صراع الحضارات التي روّج لها “برنارد لويس” وفيما بعد سامويل هنتنغتون.

لم تعد المسألة محصورة في “تحجيم” أو “احتواء” الجمهورية الإسلامية في إيران بل تغيير النظام برمّته. وكذلك الأمر بالنسبة لسورية والقضاء على المقاومة. وعلى ما يبدو فهناك قناعة عند هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية لتوجيه ضربات قاسمة للجمهورية إضافة إلى دور “الحلف السنّي” والصهيوني خاصة بعد “تجنيد” الحليف العربي السنّي. وزيارة العاهل لبلاد الحرمين لأكبر دولة إسلامية اندونيسيا والمتزامنة مع زيارة نجله ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة تسعى للحصول على تأييد سنّي عالمي واسع النطاق للمشروع المرتقب. لكن حالة إنكار التغييرات الميدانية والتحوّلات السياسية في الإقليم وفي العالم تجعلهم يتبعون سياسات تلبّي طموحاتهم غير مكترثين لما يمكن أن يحصل للمنطقة وللولايات المتحدة. من هنا يمكن فهم “التمرّد” لدى بعض الفصائل على الإرادة التركية بعدم حضورها اجتماع الاستانة الأخير والالتزام بوعود حكومة الرياض في دعم استمرار النزيف في سورية واليمن.

لكن بالمقابل فإن الدور الأميركي المرتقب من أطراف عربية والكيان الصهيوني قد لا يكون في مستوى طموحاتهم لأن الوضع الداخلي الأميركي في حال تخبّط كبير ينذر بانهيارات ضخمة على الصعيد السياسي والأمني ناهيك عن الوضع الاقتصادي والمالي. فالصراعات داخل الإدارة وخارجها بين مراكز قوة متعدّدة تشّل حركة الإدارة الجديدة. وقلّة الخبرة السياسية للرئيس الأميركي تكشف ضعفه في مقاربة الملفّات الصعبة، إضافة إلى ضيق فترة الانتباه والاهتمام التي يمكن أن يعطيها لأي ملفّ. وبالتالي هناك تساؤلات حول من يقود فعلا السفينة الأميركية الغارقة في تلك التناقضات والتي قد توصلها إلى الهلاك. ونشير هنا على سبيل المثال إلى التخفيضات المقترحة في الموازنة العامة لوزارة الخارجية بنسبة 28 بالمائة (من 54 مليار دولار إلى 39 مليار دولار) ما يقوّض فعّالية الدبلوماسية الأميركية. هذا ينسجم مع تطلّعات ترامب الشخصية حول الانكفاء عن مشاكل العالم، ولكنه يتناقض مع طموحات مستشاريه وبعض وزرائه في الاشتباك مع روسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران. فمن له القرار النهائي يا ترى؟ كما أن هناك معارضة داخل الحزب الجمهوري لذلك التوجّه الذي يؤثّر في الاعتبارات الأمنية ما يدلّ على مدى التخبط والحبل على الجرّار.

أما على صعيد “الحليف العربي السنّي” فمن غير المؤكّد أن السياسة المتبعة في بلاد الحرمين ستستمر في ظل إخفاقات ميدانية في اليمن، وفي ظل تراجع اقتصادي ومالي حاد، وفي ظل صراعات داخلية مرشّحة للتفاقم، وفي ظل عزلة دولية تتزايد يوما بعد يوم رغم محاولات تجنيد رأي عام إسلامي وآسيوي لسياساتها.

والحليف الصهيوني عاجز عن تغيير أي شيء في الإقليم. فهو المذعور من تسليم جثمان شهيد لذويه خشية من المظاهرات. كما هو المرتعب من الآذان وصوت “الله أكبر”. كما وأن تقارير من داخل الكيان الصهيوني حول أدائه العسكري في حربه على غزّة لا تدلّ على قدرة وفعّالية في مواجهة مقاومة فلسطينية محاصرة وفوق جغرافية صعب الدفاع عنها! فلا يبقى له إلاّ التهويل والتهديد والاتكال على “حليف عربي”! صحيح أن قدرة التدمير موجودة ولكن ماذا عن الرد؟  هل يستطيع الكيان تحمّل تبعات الرد وهو يشهد هجرة مضادة من الأراضي المحتلة؟  فيهود الكيان لم يعودوا راغبين في البقاء ويهود العالم لديهم تحفّظات كثيرة على الهجرة إلى الكيان. فآفاق الكيان ضعيفة للغاية وفعلا فإن الكيان أوهن من بيت العنكبوت. فعن أي حلف وعن أي متابعة وعن أي قدرة يتكلّمون في هذه الظروف؟

وهذه المخططات التي يحلم بها التحالف الأميركي الصهيوني العربي تتجاهل ردّة الفعل من قبل محور المقاومة وحلفائه الدوليين. وكأن الأمور تسير في اتجاه واحد بالنسبة لهم. كان القائد الفيتنامي الجنرال جياب يردّد دائما أن الأميركيين تلاميذ غير نجباء لأنهم لا يتعلّمون من أخطائهم. ونرى اليوم بقايا المحافظين الجدد والمتدخّلين الليبراليين يروّجون لتكرار الأخطاء المدمّرة.

كل ذلك، من تفجيرات ومخطّطات، لن يؤثّر في المسار الاستراتيجي للأمور في الميدان السوري، ولن يؤّثر في استقلالية القرار المصري بعد فشل محاولات ترويضه. ولن يؤّثر في صلابة الموقف الجزائري رغم الانتخابات القادمة والصراعات الداخلية بقضايا مفتعلة كصراعات محلية، وتفاعلاتها بين مجموعات متطرّفة مدفوعة، على الأرجح، من جهات استخباراتية أوروبية وصهيونية. كما لن يؤثّر في صمود الشعب اليمني، وطبعا لن يؤثر في استمرار الانتفاضة في فلسطين، ولا في تنامي قدرات المقاومة في لبنان، فالتفجيرات المتنقّلة ليست إلاّ معارك خلفية عبثية لن تغيّر في التحوّلات وإن أراد مخطّطو تلك التفجيرات أن تكون تحضيرا لمجابهة أوسع ولكن عناصرها غير موجودة أو غير فاعلة.

كما نلفت النظر أن التهديد المتكرّر يساعد على استمرار اليقظة والتنبّه وإفقاد الخصم والعدو عنصر المفاجأة والمباغتة وهذا ما يُضعف أكثر إمكانية نجاح أي هجوم. لذلك لن يحصل ذلك الهجوم إذا ما افترضنا العقلانية عندهم مع استدراكنا بخطورة الحماقة والغباء وحالة الإنكار وعدم القراءة المتأنية للتغييرات لديهم التي لا يمكن تجاهلها.

 

هل بدأت الحرب الأهلية الأميركية؟

Résultat de recherche d'images pour "‫الدكتور زياد حافظ‬‎"

زياد حافظ

أمين عام المؤتمر القومي العربي

21 شباط/فبراير 2017

تتسارع الأحداث في المشهد السياسي الأميركي بشكل ينذر بتطوّرات خطيرة جدّا تهدّد استقرار الولايات المتحدة ومعها العالم أجمع. فإذا كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 زلزالا سياسيا في المشهد الأميركي وحتى العالمي فإن النخب التي كانت متحكّمة في مفاصل السلطة في الولايات المتحدة لم تقبل ولم تستسلم للواقع الجديد. وبات واضحا من أول يوم بعد الانتخابات أن ما يُسمّى بالدولة العميقة ستجهد لجعل ولاية ترامب صعبة، هذا إذا ما كُتب لها البقاء. فهناك من يتكهن أنها لن تتجاوز مئتين يوم حسب موقع انرفورماشيون كليرينغ هاوس الواسعة الانتشار. فالدولة العميقة أعلنت الحرب على ترامب لإسقاطه دون الانتظار أو حتى التفكير بترويضه. فعلى ما يبدو اعتبرت الدولة العميقة أنه غير قابل للتطويع وإن كان ميله الطبيعي عقد الصفقات. فلا صفقات معه والمعركة على ما يبدو ذاهبة إلى النهاية.

الدولة العميقة اليوم يتصدّرها مجمع مؤسسات الاستخبارات ضمن المجمع العسكري السياسي الأمني والمالي. واليوم يمكن إضافة السلطة الرابعة، أي الاعلام المهيمن إلى ذلك التحالف حيث أسقط الاعلام أي زعم بالمهنية وأخذ بتصنيع الأخبار الكاذبة حول ترامب. بالمقابل يعتبر ترامب أن “الاعلام هو العدو”. ويجب الاعتراف أن ترامب سهّل ويسهّل إلى حدّ كبير مهمة خصومه بسبب تسرّعه في اتخاذ القرارات ثم التراجع عنها وكأنها ستكون دون أي تأثير. وهذا ما يجعل هدفه في “تجفيف المستنقع” مهمة في غاية الصعوبة لشراسة أرباب “المستنقع” وخفّة الرئيس الأميركي في اتخاذ القرارات.

وبالفعل، ارتكب الرئيس الجديد عدة أخطاء متتالية ساعدت الاعلام وأجهزة الاستخبارات على خوض حملة ناجحة ضدّه وكأنه عاجز عن الرد حتى الآن. وليس في الأفق ما يدّل على إمكانية ردّ فعّال غير المكابرة في الكلام أو التراجع الموقت. أما الأخطاء التي ارتكبها عديدة: أولا ما زال يعتبر نفسه في مرحلة الحملة الانتخابية ولم يستوعب أنه أصبح الآن في الحكم. فما زال يطلق مواقف لا تتجاوز مرحلة الشعارات، أي دون دراساتها بعمق وخاصة تداعياتها وسرعان ما يقوم بالتراجع عنها.

الخطأ الثاني هو عدم اعداده لفريق عمل متجانس يمكن الاتكال عليه. فالتسميات لمناصب عديدة أثارت العديد من الجدل خاصة فيما يتعلق بأمرين: أولا التناقض مع شعاراته الانتخابية بأنه يمثّل الشعب وأنه سينقل السلطة إلى الشعب كما صرّح في خطاب القسم، وإذ يعّين العديد من أصحاب المليارات في وزاراته. وثانيا، يفتقد العديد من هذه أصحاب هذه التعيينات الحد الأدنى من الكفاءة في علم إدارة الدولة أو الشأن العام، أو أنهم يمتلكون تصوّرا لما يمكنوا أن يقوموا به.

فوزيرة التربية بتسي ديفوس نالت على موافقة مجلس الشيوخ بشق الأنفس بسبب قلة خبرتها وحنكتها رغم أنها كانت رئيسة فرع الحزب الجمهوري في ولاية ميشيغان، وهي ومن أصحاب المليارات وشقيقة أريك برنس مؤسس إحدى أكبر الشركات الأمنية في العالم “بلاك واتر”. الجدير بالذكر أنها لم تكن من أنصار ترامب واعتبرت أنه لا يمثّل الحزب الجمهوري فكيف تمّت تسميتها من قبل ترامب؟ أو هل هناك جهة أخرى داخل الفريق المقرّب من ترامب تقترح الأسماء دون التعمّق في خبرة المرشّحين وكأنها تريد إفشاله؟

المرشح الثاني الذي اضطر إلى الانسحاب هو المرشح لمنصب وزارة العمل اندرو بوزدر وذلك بسبب عدم كفاءته. مثل ثالث على عدم كفاءة فريق العمل داخل الإدارة تعيينه لشون سبايسر كناطق باسم البيت الأبيض الذي يتخبّط بالتناقضات والمعلومات الخاطئة أو الناقصة. يرافق كل ذلك أخبار وتسريبات عن صراعات داخل البيت الأبيض بين فئات متخاصمة تسعى للتأثير على الرئيس ما يزيد من البلبلة والغموض حول آليات العمل داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. هذه بعض الملاحظات حول فريق العمل الجديد ويمكن الاسترسال في الأمثال لتأكيد ما أوردناه.

ومن الهفوات القاتلة في التعيينات تعيين مايك فلين كمستشار الأمن القومي الذي أربك الرئيس الأميركي ونائبه مايك سبانس بسبب معلومات ناقصة لم يفصح عن كاملها ما أفقده ثقتيهما به. وقضية فلين تنذر بإعادة سيناريو إسقاط نيكسون في السبعينات من القرن الماضي حيث بادر بعد النوّاب والشيوخ في الكونغرس إلى طرح ضرورة تحقيق من قبل محقّق مستقل لمعرفة ما كان يعلم ترامب من محادثات بين فلين والروس. لسنا متأكدين أن هذه الحملة قد تنجح بإطاحة ترامب ولكنها قد تضرب مصداقيته على الصعيد الدولي. وقد تجلّى ذلك من النتائج المحدودة للزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد ريكس تيللرسون ولقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

لكن رغم كل ذلك فما زال ترامب يتمتع بشعبية كبيرة تقارب أكثر من خمسين بالمائة ما يغيظ خصومه. فمعهد رساموسن لاستطلاع الرأي العام، والمعروف بجدّية ودقّة استطلاعاته، نشر استطلاعا الأسبوع الفائت يدّل على مدى موافقة الجمهور الأميركي على سياسات ترامب. والأهم من ذلك، جاء في ذلك الاستطلاع أن الجمهور الأميركي يثق أكثر بترامب مما يثق بأخبار الاعلام المهيمن، أي بمعنى آخر أن مصداقية ذلك الاعلام لدى الجمهور الأميركي مشكوك بأمرها. كما أكّد ذلك الاستطلاع عدم رغبة الجمهور الأميركي بالتورّط في قضايا خلافية خارجية. من جهة اخر فإن استطلاعا آخرا قام به موقع يوغوف (YouGov) حول التهديدات الخارجية كما ينظر إليها الجمهور الأميركي أبرز أن روسيا تأتي في المرتبة السادسة (22 بالمائة)، وراء كل من كوريا الشمالية (57 بالمائة) في المرتبة الأولى، ويليها كل من إيران (41 بالمائة)، وسورية (31 بالمائة)، والعراق (29 بالمائة) وأفغانستان (23 بالمائة). لكن جميع هذه الاستطلاعات، باستثناء الخطر الكوري الشمالي) تفيد أن التهديد لا يتجاوز الخمسين بالمائة عند الجمهور الأميركي. فكل الكلام الإعلامي ولرموز الاستخبارات أن روسيا هي الخطر الأول يتعارض مع رأي الأميركيين.

لكن بات واضحا أن الانفصام بين النخب والجمهور العام الأميركي يتزايد. لذلك نرى “التقدّميين الليبراليين” في الولايات المتحدة يدعون إلى ابتكار الوسائل الفاشية كعدم السماح لإعطاء رأي مخالف لرأيهم. كما أن هذه الجوقة من “التقدميين الليبراليين” يدعون إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين. فسخرية القدر هو تبدّل المواقع بين المحافظين التقليديين والذين كانوا من “الصقور” وبين الليبراليين الذين كانوا يبدون اعتراضهم على المغامرات الخارجية الأميركية. فمنذ ولاية كلنتون أصبحت النخب الأميركية بمختلف تشكيلاتها تؤيّد التدخّل الخارجي واليوم متحالفة مع صقور الأمس من الجمهوريين في إعادة أجواء الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك هو استطلاع آخر أجرته مركز المصلحة الوطنية بالاشتراك مع مؤسسة كوخ حيث تبيّن أن 69 بالمائة من الأميركيين أن المصلحة الوطنية هي التي يجب أن تحرّك السياسة الخارجية وليس المواقف العقائدية تجاه الصين أو روسيا. كما أن نشر الديمقراطية في العالم عبر القوة العسكرية كما يتمنّاه المحافظون الجدد والمتدخّلون الليبراليون لم يحظ على 24 بالمائة من التأييد بينما الأكثرية خالفت ذلك التوجه.

تحالف مراكز الاستخبارات الأميركية مع الاعلام الأميركي أطاح بمايكل فلين. ولكن هل يستطيع ذلك التحالف في الاستمرار في هجومه على الرئيس الأميركي للوصول إلى إما تنحّي الرئيس أو إسقاطه في الكونغرس؟ وماذا ستكون ردّة الفعل الشعبية؟ الانقسام الحاد بين الأميركيين من جهة وبين النخب الأميركية وجمهور ترامب يساهم في ضرب تماسك النسيج الاجتماعي خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. من الواضح أن النخب لا تكترث إلى حال المواطن الأميركي العادي وتريد أن تصوّر وتتصوّر أن معظم الاميركيين يؤيّدونها في صراعها مع ترامب. من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يكتشف مدى حدّة الانقسام الذي يحاول أن يخفيه الاعلام المهيمن. والاستمرار بالصراع المفتوح ودون ضوابط ينذر بالتحوّل إلى مجابهة شعبية مع أنصار ترامب الذين لا يقل عددهم عن نصف الناخبين. لم نصل إلى تلك المرحلة ولكن هناك العديد في الولايات المتحدة من يعتبر أن احتمال حرب أهلية أصبح واردا.

أجواء الحرب الباردة ضرورة حيوية للمجمع العسكري الصناعي. ففي عصر التراجع الاقتصادي تزداد الضغوط على الحكومة لخفض النفقات العامة. ولكن ما لا يمكن تخفيضه بالنسبة للمجمع العسكري الأمني الصناعي هو نفقات الدفاع والأمن الذي يحظى بتأييد الجميع. يبقى تخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية وهذا يمس مباشرة مصالح الجمهور الأميركي. فأصحاب المليارات الذي يتولّون مناصب في إدارة ترامب مهمتهم تخفيض نفقات الإدارة وخاصة في البرامج الاجتماعية والتربوية والبيئية والصحية ولكن دون المس بالدفاع والأمن.

وفقا لهذه المعطيات فإن إدارة ترامب مقبلة على اتخاذ قرارات تمسّ برفاهية المواطن الأميركي. هناك أحاديث حول إعادة هيكلة الضمان الصحي للمتقاعدين. كما أن الحديث عن إبطال قانون التغطية الصحية الذي أوجده الرئيس أوباما والمعروف “باوباماكير” يتفاعل في الكونغرس رغم الصعوبات في إبطاله. الاوليغارشية الأميركية أصبحت تحكم بشكل مباشر الولايات المتحدة بينما كانت توظّف سياسيين لذلك الغرض. الغريب أن الهجوم على ترامب لا يتناول بشكل ملموس الأجندة الداخلية التي قد تكون في الحد الأدنى مطابقة للنيوليبرالية التي بدأت في الولايات المتحدة في عهد ريغان وتصاعدت في عهد كلينتون لتصل إلى ذروتها في عهد أوباما. الخلاف هو حول الأجندة الخارجية حيث ترامب أعلن في حملته الانتخابية عن رغبة في “تحسين العلاقات” مع روسيا وعدم التورّط في حروب لا تخدم المصلحة الأميركية كما يفهمها هو.

فما هو مستقبل سياسة ترامب، على الأقل بالنسبة للشعارات التي رفعها؟ من الواضح أن المجمّع العسكري الصناعي ومعه الإعلام المهيمن ربح جولة كبيرة في إبعاد مايكل فلين ولكن هل كانت حاسمة؟ النتيجة الأولية هي إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في المحافل الخارجية. المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في ميونخ الأسبوع الماضي تحدّت عن الخطر الروسي الذي يهدّد كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. الجدير بالذكر أن نفقات وزارة الدفاع الروسية في حدود 66 مليار دولار بينما نفقات بلاد الحرمين وصلت إلى 88 مليار دولار. معظم الدول الأوروبية تنفق أكثر من روسيا على الدفاع فكيف تحوّلت روسيا إلى تهديد حيوي لأوروبا؟ هذا التهديد هو ما شدّد عليه الشيخ الأميركي جون ماك كين على هامش المؤتمر مخالفا بالتالي موقف ترامب. صحيح أن وزيري الخارجية والدفاع الأميركي تكلّما عن تهديد روسي ولكن بشكل غير مقنع. فأين يقين الموقف الأميركي؟ الأسابيع المقبلة ستحمل بعض الأجوبة ولكن في اعتقادنا فإن إدارة ترامب ومعها الولايات المتحدة دخلت مرحلة لا توازن ولا استقرار وحالة ضعف خطيرة قد تطول طالما لم تستوعب النخب مدى عمق التغيير الحاصل في المجتمع وضرورة الانصياع إلى ذلك الواقع الجديد.

%d مدونون معجبون بهذه: