الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

جديد الموقع

من … ثورة الشباب العربي إلى … شباب الثورة العربية … حبيب عيسي

من … ثورة الشباب العربي إلى … شباب الثورة العربي
على بساط الثلاثاء 121
يكتبها : حبيب عيسى
( 1 )
من الطبيعي أن يخشى الذين استنقعوا في مواقعهم على مدى عقود من مصطلح “ثورة”،لذلك نجدهم يبحثون عن مصطلحات بديلة لإطلاقها على ما يجري ، الآن ، في الوطن العربي ، فتارة يسمونها : “صرعة” ، وتارة أخرى يسمونها “حالة” ، أو “موجة” ، أو “عصابة” ، أو “دسّة” ، أو “فوضى” ، أو “فتنة” ، أو انتفاضة ، وهكذا …
ونحن لن ندخل في مماحكة مع أحد ، وإنما سنقدّم رؤيتنا التي سنعتمدها ، ونبني عليها ، ذلك أن تعددّ الآراء نعمة ، فماذا حصل ؟ ، وماذا يحصل في الوطن العربي هذه الأيام … ؟ .
إذا كانت الثورة هي تغيير الواقع الموضوعي من حال إلى حال مختلف ، فما هو التقييم الحقيقي للواقع الموضوعي العربي ؟ ، وهل يتغيّر على يد الشباب العربي ، هذه الأيام ، حتى يمكن أن نطلق على ما يحدثونه مصطلح “ثورة” …؟ .
( 2 )
لقد تمكنت سلطات الطغيان والاستبداد والنهب والفساد والتبعية أن تبسط يدها على الواقع الموضوعي العربي ، منذ أكثر من أربعة عقود ، وتمكنت تلك القوى الباغية من استلاب إرادة المجتمع العربي ، وقمعه وتخويفه ونهب ثرواته وإضعاف نسيجه الاجتماعي عن طريق ضرب مفهوم المواطنة ، والنكوص إلى علاقات ما قبل المواطنة ، وإذكاء الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية والقبلية والأثنية ، ودفع الكتلة الشعبية الكبيرة إلى ما تحت خط الفقر ، بينما الإثراء الفاحش لبطانة الطغاة وخدمهم والمنافقين ، والغاية أن ينشغل المجتمع بالصراعات المفتعلة بين مكوناته ، والتي يديرها الطغاة عن طريق أجهزة أمنية مدربة ومتوحشة مطلقة الصلاحيات ، هي وحدها صاحبة القرار في سائر مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية والعسكرية ، وهي وحدها صاحبة القرار في التعامل مع المجتمع عماله وفلاحيه ومثقفيه وتجاره ومراكزه الدينية والمدنية وأحزابه ومنتدياته وجمعياته ، وهي التي تسمح ، أو لا تسمح بأي نشاط ثقافي أو سياسي أو اقتصادي أو ديني ، باختصار شديد باتت كافة مرافق الحياة وكافة مفاصل المجتمع بيد الأجهزة الأمنية ، وفي ظل هذه الأوضاع استوى الطغاة على عروشهم في اطمئنان كامل لأن المجتمع ممسوك ، ولا خوف من أحد فيه ، والخارج المنافق اطمأن على مصالحه وخفتت أصواته وأصابه الخرس عن ما يدعيه من حرصه على حقوق الإنسان والديمقراطية …
في ظل مثل هذه الأوضاع أغلقت نظم الاستبداد الدائرة في الداخل والخارج على المجتمع ، ولم يعد من الممكن التفكير بالثورة على الطرق التقليدية ، فقد تم إغلاق الطريق أمام المؤسسات العسكرية للانقلابات العسكرية ، كما أن تغّول الأجهزة الأمنية وقمعها أدى إلى تهميش الأحزاب السياسية ، فلا العمل السري ممكن في ظل سطوة أجهزة الأمن والقمع ، ولا العمل السياسي العلني متاح بفعل ذات الأسباب والأجراءات القمعية … بل أدى ذلك إلى إلغاء السياسة من المجتمع وإعادته إلى علاقات ماقبل المواطنة وتهديد النسيج الاجتماعي تهديداً شديداً ، ومن جهة أخرى فأن نظم الاستبداد كانت الضامن لمصالح دول الهيمنة الخارجية وشركاتها الاحتكارية ….
( 3 )
هكذا ، فأن ماقام به الشباب العربي لتغيير هذا الواقع الموضوعي الشديد التعقيد أكثر من ثورة ، وأكبر شأناً ، إنه إبداع ثوري بكل المقاييس ، فاجأ الطغاة ، وأربك قوى الهيمنة الدولية ، واستلهمته شعوب عديدة في هذ العالم تتطلع إلى الحرية ، نحن إذن أمام فعل ثوري بالغ الدلالة انطلق من تونس ، وعزل الطاغية عن مصر ، وانتشرت تداعياته إلى ليبيا واليمن … وبين المحيط والخليج ، باختصار شديد ، لقد غيرّت تلك الثورة المزاج الشعبي العربي بين المحيط والخليج ، وقضت بضربة واحدة على الخوف والاستلاب ، وتمكن الشباب العربي بثورته ، وبالصدور العارية من قلب الطاولة على الطغاة ،وعلى الطامعين في الخارج ، وتجاوز أزمة ضعف المؤسسات الحزبية ، وحتى غيابها في أكثر الأحيان ، نعم ، لقد غيرّ الشباب العربي واقعنا ، وأعاد لجيلنا الآفل الذي كان يستعد للرحيل منكسراً مهزوماً محبطاً ، أعاد له الأمل بأن يرى الطغاة يهربون ، والغزاة يرحلون ، وأن يرى جيلاً عربياً ينعم بالحرية والعدالة والمساواة ، لا إقصاء ، ولا استئصال …لاستئثار ولاتهميش ، ويبني مجتمعاً معافى يعيش بما يملك ويفتح الآفاق للتقدم والتحضر والنهوض والتنوير ….
وبالتالي فإن ماحدث ويحدث في الوطن العربي هو ثورة بكل المقاييس ، صحيح أنها تتعثر هنا ، أو تعترضها عوائق هناك ، لكن التغيير قد بدأ ، فالشعب أراد ، والشعب يريد ، ولا راد لإرادته …
( 4 )
نقول ذلك بداية ، وننطلق منه إلى السؤال البالغ الحساسية : وماذا بعد …؟ .
نعم لقد أبدع الشباب العربي ثورة غير مسبوقة في التاريخ البشري من حيث الأسلوب والأدوات والتصميم والتضحية ، لكن حدود هذه الثورة تتمثل في استعادة الشعب العربي وطنه المخطوف والمنهوب ، هنا تثور المشكلات المستجدة ، ذلك أن الشعب الذي استعاد وطنه ، وامتلك حريته يجد نفسه بدون مؤسسات حزبية سياسة قوية ، بدون مؤسسات تطرح برامج شاملة مرحلية واستراتيجية ، فالاستبداد المديد جرد المجتمع من عوامل قوته ومقدرته ، وبالتالي على المجتمع أن ينتج مؤسساته الحزبية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، فالشعب العربي يستلم وطناً منهوباً فيه من الخرائب أكثر مما فيه من البنيان ، حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية والإنسانية ، ترك الاستبداد المديد الكثير من الرضوض النفسية التي تحتاج إلى معالجة عاجلة ، وهذا يعني أن المسألة انتقلت من مرحلة الشباب الذين استعادوا الوطن ، ألى مرحلة التأسيس والتصيم للبناء على الأرض المحررة وهذه ثورة جديدة قد تكون أكثر صعوبة من الأولى ، وهذه الثورة الثانية هي التي ستحدد مكان الثورة الأولى في التاريخ …
( 5 )
الآن ، ومن خلال المتابعة عن بعد لما يجري في كل من تونس ومصر ، حيث الساحتين المحررتين حتى الآن ، يمكن تسجيل الملاحظات التالية :
أولاً : أن الشعب العربي في كل من تونس ومصر مازال يمارس فرحه بأجواء الحرية التي افتقدها طويلاً ، ورغم ذلك بدأ السؤال : وماذا بعد ؟ ، يطرح نفسه .
ثانياً : بدأ البحث الجدي عن أطر سياسية ، وبرامج ، هناك من بدأ بترميم أحزاب كانت قد تعرضت للقمع ، وهناك من يؤسس أحزاباً جديدة ، وهناك من يبحث عن جديد ، فالثورة تجبّ ماقبلها … 
وهذا كله يمكن وضعه في سلة الإيجابيات ، المهم مواجهة الاستحقاقات المستجدة ، وأن يولي الجميع وجوههم شطر المستقبل …
في هذا الإطار ، وفي أجواء التعدد والتنوع الذي يجب أن يحرص عليه الجميع ، سنجد أنفسنا أمام مشهد سياسي حيوي تعود فيه الإرادة الشعبية لتفرض نفسها بعد غياب ، وبالتالي فإن مستقبل أي مشروع سياسي يتوقف على مدى مقدرته على الإقناع فكراً وممارسة …
هنا ، لابد لي من حديث خاص عن المشروع القومي العربي التقدمي النهضوي التنويري ، ذلك أن هناك همس في الوطن العربي حول غياب هذا المشروع عن الإعلان عن نفسه ، وعن برامجه وتوجهاته رغم أن كل ماجرى من المفترض أنه يصب في مصلحته ، فنحن أمام صحوة عربية بعد طول انحسار … فلماذا هذا الغياب ؟ ، وكأن القوميون العرب التقدميون مازالوا أسرى مرحلة الانحسار والتغييب ، وكأن ماجرى لايستحق منهم مراجعة شاملة استناداً إلى معايير ثلاثة :
الأول : التزام الأهداف القومية الاستراتيجية بالسعي لإقامة دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية دون انتقاص ، أو مساومة .
ثانياً : جميع الأساليب والممارسات التي مارستها فصائل الأحزاب والحركات القومية العربية في الماضي … خاضعة للمراجعة والنقد ، وكذلك الباب مفتوح لإبداع أساليب وأدوات مناسبة ومرنة بناء على معايير الحرية والديمقراطية الملزمة للجميع .
ثالثاً : إشهار الحزب القومي العربي “الطليعة العربية” في الأجزاء ، والالتزام ببرنامج قومي للكل العربي ، وكذلك برامج للأجزاء ، يتم من خلالها الانخراط في النشاط السياسي في الأجزاء للتعامل الإيجابي مع الواقع كما هو …
إن هذا يتطلب تضافر كافة الجهود والتعالي على سلبيات المرحلة المنصرمة، وما خلفته من انقسامات وخلافات انقضت اسبابها ، فالثورة تجبّ ماقبلها ، من جهة ، كما أنها أحدثت واقعاً جديداً ، الموقف منه ، ومن المستقبل هو المعيار الوحيد … وهذا يتطلب مساهمة كل قادر في أي مجال من المجالات ، ثم ، ليتم اعتماد الأسلوب الديمقراطي ، فيتم عرض جميع المساهمات ، ووضع البرامج والأسس ، بالأسلوب الديمقراطي …
وفي هذا المجال ، فإنني كنت ، وعلى مدى عام كامل تقريباً ، قد عرضت “على بساط الثلاثاء”في الحلقات من \20\ إلى \54\ “البيان في التأسيس للبنيان” وكانت الحلقة الأخيرة منه تحمل عنوان “العقد” اعتقدت أنه يصلح كمشروع عقد قومي للطليعة العربية ، وأتبعته بمشروع عقد للطليعة العربية في سورية كنموذج ، فيما لو كان ذلك ممكناً بعد صدور قانون للأحزاب ، و بهذه المناسبة أضع المشروعين بتصرف الشباب العربي علهم يجدون فيهما مايفيد ….أوعلى الأقل يحفذهّم لإبداع جديد … 
حبيب عيسىE-mail:habib.issa@yahoo.com