الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

مقال في النقد الفنى – د. عصمت سيف الدولة

tampon

مقال في النقد الفنى

 

النقد الفني علم ذو قواعد ومقاييس محددة ، وإن كان، مثل كل شيء متطور. وليس من شروط النقد الفني أن يكون صاحبه فنانا . ولو كان فنانا لكان أكثر إجادة في تطبيق قواعد علم النقد على العمل الفني الذي ينقده. غير أنه يستطيع بإجادة علم النقد ذاته أن يعوض الموهبة الفنية المفتقدة فيصبح ناقدا جيدا. ولكن ما هي غاية النقد الفني؟.. ما هي مهمة الناقد؟.. إنها الكشف عن توافر أو عدم توافر كل أو بعض عناصر الخلق الفني طبقا لقواعد ومقاييس علم النقد.. يكتشف أولا ماذا أراد الفنان أن يقول بعمله الفني. ودوره هنا مقصور على الاكتشاف، فليس من شأن الناقد أن يبتكر أو يفترض شيئا لم يرد الفنان التعبير عنه، لأن هذا إلغاء للفنان وإحلال للناقد محله. ومحك التفوق في هذه الخطوة الأولى هي المقدرة على الموضوعية والتحرر من الإسقاط الذاتي ، حيث تكون أفكار الفنان ” موضوعا ” للاكتشاف وليس موضوعا للحوار مع الناقد ، ذلك لأنه عن طريق اكتشاف الموضوع كما هو ، يقدم الناقد إلي قرائه أول دليل عل أمانته وجدارته بموقع الناقد ، الذي هو قريب من موقع القاضي .

إذا تمت هذه الخطوة بنجاح، يكون على الناقد أن يرى، طبقا لمقاييس وقواعد علم النقد، ما إذا كان صاحب العمل الفني قد استطاع، أو لم يستطع، وإلى أي حد- التعبير عن أفكاره تعبيرا فنيا. نقول تعبيرا فنياً، وليس مجرد التعبير، إذ أن ما يفرق الفن عن غيره من وسائل التعبير أنه تعبير ذو خصائص فنية وجمالية معينة. وتمنح هذه الخطوة الثانية للناقد مجالا رحبا لمناقشة المضامين منفردة ، والمضامين مجتمعة ، والصيغة ، وتركيب البناء الفني، وحتى حرية تقييم ملائمة أو عدم ملائمة الألفاظ ، أو الألوان ، أو المواد ، المستعملة في العمل الفني . كل هذا لينتهي إلى إجابة محددة، ليس له الحق- كناقد – أن يتجاوزها: هل استطاع صاحب العمل الفني أن يعبر تعبيرا فنيا عن أفكاره وإلى أي مدى؟ ..

 هنا تتوقف مهمة الناقد..

(2)

غير أن قلة قليلة من النقاد تلتزم هذه الحدود، ومرجع هذا إلى أسباب ثلاثة:

* السبب الأول: أن النقد الفني وإن كان علما ذا قواعد وأصول وأسس، إلا أنه متعدد المدارس، مثل أغلب العلوم. ومن هنا يختلف نقد العمل الفني من ناقد إلى آخر تبعا للمدرسة الفنية التي ينتمي إليها. صحيح أن ثمة قواعد مشتركة في كل مدارس النقد الفني، ولكن ثمة أيضا قواعد تأخذ بها بعض المدارس ولا تأخذ بها مدارس أخرى. أغلب أسباب الخلاف تتصل بقواعد ومقاييس تقييم الموضوع . فمن المدارس النقدية ما يرى ترك المضمون لاختيار الفنان على مسئوليته وعدم مغادرة المقاييس الفنية إلى مقاييس فكرية أو سياسية أو اجتماعية.

ومن المدارس النقدية ما يرى أن تقييم ملائمة المضمون فكريا أو سياسيا أو اجتماعيا يدخل في صميم تقييم العمل الفني. ثم تأتي بعض أسباب الخلاف من التطور النامي لعلم النقد ذاته. فبعض المدارس لا تزال تتمسك بمقاييس النقد (الكلاسيكية) بينما تبتكر بعض المدارس الأخرى مقاييس جديدة، متطورة، أو تتبناها، والمهم أن مقاييس النقد الفني، وإن كانت كلها عملية، غير متفق على بعضها، ومن هنا يختلف النقاد في نقد وتقييم العمل الفني الواحد.

* السبب الثاني: أن الناقد إنسان ذو هموم، انه لا ينقد من فراغ، وليس مقطوع الصلة بظروفه الاجتماعية. وبالتالي فإن لكل ناقد موقفا مسبقا من مضمون العمل الفني أيا كان مضمونه.

وإذا كان محك الإجادة في النقد- كما قلنا- هو اكتشاف أفكار الفنان كموضوع وليس الحوار معها حوارا ثنائيا من خلال النقد، فإن هذا يتجاوز مقدرة كثير من النقاد. فترى الناقد ” الجيد” يخلط رؤيته الخاصة برؤية المؤلف، ويأخذ من النقد وسيلة إلى تأويل العمل الفني على الوجه الذي يقترب فيه من رؤيته الخاصة. ولأنه ناقد جيد فإن فرز ما عبر به عن نفسه مما قاله نقدا للعمل الفني لا يكون مثار صعوبة كبيرة، انه اختلاط وليس اندماجا..

انه ضعف في التعبير وليس ضعفا في المقدرة النقدية. ويسهل عادة معرفة ما يخص المؤلف وما يخص الناقد في عملية النقد المختلطة، ولكنه عندما يكون ناقدا غير جيد يكون همه الأول ألا تغيب ذاته عن النقد الذي يطرحه، فيسقط أفكاره على أفكار من يتصدى لنقد أعمالهم، ويخلط نواياه بنواياهم. إنه يبدأ عادة بأن يسر إلى نفسه لو كنت أنا صاحب العمل الفني لكنت عنيت به كذا، فيلغي صاحب العمل الذي ينقده ويحل نفسه محله. وعلى ضوء ما يعنيه هو يقيس مقدرة المؤلف الغائب على التعبير عن نواياه – نوايا الناقد – ويكون من المتوقع حينئذ أن تختلف آراء النقاد ” غير الجيدين ” اختلافاً بيّناً في تقييمهم للعمل الفني الواحد .

* السبب الثالث : أن كثيرأ من المتصدين للنقد من الهواة ، ولا يملكون المعرفة العلمية لا بالنقد وقواعده ولا بالفن واصوله ، ومع ذلك يتصدون للنقد منطلقين من الانطباع الأول السطحى لقراءتهم العابرة ، ومقياسهم في التقييم ان الشكل الظاهر للعمل الفني قد أرضاهم أو لم يرضهم ، انهم يترجمون العمل الفني ترجمة فورية مباشرة الى فعل أو رد فعل . ولما كان من خصائص العمل الفني أنه ليس وسيلة تعبير مباشرة فإن مواتف الهواة تكون – عادة- ابعد المواقف عن النقد العلمي ، لأن فهمهم للعمل الفني يكون أبعد المفاهيم عما خطر ببال صاحبه .. لهذا تراهم يختلفون ، من فرد إلى فرد ومن وقت إلى وقت ، ثم ينسون الأمر كله إلى ان يتذكروه في مناسبة اتفاق أو في مناسبة اختلاف .

ومع أن حصيلة هذه الأسباب الثلاثة ستكون على حساب مبدع العمل الفنى، إلا أن المبدعين لا يصححون عادة أراء الناقدين الجيدين ، وغير الجيدين والهواة.. وهو خبث غير مقصود. ان اختلاف الناقدين فى العمل الفنى الواحد ، وكثرة ” لغط ” الهواة حوله ، يضفي عليه أهمية كل شيء غامض يحار الناس فى تحديد ماهيته فيختلفون به. إنه يثير الفضول ويجذب انتباه أعداد نامية من الناس إلى العمل الفني . فيسترد الفنان بذلك حضورأ في أذهان الناس يعوض غيبته في أذهان النقاد .

(3)

ومن قواعد النقد الفنى ومقاييسه أن العمل الفني ” معادل موضوعي ” لفكرة ( أو مجموعة من الأفكار ) يريد الفنان أن يثيرها في أذهان القراء أو المشاهدين . هو ” معادل ” للفكرة بمعنى أنه ليس تعبيراً مباشراً عن ذات الفكرة . ولكن من شأنه – عندما يكون متقناً – أن يثير في ذهن القاريء أو المشاهد تلك الفكرة التي قصد الفنان أن يثيرها في ذهنه .

بمعنى أن يجذب انتباهه إليها لا أن يعرضها عليه كما هى . لهذا فإن أول سلب لقيمة العمل الفنى هو الطرح المباشر للفكرة أو الأفكار المحركة. وأول سلب لقيمة النقد الفنى هو التقاط الفكرة من أداة التعبير الفنى التقاطأ مباشرأ، كما لو كان العمل الفني مجرد خطاب، وكان  رمزيأ. أما أنه معادل ” موضوعى ” فلأنه لا يثير فكرته بواحد أو أكثر من عناصر العمل الفنى، تكون باقى العناصر على هامشه لمجرد اعطاء شكل فنى زائف لتعبير خطابى . الفنان يطرح موضوعأ، قصة، مسرحية، قطعة شعر، لوحة، تمثالا.. إلخ، وفي كل من هذه عناصر عدة من الألفاظ والأشخاص والألحان والألوان والمواد ، تتكامل كلها فى العمل الفنى ليصبح موضوعأ قائمأ بذاته ، بمعنى أنه لا يكون فى حاجة- ليكون موضوعأ متكاملا- لشىء من خارجه حتى يؤدى وظيفته. أى لا يكون محتاجأ أولا إلى صاحب العمل الفنى نفسه ليكمل للقارئ أو للمشاهد ما وراء ، أو ما حول ، أو ما أمام العمل الفنى حتى يصبح تعبيره مفهومأ أو قابلا للفهم. ولا يكون محتاجأ ثانيأ لتكملة منتظرة أو لعنصر اضافى من خارجه. لهذا فإن ثاني سلب لقيمة العمل الفنى هو احتياجه إلى إضافة ، وثاني سلب للنقد الفنى هو الاتجاه إلى الاضافة.

وعندما يكون العمل الفنى معادلا موضوعيأ متكاملا تبدأ المهمة الصعبة للناقد . فها هو أمام أحداث مصاغة وأشخاص مخلوقين ، أو ألوان موزعة وممتزجة ، وألحان متتابعة ، او مواد مشكلة تشكيلا جميلا.. إنه أمام موضوع ، وهذا الموضوع يعبر عن مضامين معينة بالألفاظ أو بالألوان أو بالألحان ، وهى مضامين لا يخطىء الناقد – وحتى الإنسان العادى- فى تلقيها من العمل الفنى ، بحيث يستطيع بسهولة أن يعرف ما يقال ” فى العمل ” الفنى . ولكن لأن العمل الفنى معادل وليس تسجيلا لوقائع ، فإن ما يعرفه الناقد ، أو أى إنسان ، مما يقال ” فى العمل ” الفنى ليس هو – على سبيل القطع- ما يريد المؤلف أن يقوله ” بالعمل الفنى ” ، فبينهما صلة.. نعم صلة وثيقة ، ولكنهما غير متطابقين . وقد تكون الصلة الوثيقة بينهما خافية بحيث تحتاج إلى جهد جهيد لاكتشاف ما يريد المؤلف أن يقوله ( بالعمل الفنى) ، لهذا يحتاج كل ناقد إلى قدر غير قليل من الحساسية الفنية والتدريب ليكون ناقدأ جيدأ..

(4)

ليس هذا كل شىء. فبالإضافة إليه لابد من الاتقان، أى اتقان البناء الفنى، إذ أن له قواعد بناء أكثر تعقيدأ- بمراحل- من بناء العقارات، ومعرفة هذه القواعد فى نشأتها وتطورها لازمة لكل من الفنان والناقد . فالفنان يشيد بناءه الفنى طبقأ لها، والناقد يعود فيقيس البناء بمقاييسها. وهذا يعنى أن الفن ليس عملية افراز تلقائى او تعبيرأ صوفيأ فى مرحلة غيبوبة كاملة أو ناقصة ، بل هو صنعة ، وصنعة دقيقة ، تبدأ المهارة فيها من اختيار المادة الخام كماً ونوعأ، سواء كانت المادة الخام قطعة من القماش أو مجموعة من الألوان ، أو فكرة فجة أو دارجة، أو كانت لحنأ سوقيأ يتداول فى الأزقة و الشوارع ، أو كان قطعة من الخشب أو الطين.

وفى عالم الرسم يكاد يكون لكل فنان تركيبة خاصة- سرية- من الألوان والزيوت والأقمشة، وقلما يبوح فنان بفكرته التى يريد أن يحولها إلى قصة أو مسرحية ، ذلك لأن فى اختيار المادة الخام منذ البداية تتجسد مهارة الفنان التى ستميزه عن غيره فيما يخلق من فن ، ثم يأتي التشكيل أو الصيغة ، وهذا هو الميدان الأصيل لمقدرة البناء الفنى. وقد يتصور أن العمل الفنى المعروض عليهم قد تم خلقه بروح ملهمة مرة واحدة ، بينما تكون عشرات المشروعات قد مر بها العمل الفنى مرات ومرات ، وفي كثير من الأوقات سنوات وسنوات ، قبل أن تعرض عليهم ، والفنان عاكف على عمله الفنى يخلقه ويعيد خلقه ويضيف إليه ويأخذ منه، وفى كل مرة يختبره على محك أصول البناء الفنى من ناحية وعلى حاسته الفنية من ناحية أخرى ، إلى أن يستقر أخيرأ- على الوجه الذى يرضيه.. فيخرجه للناس . عندما نرى مثلا فى احدى المسرحيات أن حوارأ قد طال ، فليس مرد هذا إلى عجز المؤلف عن الاختصار، أو أن حوارأ قد قصر فليس مرده إلى العجز عن الإطالة ، وعندما نرى ايقاع الأحداث بطيئأ فلا ينبغى أن نظن أن أنفاس المؤلف قد تقطعت ، وعندما نراه  سريعاً لاينبغى أن نحسب أنه يجرى ويلهث. إن كل هذا متعمد، ولأنه متعمد فإن صاحب العمل الفنى مسئول عنه ، وليس للناقد أن يلوم المؤلف على أنه اطال أو اختصر او تلكأ أو أسرع ، بل عليه- أى الناقد- أن يكتشف علاقة هذا التنوع فى تضاريس البناء الفنى مما يريد المؤلف أن يقول ، فقد تكون الإطالة مقصودة مثلا لتركيز التنبيه على نقطة معينة، وقد تكون لإثارة الضجر من ذات النقطة. أو قد يكون البطء لإثارة الملل تمهيدأ لوثبة قادمة ، أو يكون لإفساح المجال للتأمل فى عرض بطىء لوثبة هى في أصلها قادرة على الإسراع.

المهم أن كون العمل الفنى معادلا موضوعيأ لفكرة أو مجموعة من الأفكار يريد المؤلف إثارتها فى أذهان القراء أو المشاهدين ، لا يعنى أنه معادل غير محكوم بقواعد موضوعية، بل لابد للفنان من أن يكون متمكنأ منها أولا، ولا بد له- ثانيأ- من التزامها فى بناء العمل الفنى.

(5)

يبقى من عناصر العمل الفنى الفنان نفسه ، حيث يمكن القول بشكل عام أن العمل الفنى هو ما ينتجه الفنان . نعنى الإنسان ، وأى انسان ، من حيث هو فنان . ذلك لأن كل ما سبق من عناصر العمل الفنى يمكن اكتسابها بالمعرفة العلمية والمران، حتى اتقان البناء الفنى يمكن اكتسابه كما يفعل كثيرون من أساتذة الأدب والفن القادرين دائمأ علي أن ” ينشئوا ” – ولا أقول يخلقوا- عملا فنيأ مطابقا لأصول الصنعة الفنية كما تعلموها فى دراستهم للأدب والفن وقواعدهما. ولكن مثل هذا العمل لا يكون فنأ، وقد نعجزعن اكتشاف العيب فى بنائه، وقد لا يكون فى بنائه عيب، ولكنه يبقى فاقد الروح ، إنه كتمثال اجتمعت له كل الخصائص والتفاصيل الى يعرفها علم التشريح ، ولكنه بارد ، ميت لا ينطق ، نراه  مرة فيثير اعجابنا بمهارة المثال ولكننا لا نفتقده إذا فقدناه.

ماهو مصدر هذه المقدرة على الخلق الفنى إذن ؟.. إنه في الأصل موهبة ، أعني لابد من أن تكون في الأصل الموهبة . نقول فى الأصل ، لأن المواهب استعداد فطرى يكتمل بالعلم . فإذا لم تصادف المواهب الفنية الظروف الاجتماعية التى تمكن صاحبها من أن يغذيها وينميها بالمعرفة تضمر وقد تموت . ولكن ما كنه هذه الموهبه ؟.. بماذا يتميز الفنان عن غيره حتى نقول انه موهوب ؟.. إن بعض الفنانين اغبياء وبعضهم مجانين وبعضهم محدودو الثقافة، وبعغهم منحلون خلقيأ ، وبعضهم بخلاء أو كذابون أو حتى قذرون.. فعلى أى وجه يكون أحدهم موهوبأ فيصبح بالعلم والممارسة فنانأ ؟.. ثم ان كل فنان تقريبأ لا يتقن إلا لونأ واحدأ من ألوان الفن ، فهل هى موهبة نوعية أم هى موهبة إنسانية ؟.

ونقول: الإثنتان معأ..

فهى أولا موهبة انسانية لابد من أن تتوافر فى كل فنان. وهى تتوافر فيه جنينية قبل أن يدركها هو أو يدركها غيره. غير أن هذا لا يعنى أن الموهبة هى ما يقال له ” غريزية “. كل مافي الأمر أنها كموهبة الذكاء ، نعرف انها نتاج عديد من العوامل البيئية و الوراثية و (الفسيولوجية) اجتمعت فى انسان بعينه ، وإن كنا لا نعرف إلى أي عامل ، على وجه التحديد، نستطيع أن نردها. فالموهبة الفنية مثل هذا تمامأ، إنها لاتأتي من العدم ، ولكنا لا نعلم حتى الآن كيف يختص بها انسان دون غيره ، ولعل مرد هذا إلى قصور معرفتنا الحالية بكل العوامل التى تصوغ الإنسان. و لكن غدأ أو بعد غد قد يقدم لنا العلم كل الإجابات الصحيحةعن كل هذه الأسئلة.

وإذا كنا لا نستطيع حتى الآن أن نعرف لماذا يختص انسان معين دون غيره بالموهبة الفنية، فاننا نستطيع أن نجتهد لبيان خصائص هذه الموهبة.

إن الفنان ، ككل إنسان ، لا يستطيع أن يفلت من القوانين الموضوعية ، التى تحكمه وتحكم الوجود معه ، فهو يؤثر ويتأثر، ويتغير، ويتحرك ، مثله كمثل كل شىء. ثم إنه يختص ، دون جميع الموجودات ، بقانونه الذى يضبط حركته . إنه كائن جدلى ، بل هو الجدلى الوحيد. وحتى لا نغادر حدود هذا المقال إلى معمعات الفلسفة نقول إن كل إنسان لا يستطيع الا أن يدرك الماضى الواقع ويتصور المستقبل ، ولما كان الواقع  ماديأ غير قابل للالغاء ، والتصور فكريأ غيرمحدود بقيود ، فإنهما معأ يتناقضان في الإنسان نفسه وتنتج مشكلة ، مشكلة أى انسان ، أن يحل هذا التناقض لينهى الصراع بين الضدين فى ذاته. وهو يحله بالعمل الذهني أو اليدوى الذى يأخذ من الماضي ومن المستقبل ما هو قابل للتحقيق فينجزه ، غير أن ما ينجزه، حلا لمشكلة ، ما يلبث عند تحققه أن يكون جزءأ من الماضى الواقع ، فينشأ تناقض جديد ومشكلة جديدة في الإنسان نفسه يحلها بعمل جديد ، وهكذا.. لا يستطيع انسان أن يفلت من هذا القانون الذى يضبط حركته حتماً.. فأين الفنان وموهبته الفنية ؟.

انها المقدرة الفائقة على تقبل أحداث الماضى الواقع ، وهى مقدرة فائقة الحساسية، يسمونها الحاسة الفنية.. فرط الحساسية بالمشكلات التى تطرحها الحياة الواقعية. فبينما يكون الإنسان “العادى” مستغرقاً فى ذلك الجزء الذى يعنيه من مشكلات الحياة ، تكون الموهبة الفنية قادرة على استقبال والتقاط ملايين من المشكلات الاجتماعية . وبينما تطغى المشكلات الكبيرة على المشكلات الصغيرة عند الإنسان العادى ، فتمر به ملايين المشكلات الانسانية وهو مستغرق فيما يعتقد أنه جدير وحده بالانتباه ، تكون الموهبة الفنية قادرة على استقبال والتقاط تلك المشكلات التي لا تثير انتباه أحد لفرط تفاهتها . وباختصار فإن الموهبة الفنية هى لوح حساس تنعكس عليه الحياة جملة وتفصيلا، ويأخذ كل حدث فيها مكانه من الصورة الكاملة للواقع.

ثم تأتى المقدرة الفائقة على التصور أو ما يسمونه ” التخيل ” فكل فنان لا يكون فنانأ إلا بقدر تفوقه فى المقدرة على إعادة تشكيل عناصر الواقع فى صور ذهنية قد تبدو للإنسان العادى مفرطة الغرابة، ليس فى مضمونها فقط ، بل فى مداها الذى قد يشمل الإنسانية كلها مكانأ، ويتجاوزها زمانأ .. ومن العناصر ذاتها التى يعرفها ، أو يمكن أن يعرفها كل انسان ، يستطيع الفنان وحده أن يركب، ويعيد تركيب عوالم لا نهائية فى محاولة دائمة لتصور الكمال الإنساني.

الحساسية الفائقة فى إدراك الواقع، والمقدرة الفائقة على تصور المستقبل ، يؤديان إلى شعور الفنان شعورأ فائقأ بالتناقض بينهما، وبالتالي يحس احساساً فائقأ بالمشكلات التى يولدها هذا التناقض. وهنا يكمن سر العذاب اللذيذ، والقلق المضنى، اللذين يسبقان عادة الخلق الفنى.. حيث يعيش الفنان مشكلة قد يراها البعض صغيرة أو تافهة ، أو لا تستحق كل هذا القلق ، أو لا تستأهل البحث عن حل ، ولكن الفنان الأرهف احساسأ والأرحب تصورأ، يعيشها مشكلة حادة لابد لها من أن تحل.

كيف تحل ؟.. بالعمل ، مثل كل المشكلات ، ولكنه هنا ليس الحل المباشر النمطى، بل هو الحل الفنى . أن يقدم الفنان معادلا موضوعيأ للمشكلة وحلها، غايته أن يثير انتباه القراء ، والمشاهدين  إلى المشكلة الأصل والحل الأصل . ويؤدى هذا على افضل ما يكون إذا استطاع أن ينقل احساسه بالمشكلة وتصوره لحلها إلى القراء أو المشاهدين ، بدون أن يقول لهم ما هى المشكلة وما هو الحل ، وبالتالي ينقل إليهم عذابه اللذيذ وقلقه اللذين سبقا العمل الفنى ، أما الباقى، أى مدى استعداد القارئ أو المشاهد لتقبل كل هذا فيختلف من شخص إلى شخص ولا يسأل عنه الفنان، ولكنه يسأل تمامأ عن أداة نقل احساسه وقلقه ، ذلك لأن كل ما تحدثنا عنه من قواعد ومقاييس البناء الفنى وأصول الصنعة الفنية ، ما هو الا تلك العناصر اللازمة علميأ ليكون العمل الفنى موصلا جيدأ بين الفنان وقارئيه أو مشاهديه.

ونعني بأنها لازمة علميأ: أنها خلاصات الدراسات المقارنة فى التراث الفني الإنسانى . وهى قابلة للتطوير، ولكنها وإلى ان تتطور غير قابلة للاهدار، بحجة أن للفنان وسائلة الخاصة فى نقل احساسه بالمشكلات إلى الآخرين .

وأما العنصر الثاني الذى يكاد يجعل من الفن تخصصأ نوعيا فليس مرده إلى الموهبة الفنية، فهى موجودة لدى كل فنان ، و لكن مرده الى ” اتقان ” الصنعة. ولا يكاد أى انسان يتقن إلا صنعة واحدة . كذلك كل فنان لا يكاد يتقن التعبير عن موهبته إلا بصناعة معينة واحدة. ولهذا التخصص أسباب اجتماعية وبيئية غالبة.

(6)

من أين يأتي المؤلف الفنان بأفكاره ؟.

الإجابة تختلف باختلاف ما إذا كنا نعني الأفكار التى يريد أن يثيرها ” بالعمل ” الفنى  أو الأفكار التى يصوغهـا ” فى العمل ” الفني .

أما الأفكار التى يريد أن يثيرها ، والتي يقال لها ” محرك ” العمل الفني ، فلا يمكن أن يكون لها مصدر غير الواقع الاجتماعى فى حركته الجدلية التي لاتتوقف أبدأ. ولولا ذاك لما كان الفنان (الإنسان) هو أداة الجدل ، يلتقط الأفكار من الواقع ، ليعيدها إلى الواقع فى خلق جديد، فإن الواقع بالنسبة إليه ينطوى دائمأ على عناصر ثلاثة ، هى عناصر الحركة الجدلية: مشكلة. حل. عمل. فهو إما أنه يريد أن يثير فكرة مشكلة ، أو أن يثير فكرة حلا، أو أن يثير فكرة عملا، أوأن يثيرها كلها معأ فى عمل فني ، يقال له حينئذ عمل فني كامل . ولا يمكن لأى فنان أن يستهدف، وينجح، فى اثارة فكرة تخرج عن هذا الإطار المثلث إلا فى حالة واحدة هى إثارة فكرة تتصل بالعلاقة الحركية الجدلية من هذه العناصر. أى أن يثير فكرة منهج ، وبذلك تتكامل الأبعاد الأربعة للواقع الاجتماعى ، الذى لا يستطيع أى فنان أن يتجاهله ، ولا أن يثير أفكارأ إلا فيه كما هو، سواء أعجبه أو لم يعجبه .

وهذا يعني أن الفكرة المحركة للعمل الفنى لابد أن تكون فكرة اجتماعية وواقعية. فالواقع الاجتماعى حاضر أبدأ مع المؤلف الفنان . لا نقول حاضرا فى ذهنه ، بل نقول حاضرا معه ، لأنه مصدر أفكاره التى يريد أن يثيرها ” بالعمل الفني ” ، بصرف النظر عن الأفكار التى يستخدمها ” في العمل ” الفنى- كما سنرى- وهى الظروف الاجتماعية التى يعيش الفنان فيها.

ان اغتراب الفنان عن مجتمعه مستحيل مثل استحالة اغتراب أى إنسان آخر عن مجتمعه. واغترابه عن وعيه ممكن ، ولكن اغترابه هو نفسه مستحيل . ذك لأنه سواء كان الإنسان فنانأ أو غير فنان فإن علاقته بمجتمعه ليست متوقفة على إرادته المنفردة . وعى أو لم  يع ، وأراد أو لم يرد، فهو جزء من مجتمعه مؤثر فيه ومتأثر به ، ومتغير متحرك معه ، دائمأ، طبقأ لقوانين موضوعية تضبط حركته وحركة مجتمعه حتما، ولا فكاك له من هذا . حتى النزوع الى الاغتراب أو تعمده  ليس في الواقع إلا رد فعل لواقع اجتماعى معين ومرفوض عادة، ولكنه من حيث هو رد فعل لا يفعل شيئأ أكثر من تأكيد الفعل الذى كان ردأ عليه، أى تأكيد العلاقة العضوية بين الفنان (الإنسان) وبين مجتمعه. ومن قمة ” الأبراج العاجية ” التي يحاول بعض الفنانين أن يوهموا أنفسهم بالعزلة فيها، والاستعلاء أيضأ، يستطيع كل فنان- لو أطل برأسه – أى يرى أرضه كما هى، سواء أعجبته أو لم تعجبه ، ولن يرى إلا أرضه حق لو تقوقع داخل برجه ورفض أن يطل عليها، وانه لا يفعل بهذا أكثر من التعبير عن أكثر المشكلات حدة في أرضه : ان الحياة عليها أو حتى رؤيتها لم تعد تطاق. ثم تبقى مسألة الحل في الهروب ومدى جدواه ، وهذه مسألة اخرى . ولو ذهب الفنان الى حد انكار أرضه ذاتها فإن تتبع قوائم برجه العاجى، نزولا من مكمنه ، لابد أن ينتهى إلى قوائمه المغروسة في الأرض ذاتها، حيث تشكل صلابة الأرض و اتجاه الرياح ، الإمكانات المعينة موضوعيأ لبقاء  البرج قائمأ ، ولبقاء الفنان مختفيأ. هذا بدون حاجة إلى ترجمة تلك الصورة إلى واقعها الحى، حيث يأكل الفنان ويشرب ويلبس وينام ويستيقظ ويقرأ ويكتب وينشر… وباختصار يعيش بأدوات ليست من صنعه، بل هى من صنع المجهولين الذين يسمون ” المجتمع “. وعلى قدر اتقانهم صناعاتهم يستطيع هو أن يتقن صناعته.. ولا مفر.

 فلا مهرب اذن من الوحدة بين الفن والحياة !. وتترتب على هذا ثلاثة مواقف مهمة لسلامة النقد الفني :

*  انه لا عبرة ولا اعتداد مما قد يعلنه الفنان من انه ، كفنان ، فوق المجتمع ومشكلاته، وأن الفن يجب أن يكون للفن وحده ولا شأن بما يجرى فى الحياة . هذه ألفاظ ” دعائية “غير ذات مضمون . وكثير من الأدباء المرضى ” بالنرجسية ” خاصة ، أو بالشيخوخة، يحتالون لشد انتباه الناس إلى ذواتهم بحيل صبيانية ، بما يشيعونه عن أنفسهم- بأجر فى أغلب الأوقات- من مواقف تجريدية أو ” سريالة “، أو بما يقولونه عن أنفسهم ، ولكن في شكل دفاع عن ” سمو ” الفنان واستعلائه وانفلاته من المجتمع الذى هو جزء منه. وليس أقل من هذا فراغأ من المضمون، وصبيانية دعائية، ما يزعمه بعض الفنانين من الحيدة- باسم الفن- بالنسبة إلى مشكلات المجتمع وحركته الخارقة التي تحملهم معها شاءوا أم أبوا ، فهم إما على رأس موجة أو في قاع انحسر عنه الموج . كل هذا وهم يرددون أنهم على الحياد ولا شأن لهم بما يجرى من حولهم . ومن ألوان الحيدة الزانفة ” التعادلية ” وهى ضرب من التلفيق المثالى بين المتناقضات الموضوعية يزعم بها الفنان ، أنه هناك فوق فوق فوق  المجتمع قد أقام من نفسه حكمأ محايدأ، ينصح الناس بأن يهتدوا إلى حل وسط ، بينما الحلول الوسطية مستحيلة.

نقول انه لا عبرة ولا اعتداد بكل هذا عندما يصدر عن فنان. لأنه فى حالة صدوره عنه لا يكون فنانأ. وإن ما ينتجه من أفكار للاحتيال الدعائي أو الأوهام الحيادية الجبانة ليس فنأ، بل آراء يطرحها كما يطرح كل الناس أراءهم. وهى  آراء فارغة ترضى صاحبها، ولكنها غير جديرة بالانتساب إلى الفن ولا بانتباه النقاد.

وعندما يحاول الناقد أن يفتش في العمل الفنى عن موقف ” غير اجتماعى “، أو حتى حيادى، تحت تأثير ما يعلنه صاحب العمل الفنى ، يكون قد وقع فى شباك خداع المؤلف ، فعلى الناقد أن يحاول دائما اكتشاف الفكرة التى يريد الفنان أن يثيرها، ” بالعمل ” الفنى، فى أذهان القراء أو المشاهدين، وسيجدها حتما، وسيعرف منها- بالرغم من ادعاءات المؤلفين- أن لكل منهم مواقف لا تجريدية ولا حيادية ولا تعادلية ، وأنهم غارقون حتى آذانهم فى أمواج الحياة التي تحملهم إلى حيث تريد، إذا أبوا أن يسبحوا فيها إلى حيث يريدون.

* الثانى انه ما دام وراء كل عمل فنى فكرة أو أفكار أو مواقف اجتماعية ، فإنه من العسف غير اللازم ، إلزام الفنان التعبير ” بالعمل ” الفنى عن فكرة أو أفكار أو مواقف اجتماعية معينة، إنه العسف غير اللازم الذى ساد فى مرحلة (الستالينية) تحت شعار ” الواقعية الاشتراكية “، ويعنون بها أن من مقاييس الفن أن تكون الأفكار المحركة لنشاطه الفنى أفكارأ واقعية، بمعنى أن تكون مستمدة من واقع المجتمع الذى بعيش فيه ، وهى مقولة فارغة. ذلك لأننا إذا كنا نقصد بالأفكار التى يريد الفنان أن يثيرها ” بالعمل الفئى ” ، تلك التى أقلقته وأوحت إليه بالخلق الفنى، فإنها أفكار واقعية واجتماعة دائما. أما إذا كنا نقصد بالأفكار تلك التى يصوغها الفنان ” فى العمل ” الفنى كمعادل للافكار الأولى ومثير لها، فسنرى أنه لا يشترط فيها أن تكون واقعية ، لا فى الزمان ولا فى المكان ، قد تكون تشكيلا خيالياً غير قابل للوجود أصلا.. وعندما نلزم الفنان أو نشترط عليه – ليكون فنانأ- أن تكون أدوات تعبيره مستمدة من الواقع أو مطابقة له. فإنا لا نفعل شيئا أكثر من تحويله الى رجل شرطة يكتب محاضر دقيقة ووافية بالأحداث المكلف برصدها.

يكفينا أن الواقع الموضوعى يلزم بقوانينه الجديدة كل فنان أن يستمد أفكاره المحركة لنشاطه الفنى من مجتمعه. أما كيف يحاول أداء وبناء العمل الفنى المعادل لتلك الأفكار فهذا شأن الملكة الفنية فيه. وأيأ كانت الصيغ التى يضع فيها خلقه الفنى ، فإن الناقد الجيد ، يستطيع أن يكتشف أن مأساة ” هملت ” لم تكن مجرد استجابة لتنبؤات الساحرات الثلاث .

ثم إنه ليس عسفأ غير لازم فقط ، بل هو خطير، ومدمر للفنان وللفن . ذلك أن الذين يلزمون الفنان بأدوات لبنائه الفنى من أفكار وأحداث هم ليسوا من الفنانين ، إنهم عادة من الساسة أو النقاد ، ويكون دور الفنان فى هذه الحالة التعبير عما يدور بالطريقة التي يريدونهـا. ولما كانوا غير فنانين ، وكان موقف الفنان مجرد صانع ، فإن الناتج الفني سيكون نصيبه من الفن بقدر نصيب الذين فرضوه ، مضافأ إليه قدر من صنعة الفنان لا يمس الشكل الا قليلا، ولا يمس المضمون بأى حال. وهو إلغاء كامل لدور الفنان في الفن ، وقد قلنا ان الفن يمكن ان يسمى انتاج الفنان .

إن الفنان الحق ، كما قلنا يمتاز بموهبة الحساسية المتفوقة لما يدور فى المجتمع . وقد تلتقط موهبته مشكلات لا تستطغ أن تصل إليها أحكم وسائل الإحصاء والتخطيط ، إذن، فالمحصلة النهائية لأى عمل فني ، بصرف النظر عن موقف صاحبه ، هو التنبيه إلى بعض المشكلات الاجتماعية أو إلى بعض الحلول المتاحة لتلك المشكلات ، أو إلى المواقف الملائمة لتلك الحلول . وقد يخطىء الفنان في الحل أو الموقف من المشكلة ولكنه لا يخطىء ولا يمكن أن يخطىء فى شد الانتباه إلى وجود مشكلة ما . إن حساسية الفنان هنا أكثر دقة من حساسية الساسة والعلماء والمفكرين ، ومن هنا يؤدى العمل الفني دائما وظيفة تقدمية ، هى التنبيه إلى مشكلات واقعية. وإن مجرد التنبيه هو حل تقدمى ، لأنه اسهام فى اكمال المعرفة بالواقع، والمعرفة بالواقع هى الشرط الأول لتطويره.. لهذا نقول أن كل عمل فني هو حل تقدمى مهما يكن موقف صاحبه . وإن ما يجب أن ينتبه إليه التقدميون هو استغلال  الأداء الفنى لترويج الدعاية الرجعية ، ئم الانتباه إلى ما يثيره العمل الفنى من مشكلات اجتماعية لمعالجتها، بصرف النظر عن موقف الذى خلق العمل الفنى. إنه إذ يخلقه ينفصل عنه ويصبح للعمل الفنى ذاتيته المستقلة ، بينما قد يبقى (الإنسان) في الفنان ، يردد أفكاره الرجعيه ويكون العمل الفنى قائمأ بدوره التقدمى بالرغم من موقف صاحبه.

(7)

كل هذا، ونحن فى نطاق الأفكار التي يريد الفنان أن يثيرها ” بالعمل ” الفنى، أما الأفكار التى يصوغها الفنان ” فى العمل ” الفني فلها شأن آخر، إنها المجال الرحب غير المحدود للابداع الفني ، إنها فى الأصل غير واقعية . لايوجد عمل فنى ولا يمكن أن يوجد عمل فني مطابق تمامأ للواقع ، حتى التماثيل الرائعة ، التى تكاد تكون مطابقة تشريحيأ لنموذجها الحى، ليست طابقة للواقع على الأقل

في وضعها ” الثابت ” المنتقى ، الذى هو أهم خصائص أداة التعبير في النحت أو الحفر. أما الرسم فلا يمكن أن تكون الصورة التى تكاد تكون ” فوتوغرافيه ” مطابقة لنموذجها ، فالاختلاف يأتي في اختيار الألوان وتوزيعها ودمجها وتلقيها للضوء أو رده.. وكل هذا هو الأداة الأساسية للتعبير فى الرسم ، أما المطابقة الخارجية للنموذج أو نقل ملامحه بحيث نقول ان هذه شجرة أو بقرة أو رجل أو إمرأة .. فهو على هامش العمل الفنى ، هو مادته الخام، والأمر أكثر وضوحأ فى الموسيقى ، إن درجات السلم الموسيقي محدودة ، وهى تحت تصرف كل فنان ، ولكن لكل فنان فنه الخاص فى كيفيه تركيب وترتيب الجمل الموسيقية التى يعبر بها فنيأ. أما فى الأدب فإن النقل عن الواقع ، فى الأحداث ، فى الأشخاص ، ليس أكثر في “محضر اثبات حالة ” يستطيع أى شرطى أن يكتبه بكفاءة تتجاوز أي كاتب . ولكن الذى لا يستطيعه أى شرطى ولا يستطيعه إلا الفنان وحده هو خلق الأحداث و الشخصيات وخلق زمانها ومكانها أيضأ .. إنه بهذا يخلق العمل الفنى خلقأ ابداعيأ غير مسبوق فى الواقع .

وكما يستطيع الفنان أن يخلق عملا فنيا ، مستعملا عناصر مشابهـة  لعناصر معاصرة من الأحداث أو الأشخاص حتى يظن البعض أنه ” يحكى ” قصة وقعت فعلا، وهى تفوق فى الصنعة على حساب الروح الفنية ، يستطيع أن يستعمل أسماء واحداثأ تاريخية . نقول يستعملها ولا نقول يعيد كتابة تاريخها. كما يستطيع أن يبتكر من خياله احداثأ وأشخاصا وعلاقات لا يسمح بتصورها أى واقع تاريخى، فلا حدود ولا قيود على المضمون الذي يستعمله الفنان ” فى العمل ” الفنى ، وهو- لمجرد ألا ننسى- غير المضمون الذى يريد الفنان أن يثيره ” بالعمل الفني ” . الأول خاضع تمامأ لمقدرة الفنان على الاختيار. والثاني مضمون اجتماعى واقعى دائمأ .

لذا يخطىء كثير من النقاد عندما يخلطون بين المضمونين، وأغلبهم لا يخلط ، ولكن ينظر إلى العمل الفنى نظرة آحادية . أى لا يعتد، إذ لا يرى ، إلا بالمضمون الذى عبر به الفنان متجاهلا، أو جاهلا، المضمون الذى عبر عنه. ويتعرض كثير من الفنانين ، خاصة بعد نمو وانتشار أساليب الأداء التجريدية أو السيريالية أو ما أسموه ” اللامعقولية “.. لحملة نقد تشهيرية لأن النقاد يحبسون أنفسهم فى رؤية مضمون الأداء . وحده فيرونه غير واقعى ، أو غير منطقى، أو حتى غير معقول ، فيتوهمون أن ليس وراء هذا الأسلوب فى الأداء مضمون محرك، هو دائما واقعى ومنطقى ومعقول ، وأن عليهم، بدلا من التشهير الناقد، أن يكتشفوه .

إن هؤلاء النقاد يجردون العمل الفنى من ثيابه ، ليبحثوا في الثياب كيف قصت ، وكيف حيكت وأبعاد أكمامها، ونوع نسيجها وربما سعره . وكل هذا مقيد لأى ” خياط ” أو صبى خياط ولكنه غير ذي فائدة في معرفة الجسم الحى الذى صنع الثوب على قده.

 هذا الخلط بين المضمونين لايؤدي- فقط- الى تسطيح العمل الفني عن طريق النقد، بل يؤدى إلى أخطاء أخرى ، عرفنا منها شيئأ عن الشروط المتعسفة التى يفرضها النقاد على المضمون المستخدم فى الأداء الفني ، لأنها مطلوبة فى المضمون الذى يحرك العمل الفنى: الاجتماعية، والواقعية، و المعقولية.. إلى آخره . و نعرف منها الآن أكثرها جسامة، أعني أكثر الأخطاء جسامة ، وهى التلقي المباشر من العمل الفني ، المقابل الذاتى- النقدى- لكون العمل الفنى خطابأ مباشرأ. ليس بين يدى أى ناقد إلا عمل فنى ذو شكل ومضمون ، وهو شكلا

ومضمونأ يتكون من عناصر عديدة تجتمع فيه ليكون موضوعأ واحدأ.

هذه هى الصورة النهائية للعمل الفنى المطروح على الناقد ، وعلى الناقد أن يتحقق أولا من سلامة تركيب عناصره ، من بنائه ، من اتقان الصنعة الفنية فيه ، ثم أن يحلله إلى عناصره، يفككه.. هذا لون أزرق . وذاك أصفر، والثالث خليط باهت بين اللونين بنسبة كذا إلى كذا، وضعت فى اللوحة الفنية فى موضع كذا ، بعيدا أو قريبا من محور العمل الفنى ، تحيط بها ألوان كذا وكذا . فيها لون متداخل بدرجة كذا ومنها لون مقطوع ، وهكذا.. وهو يحلل عناصر العمل الفنى ليكتشف دلالة تلك التركيبة التى اختارها الفنان ، أى العلاقة المتبادلة بين الألوان ذاتها والتقائها معأ في لوحة فنية واحدة ، وحق الطريقة التى ألقيت فيها . فنحن نعرف أن بعض لوحات الرسم تتراكم فيها الألوان بكثافة غير مصقولة عن طريق المكشط المعدنى (السكين) ولا تستعمل فيها الفرشاة ، وأن الفنان قد يستعمل أنواعأ متباينة من فرش الرسم تختلف فقط فى سمك شعيراتها، وكل هذا يكون مقصودا به أن يمنح الرسم تعبيرأ خاصأ. ولابد للناقد من عملية التحليل هذه ليعرف ما وراء عملية التركيب الفنى ، ليستطيع أن يكتشف المضمون الذى يريد الفنان أن يعبر عنه ” بالعمل ” الفني . أما إذا اكتفى بحصر الألوان وانتقائها والعودة إلى دلالتها الفجة ، فاللون الأحمر يرمز للدم أو للعنف ، والأزرق إلى الصفاء والهدوء واللون الأصفر يرمز إلى الغيرة و الغيظ ، و اللون الأسود إلى الكآبة، و اللون الأبيض إلى التفاؤل ، وترجمة كل هذا إلى رؤية نقدية ، فإنه ببساطة لم ير شيئأ ولم ينقد شيئأ…

وينطبق الموقف الخاطىء ذاته على التلقى المباشر من الفن غير التشكيل (القصص والمسرحيات والموسيقى والشعر)  ، ويكون الخطأ هنا أفدح ، ذلك لأن العمل الفنى هنا ناطق، فأشخاصه يقولون أشياء كثيرة ، ويواجهون أحداثأ كثيرة، و يحاولون ، ويحاورون، و يتخاصمون، و ينهزم بعضهم أو ينتصر. إنه عالم كامل من الأشخاص والأفكار مجتمعة فى عمل فنى ، والانزلاق إلى التجزئة هنا سهل ، فكل شخص له ملامحه وله مواقفه وله أفكاره التى يعبر عنها فى الحوار، بحيث يبدو الأشخاص فى العمل الروائي أو المسرحى كما لو كانوا منفردين أو كما يتفرد الناس فى الحياة . فينزلق الناقد إلى محاكمتهم واحدأ واحدأ، بالدور. وفي العادة يلتقط أولئك الذين يبدون أنهم يلعبون أدوارأ رئيسية فى العمل الفنى فيركز عليهم باعتبارهم ” أبطالا “.. وينسى في خضم هذه التجزئة أن عليه بعد أن يتبين خصائص كل شخص فى تركيبه الجسمانى كما خلقه المؤلف، فى أفكاره وفى مواقفه ، أن يعيد جمعهم فى العمل الفنى مرة أخرى ليكتشف سر اجتماع كل أولئك الأشخاص والشخوص ، فقد يكتشف عندئذ أن مجرد اجتماع كل هذه الأشخاص فى عمل فنى واحد هو المفتاح الى غرفة المضمون الذي يركد أن يعبر عنه الفنان بالعمل الفنى، وقد يكتشف أن احدى الشخصيات التي تبدو باهتة أو مهزوزة، هى حجر الأساس فى البناء الفنى كله أو هي القشة الى تقصم ظهر البعير كما يقال.

إذا لم يفعل الناقد هذا، أو إذا حاول أن يفعله فعجز، فسيقف فى نقده عند التلقى المباشر، لأن الاكتشاف لايتم إلا عن طريق العمل الفنى بمجموعه، وفي التلقى المباشر يذهب الفنان ضحية الدلالة المباشرة لعناصر العمل الفنى . وهى هنا الحوار ( بعد أن كانت الألوان فى الرسم)، ويتصور، أو يتوهم ، أن المؤلف يخاطبه بما يريد أن يقول على لسان أشخاص الرواية أو المسرحية. فلأن أحد أشخاص الرواية قال فى حواره مع علان كذا.. ها. إن هذا رأى المؤلف ” بالضبط ” . إن فلانأ، أحد أشخاص الرواية كان غير مقتنع . ان المؤلف اذن غير مقتنع ان فلانأ أحد أشخاص الرواية ، كان مقتنعاً ، ان المؤلف اذن مقتنع وهكذا.. كأن العمل الفنى مجرد صياغة جديدة، وطريفة، لمقالة يمكن أن يكتبها أى كاتب. إن الناقد هنا يطفو على سطح البحر ربما لأنه يريد ، أو غير قادر، على أن يغوص إلى أعماقه ليكتشف أصدافه أو جواهره، لكن المهم أن يغوص.. أما أن يلتقي بأصداف أو بجواهر فهذا يتوقف على الفنان نفسه وهو مسئول عنه .

ولا نستطيع هنا ان نغفل الإشارة إلى استشراء  هذا النوع من النقد فى الأدب العربى ، ولعل من أهم أسبابه أن قلة قليلة من النقاد في الوطن العربى لا تأخذ من النقد حرفة ومصدرأ، وحيدأ للرزق ، والناقد هنا معذور، لأنه مطالب بأن يقدم كل يوم ، أو كل أسبوع ، أو كل شهر، نقدأ لواحد من الأعمال الفنية المطروحة . إنه نقد صحفي من حيث ضرورة ملاحقته للأحداث، وبدون مساس بالصحافة، فى مثل هذه الظروف لا يستطيع أى ناقد أن يعكف على دراسة عمل فنى دراسة جدية لينقده نقدأ جديأ ، فهذا يتطلب وقتا غير مسموح له به، وقد يتطلب مراجعة ومقارنة بأعمال فنية أخرى غير متوافرة لديه ، أو قد يتطلب ” مسئولية ” لا يطيق تحملها، لهذا فانا لا نصادف فى المكتبة العربية نقدأ إلا في المراجع (الأكاديمية) المتخصصة أو فى الدراسات النقدية التى تظهر فى شكل كتب تحمل قدرأ من المسئولية والجدية. أما نقد المقالات الصحفية فهو- فى أغلبه- ضرورة لمغالبة مصاعب الحياة فى مجتمعات لا توفر للمواهب الفنية أو النقدية فرص الإجادة .

وإنا لنضرب هنا مثلا- مضحكأ- من النقد الفنى ” الذاتي “، لنعرف إلى أى مدى تتداخل ظروف غير فنية فى عملية النقد الفنى تنحدر به أو تقترب به عن أصوله العلمية.

كلنا نعرف أن الأستاذ توفيق الحكيم كاتب مسرحى فنان . هذا لا يمارى فيه كثيرون، وإن كان غيرهم، وأنا منهم، أقصر مقدرته الإبداعية على فترة حياته السابقة على دخوله مرحلة الشيخوخة. المهم أن توفيق الحكيم رجعى بكل معاني الرجعية.. وأوصاف أخرى نعف عن ذكرها. ولقد كشف عن موقفه الرجعى فى السنوات الأخيرة عندما ظن أن التراجع أصبح مأمونأ، فحاصره التقدميون وما زالوا حتى شككوه فى ” أمان ” التراجع . فانطلق يدافع عن نفسه بفقرات مختارة من مسرحياته القديمة والجديدة . وقد كان هنا ينقد فنه نفسه نقدأ ذاتيأ وهوما يهمنا. فماذا فعل.. انتقى عديدأ من الجمل جاءت على السنة عديد من أشخاص مسرحياته العديدة تبشر صراحة ومباشرة بالثورة وتدعو إلى التغيير وتهاجم الوضع الاجتماعى الذى كان سائدأ عند تأليفها . لا نريد هنا أن نقيم هذا الموقف اخلاقيأ . ولكنا نريد أن نضربه مثلا للنقد السطحى الذى يطفو فوق لجة العمل الفنى . توفيق الحكيم جزأ كل عمل فني واختار منه قولا بعينه . ثم قدم هذا القول على أنه يعنى دلالته المباشرة . كأن – توفيق الحكيم الفنان المتمكن من صنعته كان يصوغ المقالات فى شكل مسرحيات. وهو غير صحيح . وأننا لو أخذنا كل مسرحية من مسرحياته على حدة ، وقومناها كعمل فنى متكامل.. لاكتشفنا ماذا كان يريد أن يقول هو لا ما قاله محسن بطل ” عودة الروح “. وكل هذا يحتاج إلى نقاد جادين، وعلماء، كما يحتاج إلى عمل فنى جيد ليكون قابلا للنقد الجاد.

وتوفيق الحكيم مثل لكثيرين يفتشون في ثنايا أعمالهم الفنية فى ربع القرن الأخير، ليلتقطوا كلمات من حوار، أو وصفأ من رواية، ثم يهللون كالأطفال ، ليقولوا انظروا لقد كنا نقول كذا…

الخلاصة أنه كما أن المخاطبة المباشرة من خلال العمل الفنى تجرده من قيمته ، كذك التلقي المباشر من العمل الفنى يجرد النقد من قيمته.

ولا بأس فى أن نضيف أن للنقاد نصيبهم من ميراث العبودية الذى خلفته مراحل الاستعمار الطويلة . وهو ميراث يكاد يحمل كل مثقف فى الوطن العربي نصيبه منه . إنه ميراث عهد كنا فيه فى المرحلة الدنيا المسحوقة سياسيأ واجتماعيأ وفكريأ وثقافيأ. وكما يشعر المقهورون بقيود العبودية ويقاومونها ما استطاعوا، يشعرون- فى الوقت ذاته- باعجاب بقاهريهم- وبإحساس صامت بتفوق القاهرين والسادة. ونزوع ضمنى أو صريح للحلول محلهم ولو بتقليدهم. ولو بالتبعية الواضحة لهم ، ولو بمقاومتهم وتصفيتهم ، أى بالتحرر من العبودية ذاتها. ثم ان التحرر يتضمن رفض علاقة العبودية القائمة. ولكنها علاقة ذات طرفين. سيد وعبد. وعندما يثور العبد فإنه فى أعماقه يريد أن يكون سيدأ. وليس هناك نموذج للسيد القادر الا الذى استطاع استعباده . أى سيده الذى ثار عليه . إنها حالة يعرفها تمامأ علماء النفس. ويعرفون أيضا أن التحرر تتبعه دفعة ” سيادية ” يحاول فيها المتحررون أن يلعبوا ذات الأدوار التى كان يلعبها سادتهم وثاروا عليها ولو أدى هذا إلى فرض العبودية على غيرهم لتكمل لهم عناصر الحلول. إنه دفعة الطاقة المكبوتة فى أول انطلاقها من محبسها . وحتى عندما تنتهى، تبقى الضمائر عالقة بنماذج السادة ، كمثل لإمكانية التفوق الذى يستحق الاحتذاء أو التقليد أو الإعجاب..

إن هذا يفسر لنا بسهولة الموقف العام من الإنتاج الثقافى والإبداع الفنى فى المجتممات المتحررة حديثأ. ومثالها الذى يهمنا الوطن العربى. إن ميراث العبودية الذى خلفته مراحل الاستعمار الطويلة تفرق بين مواقف النقاد من العمل الفنى تبعأ لما إذا كان فنأ أوربيأ أو غير أوروبى. إنهم يلتقون بالإنتاج الثقافى الأوروبى، وبالأعمال الفنية الأوروبية، لقاء المعجبين مقدمأ. وعلى ضوء اعجابهم الموروث يفتشون فيه عما يرضى مواقفهم المحددة سلفأ بميراثهم الكامن فى أعماق نفوسهم. أما الإنتاج غير الأوروبى عامة، و العربى خاصة، فاللقاء به لقاء متحفز، أو معاد أو مستقل ، أو- وهذا أفضلها- حيادى. ولقد اهتم النقاد العرب اهتمامات متتالية ، بموجات متتالية ، من التجارب الفنية الواردة من القارة الأوربية، وقيموها ايجابيأ وشادوا بها ، وحاول بعض الفنانين أن يقلدوها ، بدون أن ينتظروا حتى إلى أن تستقر فى تربتها. إذ لو أنهم انتظروا لاكتشفوا أن أصحابها أنفسهم قد اسقطوها وتجاوزوها باعتبار أنها تجارب فاشلة..

يؤدى كل هذا إلى استهانة الناقد- مقدما- بالعمل الفنى ” العربي “، فلا يجهد نفسه فى اكتشاف أعماقه لأنه منذ البداية لا يعتقد أن له أعماقأ تستحق الاكتشاف.

وأحسب أنه سيمضى وقت ليس قصيرآ حتى نتخلص من ميراثنا التاريخي ، ولعلنا- حينئذ- أن نعود إلى انتاج مرحلة الميراث ، لنكتشف فيها ” ضحايا ” التاريخ وميراثه .

(8)

إذا استطاع الناقد أن يتخطى كل تلك الحواجز بدون أن يتعثر، وهو أمر لا يستطيعه إلا الراسخون فى علم النقد، فانه سيكتشف وراءه المضمون الذى استخدمه الفنان ” فى العمل ” الفنى مضمونا أراد الفنان أن يثيره ” بالعمل الفنى ” . ولن يجد هذا المضمون بسيطاً إنه ليس فكرة مفرزة يتيمة تقف فى وحدتها منتظرة  لقاء الناقد . ولكنها مجموعة متداخلة ومتراكمة من الأفكار. ويكون عليه – أى الناقد- أن يفتش بينها عن الفكرة الأساسية. الفكرة المحورية. الفكرة التى حركت أصلا النشاط الفني وأدت إليه . إن أي خطأ فى التعرف على الفكرة الأساسية المحورية المحركة للعمل الفني من بين كل الأفكار الفرعية والثانوية والمساعدة سيجهض جهد الناقد ويهدر ثمرة كل ما عاناه من أجل نقد العمل الفنى وتقييمه.

أضفنا هنا التقييم إلى النقد، لأن موضوع كل عمل فني من التراث الفنى الإنسانى لا يتوقف على جودته، بل يتوقف أيضأ على شمول وعمق وأصالة الفكرة الأساسية المحركة له. وعندما يتحدث النقاد- مثلا- عن فن انسانى، أو فن مرحلي ، أو فن خالد ، فإن مقياسهم لا يكون مدى الجودة فى صنعته بل مدى الأفكار

 التي حركته والتى كان أداة جيدة لإثارتها. إنها أفكار محلية محدودة في المكان . أو انسانية غير محدودة فى المكان . إنها فكرة مرحلية محدودة فى الزمان أو خالدة فهـى حية فى كل زمان..

ولفد ذكرنا من قبل أن الواقع الاجتماعى الذى هو مصدر الأفكار المحركة للنشاط الفنى خاضع فى حركته لقوانين موضوعية ومنها قوانين تحكم حركة الإنسان نفسه. وقلنا ان الأفكار المحركة للنشاط الفني لا يمكن أن تخرج عن أن تكون فكرة مشكلة، أو فكرة حلا، و فكرة عملا (موقفأ)، أو هذا كله فىعمل متكامل . وأخيرأ أن تكون فكرة منهجآ تتصل بالعلاقة الحركية بين المشكلات الاجتماعية وحلولها وممارستها.

إن هذا التصنيف على أساس من حركة الجدل الاجتماعى ذاتها يسهل على الناقد اكتشاف الفكرة المحورية التى يعبر عنها أى عمل فنى ، لأن امكانات الاختيار محددة. وعندما يكتشف الفكرة المحورية المحركة للنشاط الفنى يستطيع بسهولة أن يقيم العمل الفنى بقيمتها ذاتها. أن كثيرأ من المشكلات الاجتماعية وحلولها والموقف منها مشكلات انسانية، أى أنها مشكلة تصادف الإنسان من حيث هو انسان بصرف النظر عن المجتمع الذى يعيش فيه، كالجوع والحب مثلا. وقد ألهم الجوع والحب كثيراً من الفنانين فى كل العصور وفى كل المجتمعات الوانا من الأعمال الفنية الخالدة.. ولكن- بالمقابل – ليست كل المشكلات الاجتماعية وحلولها والموقف منها مشكلات انسانية بمعنى أنها تصادف كل انسان . إن مشكلة البطالة مثلا لاوجود لها فى مجتمع اشتراكى . مشكلة المساواة لا وجود لها فى أى مجتمع رأسمالى. مشكلة الإفراط فى الإشباع المادى التى قد تؤدى إلى الأنتحار لا وجود لها فى المجتمعات المتخلفة . مشكلة الصبر على الرزق الذى قد يصل إلى حد الخمول لا وجود لها فى المجتمعات الصناعية. مشكلة الثأر مقصورة على عدد من المجتمعات. مشكلة العفة لا وجود لها فى كثير من المجتمعات الصناعية.. وهكذا تكون الأعمال الفنية التى تحاول أن تثير تلك الأفكار-بالضرورة- أعمالا فنية محلية . كذلك لا وجود لمشكلات التحرير وبطولاته فى المجتمعات التى تحررت. لا وجود لمشكلات الصراع الاجتماعى واحداثه الملهمة فى المجتمعات التى تجاوزت مراحل التحول إلى الاشتراكية ، كل المشكلات الملهمة التى صاحبت عهد الاقطاع وامرائه و اميراته وفلاحيه انقضت بانقضاء مراحلها.. وهكذا الأعمال الفنية التى تحاول أن تثير المشكلات الاجتماعية ، حتى الإنسانية منها ، لن تكون، بحكم التطور الاجتماعى الذى لا يتوقف ، إلا مرحليه..

أفكار واحدة هى التى تحمل فى ذاتها سنتى الإنسانية والخلود. إنها الأفكار المنهجية. لأنها تتصل بمنهج (قوانين) حل المشكلات الاجتماعية فى أى مكان وفى أى زمان. يتغير مضمونها مرحليأ، ويتغير مضمونها من مكان إلى مكان. ولكنها هى كضابط حركة تبقى أبدا القوانين التى لا تتغير المضامين فى الزمان ولا فى المكان إلا طبقآ لها . ولها يخضع كل مضمون وكل انسان..

لهذا ليس غريبأ أن كل القمم الخالدات من الإبداع الفنى تعبيرات عن أفكار منهجية، حيث تكون الفكرة المحركة للعمل الفنى هى ” كيف ” يستطيع الإنسان أن يحل مشكلاته . والميدان الذى تصول وتجول فيه هذه الأعمال الفنية من بين ميادين الدراما ، هو ميدان التراجيديا أو المأساة حيث يوضع الإنسان فى العمل الفنى فى- خضم مشكلات اجتماعية يكون عليه أن يحلها مستخدمأ كل ملكاته الجدلية . الإدراك . العلم . العمل . و بينما تلعب المضامين الاجتماعية للمشكلات التي يواجهها دورا مساعدأ فقط ، تكون بؤرة العمل الفني هى الصراع بين الإنسان الذي يدرك مشكلة ويعرف كيف تحل ويعمل على حلها ، ومع ذلك لا تحل . فيكون منهج، أو منطق ، أو كيفية ، حل المشكلات الاجتماعية هى الفكرة المحركة للعمل الفنى ، أما كل الأحداث والأشخاص والحوار فيستخدم من أجل إثارة  هذه الفكرة أو شد الانتباه إليها.

وقد يحسب البعض أن مثل هذا العمل الفنى قليل فى التراث الإنساني . بالعكس. إن روائع الأدب العالمى مليئة بنماذج متفوفة من الخلق الفنى المقصور على إثارة فكرة محورية منهجية. إن كل الأدب أو الفن المسمى ” تراجيديا ” أو مأساة أدب وفن منهجى بالدرجة الأولى أو بالدرجة الوحيدة . ونموذجه المتفوق ، كان ولا يزال، الأدب الأغريقي .

إن المأساة في أدب الإغريق تكاد تدور كلها أو جلها على وضع الإنسان أمام قدرة قاهرة ممثلة فى ارادة الآلهة . وهم آلهة لا يتورعون عن الغيرة والحسد والبغض والحب والبطش والكيد بعضهم لبعض و للانسان أيضاً. ويكون على الإنسان أن يصارع تلك القوى ” الميتافيزيقية ” صراعأ ينتهى عادة بانتصار الآلهة وهزيمة الإنسان بالرغم من كل ذكائه ومقدرته على العمل وجهده المبذول . ذلك هو القاسم المشترك فى روائع الأدب الاغريقي . تختلف الأحداث والأبطال والصيغ ولكن العمل الفنى كله لا يثير إلا قضية واحدة مأساة الإنسان وهو يحاول أن يحل مشكلات حياته بالرغم من تدخل وتداخل ، قوى ” ميتافيزيقية ” أكثر منه قدرة على الفعل وأقل انضباطأ منه فيما تفعل . انه يبدو، بالرغم من ارادته وقدرته ونبل بواعثه فى بعض الأوقات، وكفاحه البطولى لإنفاذ ارادته فى كل الأوقات ، محكوم عليه مقدمأ بالعجز عن حل مشكلاته .

فاذا انتقلنا إلى الأدب الأوروبى ” الكلاسيكى “، وحتى ” شكسبير ” نجد أن روائعهم قد استبدلت بآلهة الاغريق مجموعة من المثل والمبادئ الفكرية والاخلاقية المجردة . إنها قدرة الإنسان الجديد . ما إن تبدأ الأحداث في  أية قصة أو مسرحية إلا ويكون الإنسان فيها هو المبادر قتالا أو صراعأ أو استكشافأ أو حبا .. ولكنه لا يلبث- في سياق العمل الفنى- أن يجد أن ارادته مطوقة بسدود غير منظورة تأخذ من أشخاص العمل الفنى أدوات لاحباط جهوده وافشال ارادته . فيفشل ، إن نموذج الإنسان الذى يحب انسانأ أخر حبأ جارفأ صادقأ بدون أن يتاح لهما فرصة اللقاء أو الزواج فيعوضه العمل الفنى عن غايته السوية الصحية ” مجدا ” و “تمجيدا ” لعذابه العذرى نموذج ساد في الأدب الأوروبي “الكلاسيكى”. وهو نموذج منهجى . لأن العمل الفنى هنا يستمد المجد والتمجيد من الاستجابة السلبية لافكار ومثل وتقاليد يراها “المنهج ” السوى فى حل مشكلة الحب بدلا من حلها عن طريق الاستجابة الطبيعية الصحية بالزواج . أما الرجال- الشباب- الذين يتقاتلون حتى الموت فى مبارزات ذات طقوس شبه دينية لأن واحدأ منهم قد سبق الآخر إلى التقاط ” منديل ” إحدى الآنسات فأهانه فهو نموذج آخر يستبدل بمنهج الحياة منهج الفروسية ” الميتافيزيقية ” .

وعندما أراد (سرفانتس) أن يسخر من هذا المنهج قدم رائعته ” دون كيشوت ” فكانت منهجية أيضأ. كل الأحداث فيها تافهة، إنما الجوهر العميق الخالد فيها ، أنها تثير مشكلة المنهج الذى تنتهجه الفروسية في حل مشكلة القهر الاجتماعى ، تثيرها بأداة فنية ساخرة. وفى كل قمم أعمال (شكسبير) لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار مآسى أبطاله إلا إذا فطن أولا إلى فكرة العقوبة القدرية ذات المسحة الدينية على الأخطاء حتى في النوايا.. وهى فكرة منهجية.. وهكذا..

 (9)

وقد يحاول بعض المؤلفين أن يعارض المسرح المثالى عامة، والمسرح الاغريقي خاصة، الذى يطرح مأساة الإنسان من خلال صراعه ضد أفكار ومبادئ خالدة ، أو قوى (ميتافيزيقية) قادرة ، ليثير في أذهان القراء أو المشاهدين، ويشد انتباههم إلى أنه المصدر الأساسى لمأساة الإنسان، أى انسان، ومجال صراعه هى الظروف الاجتماعة التاريخية التى يولد فيجد نفسه فيها بغير ارادته فهو غير مسئول عنها. ومع ذلك لا يملك من حيث هو انسان إلا محاولة تغييرها بارادته لأنه وحده ، دون الموجودات جميعأ ، أداة التغيير الإرادى ، مغ أن ارادته ذاتها هى نتاج الظروف التاريخية التى يحاول تغييرها ، والتى تحدد هى ذاتها ، لتلك الإرادة المضمون والوسائل والأدوات التي يمكن موضوعيأ استعمالها فى تغيير الظروف التاريخية. حتم على الانسان أن يتعامل مع واقع تاريخي لا ارادة له فيه . وحتم على الإنسان أن يغير هذا الواقع التاريخي . وحتم على الانسان أن يلتزم في تغييره ، حدود معطياته التاريخية العينية . في هذه الحتمية تكمن مأساة الانسان الذي لم يكف منذ ان وجد على الأرض عن الصراع مع ظروفه التاريخية .

ليست المأساة إذن هى أن الإنسان تواجهه مجموعة ثابتة من المبادئ المثالية أو مجموعة قادرة من الآلهة كما تحاول أن تقول الأعمال الفنية الموروثة من القرون السابقة وما قبلها منذ عهد الإغريق ولا يزال بعض المعاصرين ، فنانين ونقادا ، يرددونها أو يروجون لها . هذا خطأ. وهو خطأ علمى لا يمس القيمة المتفوقة للاعمال الفنية الرائعة التى كان ذلك الخطأ فكرتها الأساسية المحورية المحركة . والانسانية نفسها لم تكتشف أنه خطأ إلا حديثأ. ولكنه لا يقل خطأ عن المذهب (الميتافيزيقي) الذى يطرح منهج الإلهام مطلق الصحة للانسان، أى انسان . إنه ينكر عنصر المأساة فى حركة الحياة ، ذلك العنصر الذى يختلط بحياة كل انسان . ويبدو الإنسان، أو بعض الناس ، فى مثل مقدرة الله لكل ما يفعلونه ولو كان غير معقول، حكمة خفية علينا أن نسلم بها ونلتزم ” حد الأدب فلا نسأل عن السبب “…

وليس من شك فى أنه عندما يحاول المؤلف أن يأخذ من العمل الفني أداة لإثارة مثل هذه الفكرة المنهجية، يكون قد حرك نشاطه حدث اجتماعى منهجى أيضأ . ففد قلنا أن المضامين التى تحرك النشاط الفنى هى دائمأ مضامين اجتماعية. و لكن ما دامت الفكرة الأساسية المحوربة في العمل الفني فكرة منهجية تحيط بها وتساندها مجموعة من الأفكار، فلابد للناقد، بعد أن يدرك الفكرة المحورية ” فى العمل الفنى ” ، ويكتشف أنها منهجية ، أن يبحث فى الأحداث والمضامين الاجتماعية عن الحدث الأساسى الذى اراد المؤلف أن يشد الانتباه إليه، فسيبد أنه أيضأ حدث يتصل بمنهج الأحداث أو منهج معالجتها (تحدى قدرة الآلهة ومخالفة ارادتها إن كان العمل الفنى اغريقيأ . الثورة على المبادئ والمثل والتقاليد السائدة إن كان العمل الفنى أوروبيأ (كلاسيكيا).. محاو لة ضبط النزوع الفردى إلى الحرية إذا كان المؤلف وجودي! أو، أخيرأ تقييم ومحاكمة الاحداث والاشخاص خارج نطاق ظروفها التاريخية . تقييمها سلبيأ خارج نطاق ظروفها التاريخية . أو تقييمها إيجابيأ خارج نطاق ظروفها التاريخية. لا يهم فليس من شأن العمل الفنى الذى يطمح إلى إثارة قضية منهجية ، لأن قضية منهجية قد أثارته، أن يهاجم أو يدافع ، طبقأ للمنهج الذى يريد أن يثير فى أذهان الناس فكرة إدانته…

(10)

وأخيرأ، فتلك بعض قواعد وأسس علم النقد الفنى . وهى متاحة للمعرفة بدون حاجة إلى التخصص، ومتاحة لمعرفة كل الراغبين جديأ فى معرفتها بدون حاجة إلى أن يكونوا فنانين. وعندما يحاول كل مؤلف أن يقيم بناء على أساسها الذى يعرفه ويلتزمه تتوقف مدى إجادته البناء على مدى خبرته بصنعة الفن ، هذا إذا كانت قد توافرت له – من قبل- الموهبة الفنية. والمؤلفون المبتدئون ، أو غير الواثقين بخبرتهم فى البناء الفني ، يكونون- عادة- حريصين على احترام ومراعاة قواعد وأسس علم النقد الفنى ربما خوفأ من النقاد. إذ لا ” سمعة ” فنية لهم يحكمون بها ” ويكلفتون ” اعتمادأ على أن كل عمل ينتجه فنان ” كبير ” هوعمل فني كبير.

ولكنهم، مثل غيرهم ، قد يوفقون وقد لا يوفقون . بل إن بعض المجيدين من كبار الفنانين قد لا يستوى إنتاجهم الفنى قيمة . لأنهم بشر. ولكل إنسان هفوة كما يقولون . وهل يمكن لأى عالم بالفن وأصوله ، متابع للإنتاج المتفوق للكاتب الفنان نجيب محفوظ ، أن ينسب اليه ” روايته ” الهابطة ” فنيأ التي تحمل عنوان ” الكرنك ” إذا أخفى عنه اسم المؤلف ؟.. مستحيل. وعلى النقاد فى كل حالة ، أن يأخنوا العمل مأخذأ موضوعأ ، بدون خلفية ذاتية . بدون ذواتهم وبدون ذوات المؤلف ، وأن يبذلوا الجهد الكافي لمعرفة نصيبه من الجودة الفنية طبقأ لمقاييس علم ذي قواعد وأسس  موضوعية .

أليس كذلك ؟

                                                               د. عصمت سيف الدولة

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: