الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

سورية المُقتطعة …. والمُقتطع منها … والساعون لتقطيعها

habib_issa-150x150

سورية المُقتطعة ….

والمُقتطع منها … والساعون لتقطيعها …! ( 2 من 2 )2 

( 6 )

           إذا كان الفقه القانوني ، والدستوري ينص على أن أركان الدولة هي : 1 – الوطن ، 2 – الشعب ، 3 – السلطة ، فليس كل قطعة أرض ، وطن ، وليس كل مجموعة من السكان ، شعب ، وليس كل حكم ، سلطة دولة ، حيث الشرعية والمشروعية هنا تعتمد على معايير صارمة ، ليس هنا مجال تفصيلها ، أقلها تطابق حدود الوطن مع حدود الأمة التي تكونت تاريخياً ، وأن تكون السلطة تمثيلية للمواطنين والوطن ، ولو كان بالحدود الدنيا ، بحيث يؤدي افتقادها إلى افتقاد مشروعية الدولة ، فنكون في مثل هذه الحالة بمواجهة “دولة فعلية” أو “دولة واقعية” كما اصطلح على ذلك الفقة القانوني ، وإذا انتقلنا لتطبيق تلك المعايير القانونية على “الدول” التي تم ترسيم حدودها تقسيماً وتشويهاً للوطن العربي ، وللشعب العربي ، نجد أن “الدول الإقليمية” تفتقد الأركان الثلاثة ، حيث حدود تلك “الدول” تم رسمها بموجب اتفاقيات ومعاهدات بين قوى مستعمرة في غياب تام لأية إرادة وطنية ، بل بالتضاد معها ، وبالتالي نكون بمواجهة “دول واقعية” بالمعنى القانوني ، وهكذا فأن نظرة على خارطة دولة سورية الحالية تظهر دون عناء عمليات القضم العشوائي من الجهات الأربع حتى لما عُرف تاريخياً بأقليم بلاد الشام  ، كما أن الشعب في سورية يجد نفسه ، وكأنه تم اقتطاعه تعسفياً من محيطه الوطني العربي حتى وصلت الحال إلى التقسيم العائلي ، ففي الغرب نجد العائلات نصفها في دولة سورية والنصف الآخر في دولة لبنان ، وكذلك الأمر في الشمال مع الأسكندرونة وكيليكيا ، وفي الشرق مع دولة العراق ، وفي الجنوب مع فلسطين وشرق الأردن .

( 7 )

         المهم أن عدد سكان هذه الدولة “دولة الجمهورية العربية السورية” بلغ بموجب أحصاء 2010 الواحد والعشرين مليوناً  من المواطنين ، وكنتيجة لتمركز الخدمات في المدن ، وفقدان التخطيط الشامل ، والنمو غير المتوازن ، حدثت هجرات كثيفة من الأرياف إلى المدن ، مما أدى إلى عشوائيات في مختلف المجالات ، حيث تزاحم المواطنون في مناطق ، بينما ظلت مناطق أخرى خالية ، ومناطق بدون كثافة سكانية ، وهذا بدوره أدى إلى عشوائية التعامل مع الموارد الطبيعية ، والمادية ، والبشرية في البلاد ، مما يستدعي إعادة تأهيل المؤسسات على الصعيد المجتمعي ، وعلى الصعيد الحكومي بشكل عام .

            وعلى مدى قرون كان قد تم التفاعل والتلاحم بين هذه الجماعات البشرية واستمر ذلك  في “دولة سورية الفعلية” هذه ، بين جميع هذه القبائل والعشائر والأعراق والشعوب المنوه عنها “سابقاً” ، وانتقلوا بغالبيتهم الساحقة من مرحلة الصراعات القبلية والدينية والطائفية والمذهبية والعنصرية إلى علاقات تحكمها قيم المواطنة فأفشلوا مشاريع تقسيمية إضافية ، تحابوا ، وتزاوجوا ، وتوافقوا ، واختلفوا في المواقف من القضايا السياسية المطروحة يساراً ويميناً ، لكن بصفتهم كمواطنين ، وليس بصفاتهم كقبائل وعشائر وأديان ومذاهب وأعراق ، وبموجب ذلك شكلوا حركات وأحزاب سياسية تمد نشاطها إلى خارج حدود “الدولة الفعلية” لتشمل مواطنين يعتبرونهم أجزاء منهم وإلى وطن يعتبرون موطنهم جزء منه ،  أقلها يطالب بوحدة سورية الطبيعية  ، والغالبية منها تطالب بدولة الوحدة العربية بين المحيط والخليج ، وأحزاب أخرى تطالب بالأممية العالمية أو بالعولمة الليبرالية .

( 8 )

         وبألقاء نظرة سريعة على تلك المؤسسات السياسية التي تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم على مختلف توجهاتها ، نلحظ دون عناء ذلك التنوع الوطني في كل حركة ، أو حزب سياسي ، بل لانكاد نعثر في تلك المرحلة على حزب أو حركة سياسية تحصر نشاطها في ، ومن أجل جماعة ، ما ، إثنية أو دينية أو طائفية ، ولو حاولنا التدقيق بأسماء المؤسسين للحركات والأحزاب القومية العربية تحديداً في تلك المرحلة نجد أن روادها كانوا من مختلف الأرومات العرقية والدينية والطائفية والمذهبية ، نقول ذلك للذين يُصابون اليوم بحكّة حساسية عنيفة لمجرد ذكر كلمة “عروبة” … ، باختصار شديد كان نظر المواطنين في سورية على مختلف تشكيلاتهم يمتد إلى ما بعد حدود “الدولة الفعلية” ، ولم يفكر أحد منهم يومها باقتطتاع جزء منها ، بل قاوموا حتى بالمقاومة المسلحة مخططات تقسيمها ، إلى أن تفاقمت الأزمة المجتمعية في سورية بفعل عوامل عدة لا مجال للتفصيل فيها ، خلال الربع الأخير من القرن العشرين ، فظهرت حركات وقوى عصبوية إرتدادية من جميع الجهات ، لم توفر أحداً ، أدخلت “دولة سورية” في مأزقها الراهن .

        وإذا كان الحديث المشبوه يرتفع اليوم في محافل إقليمية ودولية عن الأقليات ، وضمانات للإقليات ، نسأل : إذا كان الجميع “مواطنون متساوون” في الحقوق والواجبات من ذا الذي له الحق أن يعطي ضمانات لغيره ؟ ، وهل هناك من يملك حقوقاً وطنية ومواطنية في هذا الوطن لا يملكها غيره من المواطنين ليتصدق بها عليهم ؟ ، أو حتى يعطي ضمانات ، أو يطالب غيره بضمانات ؟، إنه طرح عنصري يخفي في حقيقة الأمر الحلم الاستعماري القديم ، الحديث المتناغم مع المشروع الصهيوني بإقامة الدول الطائفية والعرقية على الطريقة الصهيونية بين المحيط والخليج لتنفيذ (استراتيجية اسرائيل في الثمانينات) حيث ترتكز تلك الاستراتيجية على تقسيم ما تبقى من سورية الطبيعية في “دولة سورية الفعلية الراهنة” إلى كونتونات عنصرية ، أولاً ، ومن ثم تجزئة الأجزاء من جديد بين المحيط والخليج ،  ذلك لأن وأد مشروع النهوض العربي يتوقف على كبح جماح الشعب في سورية ، بأن ينكفئ إلى الداخل ويغرق في صراعات قبلية وعنصرية وطائفية ومذهبية تؤدي من حيث النتيجة إلى تجزئة دولة سورية الحالية ، وهذا هو جوهر المؤامرة على “الربيع العربي” هذه الأيام ، وبالتالي فأن وجود الدولة الوطنية من عدمه يتوقف على مواجهة تلك المخططات التفتيتية والتي لا يمكن مواجهتها إلا بتقديم ضمانات العدالة والمساواة والمواطنة ، ليس للأقليات ، ولكن لكل مواطن في سورية ، بالانتقال إلى المواطنة الحقة حيث الأكثرية ، أكثرية سياسية يختارها الشعب عبر صناديق الاقتراع ، إلى حين ، في مقاعد السلطة ، والأقلية ، أقلية سياسية يختارها الشعب إلى حين في مقاعد المعارضة .

( 9 )

        إن الجهة الوحيدة التي تشكل ضمانة لكل مواطن ، ومخولة بمنح هذه الضمانة هي مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية ذات مصداقية قانونية  ، تنبثق من ديباجة دستور عصري ، يضمن الفصل بينها ، تمنح الثقة لكل مواطن في سورية بأنه لن يتعرض لاعتداء ، وتردعه في الوقت ذاته عن العدوان ، فكل عدوان يستدعي القصاص من المعتدي ، كائناً من كان ، وهذا يؤدي إلى الالتزام والإلزام بقيم المواطنة ، ومعاييرها القانونية بالمساواة أمام القانون والانضواء في إطار نظام عام يكفل الحريات العامة والمساواة بين المواطنين جميعاً لا امتياز ولا تمييز ولا تهميش ولا إقصاء ، نظام عام يصون الحقوق الأساسية للأنسان بقوانين عامة وخاصة من أول دستور ينبض بروح الحرية والمواطنة والمساواة والعدالة المستمدة من العقد الاجتماعي والوطني ، وإلى آخر القوانين الخاصة التي تنظم حياة المواطنين في مختلف المجالات من أول قوانين الأحوال الشخصية والمدنية والجزائية  وحتى التشريعات التي تنظم عمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وترسم حدود الفصل بين تلك السلطات ، وبناء مؤسسات وطنية تعتمد في شغل وظائفها العامة معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص بين المواطنين لاتفرق بينهم على أساس من العرق أو الدين او الطائفة أو المذهب أو العائلة أو الجنس أو المركز الاقتصادي أو المنطقة الجغرافية … وبما أن الوطن والشعب في سورية تعرض خلال العقود المنصرمة لمخاطر جمة وظروف استثنائية أدت إلى اهتزاز تلك القيم اهتزازاً شديداً مما هدد ويهدد العقد الاجتماعي بين المواطنين .

( 10 )

        وبما أن سورية في مرحلة مخاض عسيرة ، وعلى عتبات مرحلة أنتقالية ، البعض يريد من خلالها الانتقال إلى صيغة محسنة من الاستبداد والطغيان والفساد ، والبعض لآخر يريدها إلى اقتتال وفوضى وأجندات غير وطنية ، والبعض الثالث يريد الانتقال إلى صيغة محسنة لخدمة المصالح الخارجية  ، بينما الشعب في سورية يرفض تلك الخيارات الثلاثة جملة وتفصيلاً ، وهو في مواجهة ذلك كله يريد الانتقال إلى الدولة الوطنية ، دولة المواطنة والقانون والسيادة والمساواة والحرية والديمقراطية والعدالة … الكرامة لكل مواطن ، والكرامة الوطنية لمجتمع المواطنة برمته ككائن حي سليم معافى نشيط واع يعرف من خلال مؤسساته الوطنية ، واقعه الموضوعي كما هو ، ثم يحدد مشكلاته كما هي لا تهويل ولا تهوين ثم يحشد الوسائل والأدوات لحلها يُحصي بدقة ثرواته المادية والبشرية ويضع المخططات التنظيمية للتعامل معها بموجب نظام عام جوهره بناء قانوني عادل يحدد الحقوق والواجبات والجزاءات بدءاً من ديباجة الدستور ومواده ، وانتهاء بالقوانين الخاصة واللوائح التنظيمية التي تشمل تنظيم السير والنظافة العامة ، يتعامل مع الخارج على ضوء المصالح الوطنية ، وليس على ضوء مصالح الخارج ، ثم يعمل على تحويل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية من مؤسسات فاشلة إلى مؤسسات وطنية تحقق التحرير والحرية والعدالة والمساواة والتنمية فتكون دولة سورية واحدة من أشخاص القانون الدولي تساهم مع الجماعات الإنسانية الحية في بناء نظام عالمي مختلف : إنساني عادل ومتوازن يضع حداً للاستغلال والعدوان والنهب والسيطرة أياً كان المصدر ، سواء كان سلطة استبدادية فاسدة ، أو كان المصدر عصبويات داخلية ، أو تمثل ذلك كله بتآمر ومخططات خارجية معادية …

حبيب عيسى

Email: habeb.issa@gmail.com

 

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: