الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

العودة الأمريكية إلى العراق.. بين المعلن والمخفي!

nabil nayli

نبيل نايلي

 

“سياساتنا مُختلّة.. ينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا.. المنطقة الكردية منطقة فعالة ومُتسامحة مع الطوائف والأديان الأخرى. ولهذا نعتقد أنه من المهم التأكّد من أن هذه المنطقة محمية. التهديد الأكبر لأمريكا.. هو نحن.”     الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

 

 

 

بإعطائه وزارة الدفاع الأمريكية الإذن باستخدام الطيران ضد عناصر الدولة الإسلامية في العراق، وتنفيذ المقاتلات والطائرات الأمريكية من دون طيار غاراتها الجوية، يكون الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي كان يُعارض بشدّة قرار سلفه جورج بوش، اجتياح العراق مُندّدا بـما كان يسمّيه”حربا غبية، A Dumb War”، والمؤكّد، في أكثر من مناسبة، ألاّ “حلّ عسكري أمريكي للأزمة في العراق”، يجد اوباما نفسه يعيد بتردد فتح صفحة كان يعتقد انه أغلقها نهائيا، وهو من أُنتخب بناء على وعده بإنهاء التدخّل العسكري وسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق. أوباما “النادم” على قرار عدم إدارة الانتقال الليبي، كما يزعم، و”المستفيد” من درس ليبيا بحيث بات “يطبّقه الآن في كلّ مرة” و”يتساءل فيها: هل يجب أن يتدخّل عسكريا؟ هل يملك إجابة في اليوم التالي؟”، يبدو وجد إجابات اليوم التالي، The day After، أو أملتها عليه التحوّلات الجيوستراتيجية وتسوناميات المنطقة المشتعلة.

 

لم تكتف وزارة الدفاع الأمريكية بضربات الطائرات دون طيار، وها هي ترسل من جديد، بعد أن سبق وأرسلت، في جوان الماضي، نحو 300 مستشار عسكري إلى العراق، ل”تقييم احتياجات القوات العراقية”، بعثة عسكرية جديدة متألّفة من 130 عسكريًا إضافيًا إلى إقليم شمال العراق،  لـ”تقييم بشكل أعمق“ حاجات السكان الإيزيديين الذين نزحوا هربًا من مُسلّحي تنظيم الدولة الإسلامية، كما ورد بالرواية الرسمية الأمريكية، دون الإشارة إلى المصالح الحيوية وأعضاء البعثات الإستخبارية والدبلوماسية الأمريكية.

 

إذا كانت الإدارة الأمريكية المتردّدة والمراوحة مكانها، تُسوّق العملية العسكرية على أنّها “محدودة”، فكذلك تنتهج نفس الأسلوب المخاتل والحذر، مع عملية إرسال قوات أمريكية إضافية، شملت أفرادًا من مشاة البحرية وقوات العمليات الخاصة من داخل منطقة القيادة المركزية،  بـتصويرها على أنها  ”مُؤقّتة“، مؤكّدة على لسان أكثر من مسؤول أنّها صلاحياتها ودورها محدّد سلفا، بحيث “لن تشارك بدور قتالي، وسوف تعمل بتقارب مع ممثّلين عن وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية لتنسيق الخطط مع الشركاء الدوليين والمنظمات غير الحكومية الملتزمة بمساعدة الإيزيديين.” تصريحات تعزّزها تأكيدات الجنرال وليام مايفيل، “ليس لدينا مشروع لتوسيع الحملة لتتعدّى نطاق العمليات العسكرية الحالية”.

 

عودة الولايات المتحدة إلى مسرح لم تغادره، إلا في شكل إعادة انتشار، استعدادا لإنعطافة قرنها الباسيفيكي، the Pacific Century Pivot، في مواجهة مؤجّلة مع قوى صاعدة منافسة على دفة الريادة، إنما تحاول من خلال ضرباتها الجوية و”مستشاريها” وفرق عملياتها الخاصة، تثبيت دعائم ”دولة“ كردستان، حليفة الكيان والغرب، وتعزيز حالة التشظيّ التي يشهدها العراق وسوريا والمنطقة، بشكل يسمح بميلاد أرخبيلات كيانية طائفية أو اثنية، المناخ الأنسب لشرعنة دولة الكيان، وترسيم حدود نفوذ جديدة، مع حلفاء  مع فرض “خرائط دم، Blood Maps”، على حد تعبير رالف بيترز، كأمر واقع بمشارط العمليات القيصرية التي تتكفّل بها استراتيجيات التطهير العرقي والطائفي، Ethnic Cleansing، وتأمين أمن الكيان الصهيوني وتثبيته قوة إقليمية وحيدة تُعربد في المنطقة مستفيدة من انخرام كلّي في موازين القوى خلّفتها إستراتيجيات “الفوضى البناءة،Constructive Chaos”، والتفكيك الممنهج وإفشال  ال”دول” الوطنية، Failing States، واستهداف الجيوش ذات العقيدة الوطنية، وتأمين مصالح الشركات الأمريكية والأوروبية النفطية في المنطقة، ثم الإيحاء أو إدعاء التنصّل من علاقة الأبوة مع تنظيمات متطرّفة فرّختها أجهزة استخباراتها ولا تزال تشرف عليها حتى نفاذ صلاحياتها، ومنع داعش ومشتقاتها من تمدّد استراتيجي قد يخرج عن السيطرة ليطال حدودا وعوالم غير مسموح بها، كتهديد أمن من يُسمّون بتحالف الرّاغبين، “Coalition of the Willing، أو المُرغمين، Coalition of the Compelled، أو القلقين Coalition of the Concerned،  أو  التقدّم نحو آبار نفط كركوك وما جاورها ما يمكن أن يقلب موازين قوى ومعادلات، قد تطال هؤلاء الذين يتصوّرون أن لهب سعير يجتاح الأواني المستطرقة من هذا الوطن المستباح، لن يطال هشيمهم!! أما مجلس الأمن الدولي الذي يتبنّى،  بعد قرار الاتحاد الأوروبي تعزيز الدعم العسكري للقوات الكردية في شمال العراق، قرارا تحت الفصل السابع، يستهدف من تعامى عليه حتى الأسبوع الفارط، مارد الإرهاب الذي أُخرج من قمقه، نزع سلاح وتفكيك تنظيم داعش وجبهة النصرة، وقطع مصادر التمويل عنهم ومنعهم من تجنيد مقاتلين أجانب، فلا يفعل بذلك غير تعزيز المساعي الأمريكية وإن التحف برداء استرتيجيات ما يسمّى زورا ب”التدخّل الإنساني”!

 

فمن رحم مبدأ “التدخّل الإنساني، Humanitarian Intervention”، إجترحوا عقيدة “أر تو بي ”Responsibility -to Protect doctrine -R2P ، “واجب الحماية”، المعزّزة بالصواريخ والقنابل، التي تذرّعوا بها لغزو ليبيا وتفكيكها. ها هم اليوم يختلقون لنا تعلّة “واجب القصف، ( ”Responsibility to Attack (R2A “! دعكم من نبل الشعارات، كحرص “الولايات المتحدة على حماية الأعراف الدولية”، أو فرية إستراتيجيات “بناء الأمم، Nation building”، فخراب العراق وتفكيك ليبيا، ومسالخ الفتن الطائفية، والتفتيت الجغرافي والتلاعب بجينات الوحدة الوطنية، برهن ولا يزال لمن يعميه حقد التشفّي والرّغبة في الانتقام أنّ فرية إستراتيجيات بناء الأمم وإحلال “ديمقراطيات التوماهوك” أو بديلها الداعشي، ما هو إلاّ غطاء لتحويلها لمشاريع تفتيت المفتّت.

 

لعلّ أصدق ما قال الرئيس الأمريكي وأبلغه، تفاعلا ما يعصف بالمنطقة، خلال حوار أجراه معه الكاتب والصحفي الأمريكي، توماس فريدمان، Thomas Friedman، نُشر على صفحات نيويورك تايمز، The New York Times، قوله: “سياساتنا مُختلّة.. وينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا”!

 

 

 

هذا خطاب الجبهة الداخلية التي تنقسم بين رافض للعودة لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية والإنزلاق نحو مسارح التخبّط، ومُطالب بنهج استراتيجي وليس “نهجا إنسانيا” والذهاب أبعد بكثير من سياسة الاجراءات النصفية،  المترددة والمراوحة، خصوصا أن هذا الأوباما لا يكفّ عن ترديد لازمته المكرورة “بصفتي القائد العام للقوات المُسلّحة، لن أسمح بان تنزلق الولايات المتحدة في حرب جديدة”! ألم يطالب مهندس تفكيك العراق، المبعوث الأمريكي السابق، بول بريمر، Paul Bremer ، الذي وصف سحب إدارة أوباما للقوات الأمريكية عام 2011 من العراق، بـ”الخطأ الخطير”، بتحييد فكرة عدم إرسال قوات على الأرض، وبضرورة وضع قوات خاصة ومُراقبين استخباراتيين، وضُبّاط لتحديد الهجمات، وأشخاص لتحديد الأهداف داخل تلك المدن لتقصفها الطائرات بدون  طيار”؟ ليخلص إلى الدعوة الضمنية إلى إعادة احتلال العراق، ما دام “لا يمكن السيطرة على مدينة بواسطة طائرات مقاتلة”!

 

 

 

  الإدارة الأمريكية تعود إلى العراق من بوابات من فرّختهم، لتوظّفهم في حرب الجيل الرابع، كأدوات لحروب الوكالة، ووقودا للدمار الذاتي، وتستخدمهم فزاعة أو بعبعا أو مبرّرا لعودتها عون إطفاء لحرائق كامنة أو مستعرة هي من تؤجّجها،  فهل يكون العراق، والمنطقة بأسرها، استطرادا، “مقبرة الطموح الأمريكي، Graveyard of U.S. ambition”، كما يوصّف، محقّا، الكاتب بيتر بيكر، Peter Baker ؟ ..

 

 

 

ذلك بعض من الحديث الآخر!

 

 

 

باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: