الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

رسائل حول الكفر والايمان – الرسالة الاولى / د.عصمت سيف الدولة

عصمت-سيف-الدولة-220x300

رسالة أولى

بسم الله الرحمن الرحيم،

تقول في رسالتك أن الإسلام لم يجبر أحدا على الاعتقاد فيه وبشكل خاص الكفار وأن كل الآيات التي حضت على قتال الكافرين لا باعتبارهم كافرين ومخالفين في العقيدة الدينية بل لدفع اعتداء واتقاء فتنة تصيب المسلمين نتيجة كيد أو مؤامرة. قول حسن وأرجو أن تسمح بإضافة خاطرات ..

أ – الكفر نقيض الإيمان، وكلاهما عقيدة، الأولى عدمية والثانية وجودية إذ محل كل منهما وجود الله ذاتا وصفات، الأولى تنفيه والثانية تثبته، وفي حدود ماهيتها العقيدية لا تتوقفان على الظهور، على التعبير، إثباتا أو نفيا فلا يسأل الكافر عن كفره أو المؤمن عن إيمانه ماداما مضمرين إلا أمام المطّلع  على السرائر، الله. من هنا نجد مئات الآيات في القرآن التي قررت جزاء على الكفر أو الإيمان أنذرت به أو بشّرت في الآخرة ولم ترد في القرآن آية واحدة تأمر بعقاب الكافر على كفره مادام مضمرا ولا بجزاء المؤمن على إيمانه غير المعلن.

ب – قال الله تعالى في كتابه : ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”  – الكهف 29 – . وقال :” إن تكفروا فإن الله غني عنكم ” -الزمر 7 – وقال :” إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد” .        – إبراهيم 8 – . لماذا إذن العذاب الأليم على الكفر والنعيم المقيم على الإيمان في الآخرة؟.. مفتاح الجواب جاء في قوله : “ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد”.-لقمان 12 -. وفي قوله “لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ.-البقرة 256 -. وفي قوله “أو أنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين”.-يونس 99-. وقوله “ومن كفر فلا يحزنك كفره”.-لقمان-.

دلالة هذه الآيات معا واضحة على أن الكفر ولو كان عقيدة مضمره لا يضر الله شيئا سبحانه وتعالى، ولكنه يضرّ صاحبه والمجتمع الذي ينتمي إليه، لأنه يجرّد صاحبه من صدق الالتزام في تعامله مع الآخرين بقواعد التعامل الاجتماعي بين الناس التي جاءت في القرآن والتي تسمّى جملة “الإسلام” بما فيها ممّا فيها مما يقال له عبادات، ويذهب بعض الشّراح إلى القول بأنها علاقة خاصة بين العبد وربّه.لا. كل ما جاء به الإسلام لمصلحة الناس، أمّا الله جلّ جلاله فهو غنيّ حميد. ولعلّك قرأت في كتابي “عن العروبة والإسلام”. إيضاحا أوفى لهذا الرأي. المهم أن الكفر بالله ولو كان مضمرا، ليس علاقة عقيدية خاصة بين الكافر والله، بل هو إنكار خفي للإسلام كنظام اجتماعي يستمد قوّته الملزمة من أنّه من عند الله. من هنا نفهم ما ذهب إليه بعض الشّراح والفقهاء من التدليل على الكفر بإنكار ما” عُرف من الإسلام بالضرورة” نفهمه ولكنّا لا نوافق عليه ولا نأخذ به، لأن القول بالضرورة حكم عقلي تتوقف صحته على توافر الصحة في أربعة مواضع : -1- صحة فكر الحاكم -2- صحة الواقعة السبب -3- صحة فكر محدث السبب -4- مطابقة فكر محدث السبب فكر الحاكم عليه بالكفر. فمحال أن يأتي الحكم محكما، ولا إلزام بغير قاعدة محكمة، لا تحتمل التأويل . هذا مبدأ قرآني.

ج- على أي حال سأورد إليك فيما يلي دليلا من القرآن على أن الكفر المضمر لا ينتقص من الإسلام المعلن شيئا إن اجتمعا. جاء هذا في قوله تعالى: ” قالت الأعرابُ آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم”       -الحجرات : 13-. الأعراب المذكورون في الآية كفره بشهادة الله عالم الغيب والشهادة. ومع ذلك أشهدوا الناس على أنهم مسلمون. هاهنا كفر -عدم إيمان- مضمر واسلام مشهرٌ، فما الحكم أو ما الجزاء؟ أما عن الإسلام المشهر فقد ارتبط الجزاء فيه بالتزام قواعد وعبّرت عن الآية بالقول “إن تطيعوا الله ورسوله” وهو شرط وجاء الجواب “لا يلتكم من أعمالكم شيئا” أي لكم كل حقوق المسلمين لا ينتقص منها شيء. أمّا عن الكفر المضمر فقد ذكرهم الله جل جلاله بأنه غفور رحيم وعدا بالمغفرة رحمة بهم.

د- من أشكال الكفر المضمر “النفاق” . وقد أنذر القرآن المنافقين بمصير ” في الدرك الأسفل من النار ”     – النساء 145 -. ولكنّه جاء خاليا من أي عقوبة على النفاق تطبيقا لذات القاعدة العامة المشار إليها في البند السابق، فالأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا طائفة من المنافقين.

 هـ – بقي حكم الكفر المعلن، الكفر المعلن نقيض الإسلام المعلن أو بمعنى أدق نقيض معلن للناس بانعدام القوة الملزمة اجتماعيا للقواعد الآمرة والناهية التي جاءت في كتاب الله، من حيث انه نقيض مصدرها: الله. وقد خصص القرآن سورة كاملة للموقف الإسلامي من الكفار، انه الاجتناب، قال الله تعالى في سورة “الكافرون” :” قل أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”. وهو موقف سلبي كما ترى لا ينطوي على إكراه    أو اعتداء أو قتل. وأوضح دلالة على موقف الاجتناب ما أُمر به الرسول صلّى الله عليه وسلم من عدم الاهتمام بما قد يلقاه من أذى من جانب الكافرين، قال تعالى: “ولا تُطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكّل على الله وكفى بالله وكيلا” -الأحزاب:48-.

 و – ومع ذلك فقد أمر القرآن المسلمين يقتل الكافرين إذا ما أوجدوا أنفسهم في المواقف التي أبيح فيها للمسلمين القتال. ولم يبح القرآن للمسلمين القتال إلا في ثلاثة مواقف : الأول، المبدأ، موقف الدفاع. “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” -البقرة 190-. وقد جاء تطبيقه بالنسبة إلى الكافرين في الآية التالية :” فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين”- البقرة 191-. وهو مشروط بالمبدأ “لا تعتدوا”. الموقف الثاني هو قتال الطائفة الباغية حين يتقاتل المؤمنون. قال تعالى :”وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”          – الحجرات 9-. عَرض الصلح على المتخاصمين من المؤمنين إجراء أولي من الإجراءات القضائية في الإسلام قبل الحكم. – بين الزوجة وزوجها وبين القاتل وولي الدم وما بينهما من مخاصمات – . وقد تضمّنت الآية عرض الصلح بصيغة الأمر “فأصلحوا” فأخذ حكم الفرض لا يجوز تركه قبل التدخل. ثم فُرض على المؤمنين قتال الطائفة الباغية وهي هنا التي ترفض الصلح وليست التي بدأت القتال. فيكون الموقف الثاني الذي أبيح فيه للمسلمين القتال أو فرض عليهم هو القتال حقنا لدماء المؤمنين في قتال دائر فيما بين طائفتين منهم لفرض الصلح على الطائفة التي لا تقبله ” حتى تفيء إلى أمر الله” وليس حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله” وليس حتّى تقبل وجهة نظر الطائفة الأخرى، ومنه نتعلّم أنّ الصلح ، حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله. وليس في أي دين سماوي أو غير سماوي، وليس في أي شريعة من شرائع الأرض الموضوعة حكم يبيح، أو يفرض القتال لوضع حدَ للقتال إلا في الإسلام . القتال ضد من يرفض الصلح الذي يراه المؤمنون، أي المجتمع.

ثم يأتي الموقف الرابع الذي أبيح فيه للمسلمين القتال ، مندوبا لا فرضا، أن يقاتلوا دفاعا عن ضحايا الظلم من الناس، أي ناس في أي مكان، من أي جنس، على أي دين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. قال تعالى :” وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا”-النساء 75-. شرط القتال هنا، بالإضافة إلى مبدأ “لا تعتدوا” أن – يستغيث المظلومون بالمسلمين لدفع ظلم واقع لا على فرد ولكن على مجتمع بما فيه من رجال ونساء وولدان. ويسمّى في الشريعة الإسلامية -القانون- “حق الغوث” فهو رخصة بالدفاع وليست فرضا واجبا.

ز- ختاما لهذه الخاطرات أعود إلى سؤالك لأعيد صياغة شطره الثاني صيغة مختصرة فأقول: ليس في القرآن آية تحض على قتال الكافرين أو غير الكافرين ولا المخالفين في العقيدة الدينية ولا اتقاء فتنة نتيجة كيد أو مؤامرة و إنما يفرض القرآن القتال دفاعا في كل الحالات. بل أن القرآن  يوصي المسلمين بأن يبَرّوا غيرهم وأن يكونوا عادلين في التعامل معهم إلا الذين قاتلوا المسلمين لردّهم عن دينهم أو أخرجوهم من ديارهم أو عاونوا من أخرجوهم فيحر القرآن على المسلمين مناصرتهم أو التحالف معهم  أو صداقتهم. وهي الحالة الوحيدة التي أمر فيها القرآن بقطع أوشاج الأخوة الإنسانية بين البشر. قال تعالى في سورة الممتحنة: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم إن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون”. -الممتحنة 8.7 -. الموالاة تعني الصداقة والمناصرة وما في حكمهما، من والى ولا تعني الولاية من تولّى، فلا شأن للآية بالحكم أو تولي القيادة كما يزعم البعض.

ح – ثم تأمّل من آيات الذكر الحكيم :” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. – البقرة 62-. و”إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.-المائدة 69-. الصابئ هو الذي ينتقل من دين إلى دين. والصابئون صفة كانت تطلق على جماعات طائفية لهم كتاب واحد “كتاب ألج نزا” ولكنهم موزعون انتماء إلى ديانات عديدة مثل المجوسية والزرادشتية والهندوسية والبوذية والكنفشيوسية. وقد كان من بينهم نفر يعيشون في البصرة جنوب العراق، وكانوا يعبدون الكواكب ويزعمون أنهم من أهل الكتاب الذين أوصى بهم القرآن احتجاجا بكتابهم.

المهم أنهم لم يكونوا مسلمين..

فانظر كيف قرر لهم القرآن أن “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. لقد أسند قراره إلى توافر أمرين: 1- الإيمان بالله واليوم الآخر. 2- العمل الصالح. ولم يشترط الإسلام. وقد يبدو هذا غريبا، ولكنه ليس غريبا، فليس الإسلام مقصورا على ما ابلغه محمد بن عبد الله إلى الناس بصفته رسولا من الله، ولكن الإسلام هو جوهر كل الأديان منذ إبراهيم عليه السلام. وجوهر ذاته هو “العمل الصالح”. الصالح لمن؟ للناس،للبشر إذ أن الله غني حميد. وإذا كان ما جاء في القرآن من أحكام وقواعد هي الصيغة الأخيرة للعمل الصالح فإن الصلاح كمضمون لا يتوقف على العلم بالقرآن أو على أن يكون “الصالح” مسلما بالضرورة. فإن لم يكن كأن كان يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو مجوسيا أو مجنونا فقد رفع عنه الخوف.-من الإكراه- والحزن -من القهر مثلا-.  وكل هذا لا مثيل له في أي دين أو مذهب أو إيديولوجية أو فلسفة أو نظام ما وضعه الإنسان، والمسلمون ملزمون باتباع هذا الموقف من الغير الذي لا مثيل له، فإن لم يفعلوا فقد خالفوا جوهر الإسلام واحتكموا في أمر الغير المسالم إلى غير ما أنزل الله، نقول المسالم حتى لا ننسى شرط فرض القتال ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” .-البقرة 190-. والله أعلم.

عصمت سيف الدولة

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: