الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

سفارة الإئتلاف، بالدوحة! نبيل نايلي

nabil nayli

سفارة الإئتلاف، بالدوحة! نبيل نايلي

تحقيق التكافؤ في الملعب الآن بالمعنى العسكري يعني بحث فرض مناطق لحظر الطيران، وبحث ما إذا كانت منظومة صواريخ باتريوت في تركيا قد تلعب دورا أيضا في الإضطلاع بقدر من المسؤولية في المناطق الشمالية من سورية”. رئيس بعثة الرقابة الدولية في سورية، الجنرال النرويجي، روبرت مود.

بعد تعليق عضوية سورية منذ نوفمبر 2011، أضافت”جامعة” التحالف النفطي العربي سابقة أخرى في سجل أسود حافل بالقرارات التي شرّعت الأبواب لتسلّل وعودة الغزاة والمستعمرين وأذنابهم تحت عناوين الانتصار للديمقراطية ولحقوق الشعوب والتدخّل الإنساني وغيرها. تحت شعار “الأمة العربية: الوضع الراهن وآفاق المستقبل”، وفي انتهاك فادح لميثاق الجامعة العربية نفسه وكذا لميثاق الأمم المتحدة، تمّ منح ما سمّي ب”الإئتلاف” المقعد المخصّص لسورية، الدولة العضو، والمؤسس، وتغيير علمها. يتمّ كل ذلك تمهيدا لفرض “واقع قانوني دولي” لا نستغرب إن وصلت تداعياته، حد طرد ممثل سورية الحالي في الأمم المتحدة، بشار الجعفري. هكذا تمكّنت الدولة الراعية والمضيفة، قطر، أخيرا من إنفاذ السيناريو الذي أُريد لها أن تتبنّاه منذ انزلاق الحراك نحو مستنقع التدويل: عزل النظام السوري تماما عن “مؤسسات الشرعية” في “النظام” العربي الرسمي، تمهيدا للعزل عن المؤسسات الدولية، لتكرّس شرعية من اصطفتهم وفوّضتهم أوصياء على الحراك الإنتفاضي السوري، فالتحكّم بمستقبل ومصير سورية ووضعها تحت الوصاية.

فصول المسرحية لم تتوقّف عند هذا الحد بل ذهبت حدّ تسليم ما يسمّى بالائتلاف “الوطني” لقوى “الثورة” والمعارضة السورية، “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري والمحاور الأساس مع جامعة الدول العربية رسمياً”، الأربعاء الماضي، مقرّ السفارة السورية في العاصمة القطرية، الدوحة، ليتغيّر إسمها، كما غيّروا العلم السوري بعلم انتداب جديد، إلى “سفارة الإئتلاف”، وليدخلها نزار الحراكي، السفير الجديد، برفقة وفد الائتلاف ولتتمّ مراسم “حفل التسليم”، على أنغام عزف النشيد الوطني السوري، وبحضور رئيس “الحكومة المؤقتة” غسان هيتو، ورئيس الائتلاف، معاذ الخطيب. الحراكي لم يتمالك نفسه في غمرة المهزلة ليصرّح منتشيا إن “اليوم يوم نصر للسوريين”! أما الخطيب الذي لا يخجل من طلب التدخّل الأجنبي، فتذكّر على مضض أن التغيير يصنعه أصحابه، ليستدرك في مرارة العاتب، “قلت البارحة حبّذا لو تغطي مظلّة الباتريوت شمال سورية من أجل حماية الناس، فظهر فوراً بيان بأنّهم لن يفعلوا ذلك، ولذلك أقول الشعب سيتابع طريقه”!

أحكمت قطر سيطرتها المطلقة على “جامعة” الدول العربية، وصادرت قرارها، لتحوّلها بقدرة قادر إلى أشبه ما يكون بما يسمّيه طلال سلمان: “الدائرة القانونية لتشريع الحروب الأهلية العربية”، التي تستجدي وتعبّد الطريق للتدخّلات العسكرية الأجنبية دون أن يرفّ للحضور جفن أو تهتزّ لهم قصبة! قطر، واحة الديمقراطية ومهد حقوق الإنسان، لا تعوزها العناوين ولا المبرّرات، فمن “تحرير الشعوب من طغيان حكامها” إلى “إرساء الديموقراطيات” مرورا ب”تغيير نظم الإستبداد”، يظلّ عرّاب “الربيع الأطلسي” يقرّر، باسم الجامعة، بل ونيابة عنها، وبالوكالة ومناولة، مصائر دول عربية عريقة، وأعضاء مؤسّسين، فيخلع نظما ويعيّن كرزايات جدد، تنتقيهم دور الإستخبارات العالمية على المقاس، يُنصّبهم أوصياء على حراك ثوري أختطف منذ سفر التكوين الأوّل ويجعل منهم الممثّلين الوحيدين لشعب لم يزكّيهم ولا حتى ائتمنهم على انتفاضته. ألم يكن ثلاثة ممّن كانوا وراء معاذ الخطيب على المنصة، لتمثيل سورية وشبابها المنتفض، يحملون الجنسية الأمريكية، إثنان منهم مُوظّفان في “المعهد الأميركي للديمقراطية”، معهد على رأسه ضابط موساد متقاعد؟ ألم تصدر 60 شخصية معارضة بيانا شديد اللّهجة تسحب من خلاله شرعية التمثيل من الائتلاف وتعارض حكومة غسان هيتو؟ ثم ماذا عن استقالة هذا الخطيب التي تظلّ معلّقة حتى إشعار آخر؟

“الجامعة” التي أضحت مجرّد وسيط أو ساعي البريد المحيل لأبسط المشاكل العربية إلى مجلس الأمن الدولي، وإن تعذّر، إلى حلف شمال الأطلسي ليهندس “تدخّلا إنسانيا”، بإنسانية التدخّل في ليبيا! تدخل لا يحرّر فلسطين أو القدس، الللتان صُفّيت قضيتهما، واختزلت في مجرّد مصالحة بين فرقاء، بل يحرّر سورية، بجحافل من الجماعات المسلّحة لا يجمع بينها سوى عداؤها للنظام السوري! لا يهمّ بعدها أن تتحوّل سورية إلى ركام وأن يسفح الدم السوري في حرب طائفية لا ندري أين سيتوقف لهيبها ولا ارتدادات التسونامي الدموي الذي سيتمخّض عنها.

لم تكسر قمة عرب ما بعد الربيع الأعراف السياسية والدبلوماسية التي كانت تشكّل الحدود الدنيا للعمل العربي المشترك، بل أوغلت أبعد منذ ذلك وأخطر، لتحدث سابقة في تاريخ العرب المعاصر، فاتحة الباب على مصراعيه أمام الأنظمة التي أغفلها “الربيع” إلى سلب الشرعية والتمثيل السياسي كلّما تنازعت مع من حادت بوصلته عمّا قرّرته لعبة الأمم وسُطّر في الغرف المظلمة!

يا سادة، إنّ تخصيص مقعد سورية في “جامعة” مختطفة ومُرتهنة ومُوظّفة لهؤلاء الذين لا يمثّلون جميع قوى المعارضة، في وقت يواجه “الائتلاف” نفسه حالة تشرذم تجسّدت بإعلان معاذ الخطيب نفسه، استقالته من رئاسته وتعليق عدد من قياداته عضويتهم فيه بسبب اعتراضهم على انتخاب غسان هيتو “رئيسا للحكومة المؤقتة”، هؤلاء الذين لا يحظون بأبسط دعم شعبي أو حتى إجماع من الفصائل المقاتلة، فضلا عن المعارضة الوطنية، وإن اعتبرهم محفل الدوحة ” الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري والمحاور الأساس مع جامعة الدول العربية”، سيؤسّس لنموذج من السلوك السياسي والدبلوماسي بالغ الخطورة، يمكن أن يمثّل سابقة جديدة لأعضاء جدد ينتظرون دورهم بفارغ الصبر داخل أقطار يجري العمل على تتشظّيها وتحلّلها!

إذا كان مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، يصرّح “إن تسليم مقعد سورية في الجامعة العربية للائتلاف السوري المعارض خلال القمة العربية في دورتها العادية بالدوحة “لن يقدّم أية مساعدة” للتسوية السلمية للأزمة في سورية، بل يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك، فقط “أن جامعة الدول العربية خرجت من عملية البحث عن التسوية السياسية للأزمة”.، فإنّ قريحة أمين عام الجامعة نبيل العربي، تفتّقت بتبريرات من نوع أنّ “تسليح المعارضة السورية”، المتخمة أصلا بالسلاح، “لا يقضي على الحل السلمي، وإن الهدف منه هو خلق توازن بينها وبين النظام”!!! أفظع من هذا وأكثر تناقضا ما ورد ببيان القمّة ذاته، والموصي بـ”أهمية الجهود الرّامية للتوصّل إلى حلّ سياسي كأولوية للأزمة السورية”!!! مع التأكيد “على الحق لكلّ دولة وفق رغبتها بتقديم كافة الوسائل للدّفاع عن النّفس بما في ذلك العسكرية لدعم صمود الشعب السوري والجيش الحر”!!

مشروع القرار الذي يوصى به وزراء خارجية عرب ما بعد “الربيع” يتحدّث أيضا عن “اللّجوء لمؤسسات الشرعية الدولية”، ومطالبتها ب”التدخل لحماية الشعب السوري” صيغة حمّالة أوجه، مفادها في لغة غير مخشّبة : السماح بمطالبة مجلس الأمن الدولي بفرض حظر طيران في سوريا “إذا سمحت المعادلات الإقليمية بذلك”، في استنساخ للنّموذج الليبي! هذا ما تلّقفه رئيس بعثة الرقابة الدولية في سورية، الجنرال النرويجي روبرت مود، ليصرّح دون مواربة: “تحقيق التكافؤ في الملعب الآن بالمعنى العسكري يعني بحث فرض مناطق لحظر الطيران، وبحث ما إذا كانت منظومة صواريخ باتريوت في تركيا قد تلعب دورا أيضا في الإضطلاع بقدر من المسؤولية في المناطق الشمالية من سورية”.

في ظل “القيادة القطرية للحروب الأهلية العربية”، باسم الجامعة العربية وبأختامها، وفي زمن تنفيذ تعاليم استراتيجيات تفتيت المفتّت وتفريخ الدول الفاشلة والتأسيس لأرخبيلات المذهبية والطائفية، يختطف أصحب مشروعه الحراك الإنتفاضي ويحرفونه عن مساره وغاياته، وفي عهد المصالحة الفلسطينية التي أضحت بديلا عن واجب التحرير، وفتوى “شرعية” لوقف المقاومة فتشريع الاحتلال، وفي زمن التمكين للحاكمين بإسم “إسلام” سياسي، مهندسة جيناته أمريكيا، يعمل جاهدا للإضطلاع بمهمّة انتدب لها وقايض بموجبها إعادة تأهيله وتمكينه من دفّة الحكم: مهمة محاولة طمس الهوية الجامعة لما تبقّى من مشاريع الدول الفاشلة، من إخلال النفخ في أوار الخلافات بين القوى الحية داخل المجتمعات العربية والزج بالشباب العربي في أتون حرب شعواء مفتوحة بين إسلام وعروبة، إن اندلعت ستعصف بهما معا. في ظل كل هذا، يفقد العرب أكثر فأكثر موقعهم المؤثر، ليس فقط على القرار السياسي الدولي بل أساساً على ما يتصل بقضاياهم القومية كما بشؤونهم المحلية المباشرة، رغم استبشار البعض بحراك انتفاضي تكاد تفضح مخرجات مخاضه الدموي عن حمل دميم: يؤفغن أو يلبنن أو يصومل أو يعرقن أو…بتعداد هذه الأقطار التي تقاد تحت دخان ثوري كثيف نحو “الدول الفاشلة”! سايكس-بيكو الجديدة تنفّذها أيادي عربية وبفتاوى شرعية تحت عناوين التغيير والديمقراطية ومحاربة الإستبداد، وكل تلك الغايات السامية التي انتفض من أجلها الشباب العربي قبل أن تلتفّ على انتفاضاته قوى استعمارية متربّصة وحركات سياسية مرتبطة بأجندات خارجية لا تهمّ لغير السلطة وإن حكمت على الخراب!

نعرف أن مشوار النهوض العربي الكبير لا يزال، في ميله الأول، داميا ومريراً، تماما كما نعرف أن ثمة قوى ردة كامنة وأخرى مستنفرة، وكيانات عربية وصهيونية وأخرى غربية تعمل الآن وغدا على إجهاض الحلم جنينا، بعضها بالعنف العاري، وبعضها بالعنف الاستيعابي، اختطافا أو إجهاضا أو اختراقا. كما نعرف أن المرحلة الحالية ليست البتة يسيرة، إلا على القافزين على المراحل، ولكننا غير هؤلاء نستصرخ: ثمة تسونامي تاريخي حقيقي يجتاح المنطقة العربية، ارتجاجاته تقوّض أسس”النظام“ الإقليمي العربي تباعاً وعلى جميع الأصعدة: الأمن القومي، والمصير المشترك، والهوية. وإن الحركات ال”إسلام“ية، التي كان ولا يزال من المفروض أن تلعب دور الحصن الأخير لوقف هذا التذرر السوسيولوجي، بسبب عدائها للفكرة القومية، تعادي هويتها العربية، لتجد نفسها مضطرّة إلى السباحة في بحيرة العصبيات الجديدة، طمعا في القيادة ورغبة في التمكين، وإن لزم الأمر تحالف بعضها مع سدنة غوانتنامو والقتال تحت رايات الأطلسي!

يوم نفصل بين النظم الحاكمة والوطن بكل مكوّناته ومقدّراته ونسيجه الإجتماعي ووحدته، فلا ندمّر الأخضر واليابس بإسم الله وتحت رايات التوحيد!!! وبإسم العمل “الثوري”، ويوم نحصّن الإنتفاضات من خطيئة تقديم صكوك الطاعة للأعداء، مجانا وقبل الإمساك بسلطة غير مضمونة، وحين نتطهّر من رذيلة الإستقواء بالغزاة الذي لا يأتون إلاّ لضمان مصالحهم وفرض شروط التبعية الجديدة، معزّزين ب”فضل” مساهمتهم في “التحرير”، والتدمير المنهجي والمنظّم لأبسط مقوّمات الوحدة الوطنية، ولما تبقّى من البنى التحتية تمهيدا لكعكة “إعادة الإعمار”، ويوم يعود الآباء الشرعيون وصناّع الحراك الإنتفاضي الفعليون، ليتصدّروا المشهد، لا هؤلاء المسوخ الذين يركبونه ويحرّفونه، يمكن أن نتحدّث فعلا عن ثورات وعن تغيير.. قبل ذلك وخلاله سيظلّ أقسى الحلم “سفارات ائتلاف” يؤمّنها عرب المحميات النفطية، بالوكالة عمّن يفوّضهم إلى حين يغمرهم نفس الطوفان! ألم نقل ومنذ بداية الحراك خُطاف واحد لا يصنع الربيع، فما بالك إذا كان خطافا زاجلا قادما من محمية قطر، يجوب غرب الوطن ومشرقه، وتتعطّل بوصلته عند البحرين وهي منه على مرمى حجر!

العلاّمة ابن خلدون وصّف الثورة كأبلغ ما يكون، بقوله: ”إذا ما تبدّلت الأحوال جملة، فكأنّما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنّه ولد من جديد“…الأحوال تبدّلت بالفعل… ولكن الوليد لا يزال أقرب منه إلى المسخ، حتى لا نقول مخاض حمل كاذب!

*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس

صفحة الدكتور نبيل نايلي

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: