الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

معنى استدعاء جمال عبد الناصر. بقلم : عبد الحليم قنديل

nasser

عبر عامين من تاريخ بدء الثورة المصرية الأخيرة، لفت نظر المراقبين ذلك الإقبال الهائل على زيارة ضريح جمال عبد الناصر فى منطقة ‘كوبري القبة’ بالقاهرة، وهو إقــــبال عفوي تماما، لا تنظمه أي جهة أو جماعة أو حزب ناصري، ويمتاز بكثرة غالبة من الشباب الذين ولدوا بعد سنوات طويلة مضت على رحيل القائد العظيم.
وتبدو الظاهرة مطردة، وتصل إلى ذروتها في تواريخ ميلاد عبد الناصر ووفاته وذكرى ثورة 1952، وهو ما راجت معه عملية شعبية عفوية تماما، تعيد طبع صور عبد الناصر، وترفعها مع علم مصر فى مظاهرات الثورة المتصلة، وعلى خيام الاعتصامات في ميدان التحرير وأمام قصر الرئاسة، وقبلها، كانت صور عبد الناصر هي الأكثر شيوعا في مظاهرات الثمانية عشر يوما التي خلعت مبارك من الحكم، ولم تظهر وقتها صور لزعيم مصري تاريخي آخر، فوق أن أغنيات ميادين الثورة كانت كلها تنتسب إلى عصر عبد الناصر، وبدت كأنها تنتسب للحظة الثورة الأخيرة، أو أنها كتبت لها بالذات، ومن نوع أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة ‘كلنا كده عايزين صورة’، ‘واللي هيطلع م الميدان ـ عمره ما هيبان في الصورة’.
تنطوي الظاهرة على مفارقة لأول وهلة، فقد اتصلت الحملة الرسمية لتشويه جمال عبد الناصر على مدى أربعة عقود، ومنذ أن أطلقها السادات عقب حرب 1973، وبدت الحملة المنظمة جاذبة لأطراف من داخل مصر وخارجها، فقد شارك فيها الراعي الأمريكي لانقلاب السادات فمبارك على خط عبد الناصر، ومولتها مليارات البترو ـ دولار، وعملت في خدمتها قوى وعناصر اليمين الديني واليمين الليبرالي، وبدا كأن الكل اجتمعوا على تحطيم صورة عبد الناصر، ومحوه تماما من التاريخ المصري والعربي، ثم فاجأتهم قوافل صور عبد الناصر في ميادين الغضب، تماما كما فاجأتهم الثورة المصرية الأخيرة، والتي تتوالى موجاتها العفوية في عناد وإصرار، وتكتسح في طريقها كل قوى الثورة المضادة، سواء التي انتسبت إلى إدارة مبارك مباشرة كمجلس طنطاوي وعنان، أو التي بدت بعيدة عن إدارة مبارك، لكنها تحمل ذات الجينات الكارهة لمعنى الثورة الحقيقي، وتدعي انتسابا زائفا للثورة كقيادة جماعة الإخوان، وتلعب دور ‘حصان طروادة’، وتخون الثورة باسم الثورة، وتمتلئ حقدا وغلا ضد جمال عبد الناصر، وضد ثورة 1952 التي أعادت سيرتها في ثورة 2011، وبذات الأحلام والمطامح في ‘العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية’.
وأقرب تفسير لحالة الحنين المتنامي إلى عبد الناصر يبدو ظاهرا جدا، فالثورة المصرية الأخيرة ولدت بلا قيادة مطابقة، واستدعاء صورة عبد الناصر تعبير رمزي عن الحاجة إلى قيادة، ولا يوجد في التاريخ المصري الحديث اسم أكثر جدارة من معنى عبد الناصر، فهو يلخص رحلة كفاح وطني طويلة، تدافعت على طريقها أسماء وعلامات كأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس، ووجدت تتويجها في ظاهرة عبد الناصر الاستثنائية الفذة، والتي كانت خلاصة تطور الوطنية المصرية في ارتباطها الشرطي بالقومية العربية، وأحدثت قطيعة مع عصور الذل والهوان، وأزالت صور الاستعمار البريطاني ـ الفرنسي القديم عن مشرق الأمة ومغربها، وفي خلال عشر سنوات فقط على قيام ثورة 1952، ثم حولت مصر إلى قلعة حقيقية للنهضة في العالم المعاصر خلال العشر سنوات التالية، فقد كانت مصر رأسا برأس مع كوريا الجنوبية في معدلات التقدم والتصنيع والاختراق التكنولوجي، وبعد أربعين سنة من الانقلاب على تجربة عبد الناصر، خرجت مصر من سباق العصر بالجملة، ونزلت من حالق إلى الفالق، وصارت رأسا برأس ـ أو قل ذيلا بذيل ـ مع بوركينا فاسو على مؤشر الفساد الدولي، فوق أن مصر عادت إلى القيد الاستعماري من جديد، واستبدلت الاستعمار الأمريكي الراهن بالاستعمار البريطاني القديم، وهــــو الواقع المرير الذي لا يـــزال قائما حتى بعد الثورة المصرية الأخيرة، وتكرسه جماعة الإخوان بعــــد زوال حكم جماعة مبارك، وتعمل كوكيل محلي للاستعمار والهيمنة الأمريكية، وهو ما يفسر الحنين الشعبي المتزايد إلى جمال عبد الناصر، وهو ـ في جوهره ـ حنين إلى نصرة الثورة الأخيرة المغدورة، وميل إلى فهم محنة الثورة بغياب قيادة من طراز جمال عبد الناصر.
وبالطبع، فنحن لا نشتري الثورات من السوبر ماركت، فالثورة التي تناسبنا حدثت وتحدث، ومتأثرة بأحوال مجتمعاتنا، وقد ولدت الثورة الأخيرة هكذا، وبطاقة دفع شعبي تلقائي من آبار الغضب المخزون، وكان دور المبادرين مفهوما، فقد رفعوا الغطاء عن آبار الغضب، ودون أن تتوافر قيادة مطابقة لفيض غضب تدفق إلى الشارع بملايين الناس، وهذه سمة ظاهرة في الثورات العربية الحالية، أقول أنها سمة وليست عيبا بالضرورة، صحيح أنها تجعل رحلة الثورة أطول وأصعب، ولا تجعل قطوفها دانية عند طرف الإصبع، وتجعل احتيال قوى الثورة المضادة على الثورة يبدو أسهل، ولكن إلى حين، فالفجوة متسعة بين طبع طلائع الثورة العفية وأحوال المجتمع المنهك، والبروفات الانتخابية الأولى تعكس حال المجتمع المنهك، وهو ما قد يصيب الثوريين بإحباط مفهوم الدواعي، لكن هذا الإحباط ذاته، يعود فيلعب دوره كقوة دفع ثوري بامتياز، وهكذا تتكرر موجات الثورة، أي استدعاء الميادين لمدد متجدد من آبار الغضب، ومع كل دورة يتغير وعي المجتمع المنهك، ويصبح أكثر استعدادا لتقبل فكرة الثورة، وهو ما يجري مع دورات انتخابات واستفتاءات تالية للتجربة الأولى، وهكذا إلى أن نصل إلى تقارب فتطابق بين إرادة الثوريين والوعي المضاف لحال المجتمع المنهك، وقتها تتكون قيادة من نوع مختلف، قيادة تجتمع أطرافها على كلمة الثورة، وتحظى بدعم طوعي غلاب من المجتمع المنهك الممزق، وعلى طريقة ‘إيزيس’ في الأسطورة المصرية القديمة، والتي راحت تجمع أشلاء زوجها وحبيبها ‘أوزوريس’، وتصنع منها جسدا واحدا متحدا، تعيد إليه الحياة، وتحمل منه لتلد ‘حورس’ رمز مصر الجديدة، وتلك سيرة تختلف عن سيرة وتكون قيادة جمال عبد الناصر، لكنها تحمل ذات المعنى والمغزى الكامن في ظاهرة الاستدعاء الشعوري لجمال عبد الناصر، والتسابق إلى زيارة ضريحه.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: