الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

ملاحظات أولية حول الوحدة والإنقسام في الحركات السياسية بقلم : دكتور صفوت حاتم

مقدمة :

تعاني الحركة الناصرية منذ ربع قرن من ظاهرة الإنقسام والشللية , وهي ظاهرة تبدو حتمية في الحركات السياسية الراديكالية بشكل عام .
ولكن مع تعقد الواقع السياسي العربي وترديه , وفي ظل غياب ديمقراطية وتعددية حقيقية , تتحول الشللية والحلقية الى مرض عضال يساهم في تردي الواقع السياسي وتدهوره .
وعلى الرغم من كل الجهود التي تبذل لمواجهة هذا الوضع الشاذ , إلا أن الجهود التوحيدية لم تنجح على الرغم من كل النوايا الطيبة التي كانت تصاحبها و وربما بسببها !!

ومنذ أن بدأت الحركة الناصرية طرح مشروع وحدتها التنظيمية , ظهرت على السطح أهمية طرح المسألة على مائدة البحث والتحليل .

فقضية الوحدة والإنقسام في الحركة الناصرية لم تطرح على صعيد البحث الموضوعي بإعتبارها قضية فكرية بالأساس وليست مجرد عملية سياسية يتحكم في نجاحها أو فشلها نوايا ووعي القائمين عليها .
ما من شك أن تكوين علاقات متينة بين أعضاء التيار السياسي الواحد هو أمر حيوي يقوي من وحدته ويمنع من تفتته الى ” شلل ” تلتقي كل شلة حول شخص , ويصبح الولاء السائد داخل التيار السياسي هو ولاء للأشخاص وليس ولاء للأفكار السياسية أو مصلحة العمل التنظيمي .. وهكذا يصبح إنحراف زعامة الشلل القائمة كفيلا بإنحراف التنظيم , او تحول التظيم القائم الى مجموعات متنافرة من الشلل المتصارعة . ومهما إدعت هذه الشلل بموضوعية الخلافات السياسية والتنظيمية , فإن ذلك لا يخفي طبيعة المصالح الشخصية وصراعات النفوذ التي تحكم هذه الخلافات .
والواقع أن ثمة ظاهرة ” طبيعية ” خضعت لها – كما يبدو – معظم المؤسسات العقائدية في التاريخ , سواء منها المؤسسات الدينية أو الثقافية أو الحزبية السياسية , فهي كانت تسير من الواحد الى المتعدد , ومن الإلتزام البسيط الى الإلتزامات المتعددة المتناقضة . ولقد خضعت الأحزاب العربية التقدمية بشكل خاص الى هذا القانون , سواء كانت أحزابا وحدوية أو أحزابا شيوعية . فالأحزاب التقدمية العربية كانت تتجه الى الإنقسام والتشلل , قبل حتى أن تكبر وتغتني فكريا أو سياسيا وتنظيميا .

1 – الوحدة والإنقسام في الحركة الشيوعية العربية :

لا ريب ان الأحزاب الشيوعية هي من أقدم الأحزاب في الوطن العربي . وقد لعبت الأحزاب الشيوعية العربية أدوارا تاريخية حاسمة أحيانا و ثانوية أحيانا أخرى في رفع مستوى الوعي السياسي في العالم العربي بإتجاه فكرة الإشتراكية وتحسس دور الطبقات الكادحة في الصراع السياسي .
وعلى الرغم من هذا الأحساس المبكر لدي هذه الأحزاب لدور الفكر السياسي والتنظيمي على مسار النضال السياسي , إلا ان هذا لم يمنع أبدا من أن تعاني هذه الأحزاب – وربما أكثر من غيرها – من مشكلة الإنقسام والتفتت التنظيمي .
ولا ريب أن هناك عوامل كثيرة متعددة قد ساهمت في حدوث هذه الظاهرة . فالبنية ” الستالينية ” للأحزاب الشيوعية العربية تفسر جانبا من ظاهرة التفتت والإنقسام . فلقد كان الفصل من الحزب أو التنظيم الشيوعي , هو ابسط ” عقوبة ” تنزل بكل من يخطر له أن يطور بعض الآراء والتي يعتبرها البعض خطرا يضر بوحدة الحزب الصخرية وأحادية اتجاهه .
ولقد كشفت مجموعة الوثائق التي نشرت في السنين الأخيرة عن كم من المعلومات تفسر وتحلل ظاهرة الإنقسام داخل الحزبية الشيوعية العربية .. كما تفسر من ناحية ثانية عمليات الوحدة التنظيمية التي كانت تحدث داخل هذه الحركات في لحظات معينة من تاريخها الطويل . وهو ما ستحاول هذه الدراسة الأولية أن تركز عليه .

2 – الحركة الشيوعية المصرية وتجربة الوحدة الأولى عام 1947 ( حدتو ):

تميزت نشأة الحركات والتنظيمات الشيوعية المصرية في مطلع الإربعينات بالتعددية منذ البداية كجلقات صغيرة أو كبيرة تعمل جنب بعضها البعض دون صدامات أو حساسيات كبيرة . وفي البداية كان ” التباعد المكاني ” هو السبب الأساسي لهذه النشأة المتعددة . بمعنى أن معظم المنابر الشيوعية لم تكن تختلف عن بعضها البعض إلا في بعض التفاصيل المحدودة . وحتى عندما يحاول بعض المؤرخين الآن أن يقدحوا ذهنهم بحثا عن أسباب الخلافات الفكرية أو العقائدية التي تبرر هذه النشأة المتعددة , فهم لا يجدون سوى أسبابا واهية , بعضها شخصي وبعضها يعود الى اساليب العمل داخل المواقع الجغرافية كالعمل في الجامعات والنوادي الثقافية أو العمل داخل الحركة النقابية العمالية أو في الريف .
ولكن مالبث هذا التباعد المكاني أن أوجد بالضرورة تباعدا في منهج التفكير ووسائل معالجة القضايا الفكرية والتنظيمية .
ولقد تنوعت التفسيرات المقدمة من قادة الحركة الشيوعية العربية لأسباب حالة الشللية والإنقسامية التي عانت منها هذه الحركة على مدار تاريخها الطويل .

3 – التفسير الطبقي لظاهرة الإنقسام والشللية في الحركة الشيوعية العربية :

وربما كان التفسير الجاهز دوما لهذه الظاهرة هو ما يراه قادة هذه الحركة ذاتها من سيادة عنصر المثقفين أو روح ” البورجوازية الصغيرة ” التي كانت مهيمنة على الحركة الشيوعية العربية في بداياتها . فهذه البورجوازية الصغيرة تتسم في الفهم الماركسي بسيادة روح التكتل والإنقسام والحلقية من خلال الجو التنظيمي الذي تخلقه حولها وتعيش فيه .. جو الطموح الذاتي والإغراق في الفردية والإنتهازية والتردد وسيادة روح التذبذب السياسي في المواقف العملية واغراق العمل الحزبي في جو من المناقشات والسفسطات النظرية والبيزنطية والإنسحاب من النضال العملي الى التفلسف النظري .

عن تأثير هذه الروح يقول ” أحمد صادق سعد ” أحد قيادات الحركة الشيوعية الأوائل : ” … لقد شاع وقتا طويلا الإعتقاد ان الخلافات المستمرة بين المنظمات الماركسية في تلك الفترة تعود الى اسباب ” حلقية ” اي شعور بالترابط الشللي بين أفراد الحلقات … وأنا لا أنكر وجود هذه الحلقية التابعة من ضيق أفق والإنعزالية في طبيعة ” البورجوازية الصغيرة ” , فالغالبية العظمى من ماركسيين هذه الفترة كانوا من أبناء هذه الطبقة.. ” ( أحمد صادق سعد . صفحات من اليسار المصري في اعقاب الحرب العالمية الثانية , مكتبة مدبولي – وهو أحد قيادات منظمة الفجر الجديد الشيوعية التي تحولت عام 1946 الى منظمة ” الطليعة الشعبية للتحرر ” ثم غيرت اسمها لتصبح ” طليعة العمال والفلاحين ” ثم الى ” حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري ” عام 1957 ) .

وفي نفس الإطار يقول ” هنري كورييل ” احد قادة الحركة الشيوعية والمؤسس لمنظمة ” الحركة المصرية للتحرر الوطني – حمتو ) : ” .. ان سبب تفشي التكتلية والإنقسامية في الحركة الشيوعية يعود الى سيادة عنصر ” البورجوازية الصغيرة ” التي دب الرعب في أوصالها عند إقتراب فترة الجذر وبروز احتمالات فترة من الإرهاب من نشوب حرب فلسطين , فآثرت الهرب بجلدها تحت شعارات براقة تدعي ” الثورية ” ( د. رفعت السعيد , تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940- 1950 , دار الثقافة الجديدة ) .

على نفس هذا الأمر يركز ” أحمد نصري ” أحد قيادات الحزب الشيوعي السوري في تفسيره للأنقسام الذي حدث في الحزب عام 1970 , فنراه يقول : ” .. ان هذه الشرائح من ” البورجوازية الصغيرة ” تظهر لديها بإستمرار الميول المترددة المستعدة للقفز الى اليمين واليسار , والمستعدة للتنكر للمواقف والتقاليد والتي تتميز بعدم الثبات المادي والمعنوي . ( قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري ) .

4 – دور الخلافات الفكرية :

بصفة عامة .. لم تستطع التجربة الحزبية العربية التقدمية أن تعي ان التنظيم الثوري هو عالم مصغر من العالم الذي سيوجد بعد انتصار الثورة .. لهذا إذا ما ولد الحزب بشكل عفوي ودون فهم واضح لطبيعة الواقع السياسي الذي يطمح الى تغييره و فإنه يصبح بسرعة مجرد شكل تنظيمي عاجز تدب الفوضى والإضطراب في جنباته وسرعان ما يتفتت وينقسم على نفسه الى عشرات من الشلل والحلقات .
ولقد عانت المنظمات الماركسية الأولى من هذا المرض . فعلى الرغم من إهتمامها بالجانب الفكري , إلا أن هذا لم يمنع من ان تحليلها للواقع السياسي الذي كانت تعيش فيه وامكانياته الفعلية , كان يعبر عن تخلف واضح في كثير من الأحوال . وهو أمر ساهم بقدر كبير في ظاهرة التشلل والإنقسام .
ويعترف أحد قادة الشيوعيين في مصر بهذه الأزمة الفكرية حين نراه يقول : ” … في رأيي أن الجمود العقائدي كان هو الجذر العميق للأغلبية الكبرى من النقص والقصور التي كانت في الحركة الماركسية المصرية , وأن هذا الجمود وجد أرضية خصبة في طبيعة البورجوازية الصغيرة الماركسية وخاصة القسم منها الذي استوعب الثقافة العلمانية . وظل الماركسيون يشعرون بشكل غامض مدة من الزمن بأن هناك حائلا ضخما بينهم وبين الجماهير الشعبية الراسخة في الريف والمدينة . ورغم كل ما كتب وقيل حينذاك عن التظرية الماركسية – اللينينية وعن الإتحاد السوفييتي والدول الإشتراكية , وكان بلا شك مفيدا للغاية في مسيرة مصر , غير أنه ظل في رأيي , الى درجة بعيدة , أمرا منفصلا عن الطريق الخاص الذي يمكن أن تسلكه مصر نحو الإشتراكية . ( احمد صادق سعد , مصدر سبق ذكره )

ويمكن أن نلحظ هذا في تفسير فشل الوحدة التي تمت في الإربعينات داخل الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ” حدتو ” وهي أول وحدة تنظيمية لمنظمات اليسار الماركسي في مصر وبسبب النقاش الفكري الذي دار حول خط القوات الوطنية الذي طرحه هنري كورييل وجماعته وعارضه شهدي عطية الشافعي وجماعته ).

يقول ” آلبير آرييه ” في شاهدته عن هذه الفترة : ” .. بعد هذه السنوات التي مرت أقر ان النقاش الذي دار كان يعبر عن تخلف ولخبطة في التفكير العام للتنظيم وفي الحركة الشيوعية عموما أنني تصفحت خط ” سليمان ” ( يقصد شهدي عطية الشافعي ) وألاحظ عليه أنه ركز أساسا على الهجوم الشخصي وتجريح كل أشخاص القيادة .. كذلك فإن التكتل الثوري ركز على كشف كل أسرار التنظيم وإباحة الإتصالات الجانبية وإباحة التكتلات بحجة أن ” لينين ” تكتل .. وقد برروا السرقات التي مارسوها بقصص انتزعوها من تاريخ الحزب الإشتراكي الديمقراطي الروسي .. ومع تصاعد عمليات السطو على أجهزة التنظيم , لجأت القيادة الى نفس الأسلوب .. هكذا تولدت تقاليد سيئة السمعة لم تكن موجودة أصلا في مناخ العمل الشيوعي في مصر . ( راجع رفعت السعيد , مصدر سابق ص 418)

ويحكي ” قدري قلعجي عن تجربته في الحزب الشيوعي السوري قائلا : … كثيرا ما كنا نطلب من القيادة الإهتمام بترجمة الكتب العلمية والفلسفية الهامة ليتثقف بها الأعضاء وتقوم عقيدتهم على اسس متينة , ولكن هذا الطلب لم يلق الا الإهمال , وانصرف اهتمام القيادة الى ترجمة كتاب ” تاريخ الحزب البلشفي ” ولولا أن كتاب ” الفلسفة الديالكتيكية ” لستالين كان الفصل الرابع من كتاب تاريخ الحزب البلشفي لما أهتمت القيادة بنقله الى العربية . وقد فرضت القيادة على الأعضاء دراسة كتاب ” تاريخ الحزب البلشفي ” وتلاوته في الخلايا والقاء المحاضرات عنه . فقضى الشيوعيون السوريون واللبنانيون ربع قرن وهذا الكتاب هو مصدر ثقافتهم الوحيد وباتوا يعرفون عن الخلاف بين البلشفيك والمنشفيك وتنظيم الكولوخوز والسوفخوز أكثر مما يعرفون عن تاريخ بلادهم ومراحل نضالها الوطني ” ( قدري قلعجي , تجربة عربي في الحزب الشيوعي , بيروت , دار الكاتب العربي , ص 216 ) .

5 – الجهل بقضية الوحدة التنظيمية واشكالها :

يعتبر البعض ان مسألة الوحدة والإنقسام هي مسألة ” ذاتية ” مرتبطة بطبيعة الشخصيات السياسية التي تقود العمل السياسي والمنظمات السياسية . لذلك كثيرا ما غاب الفهم الموضوعي لطبيعة الشللية والإنقسامية كقضية فكرية بالأساس تحتمل النظر اليها بنظرة بعيدة عن رد الظاهرة في مجملها لإنحرافات الأفراد أو طموحاتهم .. وإن كانت هذه الإنحرافات والطموحات هي امور ينبغي الإلتفات إليها عند التعامل مع ظاهرة الشللية والإنقسام .
الجهل بهذا الجانب ” الفكري ” و ” التنظيمي ” يجعل قضية الوحدة التنظيمية تسير في اطار من العلاقات الشخصية أوالمناورات الفردية دون أن تكون للقواعد والجماهير السياسية أدنى دور في مسألة الوحدة وكيفيتها وآليتها .
يرى ” شريف حتاتة ” في تقييمه لتجربة الوحدة الأولى للمنظمات الماركسية عام 1947 : ” ان قضية الوحدة والإنقسام داخل المنظمات الماركسية كانت تتسم بنوع من أنواع الجهل أو التجهيل بأشكالها وعوائقها … لا شك ان عددا من العناصر القيادية والمقربين منهم كانوا يعرفون ما هو أكثر … ولكنني اعتقد أن الأغلبية كانت تعاني من الجهل أو التجهيل الذي كنت أعاني منه , وأنها لم تدرك الكثير مما كان يدور في أعلى المستويات وعن الأبعاد الحقيقية لقضية الوحدة والظروف التي يمكن أن تضمن نجاحها وتحول دون أن تتحطم بسبب الخلافات التي كانت تفصل بين أطرافها .. وكان هذا الوضع إنعكاسا لمستوى الفهم العام و والوعي السياسي القائم أنذاك … وفي رأيي أن قضية الوحدة والإنقسام كانت محاطة منذ البداية بقدر كبير من الجهل وقلة الخبرة والعجز عن الرؤية الشاملة التي تربط الأشياء ببعضها البعض .. عن إدراك الظروف التي إندمجت فيها التنظيمات المختلفة وتوحدت .. هل كانت الوحدة مطلوبة أصلا أم لا ؟ وإذا كانت مطلوبة فما الذي كان يمكن أن يحيطها بضمانات البقاء .. هل كان هناك نوع من أنواع التعجل ؟ وهل كانت بذور الإنقسام مغروسة بقوة في الحركة الشيوعية منذ ولادتها .. أم أن ظروفها كانت لا تختلف في هذه الناحية عن غيرها ؟ ( د. شريف حتاتة , عن الوحدة والإنقسام في الحركة اليسارية , قضايا فكرية , العدد 11 -12 , 1992 ) .

تعليق : على هذا الجزأ نرى أن إقتصار الحوار حول الوحدة داخل الدوائر الضيقة لقيادات الحلقات التنظيمية , كان له دور سيئ في الإنقسام الذي حدث بعد عام واحد من قيام ” حدتو ” كمنظمة توحيدية , فلقد بقيت معظم قواعد المنظمات المتحدة بعيدة عن الحوار الدائر بين القيادات قبل عملية التوحيد وأثناءها , وغير واعية بطبيعة الخلافات التي يتم الحوار بشأنها ودرجة ذاتية أو موضوعية هذه الخلافات ) .

6 – وحدة المنظمات الشيوعية عام 1958 ” حزب 8 يناير :

لم تتوقف محاولات المنظمات الشيوعية في تحقيق وحدتها السياسية بعد إنهيار تجربة ” حدتو ” عام 1947. وفي غمار المواجهة الحادة مع قادة ثورة يوليو , نجح الشيوعيون المصريون في إقمة قامت أغلب المنظمات الماركسية في تكوين وحدة حزبية جديدة نشأ عنها ما سمي ” الحزب الشيوعي الموحد ” الذي ضم معظم المنظمات الشيوعية فيما عدا ثلاث منظمات : الراية .. ودال شين .. ومنظمة وحدة الشيوعيين . وقد إستمر هذا الحال حتى عام 1957 حيث ساعدت حرب السويس عام 1956 من ناحية , والإفراج عن المعتقلين الشيوعيين من ناحية ثانية , على إرتفاع موجة ضخمة من أجل وحدة المنظمات الشيوعية مجددا .
يقول ” مبارك عبد فضل ” ( أحد قادة الحركة الشيوعية المصرية ) : ” …وساعد على هذه الموجة , معارك الشعب الوطنية في 1956و 1957 ووضوح سياسة عبد الناصر الوطنية التي كانت تتطلب مساندة كاملة من الحركة الشيوعية المصرية كلها , وقد غذى هذه الموجة نجاح توحيد عدد من المنظمات الشيوعية في الحزب الموحد بما يحمله من أثر إيجابي … وفعلا تمت الوحدة في المحاولة الجديدة على مرحلتين : الأولى كانت في منتصف عام 1957 بين الموحد والراية اللذان شكلا معا الحزب المتحد . والثانية بين بين ” المتحد وحزب العمال والفلاحين ( المعروف طوال تاريخه باسم دال شين ) وتمخض عن هذا قيام الحزب الشيوعي المصري المعروف في تاريخ الشيوعيين المصريين باسم ( حزب 8 يناير – تاريخ انعقاد الوحدة في 8 يناير 1958 ) .
المهم ان هذه الوحدة فشلت في منتصف عام 1958 ( مبارك عبد فضل , الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني – حدتو , دار القافة الجديدة )

.. أي أنها لم تستمر ستة شهور !!
لماذا كان الفشل ؟
يقول ” مبارك عبد فضل ” : ” مادامت الوحدة قد فشلت فلها أسبابها.. ولكن السؤال الجوهري هو : هل كان توقيت الوحدة سليما ؟ أي هل كان من المفروض أن تتم في 1957 في عجلة أم كان المفروض تأجيلها لبعض الوقت بحيث تتم مناقشة كافة المسائل التي قد تحل خطرا على مستقبل تلك الوحدة .. لابد أن نقرر أنه كان هناك استعجال لا مبرر لإتمام الوحدة في أسرع وقت بين التنظيمات الثلاثة ؟ ( مصدر سابق , ص 142 ) .

تعليق : قد يظن البعض أن الإنتقال من التجزئة الى الوحدة التنظيمية مجرد عملية إلتئام لمجموعة من الشخصيات الوحدة التنظمية هي عملية شاقة وتحتاج الى جهود صبورة ودؤوبة في التعامل مع القضايا الفكرية والتنظيمية التي تعوق مسألة الوحدة التنظيمية .

7- النزعة الإنعزالية لدى بعض المنظمات :

يرى ” عبد مبارك فضل ” ان أحد الأسباب التي ساهمت في فشل وحدة 1958 هو نزعة الإنعزالية التي كانت تميز موقف بعض المنظمات الماركسية من عملية التوحيد اساسا وبشكل خاص منظمة ” الراية ” ومنظمة ” طليعة العمال والفلاحين ” ( دال شين ) : ” … فقد رفضت الراية ودال شين الإنضمام للوحدة سواء في مرحلة المفاوضات التي بدأت في 1953 أو في مرحلة الإنجاز في عام 1955. وكان الرفض بمختلف الحجج وكلها حجج مرفوضة وغير معقولة … وعكس هذا الرفض الموقف المعادي للوحدة من جانب هذين التنظيمين وهو موقف أصبح ثابتا ومعلنا حتى بدايات عام 1957 , حيث أصبحت اللهجة المعادية لوحدة الشيوعيين أقل حدة … ومن هنا كان الحذر في قضايا الوحدة ضروريا في التعامل معهما من جانب الحزب الموحد , فلم يكن من المنتظر أن يتحول أعداء الوحدة طوال تاريخهم الى انصار لها و فجأة خلال الشهور الأولى من عام 1957… ان الحذر كان مطلوبا في معالجة قضية الوحدة .. قد يتهم البعض قائلا أن الحذر مطابق للعداء للوحدة … الحذر الذي أعنيه هو إتجاه توحيدي وثوري في نفس الوقت , وهو يستهدف السعي الى وحدة أمتن وأقوى تتعرض لكافة المحاولات الإنقسامية .. وحدة لا تنهار خلال شهور ستة كما حدث لحزب 8يناير … الحذر الذي اقصده كان يتطلب وضع الأسس الحقيقية سياسيا وتنظيميا لنجاح الوحدة المطلوبة … ان الحذر في معالجة قضية الوحدة مع هذين التنظيمين يعني أنه كان من الضروري الحرص على إقامة علاقات تنسيق في العمل الجماهيري بين الحزب الموحد وهذين التنظيمين .. كانت هذه العلاقات سوف تسمح في مسارها العام , إما ببناء علاقات جماهيرية – ايا كانت مستواها – تسمح بتصحيح المفاهيم الخاطئة في العمل الجماهيري التي سادت في هذين التنظيمين . مما يؤدي الى وحدة في الفهم – أو في مستوى أدنى – تقارب في الفهم المشترك لقضايا العمل الجماهيري بين الموحد وهذين التنظيمين وهذا لم يحدث لفقدان الحذر … كان التنظيمان ( الراية ودال شين ) معاديان للوحدة طوال تاريخهما . فدال شين – وهي الأقدم – كانت ترفض الإنضمام الى مفاوضات أي وحدة وإذا إنضمت الى أي مفاوضات كانت تنسحب منها بسرعة شديدة, وكانت تعتبر أن مهمتها المقدسة هي أفشال أية وحدة شيوعية تظهر على الطريق .. وكلنا يذكر سعيها لتكوين جبهة معادية ” لحدتو ” في بداية تكوينها … وفي الفترة من 1953 وحتى 1955 رفضت ” دال شين ” الإنضمام لمفاوضات الوحدة وشنت حملة واسعة من العداء حين تكون الحزب الموحد . وبالنسبة لمنظمة ” الراية ” , فإن مقولتها المعادية للوحدة وكرستها العبارة التي أطلقتها وهي ( لا شيوعية خارج الحزب الشيوعي ) والمقصود طبعا حزب ” الراية ” … وقد ظلت ” الراية ” تدافع عن رؤيتها طوال الفترة من بداية الخمسينات وحتى نهاية 1956 . وكان التنظيمان يشيعان معا أتهامات بالبوليسية لعناصر المنظمات الأخرى وبالذات ضد عناصر حركة ” حدتو ” … ومن هنا كان إنجرار التنظيمين الى الوحدة عام 1957 مجرد محاولة لإحناء الرأس أمام عاصفة التيار التوحيدي الذي تصاعد في الحركة الشيوعية المصرية مع تشكيل الحزب الشيوعي الموحد , ولم يكن إقتناعا كاملا بقضية الوحدة وهذا ما سهل تحطيم الوحدة التي تشكلت في 8 يناير عام 1958 … وهذا كان يتطلب الحذر ” ( مبارك عبده فضل , مصدر سابق , 151 ) .

8 – الصراعات الزعامية بين الحلقات التنظيمية :

تتأسس الحلقات والشلل التنظيمية – اساسا – من وجود فرد أو عدة أفراد يتميزون بقدرات خاصة تميزهم بشكل حاسم عن الأفراد القاعديين الذين يشكلون قاعدة هذه الحلقات . وفي العادة تقوم القيادة بإختيار من يليها من الأشخاص قبل بداية التنظيم . والمشكلة تبدأ ولا شك من هذا النوع من البناء التنظيمي يحصر إختيار القواعد في مضايق التقدير الشخصي والتجارب الإنسانية المحدودة مهما كان اتساعها . ويتضاعف هذا الأمر وينكشف كلما إتسعت الحلقة وكبرت فالقيادة تختار ما يليها وتلك تختار ما يليها … الخ وهكذا تصبح الرابطة الحقوقية في الحلقات مستندة على روابط الولاء الشخصي والمصلحة الذاتية .. وعندما يصل الأمر الى هذا الحد تكون الشلة قد تحولت الى مؤسسة من الأشخاص لا تربطهم رابطة موضوعية .. اللهم إلا رابطة المصالح والمنافع المشتركة .
ويؤدي هذا الجو أن ترفض العناصر الشريفة الثورية أن تزج بنفسها في هذا الجو التنظيمي وصراعات الإنتهازية .
من ناحية ثانية تقوم الرابطة بين قيادة الحلقات وبين قواعدها على رابطة ” التبعية ” .. تبعية الثانية للأولى .. فالقواعد تشعر أن القيادات مؤهلة بحكم تميزها – أو إمتيازها – بإتخاذ القرارات دون مناقشة أو تحليل فتزداد تبعيتها وتزداد في الوقت ذاته مشاعر التفوق والإمتياز لدى القيادة وتستمد ثقة وهمية بنفسها وتقاوم كل محاولة للنقد أو التغيير .
وهنا تبرز المشكلة الثالثة , وهي مقاومة ” القيادة ” لكل محاولة للوحدة التنظيمية مع الآخرين خارج نطاق الشلة .. فالتوحيد يهدد هذه الزعامات ويخدش حائط ” المعصومية عن الخطأ ” التي تغلف به نفسها أمام قواعدها . فالفروق الذاتية والشخصية بين القيادات ” المتحدة ” ما تلبث أن تظهر وتنكشف أمام القواعد .. وينتهي الأمر بالإنقسام والفشل .

يذكر ” شريف حتاتة ” ان الإنقسامية التي ميزت الحركة الماركسية المصرية , تعود في شق غير هين منها الى طبيعة القيادات الأوى لهذه الحركات : ” … فلقد تكونت المجموعات الأولى للحركة الشيوعية المصرية الحديثة في الأربعينات على أيدي أجانب من الذين أستوطنوا مصر , وعلى الأخص من من المنتمين الى الجالية اليهودية .. وعلى رأس كل مجموعة محرك اساسي , وملهم فكري , ومحفز على التوسع والنشاط .. كان من بين هؤلاء القادة الأربعة الأساسيون ” هنري كورييل ” الذي اسس ” الحركة المصرية للتحرر الوطني – حمتو ) . وكان هناك ” جاكو دي كومب ” مؤسس ” طليعة العمال والفلاحين – دال شين ” ومن بعده ” صادق سعد ” و ” ريمون دويك ” . وكان هناك ” مارسيل اسرائيل ” المحرك الأساسي لمنظمة ” تحرير الشعب ” . وأخيرا كان هناك ” هليل شوارتز ” قائد منظمة ” إيسكرا ” .
ويضيف ” شريف حتاتة ” قائلا : ” بسبب هؤلاء الأربعة نشأت منافسات شديدة وخلافات بحكم تزعمهم لأربع مجموعات – لم تكن كبيرة الحجم – وبسبب أصولهم الإجتماعية المختلفة والشخصية وطباعهم وشخصياتهم وكفاءاتهم الذهنية المتباينة .. ” فهلال شوارتز ” كان مثالا للموظف البيروقراطي الذي وصل الى موقع كبير بينما هو لا يتمتع بأفق واسع أو ثقافة عامة أو عربية تؤهله لليام بالدور الذي أختاره لنفسه .. أما ” جاكو دي كومب ” فقد ولد أبنا لأسرة مرتاحة ماديا .. ثقف نفسه ودرس الماركسية ولكنه ظل ينأى بنفسه عن المخاطر بطريقة تكاد تكون مرضية وتقوقع واضعا مسافة بينه وبين المجموعات الأخرىوعن النضال العارم للشعب المصري حتى يظل في مأمن وكان يكتفي بتحريك المسائل من الخلف فطبع الحركة التي أنشأها بقدر كبير من الحرص ….
تعليق : ( كانت طليعة العمال والفلاحين متهمة دوما بالتقوقع والتوجس الأمني المبالغ فيه وربما كان ذلك بسبب من طبيعة مؤسسها ” جاكو دي كومب – ص.ح ) .

ويضيف ” شريف حتاتة ” قائلا : ” … وكان ثالثهم هو ” مارسيل إسرائيل ” شخصية عملية سريعة الإنفعال .. رجل تلقائي مفعم بالحيوية والقدرة على النشاط ولكنه قصير النظر ..ضيق الأفق نسبيا في مواجهة التطور السريع أمام الأحداث … وأخيرا ” هنري كورييل ” أبرزهم من حيث الذكاء والدهاء والقدرة على الإبداع وإستيعاب الواقع والتعامل معه في النشاط الثوري وليس من باب المصادفة انه أغتيل وهو يقود مجموعة ثورية متعددة الإنتماءات الفكرية تقوم بنشاط واسع لمساندة حركة التحرر الوطني في عدد من بلدان العالم الثالث … أما الباقون فقد غابوا عن مسرح النضال الثوري ما عدا ” مارسيل اسرائيل ” الذي إنزوى في صفوف الحزب الشيوعي الإيطالي . بين هؤلاء الأربعة أو الست , دار الصراع تؤججه أو تخفف منه عوامل متغيرة مع الزمن والظروف ” ( شريف حتاتة , عن الوحدة والإنقسام في الحركة اليسارية , مصدر سبق ذكره , ص 305-306 ) .

تعليق : مهما كانت درجة الإتفاق أو الإختلاف مع رؤية ” شريف حتاتة ” عن دور ” العوامل الشخصية ” في عملية الوحدة والإنقسام و فإنه يجب الإعتراف بأن الظاهرة الشخصية ” لم تكتسب حتى هذه اللحظة أهميتها من تكوين الحركات السياسية الراديكالية . ان هذه الحركات لم تهتم حتى الآن – وهو شيئ محزن – بضرورة صياغة ” نظرية علمية ” في التربية الحزبية . ذلك أن البنية النفسية للفرد الثائر والجو الفكري والعقائدي الذي تنمو فيه شخصيته هي مجالات خصبة وهامة مازال الفكر السياسي الثوري يتجاهلها إجمالا أو يعرض عن دراستها عن غير دراية بأهميتها ودورها الخطير في العمل السياسي بشكل عام وفي ظاهرة الوحدة والإنقسام بشكل خاص .
وبسبب هذا الغياب في التربية الثورية , شهدت ساحة العمل السياسي ظواهر كثير من الدسيسة والوقيعة وسلوك التآمر ومواقف التشكيك وتبادل التهم والشائعات ومنهجية المناورة كأفضل علاقة للتعامل بين السياسيين .. وشكلت هذه السلوكيات في مجملها جو الحياة اليومية في الأوساط الثورية والسياسية حتى فسد هذا الجو وأختفت المثل والقيم وتشوهت . وتصبح حرب الشائعات والإتهامات بالرشوة والإنتفاع الشخصي تهمة رائجة في الأوساط السياسية الشللية وقد تصل الأمور الى حد الإتهام بالعمالة والبوليسية مما يجعل العمل السياسي مفتوحا على علاقات التوجس والشك والريبة والنميمية .

وهكذا ينجح في التربع على سطح العمل السياسي نموذج السياسي المناور أو الدساس .. أو السياسي متعدد الولاء الى جهات متناقضة .. ويحاول هؤلاء أعطاء سلوكياتهم ” بهرجات ” من النعوت والصفات الأيديولوجية بعد أن د خلت ” الأيديولوجية ” عالم الثوار المراهقين والمزيفين . وتصبح ” الأيديولوجية ” وسيلة مشروعة لتغطية جميع سلوك النشوز والإنحراف !!
ان غياب ” التربية الثورية ” و وعدم الإهتمام بها , يصبح عاملا من عوامل سيادة روح الحلقية والشللية بتأثير نوازع ” الزعامة ” التي تأسر عقول عدد لا بأس به من عقول الشباب الماضل .. وهي نتيجة طبيعية لسيادة روح الفردية التي تسيطر على أعداد كبيرة من هؤلاء الشباب المثقفين .. يساعدهم على ذلك حالة النخلف الإيديولوجي والثقافي والتنظيمي للكوادر القاعدية التي يقودونها .. وهم يحاولون بإستمرار فرض مطامعهم في التزعم من خلال السيطرة الفكرية وغبقاء قواعدهم في حالة تخلف فكري ومنعهم من الإنفتاح على الآخرين خوفا من إهتزاز قيمتهم في عيون قواعدهم .. لذلك نراهم يقاومون كل محاولة لترقية الوعي النظري أو تأطيره في شكل خلاق ومبدع .

ان الوضوح والصراحة ومقاومة السلوكيات المنحرفة التي تتخذ من سلاح الشائعات والمناورات أفضل وسيلة للتعامل بين السياسيين هو الأسلوب الأمثل لمواجهة الحلقية والإنقسامية في الحركات السياسية .
ان التعامل مع الشائعات والنميمة بإعتبارها أمرا ” فرديا ” أو إنحرافا في الشخصية لا يدرك تأثير مثل هذه السلوكيات على المناخ السياسي وقدرتها على تسميم أجواء الثقة والوحدة والسياسية … كما أن أهمالها , أو عدم الإنتباه لها , يساهم بشكل أو آخر في تكريس الحلقية والإنقسامية ويعوق عملية التوحيد التنظيمي .

ثانيا : حركة القوميين العرب :

1 – يعود تاريخ حركة القوميين العرب الى الفترة الزمنية القصيرة التي أعقبت حرب 1948 . فقد تركت الهزيمة العربية في فلسطين نتائج بالغة الدلالة على المفكرين والسياسيين العرب . وكان ” قسطنطين زريق ” – الذي كان يعمل محاضرا في الجامعة الأمريكية ببيروت – من أبرز من تنبهوا للخطة الصهيونية وصلتها بالمصير العربي ككل . فبدأ يتحدث عن أن القضية ليست في الهزيمة العربية فقط ’ بل انها فضحت العجز العربي وتهافت الأنظمة العربية التقليدية . ونجح ” زريق ” في أشاعة أفكار واحاسيس بعجز هذه النظم عن الإستمرار . كذلك أشادت أفكاره بضرورة تولي جيل جديد من الشباب والمثقفين العرب قيادة الحركة العربية وحث الشباب على المضي في هذا الطريق لإستعادة الكبرياء العربي . وكان من تلاميذه بالجامعة الأمريكية ” جورج حبش ” الذي إستجاب لحماسة أستاذه ولدعوته , وبدأ حبش وزملاؤه يفكرون في أن تكوين حركة سياسية تسعى الى القضاء على ثلاث أنواع من التهديدات : التجزئة السياسية .. الإمبريالية .. اسرائيل .
وهكذا إالتقى ” حبش ” بزميل آخر هو ” وديع حداد ” الذي كان يدرس معه بالجامعة الأمريكية ببيروت .. كلاهما فلسطيني . الأول من منطقة الواقعة بين اللد ورام الله . والثاني من شمال فلسطين .وينتميا الأثنان الى طبقة تجارية متوسطة وتخرجا بين عامي 1951 و 1952 من كلية الطب . بدا الثنان في تكوين مجموعات للحوار والنقاش والعمل الوني واتطاعا الإنضمام الى جمعية ” العروة الوثقى ” التي كانت قد تكونت منذ عام 1918 , وأشترك معهما زميل آخر هو ” هاني الهندي ” في إدارة تحرير المجلة الناطقة باسم الجمعية وهي مجلة ” العروة ” .

2 – الحياة العقائدية لحركة القوميين العرب :

المهم في السرد التاريخي السابق , انه حتى عام 1952 لم يكن لحبش ورفاقه نظرية سياسية محددة ور شكل تنظيمي ينتمون إاليه ولكن بمرور الوقت شعروا بالحاجة لتكوين شكل تنظيمي جديد . وكانت لديهم حساسية خاصة من الأحزاب السياسية وبشكل خاص حزب البعث الذي إتبروه حزبا من الأحزاب المنتمية الى عصر ما قبل النكبة الفلسطينية عام 1948 . وفضل هؤلاء الشباب أ، يطلقوا على أنفسهم حركة ” القوميين العرب ” بإعتبار أنهم يمثلون فصائل العرب القومية وليس طبقة أو فئة بعينها .
كانت القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في فكر هؤلاء الشباب ومن ثم بقيت هذه القضية وتطوراتها هي التي تحكم تطورات أفكار الحركة وممارساتها السياسية وانشقاقاتها التنظيمية .
وهكذا بقيت الحركة حتى عام 1960 لا تطرح اي مضمون إجتماعي للوحدة القومية , وكانت الحركة حتى هذا الوقت تؤمن بما أسمته ” نظرية المراحل السياسية ” أي تجزئة الأهداف القومية وتحقيقها عبر فترا زمنية متتالية , وعبرت عن هذا في أنها وضعت للعوامل السياسية الأولوية المطلقة على العوامل الإقتصادية والإجتماعية وأمنت بأن المشكلة تنحصر في عدم تحقيق الوحدة العربية والتنسيق بين القوى العربية.
ولقد أسفرت هذه المسيرة الفاقدة لضابط نظري أن تحولت الحركة الى حركة تجريبية وسرعة تأييدها لأية تجارب وحدوية دون أعتبار للخلافات الفكرية والإختلافات في البناء الإجتماعي , وكانت الحركة تتودس بشكل خاص من الفكر الإشتراكي ومفهوم الصراعات الطبقية وبررت ذلك بأنه ليس من المناسب ان يناضل الوحدويون على أكثر من جبهة واحدة داخليا في كل قطر وخارجيا في المنطقة العربية لتحقيق الوحدة العربية .
وظهر تأثير ” انعدام الوحدة الفكرية ” على مسيرة الحركة بدأ من عام 1960 حيث شهدت الحركة تطورين مهمين : أحدهما التطور الفكري تجاه الماركسية والأخذ بالصراع الطبقي الذي أعلنته مقالة ” محسن إبراهيم ” في مجلة ” الحرية “في آيار / مايو 1960 وكان ذلك إيذانا ببدء الإنشقاق الفكطري بين ما أطلق عليه التيار اليساري في الحركة والتيار اليميني .
أما الأمر الثاني فكان إقرار المؤتمر القومي للحركة بإستقلالية الفروع عن المركز , وتتابعت الأحداث سريعا لتفعل فعلها في تعميق الخلاف الفكري والتنظيمي داخل الحركة .

3- حتى في مواجهة القضية الفلسطينية والتي كانت الدافع الأساسي لنشأة الحركة , إستقل ” حبش ” ورفاقه وكون ما سمي بالجبهة القومية لتحرير فلسطين والتي كانت حتى قبل النكسة عام 1967 تمثل جناحا جديدا للحركة تبنى أساسا القضية الفلسطينية وأعلنوا ان جهدهم سيتركز في تقوية السياسات العربية الرسمية في مواجهة اسرائيل .
ولكن بعد نكسة 1967 قطعت الحركة ىخر خيوط إتصالها بالناصرية وحدث شبه انتفاق فكري بين أعضاء الحركة عن مسئولية ” عبد الناصر ” عن الهزيمة فيما سمي آنذاك : ” مسئولية البرجوازية الصغيرة عن الهزيمة ” . وأعلنت الحركة أن الوقت قد حان للتولى الطبقات العاملة العربية – صاحبة المصلحة الحقيقية في القضايا القومية – مسئولية الثورة الإجتماعية وهدف التحرر الوطني .
وهكذا أعلن ” حبش ” قيام منظمة ” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ديسمبر / كانون عام 1967 , والتي إنشق عنها ” احمد جبريل ” وكون منظمة ” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة ” .
ومرة أخرى دب الخلاف بين بين اليسار واليمين داخل الحركة وإنشق ط نايف حواتمة ” عن حبش عام 1968 وكون تنظيم ” الجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير فلسطين ” . من جهة أخرى إستمرت الفروع الأخرى للحركة في حالة الصراع الداخلي بـاثير عمليات الإنشقاق والإنقسام المطردة التي نتجت عن الخلاف مع قيادة التنظيم الأم .
الى ان جاء عام 1969 ليعلن نهاية الحركة كحركة قومية وحدوية كما قدمت نفسها للمواطن العربي في أوائل الخمسينات. وهكذا أعلن ما يسمى ” يسار الحركة ” الإنفصال في بيان صادر عن اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب متخذا القررات التالية :
1-
يسار الحركة يعلن تصفية الجيوب اليمينية .
2-
يسار الحركة يعلن تصفية حركة القوميين العرب شكلا ومحتوى .
3-
يسار الحركة يدعو جميع التقدميين في كل قطر الى المشاركة في صنع تجارب قطرية ثورية بعيدا عن كافة ألوان العصبية الحزبية .
4-
يسار الحركة ويسار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الساحة الفلسطينية يعلن تصفية علاقاته مع يمين الحركة ويمين الجبهة .
5-
وبهذا البيان تكونت قد أنهت حركة القوميين العرب نفسها كحركة قومية مركزية القيادة وقطرية الفروع .

4 – المنشأ الإجتماعي لحركة ” القوميين العرب ” :
لا يمكن بالقطع إهمال المنشأ الإجتماعي للقيادات الأولى التي قامت على أكتافها تأسيس حركة القوميين العرب .فلقد كان القادة المؤسسون ينتمون أساسا الى الطبقات الإقطاعية والتجارية الرأسمالية بصفة عامة من الذين حصلوا على تعليما عاليا في الجامعات العربية وبشكل خاص الجمعة الأمريكية ببيروت . وقد إتخذ هؤلاء من الدعوة القومية مجالا للسير في ركاب الأفكار القومية التي كانت رائجة آنذاك في الفكر الأوروبي العلماني وذلك حتى لا يوصموا بالرجعية .. هذا طبعا دون أن يتنازلوا عن إمتيازاتهم الموروثة .
كما أن تمويل وتبرع ” اميل البستاني ” المالي اللبناني الكبير بأموال لتمويل الحركة وهو الذي كان على صلة بالمخابرات البريطانية و جلب شبهات واسعة للحركة بإحتمال أن تكون هناك قوة أجنبية وراء قيامها .
ورغم أن الحركة استطاعت في بدايتها أن تستقطب فئات من المثقفبين الذين كانوا يعانون من مرارة الظلم الإجتماعي , ورغم أنها استطاعت ان تنجح في تجنيد عدد كبير من الفلسطينيين الذين شكلوا الأغلبية الساحقة من كوادرها التنظيمية ’ إلا أن طابع المنشأ المعتمد على أبناء الإقطاع والرأسمالية وبعض السر الحاكمة لعب دورا كبيرا في تطور ومستقبل الحركة .
فقيادة الحركة لم تجد حرجا في استقطاب عناصر من البرجوازية الكبيرة ذات المصالح والمواقع الوطنية الجزئية , كما لم تجد حرجا في الترحيب بعناصر ارستقراطية وشبه اقطاعية من الذين تعاملوا مع الحركة في البداية وعززوا من عدائها لفكرة الإشتراكية والصراع الطبقي . ومع أن الحركة ضمت في تلك المرحلة عناصر من البرجوازية الصغيرة , إلا ان أكثرية هؤلاء كانت من الطلاب في سن المراهقة النفسية والسياسية والذين استهوتهم الطقوس السرية شبه العسكرية للحركة ولم تستطع الحركة في تلك المرحلة أن تكون حزبا للبورجوازية الصغيرة , فكانت معظم الوقت تمثيلا للبوروجوازية المتوسطة والكبيرة . ففي العراق ظلت الحركة تعيش عزلة خانقة . بل ان حزب الإستقلال استطاع ان يقيم تحالفات مع الشيوعيين والبعثيين في حين عجزت الحركة بسبب مقفها من الشيوعية والإشتراكية عن الدخول في أية تحالفات وطنية ولم تلعب أكثر من دور هامشي في احداث العراق بعد ثورة 1958 .
وفي الأردن استطاعت الحركة ان تشق طريقها في الفئات المتنورة من البرجوازية المتوسطة حين اتخذت من ” المنتدى العربي ” واجهة لنشاطها . وعبر هذا النتدى التقي حبش وحداد مع محمد الفرحان رجل الأعمال الأردني والذي كان قد أسس ” مؤتمر عمان ” مع نفر من الجناح المتنور في البرجوازية الأردنية . وقد أثر هذا التكوين على الحركة فعندما لجأ الملك حسين الى سياسة الأرهاب والقمع تخلت هذه العناصر عن الحركة بل كان هؤلاء أنفسهم هم الإحتياطي الذي كان يمد الوزارات الأردنية المتعاقبة بالوزراء وفي الوقت ذاته كان الملك يدعم مؤسساته بعناصر قضت سنوات خدمتها السياسية الأولى في صفوف ” القوميين العرب ” .
ومع خروج جورج حبش وحواتمة من الأردن لم تبق في قيادة الحركة في الأردن الا العناصر البرجوازية التي جاءت من مؤتمر عمان , مما اصاب فرع الحركة في الأردن بإنتكاسة كبيرة لم يخرج منها إلا مع إزدهار حركة المقاومة الفلسطينية في أعقاب هزيمة 1967 .
أما في الكويت فلقد لقيت الحركة ظروف أكثر ملاءمة من بقية الأقطار . ذلك أن الثروة النفطية المستجدة على البلاد أفرزت طبقة برجوازية تجارية لم تستطع الأطراف السياسية والإدارية للنظام العشائري القديم أن تستوعبها . وقد استفادت الحركة طويلا من هذا التناقض المؤقت بين شيوخ العشائر والتجار , أو بين النظام والبرجوازية المدنية العلمانية . ففي ظل هذا الفراغ استطاع الدكتور احمد الخطيب ( زميل حبش وحداد في الجامعة في بيروت ) أن يشكل تنظيما لعب دورا بارزا في الكويت عندما تحلقت حوله البرجوازية التجارية الكبيرة والمتوسطة ووجدت فيه ذالتها المنشودة امام النظام القبلي العشائري .
ولكن نفوذ الحركة أخذ في الإنحسار تدريجيا في الكويت مع تضاؤل شقة الخلاف المؤقت بين البرجوازية التجارية والنظام الحاكم خصوصا بعد تحول الحركة الى الإشتراكية الناصرية ثم الماركسية بعد ذلك حتى تقلص دور فرع الكويت ووصل الى حالة الجمود التام عام 1967 .

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: