الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

الثورة التي اختطفت مرتين – محمد عبد الشفيع عيسى

الثورة التي اختطفت مرتين – د.محمد عبد الشفيع عيسى

يقولون إن ثورة 25 يناير المباركة في مصر قامت على أكتاف الشباب الثوري ، وسقط منهم الشهداء والجرحى ، ثم اختطفها الإسلاميون ، وخاصة “الإخوان المسلمون” الذين قطفوا ثمار الثورة وتربعوا – أو حاولوا التربع – على كراسي الحكم في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وهذا التقرير صحيح بوجه عام ، ولكنه غير كامل . والأصح أن نقول، في ضوء ما أوضحت الأحداث ، أن الثورة – في ميدان التحرير وميادين أخرى وساحات ومواقع ومصانع وقرب الحقول – قد اختطفت فى وقت مبكر جداً ، وهى لا تزال غضة العود ، خضراء غير يابسة ، طرية الملمس والملبس فى الميدان أول مرة . وإن الذين اختطفوا الثورة منذ الفجر ، هم “الشباب الليبرالي” بالذات .
كان شباب الثورة الكُثر يهتفون فى البداية بشعارات متنوعة، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر : (يا مبارك يا جبان ، يا عميل الأمريكان) .. وكانت صور جمال عبد الناصر حاضرة فى الجنبات من كل إتجاه ، وكانت أغانى وموسيقا ثورة 23 يوليو تصدح لتجمع الشباب من كل لون فى الميدان، أو تغنى على شاشة التلفزة الوطنية ، إضافة إلى أناشيد “الشيخ إمام” ، وأغنية ظهرت قبيل تفجر الثورة لمحمد منير (:إزاى) وأغنية ظهرت إبان الثورة (يا بلادى .. للمطرب الشاب رامى جمال) .

وفجأة انكتم الصوت ، واختفت الصورة ، واختنق الهتاف الوطنى – القومى المعادى للهيمنة الأمريكية والصهيونية ، وارتفعت شعارات أخرى فى الوقت الأول ، أو قيل فى وقت لاحق وبأثر رجعى ، إنها ارتفعت فوق رؤوس الجميع ، مثل ذلك الشعار “الغامض” (عيش ، حرية ..إلخ) ، فلم نعرف معنى “العيش” هنا ، هل هو الخبز الجاف أم هو “الحياة” كمرادف للفظة living ..؟
وبمجرد كتم الصوت واختفاء الصورة واختناق الهتاف الوطنى – القومى ، قفزت الجماعة المنظمة أو الأكثر تنظيماً بين الشباب، من غير الاتجاهات الإسلامية، وهى الجماعة التى أطلق عليها بعد ذلك تعبير “الليبراليين” ، ولما أطلق لم يعترض عليه المقصودون ،ظنا منهم أن ذلك يعلى من شأنهم ، لكون “الليبرالية” صارت مرادفة ، فى الدعاية والإعلام ، لمصطلح “الحرية”. وهذا تفسير جزئى للمصطلح. فالليبرالية تعنى حزمة أفكار متعددة المشارب ، ومتناقضة أحياناً ، ولكنها تصب فى الانطلاق من أولوية (الفرد) لا (الجماعة الاجتماعية) .
و إن لليبرالية وقعاً مناسباً فى المجتمعات الغربية ، فهى تعكس – حتى فى تناقضاتها – واقع هذه المجتمعات فى المقام الأول . أما فى حال نقلها إلى مجتمعات أخرى ، وخاصة فى الوطن العربى ، فإنها تتحول إلى صياغة مجردة من المضمون الاجتماعى إلى حد بعيد، وتصير إلى دعوات لفظية غائمة إلى (الحريات المدنية والسياسية) و (تداول السلطة) و(الانتخابات) ، دون مضمون اقتصادى – اجتماعى، ودون مضمون وطنى أو قومى بارز .
هؤلاء (الليبراليون) من الشباب اختطفوا الثورة منذ انبلاج فجرها ، فحرفوها عن طريقها الجاد ، وحولوها إلى مطالبات مجردة بالقصاص والخلاص من النظام القديم ، دون تقديم بديل حقيقى فى أعين الجماهير ، بديل يعنى بصورة المستقبل المحدد فى الميدان الاقتصادى – الاجتماعى ، والميدان الوطنى والقومى ، على ساحة العلاقات العربية والإقليمية والدولية.
وبدلاً من أن تتجه الثورة كما ينبغي لها أن تكون ، أخذت تحت تأثير الشباب (الليبرالى) المكون سياسياً وفكريا على مدى السنوات الخمسة السابقة على الثورة بواسطة الدورات التدريبية للمنظمات الدولية غير الحكومية ، وبعض الفتات الفكرى الذى التقطه عدد من المثقفين والنشطاء وأعضاء هيئة التدريس ، وقذفوا به إلى الشباب الليبرالى ، فجعلوه عماد غذائهم الفكرى والروحى .. وهكذا خاض “الشباب الليبرالى” معاركهم الصراعية وضحوا بدماء بعضهم أو غيرهم ، من أجل غايات (ايديولوجية) اعتنقوها وافتدوها نضالياً بالغالى والرخيص .
إنهم فتيه عاشوا فى فترة الفراغ الفكرى والروحى الذى استغلته الرأسمالية العالمية ، من مركزها فى (الشمال) ، وملأت الفضاء السياسي والإيديولوجي منذ سقوط الكتلة الاشتراكية وانزواء حركة التحرر الوطنى العالمية فى تسعينات القرن المنصرم .. ملأته بدعاوى فكرية، قائمة على قعقعات (حقوق الإنسان) و(الحريات) ، فى عداء يبدو مصّمما ضد فكر التنمية الوطنية الشاملة والعدالة الاجتماعية بمفهومها الجذرى ، وضد اعتناق المشروع الوطنى – القومى القائم على مكافحة الهيمنة الغربية والصهيونية ، والعمل المستقبلى لتجذير حركة التحرر الوطنى العربية والوحدة العربية .
وبينما كان يرجع صدي كل ذلك أثناء الثورة، أخذ (قناصة) المؤسسة الأمنية المنهارة يلتقطون شباب الثورة الشعبية ، من أبناء الطبقات الشعبية بالذات ، من فوق أسطح مبنى وزارة الداخلية ومبنى الجامعة الأمريكية ، حول ميدان التحرير ، كما أخذ زبانية المؤسسة الأمنية من (البلطجية) والمشغّلين لهم ، يتناوبون القتل على شباب الطبقات الشعبية بالذات المهاجمين لأقسام الشرطة والمقرات الأمنية والحزبية للنظام المنحلّ . وفى نفس الوقت ، كان شباب (الليبرالية) الأكثر تعليماً قد كرسوا جهدهم الثورى والنضالى لقيادة الحركة الشبابية وعمادها (الشعبى) ، سواء من منصات (الإنترنت) أو منصات ميدان التحرير العتيد ، وميادين أخرى فى الاسكندرية والسويس والمنصورة والزقازيق ، وعلى طرق السكة الحديدية للوجه القبلى فى الصعيد ، وغير ذلك كثير .
ورغم صعوبة عملية القيادة ومخاطرها المحدقة على أرواح الشباب الليبرالى النضالى ، إلاّ أنها كانت ميسورة المنال نسبيا، فى غياب تام أو شبه تام للشباب (اليسارى) من الناصريين والاشتراكيين ، والذين كانت انهارت الكيانات الحزبية والتنظيمية الراعية لهم ، تحت وطأة اليأس الجماعى خلال العقدين الأخيرين ، من إمكانية التغيير الشامل ، وبروز قيادات حزبية استكملت، بغير قصد مقصود، مهمة النظام البائد فى قمع اليسار العروبى والاشتراكى ، ومحاولة سحقه إلى أجل غير معلوم .
وهكذا تيسر للشباب الليبرالى من أبناء الطبقة المتوسطة ، اختطاف الثورة الشبابية التى كان عمادها المقتول والمجروح هو العماد “الشعبى” الحقيقى . ولولا العماد الشعبى المقتول المجروح ، ولولا خروج (الشعب) من العمال والفلاحين والمعدمين والمتعطلين إلى الشوارع والتقاطعات والطرق السالكة والميادين وفى ساحات العمل ، ولولا التضامن بين (الشباب) الشعبى ، و (الشعب) ، فإن الشباب (الليبرالى) من أبناء الطبقة المتوسطة المتعلمة لم يكن ليجد من يقوده باتجاه الثورة على النظام ورأسه الفاسد الكبير .
بيْد أن ساحة الثورة الافتراضية والفعلية ، كانت تشهد تناطحاً ، رأساً برأس ، بين قوتين تتنافسان على قوة (الشباب الشعبى) وعلى مساندة (الشعب الكبير) : قوة الشباب الليبرالى ، من جهة أولى ، وقوة الاتجاهات الاسلامية ، وخاصة “الإخوان المسلمين” من جهة أخرى .
ونظراً للقوة المقارنة للاتجاهات الاسلامية ، شباناً وشيبة ، فقد استطاعت ، منذ استفتاء 13 مارس 2011 ، أن توجه حركة الثورة فى اتجاه (بناء شرعية انتخابية) فى مواجهة الاتجاهات “الليبرالية – وربما “اليسارية” أيضا – نحو الدعوة إلى (دسترة الثورة) رافعة شعار : “الدستور أولاً ، بدلاً من : “الانتخابات أولاً ” .
وقد نجح الإسلاميون فى اختطاف الثورة التى كان اختطفها “الليبراليون” أول مرة .. وظلت الحرب سجالاً بين الطرفين اللذين مارسا عملية الاختطاف المتبادل للثورة من أيدى المقتولين والجرحى ، وأقاربهم ، وذويهم البعيدين فى “الشعب الكبير” .
وقد سار الإسلاميون فى المسار “المختطف” إلى نهاتيه المفترضة ، بتكوين البرلمان بمجلسيه عن طريق الانتخاب كما اًرادوه ، بالقائمة الحزبية المغلقة على ثلثى المقاعد ، والانتخاب الفردى للثلث مع مزاحمة الحزبين للمشتغلين على المقاعد الفردية. كما حاول الإسلاميون تكوين “اللجنة التأسيسية للدستور” ، مرتين ، بما يتوافق مع وزنهم العددى الغالب على تشكيل البرلمان .. ودخلوا انتخابات رئاسة الجمهورية لتعويض الثغرة المحتملة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية .
أما (الشباب الليبرالى) فقد استشعرت قياداته “الإنترنتية” و “الميدانية” ـ حجم (الهزيمة بالخديعة) التى تعرضوا لها ، جراء “الاختطاف الاسلامى” ، فقام هؤلاء الشباب بتحركات متتابعة لمحاولة تعويض ما فات ، ابتداء من أحداث (شارع محمد محمود) و (شارع مجلس الوزراء) فى وقت متزامن مع إجراء الانتخابات التشريعية الأولى، ثم (أحداث العباسية) التى تفجرت بعد استبعاد أحد المرشحين المحتملين للرئاسة .
وفى خضم الانتخابات الرئاسية، تداخلت خطوط الصراع بين الفريقين المتنافسين على “اختطاف الثورة” فى الجولة الأولى ، أما فى جولة الإعادة فقد انضّم الشطر الغالب من (الشباب الليبرالى) إلى الاتجاهات الإسلامية ، فى مواجهة المرشح المنافس ، والشطر المتبقى انقسم إلى فريق مؤيد لموقف (مقاطعة الانتخابات) وفريق ينادى ببطلان العملية الانتخابية كلها والعودة إلى “نقطة الصفر” كما يقولون . ولكن الصراع بين الفريقين ظل وسيظل قائماً ، ومازلنا بانتظار التداعيات .
ومنذ صباح يوم السبت الموافق 18/6/2012 بدأت تظهر بشائر الفوز (القلق) لمرشح جماعة الإخوان المسلمين لرئاسة الجمهورية . ويبدو أنه سيبدأ عهد تقاذف الكرة بين الإسلاميين (وعمادهم الاخوان المسلمون) وشباب ثورة يناير (وعمادهم الليبراليون) وفئات متنوعة أخرى، كما يقول بيت الشعر العربي القديم:
كرةُ طُرحت بصوالجةِ فتلقفها رجلٌ رجلُ ..
ويلخص هذا البيت الشعرى الحالة السياسية فى مصر. فلمن ستكون الغلبة ؟ هذا ما سوف تكشف عنه الأحداث القادمة.
ما هى آليات “اللعبة السياسية” القادمة ؟ ما هى أدوات الصراع التنظيمية والحركية ؟ وما هى مسارحه الفكرية والسياسية .. بين الفريقين العريضين المتصارعين على الإمساك بدفة السلطة السياسية ، وبينهما فريق ثالث حاكم وموازن Controller & Balances ونقصد المجلس العسكرى ..؟
هذا ما سنحاول مناقشته فى مقال قادم بإذن الله ..

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: