الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

القتل بالأيادي الناعمة

القتل بالأيادي الناعمة

(1)   مقدمة كتبها شيخنا

خلال الحرب الأهلية في اسبانيا التي نشبت في ايلول / سبتمبر 1936 وانتهت في آذار/ مارس 1939 اقتحم الجنرال فرانكو مدينة مدريد بأربعة طوابير عسكرية ، فلما استولى عليها قال ، أو قيل ، ان الفضل في الاستيلاء على المدينة العاصمة يرجع أساساً إلى ” الطابور الخامس ” ، وكانوا يعنون به عملاء فرانكو داخل المدينة الذين اندسوا بين المدافعين وأشاعوا روح الهزيمة في نفوسهم ، وخربوا ما أعدّوه للدفاع عن المدينة ، فانهزموا . وإلى عهد قريب كان يطلق وصف ” الطابور الخامس ” على أولئك الذين يخدمون أغراض الغزاة من داخل الأرض المعرّضة لخطر الغزو كما فعل عملاء فرانكو . ولم يعد منكوراً ولا خفياً أنّ للولايات المتحدة الأمريكية ” طابور خامس ” في كل دولة من دول الأرض صديقة أو عدوة . فقد أصبحت الطوابير الخامسة أجهزة من نظم الحكم الحديثة . كل ما يفرق بين ” الطابور الخامس ” في عام 1939 ، و ” الطابور الخامس ” ” بعد الحرب الاوروبية الثانية ( 1945 ) ، أنه لم يعد من الممكن القطع بأن المنتمين إليه عملاء مأجورون . قد يكونون وقد لايكونون . فإن التقدم العلمي في ” تشكيل الطابور الخامس ” لم يعد يشترط في جنده حتى معرفة أنهم مجندون .  (عن العروبة والإسلام – الدكتور عصمت سيف الدولة).

(2)   الإستعمار الجديد

تتعدد المفاهيم والنظريات في تعريف الإستعمار ولكننا سنكتفي بأن نعرفه كعدوان على المجتمع تقوم به قوى خارجية .يهدف إلى الحيلولة دون سيطرة المجتمع على إمكانياته من أجل تحقيق نموه وتقدمه وذلك من خلال إغتصاب جزء من الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة لصالح تحقيق أهداف القوى الإستعمارية .

وننبه إلى أن هذا العدوان لا يكون بالضرورة عسكريا أو بأي شكل قهري قد تمارسه القوى المعادية. فصفة العدوان لا يقررها التصدي أو القبول لهذا الإغتصاب لجزء من إمكانيات المجتمع. بل أن هذه الصفة تنبع من أن هذا النشاط الخارجي يمنع المجتمع من السيطرة على ما هو متاح من ثرواته من أجل تقدمه.

وذلك ما يحملنا على رفض التسليم للنشاط الاستعماري حتى في حالات القبول العام “للأمر الواقع”.

ذلك أننا نعتبر أن كل ما هو متاح لأمتنا العربية هو ملكية مشتركة بين الأجيال المتعاقبة ولا يجوز التفريط فيه حتى بإستفتاء كل الشعب العربي في مرحلة زمانية معينة.

وعلى أساس ذلك رفضنا ولا نزال نرفض أي تفريط لفلسطين أو جزء من هذه الأرض العربية. مهما كانت الأسباب. وندعوا ولا نزال ندعوا الى تجريم التطبيع مع العدو الصهيوني مهما كان موقف حركات المقاومة أو من يدعون تمثيل الشعب العربي في فلسطين.

وعلى أساس كل ذلك لا نعرف أرضية إلتقاء مشترك بيننا وبين العدوان الصيوني على أمتنا سوى أرضية جلاء المحتل عن أرضنا ورجوع السيطرة على أرضنا لصالح شعبنا العربي.

ما يهمنا في هذا الحديث هو أن ننبه إلى أن العدوان الإستعماري قد تخلى إلى حد كبير عن الشكل التقليدي من بطش عسكري عبر التهديد أو الإحتلال المباشر لتنسحب الجيوش إلى مواقع التأهب وتترك المجال لترسانة معقدة من الأسلحة “الناعمة” التي تمتلك قدرة كبيرة على تحقيق الأهداف الإستعمارية فتجنب القوى المعادية عناء وتكاليف التدخل العسكري.

قلنا أنها أسلحة “ناعمة” لأنها تعتمد على نعومة الإحتلال والسيطرة على مواردنا الوطنية بالتقليص من إحتمالات التصدي والمقاومة.

لقد تكفلت بنيتنا الحضارية على مدى قرون طويلة بالقيام بدور القاعدة الأساسية التي تنطلق منها حملات المقاومة والتصدي للعدوان الإستعماري من خلال ما توفره من قيم تحررية إسلامية ونسيج وحدوي إجتماعي يحمي ضوابط التعاون على البر والتقوى والتصدي لأعداء المجتمع وتجريم أي إرتباط أو مهادنة للعدوان على أمتنا.

لقد تلخصت منظومة التصدي والمقاومة للعدوان الخارجي في المقولة الشهيرة التي أطلقها المجاهد عمر المختار  أمام العدوان الإستعماري الإيطالي وهو أمام المشنقة يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى. فقال بكل ثبات ويقين “نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت…. وهذه ليست النهاية… بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه… اما أنا… فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي.”

كان  يقين الشيخ المجاهد يرتكز على معرفة عميقة للدور الخلاق لبنيتنا الحضارية العربية الإسلامية على مستوى مشروع المقاومة . كان يدرك جيدا أن استمرار  فاعلية المباديء والقيم التي تكونت على مدى قرون من تفاعل شعبنا العربي مع الدين الإسلامي سيكون الضمانة الرئيسية لإستمرار مشروع المقاومة ضد أي عدوان خارجي على أمتنا.

وقد أدركت القوى الإستعمارية ما أدركه شيخنا المجاهد. فأدرك العدو أن إحتلال أرضنا وثرواتنا لا يتحقق نهائيا إلا بتعطيل هذه الفاعلية لموروثنا الحضاري العتيد.فإحتفظت القوى الإستعمارية بنفس الأطماع في السيطرة على ثرواتنا ولكنها غيرت أسلوب العمل على تحقيق أطماعها.

(3)   الإستسلام

إن القوى الإستعمارية أدركت منذ زمن بعيد أن النصر النهائي في معركة السيطرة على ثرواتنا لا يتم إلا بأن يتححق إستسلام الشعب العربي لمشروعها الإستعماري. ويصبح هذا المشروع بكل مقوماته الثقافية والسياسية والإقتصادية هو أمر واقع يتقبله مجتمعنا ويتعامل معه على أنه مشروع تقدم حضاري وإقتصادي وثقافي.

إن هذا الأمر يتطلب تدمير البنية الحضارية العربية الإسلامية لشعبنا لإزالة كل المقومات التي تقوم بدور التحشيد والتصدي ضد الإستسلام للمشروع المعادي.

تدرك المنظومة الاستعمارية الصهيونية الأمريكية أن إحتلال الوطن يتطلب إحتلال الشخصية العربية من خلال تفكيكها وإنهاكها إقتصاديا وثقافيا من أجل إستسلامها لعملية جراحية تعيد تشكيلها من جديد بما يناسب السيطرة النهائية للمشروع الإستعماري.

لن نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نرصد التغيير العميق والمدمر على مستوى السلوك الإجتماعي في حياتنا اليومية حيث تختفي في كل يوم القيم التي وفرت درجة عالية من حماية واستقرار المجتمع.  ولا نحتاج إلى جهد كبير لندرك التأثير السلبي للقنوات الفضائية على مستوى إعادة تشكيل نمط العلاقات الإجتماعية وهي تتحدى كل الضوابط التاريخية التي حافظت على حرمة الأسرة وتماسكها.

لم نعد نحتاج إلى جهد كبير لندرك كيف أن إحترام التاريخ الوطني أصبح وجهة نظر. وكيف أن نمط حياة الإنسان الأمريكي أو الأوروبي أصبح مثالا أعلى يقتدي به الشباب ويتجهون إلى تمثله في حياتهم اليومية مهما كان ذلك متناقضا مع إرثنا الحضاري.

لم نعد نحتاج إلى جهد كبير لنرصد واحدة من أكبر الكوارث في تاريخنا الوطني حيث إكتسحت المفردات اللغوية الغربية مساحة واسعة من لهجاتنا. ثم وقع إحلال اللهجة بدل اللغة العربية كأداة تعبير وتواصل داخل الإعلام. إلى حد أنه صار  من المسموح أن تشاهد برنامج حوار تلفزي تختلط فيه المفردات العربية بالمفردات الغربية بطريقة مشبوهة تشير إلى تعمد الهجوم والتقليل من قداسة لغتنا العربية.

كل ذلك وغيره يشير إلى هجوم منظم ومدمر لبنيتنا الحضارية. والنتيجة ستكون حتما حالة من الإرباك لدى الشباب وفتور على مستوى التمسك بالمقومات التي تميزنا تاريخيا عن باقي أمم الأرض.

فعندما نفرط في اللغة القومية وفي تراثنا القومي وفي ضوابطنا الأخلاقية القومية فإننا بالضرورة نمهد الطريق للتفريط في باقي مكوناتنا القومية. ونحن بالضرورة نفرط فيما تكفل بالمحافظة على تماسك وجودنا الإجتماعي طوال قرون من التفاعل والوحدة الإجتماعية.

لم يعد يخفى عن الجميع أن الصهيونية تضخ أموالا كثيرة للسيطرة على العديد من القنوات العربية التي تقدم أفلام ومسلسلات وخاصة برامج ترفيهية و”تثقيفية” على مدار الساعة من أجل إعادة تشكيل العقل العربي.  وفي النهاية أصبح الملياردير الصهيوني موردوخ يتواجد مع كل أسرة عربية أثناء السهرة العائلية من خلال القنوات العربية التي يسيطر عليها متحالفا مع الرجعية العربية في شكل شراكة إقتصادية وفنية. (روتانا وم بي سي مثلا).

إن هذا يمثل بعض الأمثلة من مكونات الترسانة “الناعمة” التي يستعملها المشروع الصهوني الأمريكي لإحتلال العقل العربي من أجل تقليص أي مقاومة ضد السيطرة على ثرواتنا وضخها “بنعومة” فائقة في إتجاه أرصدة وإستثمارات القوى الاستعمارية.

الخطير في هذا الأسلوب هو أن هناك خطة علمية متكاملة لتسريب وتثبيت كل ما تريده القوى المعادية بدون أن ينتبه الشعب العربي لهذه العملية الجراحية التي تتم بدون ألم لتزرع أوراما سرطانية لا تظهر أعراضها إلا بعد فترة زمنية.

أهم هذه الأورام هو  الإستسلام الذي سيتغذى من الأورام الأخرى وينتشر في كامل أنحاء الجسم العربي. ليستسلم شعبنا العربي لضخ دماءه في اتجاه خزائنهم. بدون مقاومة تذكر. لأن شعبنا العربي سيفقد حينها جهاز المناعة الذي يحشد طاقاته ويحفزه ليتصدى ويقاوم مهما كانت الظروف.

فتدريجيا سيتحول قطاع عريض من الجمعيات والأحزاب والمنظمات إلى جيش منظم ومدرب لإنجاز واقع إستسلامي بدون أن يدرك هذا الجيش أنه يعمل على إنجاز أهداف العدو. وأنه بذلك يحقق ما عجزت عن تحقيقه الترسانة العسكرية للقوى الإستعمارية التي تراجعت إلى ثكناتها.

(4)   إستغلال التخلف الديمقراطي

إن إنتفاضة شعبنا العربي تمثل  -من بين ما تمثله-  ظاهرة تمرد على السلبية التي سادت مجتمعنا العربي على مدى عقود. فإتجهت الجماهير العربية بعفوية نحو  رحاب الإبداع والمشاركة في صياغة نظام حياتها.

الجماهير المنتفضة لا تملك مشروعا ولا خطة عمل واضحة من أجل إنجاز تحول ديمقراطي يحقق نظاما للحياة يوفر مطالب العزة والكرامة. ولا تملك الخبرة ولا التقاليد لتحقيق تحول ديمقراطي سليم.  ليس لأننا نفتقد المثقفين والطاقات النضالية ولكن لأننا نفتقد تقاليد العمل الجماعي والمؤسساتي التي يمكن أن تفضي إلى إنصهار معارفنا وطاقاتنا لإنتاج نظام ديمقراطي عربي . ولكن القوى الإستعمارية بحكم مراقبتها ودراستها وتعاملها مع واقعنا العربي على مدى عشرات السنين أصبحت تملك المشروع والخبرة والإمكانيات الجاهزة ليس من أجل مساعدة الشعب على التقدم والنمو وإنما من أجل ترويض هذه الطاقة الثورية من أجل السيطرة على إمكانياتنا الوطنية.

وهكذا يتسلل المشروع الإستعماري عبر بوابة “التخلف الديمقراطي”. فيطلق حزمة من النوايا الصادقة والمشاريع المغرية تحت شعار مد يد المساعدة لمكونات “المجتمع المدني” من أجل العبور إلى بر الأمان.

للدلالة على ذلك سنقدم تحليلا لمشروع أمريكي صهيوني “ناعم” يخترق “المجتمع المدني ”  من أجل صياغة الحراك  السياسي العربي على قياس البرنامج الإستعماري لتحقيق حالة الإستسلام.

(5)   مبادرة الشراكة الشرق أوسطية

في عام 2001 عبأت الولايات المتحدة موارد ماليةً ضخمة، وأنشأت حوالي 350 برنامجاً مختلفاً في التعليم والثقافة والمعلومات للترويج للديموقراطية ولخلق جماعة جديدة من المواطنين العرب المستعدين للتركيز إيجابياً على قيم وسياسات الولايات المتحدة. وقد تم دمج كل تلك البرامج في مشروع واسع النطاق عنوانه “مبادرة دعم الشراكات في الشرق الأوسط” أو “مبادرة الشراكة الشرق أوسطية” اختصاراً Middle East Partnership Initiative – MEPI.  ويتم تنسيق نشاطات هذه المبادرة من المكتب الرئيسي لوزارة الخارجية الأمريكية، ومن مكتبها الإقليمي في تونس !!!

وقد أشارت الكاتبة ناتاليا تسفيتكوفا في دراستها التي ظهرت في موقع الإنترنت التابع لمركز بيترسبرغ لدراسات الشرق الأدنى المعاصر إلى ما يلي: “أولاً، لقد كانت هناك زيادة كبيرة في عدد العرب الذين تلقوا تثقيفاً سياسياً أمريكياً في الولايات المتحدة وفي بلادهم. وإذا كان هناك ألفا مواطن عربي يشاركون في برامج التبادل أو التدريب في الولايات المتحدة في نهاية عام 2000، فقد صعد ذلك الرقم بين عامي 2004 و2009 إلى مئات الآلاف. مثلاً، دعت وزارة الخارجية الأمريكية عام 1998 حوالي 3300 من المصريين لبرنامج تدريبي للترويج للديموقراطية. وفي عام 2007، أصبح ذلك الرقم 47300 شخصاً، وفي عام 2008 بلغ عدد الذين شاركوا في نشاطات مختلفة من هذا النوع، في مصر أو الولايات المتحدة، 148700 مصرياً”.

وقد تأسست “مبادرة الشراكة الشرق أوسطية” MEPI عام 2002، وأعلنت عن خمسة أهداف ستتابعها في المنطقة: تقوية المجتمع المدني وحكم القانون، تمكين النساء والشبيبة، تحسين التعليم وتوسيعه، تشجيع الإصلاح الاقتصادي، وزيادة المشاركة السياسية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، قدمت “المبادرة” المذكورة دعماً مباشراً للمنظمات غير الحكومية على مستوى عالمي وفي منطقة “الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا، وللمؤسسات التعليمية، ولمؤسسات الحكم المحلي، ومؤسسات القطاع الخاص، لتنفيذ مشاريع مصممة للانخراط مباشرة مع شعب منطقة “الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا والاستثمار فيه. وحسب موقع “مبادرة الشراكة الشرق أوسطية” على الإنترنت، فإنها وزعت في عام 2009 وحده أكثر من خمسين مليون دولاراً من المنح لهذا الغرض…

ويقول بيانٌ أخر على موقع “المبادرة” بأنها تسعى في النهاية لإعادة إنتاج علاقة الولايات المتحدة مع مواطني منطقة “الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا، وأن حكومة الولايات المتحدة تسعى، من خلال مشاريع “المبادرة”، لجعل مواطني المنطقة ينظرون للولايات المتحدة كشريك في جهودهم لخلق التغييرات الإيجابية في مجتمعاتهم.

وقد نظمت “مبادرة الشراكة الشرق أوسطية”، فيما نظمته، برامج مرتكزة على التعليم، مثل المنح الجامعية، وبرامج تعلم الإنكليزية، وتكنولوجيا التشبيك الاجتماعي. وقد استهدفت تلك البرامج المتعلمين الصغار والناضجين ومعلميهم، مركزةً في العادة على الفئات الأقل حظاً.

وحسب موقع “المبادرة” على الإنترنت: “من أجل ديمومة ونمو مجتمع مدني قوي، فإن الأمر الحاسم هو أن يتقدم إلى الأمام “الجيل التالي” من القادة المسلحين بالتدريب والخبرة في بناء الائتلافات والقيام بالحملات السياسية والتفاوض السلمي لتجشم عبء أدوارهم القيادية. إن “مبادرة الشراكة الشرق أوسطية” تمكن أولئك القادة والناشطين الطامحين، من خلال برامج التبادل، أن يزيدوا من فهمهم للقيم الديموقراطية والحكم الرشيد وحكم القانون من خلال تعريضهم وخوضهم للحوارات مع نظرائهم في الخارج”. ويضيف الموقع: “تسعى المبادرة لإلهام الشباب لكي يصبحوا مواطنين وقادة مجتمع محلي ورواد أعمال مندفعين بنشاط”. (منقول من دراسة للدكتور إبراهيم علوش).

 

هذه بعض ملامح المشروع الأمريكي الذي يعمل على تشكيل مناخ جديد ثقافيا وإقتصاديا وسياسيا لخدمة الهدف الإستراتيجي المتمثل في “الشراكة” بين شعبنا العربي بكل مكوناته وبين العدوان الإستعماري. فنحن لاشك نتفق على أن السياسة الأمريكية لا تتردد في التصريح بأنها ترعى المصالح الإستراتيجية للعدو الصهيوني. وبالتالي سيكون التعايش مع المصالح الإستعمارية الصهيونية هو المكون الرئيسي لهذه “الشراكة” بين شعبنا العربي وبين السياسة الأمريكية.

هذه المصالح الإستراتيجية الصهيونية لا تنحصر في حماية حدود إسرائيل بل إنها تتجاوز ذلك إلى تدمير أي قدرات مقاومة عربية.  ويصبح –مثلا-  مجرد بناء إقتصاد عربي قوي ومستقل  هو أحد المخاطر التي تهدد المصالح الإستراتيجية للعدو الصهيوني.

ولاشك أن بناء ديمقراطية عربية هو أيضا يندرج ضمن المخاطر التي تهدد العدو الصهيوني لأن هذا الإنجاز يعني فيما يعنيه أن يتجه الشعب العربي إلى التحرر من القهر الدعائي وتزييف الحقائق التاريخية فيدرك جيدا مفاصل العدوان على أمته فيتفاعل شعبنا على نفس أرضية الثوابت الحضارية والدينية التي حركت المقاومة الشعبية ضد الاستعمار كما وحدت مجتمعنا العربي تاريخيا في مواجهة العدوان والإحتلال لينتهي الأمر  إلى صياغة موقف شعبي معادي للمشروع الصهيوني يتحول إلى سلسلة من المشاريع التنظيمية الشعبية التي تستهدف التصدي والمقاومة على جميع المستويات.

إن هذا الإختراق “الناعم” للنشاط المدني قد أعد الأرضية المناسبة منذ سنوات طويلة سبقت إنتفاضة شعبنا العربي في تونس وفي الأقطار الأخرى. وهو يستثمر  ما أنجزه من تدريب وصناعة لجيش كامل من المثقفين ووسائل الإعلام والدعاية وغير ذلك من أجل السيطرة على الطاقة الثورية التي إنفجرت في وطننا العربي.

واليوم أصبحنا نشاهد مئات بل آلاف الجمعيات والمنظمات تعلن جهرا أنها تتلقى التمويل من طرف المكتب الإقليمي للمبادرة الأمريكية للشراكة الشرق أوسطية MEPI. بما يوحي أن هذا الإرتباط المشبوه مع المشروع الإستعماري الصهيوني هو من مسلمات العمل السياسي والجمعياتي الذي يجب أن يستسلم له شعبنا.

هكذا يتكفل هذا المشروع الصهيوأمريكي بتدريب الشباب على الاستسلام والتعايش مع العدوان على أمتنا وحضارتنا وديننا بإسم “الشراكة”  التي تمد الأيادي “الناعمة” والمغرية لتقتل شبابنا ونحن غافلون.

يحدث ذلك والسلطة الإقليمية في تونس –مثلا- لا تحرك ساكنا مع أننا على يقين أنها على علم بما يجري من تدمير “للمجتمع المدني”.

يحدث ذلك مع أن السلطة كان ولا يزال في إستطاعتها أن تصدر قانونا يحرم تلقي التمويل من أي جهة تنتسب للدوائر الإستعمارية. فكانت ولاتزال قادرة أن تكفينا وتكفي شعبنا العربي المسلم عناء البحث والتدقيق والتصدي للأنشطة التي تمتد إليها أيادي القتل الناعم.

(6)   مواصلة الإشتباك مع العدو

نختم هذا هذا المقال-النداء بكلام قرأناه لشيخنا

“من أجل أن تسترد الارض المغتصبة يتعين على العرب أن يثبتوا للصهاينة خاصة أن مشروعهم العدواني مشروع فاشل ، ويكون فاشلأ حتى في وعي الصهاينة أنفسهم عندما يثبت لهم بالممارسة العربية انهم لن يستطيعوا، مهما طال الزمن، ومهما كانت الظروف المحلية أو القومية أو الدولية، ان يعيشوا على الارض العربية عيشة مستقرة آمنة، وهكذا تتحدد خصائص معركة التحرر العربي تحديدا يناسب خصائص معركة العدوان على الارض العربية. ويبرز، أكثر من أية تجربة تحريرية في العالم عنصر ” مواصلة الاشتباك مع العدو”. إن المواصلة هنا تحقق هدفأ لا يقل أهمية عن هدف الاشتباك ذاته. المواصلة تعني تحريم الامن والاستقرار على العدو ” في كل زمان ومكان وبكل أسلوب وتحت كل الظروف، بصرف النظر عن حجم أو نوع الخسائر المادية أو البشرية التي تصيب العدو .
من هنا تكون مواصلة الاشتباك مع العدو في كل وقت وزمان وبكل أسلوب هى الخط الاساسى للنضال العربي الذي يجب أن يبقى متصلاً مهما كانت الظروف الدولية التي تحكم عناصر الصراع الأخرى . ويصبح متعيناً على كل عربي ، أياً كان موقعه ، أن يدخل هذا الاشتباك في حياته اليومية وأن يمارسه بنفس الاطراد والاصرار والاستمرار ” والسهولة ” أيضاً التي يمارس به الاستيقاظ من النوم كل صباح . أعني أن أن يصبح الاشتباك مع العدو ويقصد تحريم الأمن والاستقرار عليه ” عادة عربية ” عادة على المستوى الجماعي وعادة على المستوى الفردي . (مواصلة الإشتباك مع العدو – الدكتور عصمت سيف الدولة).

 جمال بدرالدولة

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: