الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

رأسماليون وطنيون .. ورأسمالية خائنة – د.عصمت سيف الدولة

 

دكتور عصمت سيف الدولة

رأسماليون وطنيون .. ورأسمالية خائنة

 رابط تحميل الكتاب

جبهة القطاع العام

 

 

 

1ـ معركة 6 أكتوبر 1973 :

   فى 6 أكتوبر 1973 صدر الأمر إلى القوات العربية فى جبهة قناة السويس وجبهة المرتفعات السورية المحتلة بالهجوم على العدو الصهيوني وبدأت الجولة العسكرية الرابعة من الصراع الطويل الذى بدأ منذ ربع قرن من أجل تحرير فلسطين واسترداد الأرض المغتصبة . ولم يبدأ القتال إلا بعد أن استنفد الرئيس أنور السادات ـ كما أعلن فى مواقف عدة ـ كل الأساليب والوسائل الدبلوماسية الممكنة للحد من تحيز الولايات المتحدة الأمريكية للصهاينة المعتدين وتأييدها الشامل ( من رغيف العيش الى المدفع ) لمقدرة المعتدين على البقاء فى الأرض المحتلة . وإفشالها كل المحاولات الدولية لتحرير الأرض سلميا .

   وفى ست ساعات كانت القوات العربية فى الجبهة الجنوبية قد عبرت القناة ودمرت خط بارليف الحصين وطاردت القوات الصهيونية شرقا وكبدتها خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات وقضت نهائيا على أكذوبة جيش إسرائيل الذى لايقهر . وقبل أن تمضى ثلاثة أيام من بدء المعركة كانت القوات العربية فى الجبهة الشمالية قد اجتاحت المرتفعات المحتلة وصبت نيرانها على المستعمرات الصهيونية القائمة على أرض فلسطين ذاتها . وبدأ كما لو كانت معركة التحرير التى انتظرها  الشعب العربى طويلا قد بدأت وأنها لن تتوقف دون غايتها . وكانت غايتها المعلنة تحرير الأرض شبرا شبرا مهما تكن التضحيات تحت شعار المرحلة : ” ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة “.

   غير أن الأمور لم تجر على هذا الوجه . ففى 22 اكتوبر 1973 اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية واتحاد الجمهوريات السوفيتية ووافقت مصر على إيقاف إطلاق النار والبدء فورا فى تنفيذ قرار مجلس الأمن الصادر فى نوفمبر 1967 . وبرر رئيس جمهورية مصر العربية قبوله إيقاف إطلاق النار بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت الحرب بكل ثقل معداتها الى جانب الصهاينة وأنه لم يكن فى حسابه لقوى المعركة قد توقع أن يحارب أمريكا . وأنه قد تلقى من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى معا ضمانا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 . وهكذا انتهت الجولة العسكرية الرابعة وعاد الصراع الى ساحات الدبلوماسية ومازال ينتظر جولاته المرتقبة فى مؤتمر جنيف … ولكنها ليست عودة الى ذات الصراع الدبلوماسى كما كان معروفا من قبل ، إذ يقال أن الولايات المتحدة الأمريكية قد غيرت موقفها تماما

فهى الآن غير منحازة ضد الحق العربى بل هى ضامنة له عاملة بجدية على تحقيقه .. وبالرغم من أن هذا الذى يقال قد يكون موضع خلاف فأن الذين يؤكدون صحته ويقيمون حسابات المستقبل على أساسه يطلبون من الشعب أن يحافظ على وحدته الوطنية ويكف عن التشكيك ويثق فى قيادة 6 اكتوبر .. وهو طلب مدعوم بقانون الوحدة الوطنية الذى صدر فى أغسطس 1973 فى دورة طارئة لمجلس الشعب . والقانون فى جملة نصوصه يعاقب كل من يحاول مناهضة السياسة المعلنة للدولة أو ينال من الوحدة الوطنية لقوى الشعب العاملة ، وقوى الشعب العاملة تشمل ـ كما هو معروف ـ العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية ، وما يزال الشعب ينتظر نهاية الجولة الدبلوماسية أو بداية الجولة العسكرية الخامسة .

  فى هذا المناخ القلق المعبأ بأقوى الاحتمالات  أثرا على المصير القومى . والذى ما يزال عبقا برائحة الدماء الذكية لآلاف الشهداء ، بدأت فئة من الناس ـ فور إيقاف إطلاق النار ـ فى شن حملة شعواء ضد القطاع العام وكل المنجزات التقدمية التى تمت فى العشرين سنة الماضية ، وفى هذا الحديث نريد أن نقيم هذه الحملة ونضعها موضعها الصحيح من الصراع الدائر حول المصير القومى ، وقد اخترنا الحملة ضد القطاع العام دون غيره من الموضوعات الأخرى ، لأننا نعتقد أن الذين يهاجمون القطاع العام يلعبون لعبة خطرة قد تتجاوز آثارها الحدود الضيقة التى يقف عندها نظرهم القصير ، وأنهم إذ يختارون هذا الوقت بالذات للهجوم على القطاع العام يكشفون عن حقيقة مفزعة قد تتجاوز القضايا الاقتصادية وتتناول تناولا مباشرا قضية التحرير ذاتها ، أى أن اللعبة الخطرة لا تدور حول مصير القطاع العام بل تدور حول مصير الوطن ذاته . لهذا اخترنا له عنوانا ” جبهة القطاع العام ” . ولنبدأ بمعرفة القطاع العام .

القطاع العام :

   المفهوم المباشر للقطاع العام أنه مجموعة من المؤسسات المالية والصناعية والزراعية والتجارية تملكها الدولة . إنه ممتلكات الدولة فى حقل النشاط الاقتصادي ، هذا المفهوم المباشر ليس هو كل ما يعنيه القطاع العام . إنما يكمله الدور الذى تقوم به تلك المؤسسات المملوكة للدولة فى عملية التطور الاقتصادي والاجتماعى . التأميم فى حد ذاته ، أو ملكية الدولة لمصادر الإنتاج أو أدواته ووسائل توزيعه لايعنى شيئا خاصا بعيدا عن الوظيفة الاقتصادية التى تباشرها الدولة من خلال المؤسسات الاقتصادية المملوكة لها . وتتوقف هذه الوظيفة بدورها ، لا على النوايا الذاتية أو الشعارات المرفوعة بل على نوع القوانين الموضوعية التى تحكم حركة البيئة  الاقتصادية فى مجتمع معين . وفى هذا تفترق النظم الاقتصادية .

   ففى النظام الرأسمالي يكون القانون الأساسي للنشاط الاقتصادي كله هو المنافسة الحرة بقصد الحصول على الربح . وفيه تتولى المنافسة الحرة فى السوق توزيع قوى الإنتاج من رؤوس أموال سائلة وثابته وقوة عمل على تلك النشاطات الاقتصادية التى تدر أكبر قدر من الربح . وتدار المشروعات الاقتصادية داخليا ( تقسيم رأس المال الى ثابت واحتياطى ، وحجم العمالة ، ونوعها ، وتقسيم العمل ، وساعاته ، ومستوى الأجور … الخ ) على الوجه الذى يؤدى الى أكبر قدر من الربح . والربح هو الفرق بين سعر تكلفة الإنتاج فى وحدة اقتصادية معينة وبين سعر بيع المنتجات فى زمن معين .

   قى هذا النظام لا يتجه النشاط الاقتصادي ولايمكن أن يتجه إلى إشباع الحاجات المادية والثقافية المتزايدة للشعب ككل إلا بصفة تبعية أى بشرط أن يكون أولا وقبل كل شئ ” مربحا ” . وهذا هو مبرر القول بأن رأس المال لا وطن له . بمعنى أن باعث الربح هو الذى يحركه ويحدده نطاق ومدى حركته أما البواعث الوطنية ، أي التى تهم المجتمع ككل ، فإنها تخرج عن نطاق اهتماماته إلا إذا كانت الوطنية مربحة . ولا يتردد الرأسمالى لحظة واحدة فى تصفية أى مشروع اقتصادى غير مربح ولو كان ينتج الخبز نفسه . كما  أن المنتجات ( السلع والخدمات ) لا يتوقف انتاجها كما ونوعا على كم ونوع الاحتياجات الاجتماعية لسواد الشعب ، بل على حجم ونوع الطلب . والطلب ـ فى السوق ـ ليس مجرد  تعبير عن حاجة اقتصادية بل هو حاجة اقتصادية مقترنة برغبة فى الشراء والمقدرة على دفع الثمن . ولما كان السعر ـ فى السوق الحر ـ يتأثر الى حد كبير بالطلب فان النشاط الرأسمالى يتجه فى تحديد انتاجه كما ونوعا الى إشباع احتياجات القطاعات الأكثر مقدرة على الشراء فيستثمر قدرا كبيرا من إمكانياته ، فى إنتاج السلع الكمالية والترفيهية والتنافر الاستهلاكى المظهرى فى أوساط القطاعات الغنية . هذا بينما تبقى القطاعات محدودة المقدرة على الشراء خارج نطاق اهتماماته الرئيسية . ولكنه لا يستطيع أن يقاوم إغراء المضاربة على الاحتياجات الضرورية التى لايمكن الاستغناء عنها حتى من أكثر الناس فقرا كالمواد الغذائية والأقمشة الرخيصة والمشروبات الشعبية . إنه ينتج منها ما يكفى اعتمادا على استقرار الطلب ولكنه يفرض لها ما يريد من أسعار اعتمادا على أن الطلب عليها يكاد يكون معدوم المرونة أى لايمكن الاستغناء عنها . وهو هنا يضارب  على رغبة الناس فى البقاء أحياء ليربح من ورائها .

   ولا يرجع كل هذا الى جشع الرأسماليين أو قسوتهم أو عدم وطنيتهم فكثير من الرأسماليين يضربون خارج نشاطهم الاقتصادى أمثلة رائعة فى الكرم والرحمة والوطنية . ولكنه يرجع الى النظام الرأسمالى ذاته . بمعنى أن باعث الحصول على الربح عن طريق منافسة الآخرين ، لا يسمح لأى رأسمالى إلا أن ينسى الكرم والرحمة والإنسانية والوطنية إلا إذا جاءت عرضا بمناسبة عقد صفقة رابحة . من هنا نجد أنه فى كل المجتمعات الرأسمالية توجد أوجه نشاط حيوية بمعنى أنها لازمة لزوم الحياة للمجتمع ككل ومع ذلك يقال إنها ” غير اقتصادية ” بمعنى أنها غير مربحة ، كالمواصلات والطرق والموانى والإنارة والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور الحضانة والنوادى الرياضية والحدائق العامة والثروات الكامنة فى بطن الأرض أو فى البحار والأنهار … الخ . كل هذه وأن كانت حيوية إلا أنها غير مربحة فلا تثير إهتمام الرأسماليين ويتركونها للدولة . ويسمونها ممتلكات عامة . وهو أول نوع من ملكية الدولة نلتقى به فى النظام الرأسمالي . ولكنه ليس النوع الوحيد ففى كثير من الدول الرأسمالية ( مثل فرنسا ) تمتلك الدولة مشروعات اقتصادية تديرها بقصد الحصول على ربح أيضا حتى لو كانت مشروعات احتكارية إذ أنها فى الحالتين ـ المنافسة والاحتكار ـ تترك للسوق مهمة تحديد نوع الإنتاج وكميته وال حد كبير أسعاره . وقريب من هذا ما كانت تفعله الدولة عندنا بطرح تأجير الأراضى الزراعية المملوكة لها فى سوق المزايدة . إنها رأسمالية الدولة حيث تكون الدولة ذاتها مضاربا فى السوق على احتياجات الشعب بقصد الحصول على ربح .

   وهكذا نجد أنه فى كل نظام رأسمالى يوجد نوعان من الملكية : ملكية فردية وملكية عامة ولكنها نوعان متوازيان أو متنافسان ويخضعان فى حركتهما الاقتصادية لقانون أساس واحد هو المنافسة الحرة فى السوق بقصد الحصول على ربح ولايقال لما تملكه الدولة فى هذا النظام قطاعا عاما حتى لو أسميت ـ كما تسمى عادة ـ ممتلكات عامة .

3ـ أما فى النظام الاشتراكى فإن البنية الاقتصادية كلها تخضع فى حركتها لقانون أساسى آخر هو قانون ” التخطيط الشامل من أجل إشباع الاحتياجات المادية والثقافية المتزايدة للشعب كله ” فتوزيع الاستثمارات المتاحة على مصادر الإنتاج وترتيب أولوياته وحجمه ونوعه وأسعاره وحجم العمالة ونوعها وتقسيم العمل وساعاته والأجور .. الخ . كل هذا يكون مقررا اقتصاديا ومقررا بقانون ملزم يسمى الخطة الإقتصادية  قبل أن تبدأ عملية الانتاج فالتوزيع فالاستهلاك . أما مضمون الخطة ومراحل تنفيذها وأهدافها المتتالية فتتوقف على الإمكانيات المتاحة والمتوقعة للموارد الاقتصادية والاحتياجات الشعبية فى كل مجتمع على حدة . وفى هذا تختلف المجتمعات ولو كانت كلها اشتراكية . ويختلف مضمون التخطيط من مرحلة الى مرحلة فى المجتمع الاشتراكى الواحد .

   هذا هو النظام الاشتراكى ، وهو يحتاج الى إيضاح ..

   نحن نعرف أن الاشتراكية كنظام اقتصادى ، أو النظام الاشتراكى كما نفضل أن نسميه ، أى نظام توظيف الموارد المادية والبشرية المتاحة فى مجتمع معين لتحقيق غاية معينة طبقا لخطة اقتصادية شاملة لم يكن معروفا فى الدراسات الماركسية إلى ما بعد قيام الثورة البلشفية فى روسيا سنة 1917 ، كان ماركس وانجلز ومن بعدهما الى لينين يعرفون معرفة علمية أن الفاعلية التلقائية للنظام الرأسمالى كما هو ستؤدى الى القضاء على المنافسة الحرة فيه وتحوله الى نظام احتكارى للتحكم فيه قلة تملك أدوات الإنتاج ملكية خاصة . فى أغلبية الشعب الذين لا يملكون إلا قوة عملهم ليبيعوها بالسعر الذى يحدده مالكو أدوات الإنتاج ، وأن ذلك سيؤدى ـ فى حينه ـ الى ثورة تقوم بها البروليتاريا ، غايتها إلغاء الملكية الخاصة . وعلى هذا الأساس  توقع ماركس قيام ثورة البروليتاريا فى المجتمعات التى تنضج رأسماليا وبعد أن تنضج وليس قبل هذا . وهو توقع صحيح تماما فيما لو تركت القوانين الرأسمالية لفاعليتها التلقائية . ولم يكن ماركس وانجلز ومن بعدهما الى لينين قادرين بحكم التزامهم فى التوقع منهج المادية الجدلية ، على توقع تدخل مؤثر غير أدوات الإنتاج يفرض إرادته ويحول دون أن يصل النظام الرأسمالى  الى نهايته المأساوية ، الى أن فطن لينين الى مقدرة الأنسان فأنجز الثورة الاشتراكية قبل نضج الرأسمالية فى روسيا القيصرية . ولم يكن الاعتراف بمقدرة الإنسان على قيادة حركة التطور إلا مفتاحا لباب التخطيط الاقتصادى .

   المهم أن ماركس ومن بعده الى لينين لم يقولوا شيئا يذكر عن النظام الاقتصادى الذى يتلو ثورة البروليتاريا وإلغاء حكم الملكية الخاصة . وبالتالى نستطيع أن نقول أنه ليس فى التراث الماركسى كله السابق على ثورة سنة 1917 نظرية اشتراكية ، نعنى نظرية إقامة نظام اشتراكى . ولا يرث الماركسيون من تلك المرحلة الا مقولات فلسفية منهجية فيقال لهم ” ماركسيين “. يقول أوسكار لانج الاقتصادى الماركسى ،” إن مؤسسى الاشتراكية العلمية ماركس وانجلز كرسا جهودهما لتحليل الاقتصاد الرأسمالى . أما فيما يتعلق بالاقتصاد الاشتراكي فقد اقتصرت مساهمتهما على إيراد بعض الملاحظات العامة ورفضا من حيث المبدأ الدخول فى التفاصيل وذلك خشية القيام بعمل غير علمى والانحراف وراء الخيال ( أبحاث فى التخطيط والاقتصاد الاشتراكى ).. وينقل عن الماركسية روزا لوكسمبورج  قولها :” أن الاقتصاد السياسى ينتهى دوره فى اللحظة التى يزول فيها اقتصاد الرأسمالية الذى تسوده الفوضى “. ويضيف ” أنها كانت تظن أن علاقات الإنتاج فى ظل الاشتراكية تكون من الوضوح والبساطة بحيث لاتكون هناك حاجة الى علم خاص للاقتصاد السياسى “. كانت الاشتراكية الى ماقبل التجربة السوفيتية تعنى ـ إذن ـ إلغاء الملكية الخاصة ، وبالرغم من أن كثير من الماركسيين ما يزالون ـ حتى يومنا هذا ـ معلقين على شماعة ” إلغاء الملكية الخاصة ” ، فإن تجربة الاشتراكيين لم تقف عند حدود الكلمات السلبية .

   بعد الثورة كان على الاشتراكيين أن يقيموا ” نظاما اقتصاديا اشتراكيا “. أى أن يحولوا الاشتراكية الكلمة الى نظام اشتراكى للحياة . وقد بدأت التجربة متعثرة وجزئية وأسفرت بعد سنين طويلة من المعاناة الفكرية والتطبيقية عن نظام يسيطر فيه الإنسان ( المجتمع المنظم ) على قوانينه الاقتصادية ويستخدمها بنجاح فى تحقيق إرادته وتطوير الحياة المادية على الوجه الذى يتفق مع تلك الإرادة . وسيلته فى هذا التخطيط الاقتصادى الشامل . لهذا قلنا أن الإعتراف للإنسان بدور القيادة لحركة التطور كان مفتاح أبواب  التخطيط . وهكذا ولد النظام الاشتراكى طفلا فى سنة 1924 ثم نما واكتمل ويدخل الآن مباراة التنمية والتقدم بثبات ونجاح لايترك مجالا للشك فى أنه أفضل نظام وأرشده لتوظيف الموارد لإشباع الحاجيات المادية والثقافية المتزايدة للشعب كله فى أى مجتمع . وتحت تأثير نجاحه يتراجع النظام الرأسمالى وتتدخل الدولة لسد ثغرات المضاربة وترقيع البناء الاقتصادى وإنقاذه من الأزمات الى حد تعطيل الأسواق الرأسمالية من حين الى حين ( قفل البورصات ).

   وهكذا ، عندما نتحدث ، الآن ، عن النظام الاشتراكى فى سياق الدفاع عن القطاع العام وكمقدمة لهذا الدفاع نرجو ألا يحتج علينا بالمقولات الماركسية الفلسفية والمنهجية التقليدية إذ لاعلاقة لها بالنظام الاشتراكى . كما نرجو ألا يحتج علينا بعثرات التجارب الاشتراكية الأولى فنحن غير مسئولين عنها ولا نأخذ بها إنما نأخذ بمحصلة تجارب ومعاناة الاشتراكيين فى العالم كله وخاصة فى الاتحاد السوفيتى ، الاتحاد السوفيتى الذى كان أكثر منا تخلفا بمراحل منذ نصف قرن فأصبح ـ كما يسميه أعداء النظام  الاشتراكى ذاته ـ إحدى القوتين الأعظم . كما نرجو أن يتنحى الماركسيون التقليديون قليلا ليتركوا للنظام الاشتراكى وحده مهمة الدفاع عن القطاع العام. إذ أن الهجوم الشرس الذى يشنه الرجعيون على قطاعنا العام أخطر وأكثر جدية من استعراض عضلات المثقفين فى كلمات كبيرة . إنها ليست معركة كلمات تهم جماعة المثقفين بل هى معركة حياة أو موت تهم الشعب كله .

   النظام الاشتراكى ، إذن ، أو الاشتراكية العلمية إذا سمح لنا باستعمال هذا التعبير ، ليست مجرد إلغاء الملكية الخاصة لبعض أو حتى لكل أدوات الإنتاج بل هى ” التغلب على تلقائية التطور الاجتماعي بإقامة نظام من علاقات الانتاج تؤدى فيه القوانين الاقتصادية عملها بطريقة يقصدها الإنسان ” و “الشرط الأساسى للتحكم فى أسلوب سير النظام الاجتماعى هو تقرير الملكية العامة لوسائل الانتاج الرئيسية مما يؤثر فى البواعث الاقتصادية بحيث يكون رد الفعل من جانب الشعب إزاءها متمشيا مع إرادة الشعب المنظم ” (أوسكار لانج – الاقتصاد السياسى ) . ولايكفى لهذا التحكم مجرد ” ملكية الدولة لبعض وسائل الانتاج ، بل لابد أن تكون ” وسائل الانتاج والمبادلة الأساسية بيد المجتمع لابيد الأفراد ” لكى يستطيع المجتمع ممثلا فى دولته الديموقراطية أن يتحكم فى النشاط الاقتصادى ويوجهه طبقا للخطة الاقتصادية الشاملة . إذ ” أنى الح فى ابراز التعارض الجوهرى الذى يرتكز عليه التمييز بين اقتصاد مخطط واقتصاد غير مخطط ألا وهو التعارض بين مجتمع اشتراكى ومجتمع رأسمالى “( شارل بتلهايم – التخطيط والتنمية ).

   مؤدى هذا أن ملكية الدولة فى النظام الاشتراكى ليست عبئا خاسرا اقتصاديا ولا مشروعات مضاربة فى السوق بقصد الربح ، ولا عداء ميتافيزيقيا للملكية الخاصة . بل هى أداة المجتمع فى التأثير فى النشاط الاقتصادى بحيث يتجه الى الغاية المحددة فى الخطة الاقتصادية الشاملة التى عرفنا أنها إشباع الاحتياجات الشعبية المادية والثقافية ، وعندما توجد هذه الملكية العامة كما ونوعا بحيث تكون قادرة على تأدية وظيفتها ـ وهى تختلف كما ونوعا باختلاف درجة تطور ونمو البيئة الاقتصادية فى كل مجتمع على حدة ـ لا يضير النظام الاشتراكى أن تتواجد بجوار الملكية العامة ملكيات خاصة . لقد أصبح هذا مسلما به فى الاقتصاد الاشتراكى وفى كل الدول الاشتراكية ، لهذا لايقول أحد اليوم بإلغاء الملكية الخاصة لأدوات الأنتاج ” الأساسية ” . لا أحد يمارى فى هذا . ففى كل الدول الاشتراكية ملكيات فردية وملكيات تعاونية ، والملكيات التعاونية هى ملكيات فردية . بل أن فى بعض الدول الاشتراكية ملكيات رأسمالية تتميز بقوة خاصة فى ألمانيا الديموقراطية . وتلعب الملكية الرأسمالية دورا هاما فى الصين الشعبية .. الخ أكثر من هذا فإن تطور علم الاقتصاد الاشتراكى قد انتهى الى إمكان “توظيف ” المنافسة الحرة ذاتها فى سوق محدودة من أجل خدمة الخطة الاقتصادية الأمر الجوهرى هو أن يكون المرجع فى القرار الاقتصادى فى القطاع العام والقطاع الخاص كليهما الى الخطة الإقتصادية التى يقوم القطاع العام بدور قيادة تنفيذها .

   نقول القطاع العام والقطاع الخاص ولم نقل ملكية الدولة أو ملكية الأفراد ، لأن هنا فى النظام الاشتراكى يكمن مفهوم القطاع العام . إنه قطاع عام فى دائرة اقتصادية واحدة تحكم حركتها خطة اقتصادية واحدة ينتمى إليها القطاع الخاص ولكنه يخضع لذات الخطة ويتولى الشعب ممثلا فى دولته الديموقراطية التحكم فى حركة الدائرة الاقتصادية ، أى تنفيذ الخطة ، من خلال ملكيته للقطاع العام . وهو ما يعنى ـ اقتصاديا ـ سيطرة الشعب بواسطة القطاع العام على القطاع الخاص وتوظيفه فى خدمة الخطة الاقتصادية الشاملة ، القطاع العام ـ إذن ـ ليس نفيا للقطاع الخاص كما أن القطاع الخاص ليس نفيا للقطاع العام ، فى النظام الاشتراكى ، مادام القطاع الخاص تابعا ـ اقتصاديا ـ للقطاع العام .

4ـ هنا نصل إلى أولى النتائج التى تهمنا فى هذا الحديث ونعنى بها فهم وتقييم النقد الذى يوجه الى القطاع العام ، فقد عرفنا أن القطاع العام هو ركن أساسى من أركان النظام الاشتراكى ذلك النظام الذى يحدد علاقته بالقطاع الخاص ، ويضع القطاع الخاص موضع التبعية الاقتصادية للقطاع العام الموكولة اليه مهمة وضع التخطيط الاقتصادى الشامل موضع التنفيذ ، فالموقف من القطاع العام هو فى حقيقته موقف من النظام الاشتراكى ذاته ولايمكن إلا أن يكون موقفا من النظام الاشتراكى ذاته لأنه لامعنى للقطاع العام الا فى النظام الاشتراكى . لايعنى هذا تحريم نقد القطاع العام أو حتى تحريم الدعوة الى تنمية وتنشيط القطاع الخاص . أبدا .

   إن أول مسئوليات الاشتراكيين هى نقد القطاع العام لتقويمه لانقده لنقضه. وقد يرون تنمية وتنشيط القطاع الخاص فى ظل تبعيته للقطاع العام  أى تبعا لاحتياجات القطاع العام فى القيام بدوره القيادى . إنما تتحدد المواقف الحقيقية من النظام الاشتراكى لمن ينتقدون القطاع العام تبعا لموقفهم من ” علاقة ” القطاع العام بالقطاع الخاص على وجه التحديد .

   كل نقد للقطاع العام يكشف أوجه قصوره عن أداء دوره القائد ويستهدف تنشيط قيادته للنشاط الاقتصادى وإحكام فاعليته فى توجيه القطاع الخاص وتوظيفه ، وتنمية كفاءته الإنتاجية هو نقد بناء من أجل الاشتراكية .

   وكل نقد للقطاع العام يستهدف تصفيته أو حصر دوره فى النشاط الاقتصادى أو حتى إطلاق المنافسة بينه وبين القطاع الخاص  والاحتكام فى كفاءته الانتاجية الى المعايير الرأسمالية هو نقد هدام من أجل الرأسمالية .

   هذا موقف مبدئي قبل الدخول فى التفاصيل ، وقد يردد الطرفان ، الاشتراكيون وأعداء الاشتراكية ، ذات الأخطاء المنسوبة الى القطاع العام وبالتالى تصبح مسلمة من الجميع ولكنهم لا يكونون ـ مع هذا ـ فى موقف واحد من القطاع العام . طرف ينقد ليبنى وطرف ينقد ليهدم . ويكون من الجوهرى بالنسبة لأى اشتراكى أن يكشف من خلال نقد القطاع العام موقف صاحبه من الاشتراكية ليتخذ منه موقفا مناسبا . فهو إما معه أو ضده . لايعنى هذا أن يفتش  الاشتراكيون فى نوايا البشر خاصة وأن الكذب والنفاق والمخادعة ليست رذائل فى عرف الرأسماليين بل هى شطارة وفهلوة وتكتيك . كيف يمكن ـ إذن ـ اكتشاف المواقف الصحيحة وفرز القوى التى تنقد القطاع العام مناهضة للنظام الاشتراكى من القوى التى تنقد القطاع العام تدعيما للنظام الاشتراكى ؟.. باستعراض أوجه النقد وأوجه العلاج . وفيما يلى ننقد ونعالج ونرد من موقف الدفاع عن النظام الاشتراكى .

5ـ سلبيات مراحل التحول :

   لايتم التحول الاقتصادى أو الاجتماعى فجأة أو بقرارات شاملة وحاسمة ولو كانت قرارات ثورية . إذ أنه فى ظل نظام اقتصادى معين تنمو وتستقر أنواع كثيفة من العلاقات القانونية والاجتماعية والثقافية والأدبية والتقاليد والأعراف ـ وبينما يمكن بقرارات تغيير علاقات الإنتاج ( إلغاء الملكية او تقييدها ) فورا يستحيل بقرارات فورية تغيير أدوات الانتاج الموروثة من ناحية ، والعلاقات الاجتماعية والثقافية والأدبية … الخ ، التى كانت سائدة فى ظل النظام الاقتصادى القديم .

   هكذا تبدأ فترة التحول الى النظام الاشتراكى ومعها متاعبها .. أدوات الانتاج عتيقة أو مخصصة للإنتاج الاستهلاكى ، وعلاقات اجتماعية وثقافية .. الخ استقرت على أسس رأسمالية ، ويكون على مرحلة التحول أن تطور أدوات الانتاج وتغيرها نوعيا وتضيف اليها ما يتلائم مع مهمات الاقتصاد الاشتراكى وهى مهمة تستغرق وقتا غير قصير . كما يكون على مرحلة التحول أن تطور العلاقات الاجتماعية بما يتفق مع العلاقات الاقتصادية الجديدة وهى مهمة تستغرق وقتا أطول لاتصالها بحياة الناس وماتلقاه من مقاومة الذين استقرت  حياتهم على أسس العلاقات القديمة . ولابد من أن يتم كل هذا حتى يمكن القول بأن المجتمع قد انتقل من الطور الرأسمالى الى الطور الاشتراكى ، ويمكن تتبع سلبيات مرحلة التحول كما تتجسد فى القطاع العام على الوجه الاتى :

أولا : المنافسة بين القطاعين :

   يبدأ التحول الى الاشتراكية بتغيير ثورى لعلاقات الانتاج كما قلنا ، ويسفرهذا التغيير عن وضع خطة اقتصادية لتوظيف الموارد الاقتصادية وما يستلزمه هذا من تملك الدولة لوسائل الانتاج الأساسية ، غير أنه فى بداية فترة التحول لاتكون الخطة شاملة ولا يكون التأميم كاملا ويرجع هذا الى أسباب عدة أهمها التعامل مع الواقع الموضوعى بقدر مايطيق وتجنب مخاطر القفز من مجتمع متخلف الى مجتمع متقدم قبل أن تتوافر للمجتمع الجديد دعامة البشرية والمادية . المهم أنه بالتأميم يزداد القطاع العام ولكنه لايكون منفردا بل يواجه قطاعا خاصا نشيطا . ويبقى ـ طوال فترة التحول ـ قطاعات متوازيان ومتوازنان وبالتالى متنافسان . والمفروض أن تتضمن الخطة الاقتصادية حلولا متتابعة لمشكلة هذا الازدواج تنتهى بالسيطرة الكاملة للقطاع العام على القطاع الخاص ليستقر النظام الاشتراكى بدون متاعب . غير أنه الى أن يتحقق هذا الفرض يعانى القطاع العام من منافسة القطاع الخاص .. ولو ترك الأمر بينهما بدون دعم للقطاع العام فإنه يكون مقضيا عليه بالموت  إذ أن المنافسة بين القطاع العام والقطاع الخاص لاتعنى الا تصفية القطاع العام وبالتالى ردة الى الرأسمالية ، ذلك لان المنافسة مضاربة ، والقطاع العام بحكم طبيعته الاقتصادية والتزامه بتحقيق نتائج محددة فى أوقات محددة وارتباطه بالتخطيط لا يستطيع وليس مباحا له أن يضارب بينما المضاربة هى قانون القطاع الخاص . وفى سوق المنافسة الحرة حيث الغلبة معقودة لمن يتقن أكثر قوانين المضاربة تكون غاية القطاع الخاص اخراج القطاع العام من السوق أى تصفيته أو إفلاسه .    وتدور أغلب مضاربات القطاع الخاص على الأجور ، أن الأجور فى القطاع العام محددة ولكنها مستقرة هذا بينما الأجور فى القطاع الخاص غير محددة وإن كانت غير مستقرة وتتم المضاربة على الأجور من ناحيتين :

   الناحية الأولى : أن يجرد القطاع الخاص القطاع العام من أكفأ العناصر المنتجة فيه عن طريق تشغيلهم فى مقابل أجور مرتفعة . ويتحول القطاع العام الذى يتلقى وحده كافة الخريجين والعاملين الجدد الى مجرد قطاع للتدريب . ما ان تبدو فيه الكفاءات وتنضج حتى تتسلل منه الى حيث الأجور المرتفعة المعروضة  من القطاع الخاص بدو أن يلتفت المتسللون الى أنها أجور مؤقتة ( مضاربة ) قد تكون معروضة من أجل إتمام صفقة واحدة ، أو لفترة محدودة ، وفى كل الحالات تنتهى بالفصل فجأة وبدون أية ضمانات . وتدخل سوق المضاربة على الأجور فى القطاع العام حتى المؤسسات الرأسمالية الأجنبية ، فيتلقى القطاع العام خريجين جدد يوفدهم فى بعثات فلا يعودون بعد أن انفق على تعليمهم ، جريا وراء الأجور المرتفعة المعروضة عليهم ، ثم يتوالى تسلل العناصر التى تعب القطاع العام والدولة فى إعدادها الى القطاع الخاص فى الداخل أو الهجرة الى الخارج لأن سوق العمل ما تزال ـ فى مرحلة التحول ـ مفتوحة للمضاربة على أجور العاملين .

   الناحية الثانية : إغراء العاملين فى القطاع العام بالاستفادة من استقرار الأجور فى القطاع العام وارتفاعها فى القطاع الخاص بأن تكون لهم علاقة عمل بالقطاعين فى الوقت ذاته . ولما كان هذا الازدواج  غير مشروع فإنه يتم باتفاقات غير مشروعة يعقدها القطاع الخاص خفية مع مديرى القطاع العام وكبار العاملين فيه يدفع لهم بمقتضاها مبالغ طائلة فى سبيل تسهيل نمو النشاط الخاص على حساب القطاع العام ( رشوة ـ عمولات ـ اختلاس مواد خام ـ مخالفة المواصفات ـ تأخر فى التوريد ـ التواء مع العملاء ـ إباحة الأسرار .. الخ ) تهدف كلها الى إتجاه المستهلكين الى القطاع الخاص بدلا من القطاع العام ، لأن سوق البضائع والخدمات ما تزال ـ فى مرحلة التحول ـ مفتوحة للمضاربة على المنتجات .

   تؤدى هذه المضاربة الى كل تلك الظواهر المنحرفة التى يرددونها منسوبة الى القطاع العام تحت عنوان ” فساد القطاع العام ” ويقدمون له أمثلة عديدة من العجز والبطء واللامبالاة والإختلاس والرشوة وهجرة الكفاءات .. ويقدمون علاجا لهذا الفساد تصفية القطاع العام . يريدون أن يوهموا الناس أن القطاع العام بحكم طبيعته نظام فاسد يغرى الأمناء بالانحراف وينفر الأكفاء من أبناء هذا البلد فيهاجرون هجرة داخلية أو خارجية .

   الوقائع صحيحة بل نزيد عليها أنه إذ يستشرى الفساد فى القمة يكون صغار الموظفين والعاملين فى القطاع العام معذورين إذا فتر حماسهم للعمل أو جنحوا الى اللامبالاة أو كفروا بالقطاع العام أو حتى بالاشتراكية ذاتها ماداموا يرون ويلمسون فى الممارسة أن القطاع الاشتراكى يضع نفسه ، بالرغم منن كل ما يقال من كلام جميل فى الوثائق الفكرية ، فى خدمة الرأسماليين ولتنمية نشاطهم المستغل . وهكذا ينتقل الفساد من القمة الى القاعدة ، فما الحل ؟.

   ليس الحل تصفية القطاع العام كله أو تصفية جزء منه ، وليس الحل المواعظ المنبرية عن الأخلاق والاستقامة . ولكن الحل ذو شقين : الشق الأول : اختصار فترة التحول الى الاشتراكية بتوسيع نطاق القطاع العام وإحكام قبضته على القطاع الخاص وفرض سيطرته الشاملة عليه لتصل بأسرع مايمكن الى النظام الاشتراكى الذى ينهى الى الأبد السلبيات الناتجة عن عدم اكتماله ومنافسة القطاع الخاص للقطاع العام ونحن فى الطريق إليه. الشق الثانى : تحويل الفساد فى القطاع العام الى شئ مستحيل أو خاسر ، وذلك بإخراج القطاع الخاص نهائيا وحسما من المجالات الاقتصادية الموكولة الى القطاع العام بحيث يصبح ، فعليا وقانونيا ـ مستحيلا ـ أن تنتقل قوة العمل أو الاستثمارات أو الأدوات أو البضائع أو الخدمات من القطاع العام الى القطاع الخاص أو العكس . بحيث يكون للقطاع الخاص مجالات محدودة ومحددة على سبيل الحصر ، مقصورة عليه وحده فى الانتاج أو التوزيع أو الاستهلاك . باختصار إلغاء كل إمكانيات المنافسة الظاهرة أو الخفية بين نشاط القطاع العام ونشاط القطاع الخاص حتى يصبح مستحيلا على القطاع الخاص أن يسرق من القطاع الخاص الكفاءات البشرية والمواد الخام والآلات والبضائع والزبائن فيستحيل وجود من يسرقون له أو يتآمرون معه من بين العاملين فى القطاع العام .

   أما التشهير بالقطاع العام من أجل تصفيته فهو موقف متناقض ومنافق وغير علمى وغير واقعى بالإضافة الى أنه موقف مناهض للاشتراكية .

   أما أنه متناقض فلأنه يأتي من جانب القطاع الخاص وأنصاره أولئك الذين يجنون أرباحهم من الفساد الذى أحدثوه فى القطاع العام ليربحوا . إن تطهير القطاع العام من الفساد يعنى أنهم لن يجدوا من يرشونه أو يساعدهم على اختلاس مواده أو بضائعه أو زبائنه ، تطهيره يعنى خرابهم والواقع أنهم يشهرون به لارغبة فى تقويمه بل رغبة فى تقويضه ليشتروه . كما يفعل  تجار الماشية فى أسواق الريف يكتشفون عيوبها ويبرزون عيوبا أخرى تمهيدا للشراء بأبخس الاثمان . وهو موقف منافق لأنهم يغلفون نقدهم بالحرص على مصلحة الشعب أو حتى بالحرص على ” الاشتراكية السليمة”  كما يسمونها فى حين أنهم لا يستهدفون ولايمكن أن يستهدفوا الا أرباحهم الخاصة ولو على حساب الشعب وضد أى مفهوم للاشتراكية . وهو موقف غير علمى لآنهم يتجاهلون فى إبرازهم للسلبيات الموجودة فى القطاع العام الظروف الاجتماعية التى نشأ فيها ومارس فيها نشاطه والمتاعب التى تخلفها تلك الظروف أمام القطاع العام فى مرحلة التحول الى الاشتراكية . وهو موقف غير واقعى لأن تصفية القطاع العام مستحيلة . وسنعرف فيما بعد لماذا هى مستحيلة . أما أنه موقف مناهض للنظام الاشتراكى فهو يحتاج الى بيان ، إذ لا وجود للنظام الاشتراكى إلا بوجود قطاع عام ذى سيطرة شاملة وكاملة على كل النشاط الاقتصادى فى المجتمع . وكل مناهضة للقطاع العام هى مناهضة للنظام الاشتراكى .

 ثانيا : اختلاط الإجراءات الاقتصادية :

   قلنا أن مرحلة التحول الى الاشتراكية تبدأ بتغيير علاقات الإنتاج بينما تبقى العلاقات الاجتماعية والثقافية والتقاليد .. الخ . بدون تغيير الى حين . وهذا يعنى أن يواجه التحول الى الاشتراكية منذ مولده مقاومة من الذين ارتبطت مصالحهم بالأوضاع الاقتصادية السائدة من قبل ، وهم يستعملون فى مقاومتهم كل الأسلحة المتاحة لهم ومنها القوة الاقتصادية . ويقتضى هذا شل مقدرتهم الاقتصادية على المقاومة تمهيدا لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الجديدة . من هنا تختلط فى بداية فترة التحول عدة إجراءات كلها اقتصادية وإن كانت مختلفة الغاية والصلة بالنظام الاشتراكى ، ونضرب لهذا مثلين :

الأول : الإصلاح الزراعى :

   والإصلاح الزراعى يعنى تحديد حد أقصى للملكية الزراعية وتوزيع الفائض على المعدمين من العاملين فى الزراعة وبالتالى زيادة عدد ملاك الأراضي الزراعية . هذا النوع من الإجراءات الاقتصادية ليس وثيق الصلة بالنظام الاشتراكى ، فالنظام الاشتراكى لا يقبل ملكية الأرض . أعنى ملكية الرقبة التى تعطى صاحبه الحق فى المضاربة فى السوق العقارية ( بيع ورهن ) ، وتقتصر الملكية على حق الانتفاع فقط بحيث تكون المحصلة النهائية هى أن يمتلك المنفعة بالأرض ( زراعتها ) من ينتفع بها فعلا ( يزرعها ) ، أما الإصلاح الزراعى  الذى يوزع الأأرض ملكية خالصة ( رقبة وانتفاعا ) على المزارعين بعد أن يكون قد حدد ملكية الآخرين فإنه يستهدف ، ويؤدى بنجاح ، الى شل المقدرة الاقتصادية والاجتماعية لكبار ملاك الأراضي على قهر الفلاحين أو السيطرة على الدولة ذاتها . أنه تحرير للبشر من القهر الواقع عليهم وليس تنظيما للعلاقات الاقتصادية بين البشر المتحررين ، فهو يسبق التحول الاشتراكى ولكنه ليس داخلا فى النظام الاشتراكى ذاته . إنما يخضع النظام الاشتراكى ـ يعد أن يقوم ـ لقوانينه الاقتصادية ( التخطيط ) الذى قد يوسف أو يضيق من ملكية الانتفاع بالأرض أو يقيم نظاما للانتفاع التعاونى بين المزارعين ، ولكنه فى كل الحالات لا يسمح بأن تكون الأرض سلعة تباع وتشترى وترهن لحساب أحد ولا حتى من يزرعونها .

   ولما كان الإصلاح الزراعى  إجراءا اقتصاديا تحرريا فإن تقييمه على أساس العائد المقارن للإنتاج تقييم خاطئ ، هذا لايعنى أن عائد الأرض فى ظل الإصلاح الزراعى أقل منه فى ظل الإقطاع ، ولكن يعنى أن تنمية العائد ليست مقصورة من الإصلاح بقدر ماهو مقصود تحرير الفلاحين من سيطرة كبار الملاك ، وشل مقدرة كبار الملاك على السيطرة على الدولة . على أى حال ، فإن الإصلاح الزراعى من إجراءات فترات التحول الى الاشتراكية وهو ليس من النظام الاشتراكى فى شئ فيخطئ من يضيف سلبياته الى ما يردده من نقد للقطاع العام وتدخل الدولة وإن كان غاية نقده هى ذاتها غاية نقد القطاع العام . مناهضة النظام الاشتراكى .

الثانى : الحراسات :

   الحراسات هى رفع أيدى الملاك عن إدارة أملاكهم الموضوعة تحت الحراسة وإيكال إدارتها لمن تنتدبهم الدولة على أن تبقى الملكية للملاك أنفسهم ويحتفظ لهم بالعائد منها فى حسابات خاصة ، وهو نظام لايمت بصلة الى النظام الاشتراكى . فكل الدول تفرض الحراسات على أملاك أعدائها فى أوقات الحروب بصرف النظر عن نظمها الاجتماعية . النظام الاشتراكى لا يعرف إلا تأميم الممتلكات اللازمة لتنفيذ الخطة الاقتصادية وهو ما يعنى توظيف تلك الممتلكات بعد تأميمها لحساب الشعب وتحويل عائدها الى خدمات مثلها مثل أى مورد آخر . ولكن الأموال الخاضعة للحراسة تبقى بعيدة عن الخطة الاقتصادية ولا يعود على الشعب شئ من عائدها ، كما لا يعود على أصحابها ، فتكون النتيجة أن يستفيد منها القائمون على الحراسة، ومع ذلك فهى إجراء قد تستلزمه فترة التحول الى الاشتراكية لشل مقدرة  المالكين على مناهضة هذا التحول بتجريدهم من إمكانياتهم الاقتصادية .

وهى تؤدى هذه الغاية بنجاح وأن كان نجاحا غير حاسم ، إذ أن بقاء الأموال تحت الحراسة وما يعنيه هذا من أنها ما تزال مملوكة لأصحابها يمد من أملهم فى استعادتها وبالتالى يبقى عليهم فى مواقف المناهضة المتربصة بالنظام الاشتراكى . ولوحسم الأمر وصودرت منذ البداية لانتهى الموقف ولاءم أصحابها بين موقفهم والأوضاع الجديدة . على أى حال فإن الأموال التى تخضع للحراسة لاتخضع لها لاعتبارات اقتصادية وبالتالى فان تقييمها على أساسا عائدها الاقتصادى قبل أن توضع هو تقييم خاطئ . وفى أغلب الحالات إن لم يكن فى كنها تؤدى الحراسة الى تصفية الأموال الموضوعة تحتها ، أو سرقتها ، أو تخريبها لأن الحراس الذين حلوا محل الملاك فى إدارتها ، فى الوقت الذى يديرونها فيه بعيدا عن القطاع العام ورقابة الدولة ، يجدون أنفسهم ملاكا جددا  لما لا يستحقونه الى أمد لا يعرفون نهايته ، فيكون همهم الأساسي الإثراء منها . ولقد صدر فى سنة 1964 القانون رقم 150 الذى صفى الحراسات تصفية صحيحة وتقدمية بأن قضى بملكية الدولة لكل الأموال الموضوعة تحت الحراسة فانضمت الى القطاع العام وأصبحت جزءا منه تحمل آثار تخريب الفترة السابقة وتمد الذين يشهرون بالقطاع العام بوقائع جديدة يحتجون بها لتصفيته . والواقع أن القطاع العام هو الذى يعانى مما فعله الحراس ولاذنب له فيما فعلوه . على أى حال فإن الحراسات ليست من النظام الاشتراكى فى شئ فيخطئ من يضيف سلبياتها الى ما يردده من نقد القطاع العام وتدخل الدولة وإن كانت غاية نقده هى ذاتها غاية نقد القطاع العام ، مناهضة النظام الاشتراكى .

6ـ سلبيات التخلف :

   عرفنا أن لمرحلة التحول الى الاشتراكية سلبيات بأخذها المناهضون للنظام الاشتراكى حجة للتشهير بالقطاع العام بقصد تصفيته . وأن علاج تلك السلبيات يكون بعكس ما يقولون تماما : توسيع نطاق القطاع العام ودعمه وإحكام قبضته على القطاع الخاص وتأكيد سيطرته على كل وسائل الإنتاج .

   ولكن مرحلة التحول ليست هى المصدر الوحيد للسلبيات بل أن الظروف التاريخية التى يبدأ فيها التحول فى مجتمع معين قد تحمل القطاع العام عبئا جديدا من سلبيات لا يد له فيها وذلك عندما يبدأ التحول الاشتراكى فى مجتمع متخلف بشريا أو اقتصاديا ، وتقدم مصر نموذجا لسلبيات منسوبة الى القطاع العام والنظام الاشتراكى فى حين أن أسبابها تمتد الى ما قبل 1952، الى ذات المجتمع الرأسمالي الذى يشهر أصحابه بالقطاع العام .

أولا: التخلف البشرى :

   قبل سنة 1952 كان النظام كله دستوريا وقانونيا واقتصاديا وفكريا وثقافية وإعلاميا مناهضا للاشتراكية . كانت الاشتراكية محرمة تحريما قاطعا . وبعد سنة 1952 ، والى أن بدأ التحول الاشتراكى ، كانت الثورة تحاول بكل وسيلة ممكنة أن تنجز أهداف التنمية بموارد وعلاقات رأسمالية . ولم يبدأ التحول الاشتراكى الا بعد أن فشلت فشلا ذريعا كل أوهام التنمية الرأسمالية . وكان من نتيجة هذه المراحل التاريخية المتتابعة أن بدأ التحول الاشتراكى بدون أن تكون قد توافرت فى المجتمع كوادر اشتراكية ( اقتصاديون ومهندسون وعلماء وعمال .. الخ ) . كان لدينا تخلف بشرى مريع فيمن يستطيعون أن يعرفوا ماهو النظام الاشتراكى وكيف يبنوه ـ فلما أن ولد القطاع العام تولى قيادته الرأسماليون البيروقراطيون أو الموثوق فيهم حتى لو كانوا غير موثوقى الكفاءة . بل تولى قيادته بعض من أعدى أعداء الاشتراكية ، فكانت النتيجة أن أصبحت قيادة القطاع العام عبئا على فاعليته لعدم إيمان القائمين عليه بجدوى هذه الفاعلية . وكانت عونا عليه للقطاع الخاص لانتماء القائمين عليه وعيا ومصلحة للقطاع الخاص ، وأداروه إدارة رأسمالية لأنهم لا يعرفون من الإدارة إلا شكلها الرأسمالى . إنهم أولئك المديرون الذين يزيفون الميزانيات فى القطاع العام لتظهر فى حساباتهم أرباح صورية ويراوغون فى حقوق العاملين حتى يكفروا بعلاقات العمل الجديدة فلا يبالون بالعمل ويتسببون بهذا فى إشاعة الاضطراب فى المؤسسات التى يديرونها ، لأنهم لا يعرفون مقياسا للنجاح الاقتصادى إلا المقياس الرأسمالى : الربح ، وهم أنفسهم الذين ينقدون

القطاع العام لأنه يزيف الميزانيات ، وينقدونه لأنه لا يحقق أرباحا رأسمالية ، ويدعون الى تصفيته أو بيعه للقطاع الخاص ، وليس العلاج ما يقولون ، ولكن العلاج هو تطهير القطاع العام من الإدارة الرأسمالية وتولى الجيل الجديد إدارة القطاع العام . إنهم قد يخطئون كما يخطئ غيرهم ولكنهم لن يخربوا القطاع العام ، وفى كل الحالات سيكون القطاع العام بين أيديهم قطاعا اشتراكيا يدار اشتراكيا لقيادة التحول الى النظام الاشتراكى ، أما أن توكل إدارة القطاع العام الى أعداء الاشتراكية فهو لايعنى أكثر من تسليم أموال الشعب لأعداء الشعب . ولعل هذا العلاج أن يكون أكثر أوجه العلاج حسما فى تطهير القطاع العام من كل سلبياته . إذ لا اشتراكية بدون اشتراكيين ، وقد آن الأوان لتصحيح الأخطاء التاريخية .

ثانيا : التخلف الاقتصادي :

   لايعنى بالتخلف الاقتصادى ما يعنيه الرأسماليون من أن مجتمعنا لا يقدم للشعب كل ما تتمتع به الشعوب الأوروبية عامة ، والأمريكية خاصة ، ولانعنى انخفاض مستوى المعيشة فى مجتمعنا عنه فى تلك المجتمعات . ذلك التخلف الذى يريدون تجاوزه بأن يقيموا من القاهرة مدينة لناطحات السحاب وأن يدخلوا مع أمريكا مسابقة الرفاهية ، هذه أوهام غير علمية فنحن لسنا فى سباق مع دول بنت رخاءها

على حساب الشعوب التى استعمرتها ، إنما التخلف الذى نعنيه هو التخلف بمعناه الأقتصادى : عدم استثمار كل الموارد المادية والبشرية المتاحة على الوجه الذى تؤدى به غلتها الحدية . وهى ذات المهمة الموكولة الى القطاع العام والموزعة على مراحل التخطيط الاقتصادى . والقطاع العام هنا يبدأ من بنية اقتصادية بالغة التخلف . وبالتالى فإنه لا يستطيع أن ينهض بالتنمية الاقتصادية الا بقدر ماهو متوفر له من قدرة على التأثير فى النشاط الاقتصادى كافة ، وكفاءته فى هذا التأثير ، وكلاهما لا يتفقان مع المهام الجسيمة الموكولة إليه . فلا هو بالاتساع الذى يستطيع أن يمتد الى كافة الموارد المادية والبشرية المتاحة . ولا هو بالكفاءة ـ نتيجة السلبيات السابق ذكرها ـ التى تتطلبها تلك المهام ، وعندئذ يشهرون به فيقولون أنه فاشل . ولا يقولون على أى وجه هو فاشل وأن كانوا يقدمون ـ بإلحاح ـ تصفيته علاجا لهذا الفشل .

   ففى حدود الظروف الموضوعية التى صاحبت قيام القطاع العام وأثرت فى مقدرته على التنمية الاقتصادية لا يمكن أن ينسب الفشل إليه . بل أنه ضرب مثلا فذا للنجاح فى كل محاولات التنمية الاقتصادية فى كل البلاد النامية والمتخلفة . وأشادت به تقارير هيئة الأمم أكثر من مرة ، تؤيد هذا جداول المقارنة بين الناتج القومى قبل 1961 وبعدها ومعدلات النمو تؤيد أن القطاع العام  هو الذى دفع بضائع آجلة أو بضاعة عاجلة عشرة آلاف مليون جنيها لبناء القوات المسلحة بعد 1967 وقبلها ، ودفع أربعمائة مليون جنيها تكلفة السد العالي . ودفع كل الملايين التى أصلحت الأرض البور . ومدت شبكات الكهرباء وأقامت المصانع الجديدة وتقيم مجمع الحديد والصلب . وهو الذى واجه الخدمات المتزايدة فى المدن وكان يفتح مدرسة شهريا فى القرى وضاعف عدد الجامعات وتحمل تكلفة التعليم فخلق تلك الثروة البشرية من العلماء والفنيين التى هى أعظم الثروات جميعا ، وهو الذى حول سبعة ملايين من العاطلين فى المزارع الى عمال ينتجون على أرقى أدوات الإنتاج.. هو الذى زود الشعب بكل ماهو ضرورى له من أول الأبرة الى الصاروخ . هذا بينما حول القطاع الخاص أمواله الى عمارات وسيارات وحول شوارع القاهرة الى متاجر أمريكية وحول ضواحيها الى كباريهات . القطاع العام يزود الشعب بالخبز ويتحمل فروق أسعاره والقطاع الخاص يزود المترفين بالملابس الداخلية والسجائر الأمريكية والشيكولاته ، القطاع العام يشق القنوات ويقيم المطارات ويبنى السدود ويدفع مليون جنيها يوميا لنقل الصواريخ قرب الجبهة وينقل الخضرة الى الصحراء بينما يحتمى القطاع الخاص بمعقله فى شارع الشواربى .

   القطاع العام هو الذى تحمل أعباء معركتين ضاريتين خسر أحدهما سنة 1967 وكسب الأخرى سنة 1973 .

   ولايقال أنها القروض الأجنبية التى بلغت أى رقم وليس عائد القطاع العام. إنها إذن مزية . فإن الذين أقرضوا الدولة ويقرضونها ـ من أول البنك الدولى الى الاتحاد السوفيتى ـ لا يقرضونها تبرعا ولا يبعثرون أموالهم ولكنهم يدرسون واقعها الاقتصادي ومدى سلامته وإحتمالات نموه وضمانات سداد القروض وفوائدها فإن اطمأنوا على أموالهم أقرضوا وإلا فلا . ولم تكن الدولة تملك شيئا يضمكن متانة موقفها الاقتصادى غير القطاع العام . ذلك القطاع الذى لم يهتز أو يضعف حتى عندما فقدت الدولة قناة السويس وبترول ومعادن سيناء .

   ومع ذلك فإنا ـ نحن الاشتراكيين ـ لم نكف ولن نكف عن القول بأن القطاع العام فاشل أو مهدد بالفشل ، فاشل من وجهة نظرنا لأنه لا يوفى بكل ما تحتاجه التنمية فى بلادنا المتخلفة . ونعرف لماذا هو فاشل أو مهدد بالفشل . لأن أعباء التنمية الموكولة إليه فى مجتمعنا المتخلف أكبر كثيرا من طاقته الاقتصادية وإمكانياته الفنية والبشرية . ومن هنا نعرف العلاج ، إنه توسيع نطاق القطاع العام ودعمه ماليا وفنيا وبشريا وإحكام قبضته على النشاط الاقتصادى أى تنمية إمكانياته الى الحد الذى يتكافأ مع الأعباء الموكولة إليه .

7ـ نقد مرفوض :

   على الوجه السابق لايجهل الاشتراكيون ولا يتجاهلون السلبيات المنسوبة الى القطاع العام . ولكنهم يردونها إلى أسبابها الموضوعية التى ترجع كلها الى الظروف التاريخية التى صاحبت مولد القطاع العام ونشاطه فمكنت منه القطاع الخاص ينافسه فيفسده أو يسرقه . وأمامنا أدلة حية على السرقة ، فمنذ عشر سنوات والقطاع العام وحده هو الذى ينتج الثروات فى هذا البلد . والقطاع الخاص هارب أو متهرب أو متوقف أو مخرب . ومع ذلك فما أن تعلن شركة انتاج السيارات عن سيارات من طراز جديد حتى تتلقى الملايين عربونا لسيارات لن يستلمها أصحابها إلا بعد سنين . وما إن يعلن أحد عن بناء عمارة للتمليك حتى يقبض مئات الألوف لمساكن يبلغ ثمن السكن الواحد منها ( الشقة ) ثلاثين ألف جنيها ، يدفعها أناس ساكنون فعلا  فى أماكن أخرى . وفى ذات الفترة أنشئ من الملاهى عشرة أضعاف ما أنشئ فى تاريخ مصر كلها . وتحولت القاهرة كما كان يريدها رمز القطاع الخاص الخديوى إسماعيل الى قطعة من أوروبا . من أين جاء كل هؤلاء بتلك الأموال ؟.. من أين كل هذا الترف والسفاهة الاستهلاكية ؟.. لقد كانت الأموال عندهم ولم يظهروها  إلا فى السنين الآخيرة  فمن أين كانت عندهم؟.. لقد كانوا يربحون من وراء القطاع العام ويسرقونه ويمتصون دماءه . أولئك هم الذين يتحدثون  الآن عن الفقر فى ظل القطاع العام ويبشرون بالرخاء بعد تصفيته ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

ماذا يقولون أيضا ؟ يقولون :

أولا : أن القطاع العام قد ضم إليه وحدات اقتصادية غير مربحة .

ثانيا : أن القطاع العام يدار إدارة غير رشيدة اقتصاديا .

   وفى هذين ، أى فى أكثر أوجه النقد الذى يوجهه الرأسماليون الى القطاع العام جدية ، يقف الاشتراكيون بحزم رافضين النقد جملة وتفصيلا ورافضين ما يقدمه الرأسماليون من علاج لما ينقدون للأسباب التالية :

أولا ـ وحدات  اقتصادية غير مربحة :

   يختار المناهضون للنظام الاشتراكى وحدات اقتصادية محدودة مما يتبع القطاع العام . ويقولون أن نشاطها لا يسفر عن ربح بل يسفر عن خسائر تتحملها الخزانة العامة فهى عبء على الدولة ويقترحون بيعها أو تصفيتها . وينزلق بعض المدافعين عن القطاع العام فيحاولون إرجاع خسائر تلك الوحدات الى ظروف خاصة صاحبت إنشائها أو أثرت فى نشاطها الاقتصادى ويقترحون حلولا بديلة لتتحول من وحدات خاسرة الى وحدات مربحة . وهو منزلق خطير ذلك لأنه قائم على أساس تقييم القطاع العام تقييما رأسماليا مقاس النجاح فيه هو الربح . وهو تقييم خاطئ يرفضه الاشتراكيون بحزم ولاينزلقون الى مجرد مناقشة أسباب الخسائر والأرباح . ذلك لأنهم لا يفهمون القطاع العام ولا يقيمونه إلا فى نطاق علاقته بالنظام الاشتراكى ، وقد قلنا من قبل أنه إذا كانت المنافسة بقصد الحصول على الربح هى قانون الاقتصاد الرأسمالى فإن التخطيط الاقتصادى الشامل هو قانون الاقتصاد الاشتراكى ، إذن فمن حيث المبدأ لا يجوز تقييم كل وحدة إقتصادية من وحدات القطاع العام على حدة تبعا لما اذا كانت رابحة أو خاسرة رأسماليا ، إنما تقيم كل وحدة على أساس أدائها أو عدم أدائها للدور الاقتصادى المحدد لها فى الخطة الاقتصادية . إن الربح مقياس للنجاح الاقتصادى فى كل مؤسسة على حدة فى النظام الرأسمالى أما فى النظام الاشتراكى حيث تتكامل الوحدات الاقتصادية للوصول الى غاية محددة فى الخطة فليس من اللازم أن تكون كل وحدة اقتصادية ـ على حدة ـ مربحة . أى أن يكون اجمالى ثمن الإنتاج فى كل وحدة اقتصادية على حدة أكبر من إجمالى سعر التكلفة . فى النظام الاشتراكى يؤخذ الاقتصاد القومى ككل ويكفى أن تقوم كل وحدة اقتصادية فيه بما هو معهود إليها به من نشاط حتى لو كان غير مربح بالمفهوم الرأسمالى مادامت الخطة الاقتصادية ككل مربحة بما تضيف الى الدخل القومى من ثروات جديدة . وقد عرفنا من قبل مدى الأعباء التى أوفى بها القطاع العام وبالتالى فلا وجه للتشكيك فى أنه ـ ككل ــ قطاع رابح اقتصاديا ، وهذا يكفى الاشتراكيين ويرضيهم . أما أن يتصور الرأسماليون أن القطاع العام قطاع رأسمالى ، فيقيمون نشاطه على أسس رأسمالية ، ويقيسون به نجاح وحداته التى لاتحقق أرباحا فيجب أن تصفى أو تباع فإنهم إما أن يكونوا جهلة وهذا غير محتمل وإما أن يكونوا قد وضعوا أعينهم على تلك الوحدات الاقتصادية التى يقولون أنها خاسرة ، ليشتروها لأنفسهم ، وهو الأكثر احتمالا ، وفى الاحتمالين يرفض الاشتراكيون مجرد مناقشة القطاع العام وحدة وحدة كأنه مؤسسات رأسمالية .

ثانيا : إدارة غير رشيدة :

   على ذات الأسس الرأسمالية يتهم الرأسماليون القطاع العام بأن إدارته غير رشيدة . ويتخذون دليلا على هذا إنعدام  الأرباح فى بعض الوحدات أو قلتها فى وحدات أخرى . ولما كان الربح هو الفرق بين ثمن البيع وثمن التكلفة فإنهم يرجعون عدم الرشد فى القطاع العام الى ارتفاع أسعار التكلفة ، ويركزون بوجه خاص على تضخم حجم العمالة فى مؤسسات القطاع العام .  العمالة أكثر من اللازم فالأجور أكثر من اللازم فسعر التكلفة أكثر من اللازم فالأرباح أقل من اللازم وهو عنوان انعدام الترشيد الاقتصادى فى إدارة القطاع العام . هذا هو منطق الذين ينقدون القطاع العام ، وهو نقد يرفضه الاشتراكيون ليس بحزم فقط ولكن بغضب أيضا لأنه يثير اشمئزازهم .

   فى النظام الرأسمالى حيث تكون المنافسة حرة فى السوق بين السلع البديلة والمتشابهة لا يكون الرأسماليون قادرين دائما على تحقيق مزيد من الأرباح عن طريق رفع الأسعار فيتجهون الى خفض أسعار التكلفة ومن أهم عناصرها الأجور . وهم يصلون الى خفض الأجور من طرق عدة ، إما خفض الأجر النقدى أو زيادة ساعات العمل ، أو تقليل حجم العمالة ، أو تشغيل الأطفال والنساء بأجور مخفضة . وقد كانوا دائما يفعلون هذا . وعندما تكون الدولة قد حددت ساعات العمل والمستويات الدنيا من الأجور وفرضت قيودا على تشغيل الأطفال والنساء ، فلا يبقى للمشروع الرأسمالى ( القطاع الخاص ) باب لخفض الأجور الا بخفض عدد العاملين الى الحد الأدنى . ويعتبرون هذا قمة الترشيد الاقتصادى فى الإدارة ، لأنه يؤدى ـ فعلا ـ الى أمرين عزيزين على كل رأسمالى . أولهما استنزاف ـخر قطرة من قوة العامل وثانيهما تحقيق مزيد من الأرباح . وعلى هذا الأساس يرجعون خسائر ، وفشل ، ومبرر تصفية ، كثير من الوحدات الاقتصادية التابعة للقطاع العام الى تضاعف حجم العمالة فيها وزيادة الأجور عن النسبة المقبولة فى الإدارة الرأسمالية الرشيدة ، ويقفون عند هذا الحد . أعنى لا يقولون كيف تؤدى تصفية أو بيع أو ترشيد الإدارة فى الوحدات المزدحمة بالعاملين الى خفض الأجور . لا يقولون لأنهم يعرفون أن علاجهم  الرأسمالى لن يكون الا بطرد نسبة كبيرة من العاملين الى أرصفة البطالة . وقفل فرص العمل أمام كل الخريجين الجدد من معاهد التعليم ، إنهم لا يقولون هذا ـ اليوم ـ ولكنه النتيجة الحتمية لما يقولون ، ولو استطاعوا لقالوه ، ولو ترك لهم الحبل على الغارب لتجاوزوا القول الى الفعل وأحالوا ملايين العاملين الى عاطلين ، وهو ما يرفضه الاشتراكيون بحزم وغضب لأنه يثير اشمئزازهم .

   ذلك لأن القطاع العام أداة التطور الاقتصادى الاشتراكى . والاقتصاد الاشتراكى لا يستهدف الربح بل يستهدف إشباع احتياجات الشعب المادية والثقافية المتزايدة أبدا . الإنسان هو غاية النشاط الاقتصادى فى النظام الاشتراكى . من هنا فهو لا ينظر ولايمكن أن ينظر الى قوة العمل على أنها سلعة مطروحة للبيع فى سوق النخاسة الذى يقيمه الرأسماليون لمن لايملكون إلا قوة عملهم . العمال فى النظام الاشتراكى ليس مجرد منتجين بل هم منتجون لمات يستحقونه لأنهم أنتجوه . إن عائد النشاط الاقتصادى من حقهم . بعضه يأخذونه أجورا ، وبعضه يأخذونه خدمات ، وبعضه ينمون به اقتصادهم وكل عائد إليهم عن طريق ذات الخطة الاقتصادية  التى أقامت مؤسسات الإنتاج . على ضوء هذا لاتكون الأجور المدفوعة للعاملين عبئا على تكلفة الإنتاج يحد من حجم الأرباح ، ولا تقاس بهذا المقياس ، بل هى جزء مقدم من عائد الإنتاج ذاته يتقاضاه كأجور أصحاب الحق فى عائد الإنتاج ، والربح كله ، ويقاس من حيث الكم لا بعدد النقود التى تمثله بل بالمقدرة الشرائية لهذه النقود بحيث تبقى الأجور ويجب أن تبقى ، فى كل الحالات ، بعيدا عن أى حديث عن تكلفة الإنتاج والأرباح ، كافية ليعيش العامل عيشة كريمة ومريحة . ومهما ارتفعت  الجور فإن العاملين لا يأخذون الا من أنفسهم . وتكون أحد ف أهداف القطاع العام هو تشغيل كل قادر على العمل وتحضير فرص عمل جديدة لكل قادم جديد وإلا فان صلته بالنظام الاشتراكى تكون قد انقطعت فى أهم حلقاتها .   هل يعنى هذا أن حجم العمالة فى بعض وحدات القطاع العام ليس أكثر مما يلزم اقتصاديا ؟.. أو أن على القطاع العام أن يتحول الى مكاتب يجلس فيها من لا ينتجون ، وخزائن تدفع الأجور لمن لا يعملون ؟..

   لا . إن المشكلة قائمة ، وحجم العمالة فى القطاع العام يتضخم تضخما مضطردا فيضعاف من حدة المشكلة . ولكن الخلاف كله يدور حول ماهية المشكلة ، إنها ليبست مشكلة زيادة فى حجم العمالة والأجور بل هى مشكلة نقص فى فرص العمل . ومن هذه الزاوية ينظر الاشتراكيون الى المشكلة ويحلونها . إن زيادة العاملين فى الوحدات الاقتصادية ينطوى على بطالة خفية أى أن ثمة قوة عمل غير منتجة إلا جزئيا وهو تبديد ” جزئي ” لأثمن عناصر الإنتاج : قوة العمل ، وحل هذه المشكلة لا يكون بالتبديد ” الكلى ” لقوة العمل بفصل العاملين أو تجميد القطاع العام عند الحد الذى وصل إليه وترك الخريجين الجدد من معاهد التعليم يتسكعون على أبواب القطاع الخاص يبيعون عقولهم وسواعدهم لمن يستطيع أن يدفع الثمن ويساومون على إنسانيتهم ويتنافسون فيما بينهم هروبا من البطالة لتنخفض ” أسعارهم ” الى الحد الذى يرضى الرأسماليين . لا ، إن هذا لن يكون إنما يكون الحل بالتوسع فى القطاع العام ، بمزيد من المؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية لتظل فرص العمل دائما أكثر من قوة العمل المتاحة . ولن يكون هذا ممكنا إلا بدعم القطاع العام وتنشيطه وامتداده الى مجالات من النشاط الاقتصادى ما تزال مغلقة دونه ، عند ئذ يجد كل قادر على العمل أفضل الفرص المتفقة مع كفاءته . وبينما يزداد حجم العمالة ، وتزداد الأجور ، ويزيد الانتاج ، تقل البطالة الخفية ، فتقل تكلفة الانتاج .

   وهكذا نرى بوضوح أن تضخم حجم العمالة فى القطاع العام الى الحد الذى يمتص فيه الأجور قدرا متزايدا من العائد الاقتصادى يرجع الى تعويق أو إيقاف خطط التوسع فى نشاط القطاع العام أى أن مرجعه فى الحقيقة الى التردد فى حسم التحول الاشتراكى أو المناهضة الخفية للنظام الاشتراكى . أما إرجاع المشكلة الى أن العمال يتقاضون أكثر مما يستحقون ، وأن حلها تصفية القطاع العام أو بيعه أو فصل العاملين فيه أو قفل بابه أمام الخريجين الجدد فهو نقد مرفوض أصلا .

8ـ علاج مرفوض :

   بعد أن عدد الرأسماليون كل أوجه النقد التى عرضناها  يقترحون علاجا شاملا هو مايسمونه الانفتاح الاقتصادي ، ” والانفتاح الاقتصادى ” قد أثبت أنه علاج سحرى فعلا . فأولا يعرف أحد ماهو ككل الأشياء المسحورة . وثانيا أن مجرد ترديد اسمه قد أثر تأثيرا سحريا فى الأسعار فرفعها أضعافا فى بضعة أشهر ، فما هو الانفتاح الاقتصادى وماذا وراء الانفتاح الاقتصادى؟ وما علاقته بالقطاع العام والنظام الاشتراكى ؟.

   النظام الاشتراكى ـ كما قلنا ـ هو نظام توظيف الموارد المادية والبشرية فى مجتمع معين لتحقيق غاية اقتصادية معينة طبقا لخطة اقتصادية واحدة وشاملة ، تحصر الموارد البشرية والمادية المتاحة فى المجتمع ، ثم تتحدد لتوظيفها غاية مرحلية ثم توظف توظيفا هادفا الى تحقيق الغاية المرحلية ويسمى كل هذا خطة اقتصادية ، ولابد لنجاح الخطة ، أى خطة ، من أمرين : الأول عرفناه وهو تملك الدولة لأدوات الانتاج الأساسية حتى تستطيع من خلالها التأثير فى النشاط الاقتصادى بحيث يتجه اتجاها متفقا مع الغاية المحددة للخطة وهو دور يقوم به القطاع العام . الثانى توزيع الموارد المادية والبشرية المتاحة على مراحل التنمية . وهذا يقتضى تقرير أولويات فى الإنتاج والاستهلاك بما يعنيه هذا من تقرير تأجيل بعض أوجه الانتاج وبالتالى بعض أوجه الاستهلاك الى مراحل مقبلة ، بما يعنيه هذا أيضا من اختفاء بعض السلع الاستهلاكية فى بعض  مراحل التنمية وما يصاحب هذا الاختفاء من شعور شعبى بالحرمان .

كيف تتقرر هذه الأولويات ؟:

   بعضها يتقرر اقتصاديا بحيث يكون من الجهل بالقوانين الاقتصادية الأحجام عن تقريره ، فألف باء التنمية الاقتصادية هى التركيز على السلع الإنتاجية ثم السلع الوسيطة ثم السلع الاستهلاكية ، فعندما نرى مثلا دولة القاهرة متخمة بالسيارات قبل أن يتم فيها انتاج الحديد والصلب نستطيع أن نعرف واحدا من أسباب فشل القطاع العام فى تنفيذ الخطة الاقتصادية . لقد خضعت الخطة الاقتصادية لضغط القطاع الخاص الاستهلاكى فقفزت الى السيارات قبل أن تملك  حتى مصانع قطع الغيار ، على أى حال فإن الفشل  هو جزاء الذين يتجاهلون أو يجهلون قوانين الاقتصاد الاشتراكى . ثم تقرر الأولويات من ناحية ثانية على أساس الاحتياجات العامة ، أى طبقا لاحتياجات الشعب ككل. وهو ما يعنى أن إنتاج أو تداول كثير من السلع التى لا يحتاج إليها الا قطاع محدود من الناس يجب أن يؤجل الى أن تشبع الاحتياجات الشعبية الأكثر أهمية . ويؤدى هذا الى شعور قوى لدى القلة المترفة بالحرمان مما اعتادوا استهلاكه ولكن الاشتراكيين لا يخضعون لنزوات القلة ، لأن الاشتراكية فى جوهرها نظام الديموقراطية فى الاقتصاد .

   وعلى القطاع أن يضمن تحقيق هذين الأمرين : تملك أدوات الإنتاج الأساسية وتنفيذ الخطة الإقتصادية حسب أولوياتها . وفى الحالتين أو من أجل الأمرين كليهما لابد أن يكون ” المال ” أو ما يسمى الاستثمارات المتاحة ملكا للقطاع العام ملكية خالصة لاشريك له فيها ولا منافس . يؤثر به تأثيرا لاشك فى فاعليته فى نشاط القطاع الخاص فهو الذى يقرضه وهو الذى يشاركه وهو الذى يمده بالمواد الخام وهو الذى يشترى منتجاته ، ثم تنفذ ” بالمال ” الخطة الاقتصادية عن طريق توزيع الاستثمارات المتاحة على أوجه النشاط الاقتصادى طبقا للأولويات المقررة فى الخطة وبذلك يحول دون أن تتجه الاستثمارات الى مجالات طفيلية أو مضاربة أو متجاوزة  مراحل التخطيط الاقتصادى . من هنا فلا محل حتى للحديث عن الاشتراكية فى أى مجتمع لاتملك الدولة فيه كافة البنوك ومؤسسات الادخار والتأمين . إنها حجر الزاوية فى القطاع العام والنظام الاشتراكى . وعلى قدر حجم الاستثمارات المتاحة للقطاع العام يستطيع أن ينجز مهام التحول الاشتراكى . وتكاد تكون مشكلة الاستثمارات اعتي العقبات التى تواجه خطط التحول الاشتراكى فى المجتمعات النامية ، فالدولة لاتملك أصلا فائضا اقتصاديا توجهه للاستثمار . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن الاستثمارات التى كانت متاحة قبل التحول الاشتراكى عبارة عن رؤوس أموال فردية والرأسماليون لا يقبلون حتى إقراض الدولة . فكيف تحل المشكلة فى الدول النامية ؟.. أى كيف تحصل على رؤوس الأموال اللازمة للتنمية الاقتصادية ؟

   بالانفتاح الاقتصادى :

   أى بجذب أكبر قدر من رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل مشروعات التنمية. الى هنا لايكون ثمة خلاف حول ضرورة الانفتاح الاقتصادى على العالم كله لتوفير الأموال اللازمة للتنمية . وكل دول العالم على هذا الوجه منفتحة اقتصاديا . والواقع أنه يستحيل على أية دولة أن تغلق على نفسها حدودها مكتفية بما يقال له ” المقدرة الذاتية “. وقد بلغت استحالة الانغلاق الاقتصادى والإكتفاء الذاتى حدا فرض على الاتحاد السوفيتى أن ينفتح اقتصاديا على الولايات المتحدة الأمريكية أو أن تنفتح الولايات المتحدة الأمريكية على الاتحاد السوفيتى . لايهم ، وهو المثل الذى يحب دعاة الانفتاح الاقتصادى أن يضربوه دليلا على صحة دعواهم .

   ولكن الخلاف الجذري الذى يفرز الرأسماليين من الاشتراكيين يأتى بعد هذا . الى أين تذهب رؤوس الأموال القادمة ؟ من يقبضها ؟.. من يستثمرها؟ فى أى مجال تستثمر ؟. باختصار هل تقدم رؤوس الأموال الى الدولة لتضعها فى أوجه النشاط التى تحلو لمقدميها بقصد الحصول على ربح لابد من أن يعاد تصديره لأن رؤوس الأموال  لا تأتى هنا لتلعب  بل لتكسب ؟ هل تأتى رؤوس الأموال لتنمية الاقتصاد القومى مقابل عائد معروف أو تأتى رؤوس الأموال لتضارب على الاقتصاد القومى فتنزح منه الأرباح ؟ هل تأتى الأموال من أجل هذا الشعب أم تأتى لتستغل هذا الشعب ؟.. الإجابة على كل هذه الأسئلة متوقفة على ما اذا كانت رؤوس الأموال مطلوبة لدعم القطاع العام أم لمنافسته .

   هذا هو جوهر الأمر من الانفتاح الاقتصادى الذى يرفع الرأسماليون شعاره وليتقون حول جوهره . ذلك لأن الانغلاق الاقتصادى مستحيل . وحتى لو كان ممكنا فلم تكن مصر العربية فى أى يوم من الأيام منغلقة اقتصاديا . بل أنها استطاعت أن تجنى ثمار تضحياتها فى قيادة معارك التحرر العربى لتصبح منفتحة على كل العالم . أعنى أن الثقل السياسى الذى كسبته مصر العربية نتيجة قيادتها لمعارك التحرر العربى فرض على القوى فى العالم أن تفتح لنفسها أبوابا على القاهرة وأن تفتح أبوابها للقاهرة إذا أرادت أن تتعامل ولومع إحدى القبائل التائهة فى صحراء الجزيرة  العربية . والدليل على هذا حجم القروض والمعونات التى قدمت الى مصر العربية فمكنتها بالرغم من بنيتها الاقتصادية المتخلفة أصلا ، وبالرغم من أعباء المعارك ذاتها ، أن تقيم كل مشروعات التصنيع الطموحة وأن تبنى السدود والصناعات الثقيلة فى ذات الوقت الذى تحتفظ به بأقل أسعار لتكلفة الحياة فى العالم ، وتعيد بناء قواتها المسلحة فى فترة خيالية القصر .

   والقروض ـ أيها السادة ـ هى رؤوس الأموال الأجنبية التى لاتضارب بقصد الحصول علي ربح ، ولكن تكتفى بعائد ثابت هو الفائدة . والقروض ـ أيها السادة ـ هى رؤوس الأموال الأجنبية التى تتحول بمجرد الحصول عليها الى استثمارات تودع فى أماكنها حسب أولويات الخطة الاقتصادية . إنها ستدفع الى اصحابها مرة أخرى ، وإلى أن تدفع يتحمل الاقتصاد القومى عبء فوائدها . ولكن هذا هو الأمر بالنسبة لكل رؤوس الأموال الأجنبية . إنها أيضا أن تأتى لتنشط رأسماليا لابد من أن تحصل على ربح غير محدود تصدره ثم لابد لها من أن تعود لأصحابها إن قلت فرص الربح أو أتيحت لها فرص ربح أكبر فى أى مكان آخر من الأرض . ومع ذلك فليس من المهم أن تكون رؤوس الأموال الأجنبية فى شكل قروض ذات فوائد محددة ، فهى مقبولة حتى لو جاءت فى شكل رؤوس أموال تقيم مشروعات اقتصادية وتحصل على الربح الذى تريده . المهم أن يكون ذلك فى حدود الخطة الاقتصادية وتحت إشراف وقيادة القطاع العام هو الذى يختار لها المشروع وهو الذى يراقب ويؤمن أداءها لدورها المحدد لها فى الخطة وفى حدود علاقات العمل المقررة فى الخطة أيضا ـ فى هذه الحالة تستوى كل رؤوس الأموال الأجنبية سواء كانت قروضا أو استثمارات رأسمالية .

   فى هذه الحدود مرحبا بالانفتاح الاقتصادى وبرؤوس الأموال الأجنبية .

  وليس هذا هو الانفتاح الاقتصادى المرفوعة شعاراته من موقف ناقد للقطاع العام مناهض للنظام الاشتراكى ، أن الانفتاح الاقتصادى الذى يرفع البعض شعاراته يعنى فتح الحدود وإزالة السدود أمام رؤوس الأموال الأجنبية لتأتى فتختار مشروعاتها لتحصل على أسرع الأرباح وأوفرها بصرف النظر عما اذا كانت تلك المشروعات لازمة للتنمية الاقتصادية أم غير لازمة . ثم تأمين رؤوس الأموال تلك ضد الخسائر

وذلك باستثناء مشروعاتها من أعباء الضرائب لمدة معينة وإعفائها من علاقات العمل المقررة بل واستثنائها حتى من نفاذ بعض مواد الدستور الذى ينص على جواز  مصادرة الأموال الخاصة إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة؟.. بلى ، ولكنهم يريدون أن يكون ذلك مقصورا على الوطنيين لا الأجانب . ويخضع المواطنون لكل إجراء يقتضيه أمن الدولة أما رؤوس الأموال الأجنبية فتريد أن تكون حرة حتى من قيود أمن الدولة . باختصار أن الانفتاح الاقتصادى المرفوعة شعاراته يعنى ببساطة إتاحة الاقتصاد القومى لمضاربة الرأسماليين الأجانب وإباحة الشعب لاستغلال الرأسماليين والدليل على هذا أن قائمة كاملة من المشروعات الاقتصادية والتوسعات معروضة وماتزال معروضة على رؤوس الأموال الأجنبية ولا أحد يقدم ولا أحد يقبل . والدليل الآخر أنه منذ سنة 1961 ومصر العربية تكاد تكون محاصرة اقتصاديا من الرأسمالية العالمية ، ومن قبل اضطرت  الى القتال لمجرد إقامة مشروع السد العالي ، ومن بعد ذلك دخلت حروبا أخرى أرهقتها ، وهى تقترض بدون أن تفكر رؤوس الأموال  الأجنبية فى أن تسهم فى التنمية الاقتصادية . ” حتى الأخوة العرب ” كما يسمونهم ، ظلوا دهرا يودعون أموالهم الطائلة فى البنوك الأجنبية ، ويراقبون معاناة هذا الشعب وهو يحاول أن يتجاوز بالتنمية حدود الفقر ، ويسخرون من التخطيط والاشتراكية ، ويبشرون بخراب مصر الاقتصادى ، ولم يتذكروا أن مصر العربية فى حاجة الى استثمارات أجنبية إلا عندما ظنوا أن الفرصة قد واتتهم ليفرضوا شروطهم على هذا الشعب ، أن يصبوا فيه الأموال لينزحوا منه الربح . ولهذا فهم لا يفكرون الا فى قطاع المبانى والملاهى والسياحة وسيارات الأجرة .. الخ . لأنهم مضاربون ، أما إسهام فى التنمية الاقتصادية فلا يهم الرأسماليين فى شئ . إنهم لا يريدون ولايمكن أن يريدوا ، إلا أن يصبوا أموالهم الغزيرة فى سوق الاستهلاك المحلى لترتفع الأسعار ليبيعوا سلعهم الاستهلاكية بأثمان خيالية . ليحققوا أرباحا غير متاحة الا فى مصر ، أما أن تلك الاستثمارات غير المخططة ستخلق حالة تضخم نقدى مروعة وسترفع الأسعار رفعا جنونيا وأن الشعب هو الذى سيكتوى بنار تلك الأسعار، فكل هذا لا يخطر على بال الرأسماليين وأن خطر على بالهم فإنهم لا يبالون لأن الرأسماليين لا يريدون ولا يمكن أن يريدوا الا تحقيق أكبر قدر من الأرباح .

   الدليل الأخير أن شكل الانفتاح الاقتصادى الذى يريدونه هو إباحة استيراد وتصدير الأموال والبضائع والخدمات للأفراد أى تحطيم السد العظيم الذى يحمى التحول الاشتراكى والتنمية الاقتصادية ليغرق المجتمع فى طوفان فائض الإنتاج الأجنبى ولتسحق الصناعات الوطنية الناشئة ولتحدث كوارث اكثر من هذا خطورة . كيف ؟..

   المسألة فى منتهى البساطة ولا تحتاج الى تخصص فى علم الاقتصاد لإدراكها . فعندما تبدأ عملية التنمية الاقتصادية عن طريق التخطيط الاقتصادى فتحصى الموارد المالية والبشرية المتاحة وتوزع الأولويات على أوجه الإنتاج طبقا لإحتياجات الشعب ، يكون أحد الشروط الأساسية لإنجاح الخطة إبعاد الاقتصاد القومى عن مجالات المضاربة أى بالغاء المنافسة الحرة فى السوق . وفى فترات التحول الى الاشتراكية حيث لا تحتمل البنية الاقتصادية الإلغاء الكامل للسوق لضعف القطاع الاشتراكى الناشئ ، يكون من اللازم لزوما حيويا عزل السوق الوطنى عن السوق العالمى وذلك بأن تتولى الدولة من خلال القطاع العام احتكار التجارة الخارجية . وفى ظل احتكار التجارة الخارجية يستطيع القطاع العام أن يتحكم فى النشاط الاقتصادى فى الداخل وذلك بالتحكم فى نوع وحجم السلع والخدمات المستوردة والمصدرة بحيث تخضع جميعها نوعا وكما لاحتياجات الخطة الاقتصادية . ومن ناحية أخرى فإن احتكار التجارة الخارجية يحمى رؤوس الأموال الوطنيه من مخاطر الوقوع فى شباك التبعية للرأسمالية الأجنبية عندما ينفرد الرأسماليون الأجانب العتاة بالتعامل مع الرأسماليين الوطنيين من وراء ظهر الدولة . لهذا فإن فتح أبواب التجارة الخارجية لايعنى الا فتح  الحدود لغزو المضاربين الأجانب أو لخيانة المضاربين الوطنيين بأن يلتحم اقتصاد متخلف برأسمالية نامية  فيكون لقمة سائغة لها . قد تنميه ولكن لحسابها وعندما يحاول الإفلات تفلسه فينهار دفعة واحدة . فى مثل هذا النوع من الانفتاح الاقتصادى يكون مجرد ذكر اسم الاشتراكية عبئا مضللا . فالنظام الاشتراكى لا يسمح ولايمكن أن يسمح بتسليم الاقتصاد القومى للمضاربين فى السوق الرأسمالية الدولية ، وعندما يسمح بهذا يكون قد انتحر كنظام اشتراكى .

   لهذا ، فإننا عندما نرى أن الانفتاح الاقتصادى المرفوعة شعاراته ، لا يترجم غاياته الى مؤسسات اقتصادية منتجة أو مساهمة فى خطط التنمية أو حتى فى شكل قروض بل يركز بقوة على ” حرية ” تداول النقد والبضائع والعمل فى الخارج ، أى بحرية الاستيراد والتصدير لا نخطئ اكتشاف الخطر الداهم على الإقتصاد القومى والتحول الاشتراكى والقطاع العام من هذا الانفتاح الاقتصادى . ويكون من حقنا أن ننبه  بقوة كل الذين تمثل الاشتراكية بالنسبة لهم أملا ، وكل الذين يمثل القطاع العام بالنسبة لهم حياة كريمة وحتى كل الذين يريدون للرأسمالية الوطنية الا تغرق فى خضم السوق الدولية الى أن الانفتاح الاقتصادى لن يحمل إليكم الا الخراب الاقتصادى .

9 ـ دعوة مستحيلة :

   قلنا من قبل أن الدعوة الى تصفية القطاع العام مستحيلة التنفيذ . ولعله أصبح واضحا الآن أن تلك الدعوة لا تعنى فقط العاملين بالقطاع العام ، بل تعنى كل الاشتراكيين وكل الذين استفادوا من المكاسب الاشتراكية بل وكل الوطنيين فإذا ظهر فى جوف الظلام نفر ظنوا ـ كأهل الكهف ـ أن كل ماتم من تطور اقتصادى وتحول اشتراكى قابل للهدم لمجرد إنهم يرغبون فى هذا حقا أو انتقاما أو رغبة فى الاستغلال فإنهم واهمون . إن ملايين العمال والفلاحين والمثقفين الاشتراكيين والمواطنين لن يسمحوا لهم بهذا . لن يسمح ملايين الفلاحين بأن تنتزع منهم الأرض لتعود الى نفر يقال أنهم كانوا قد ظلموا . أن ملايين العمال الذين ارتبطت حياتهم بالقطاع العام ووجدوا فيه مصدرا كريما للرزق ، وتأمينا للعجز والشيخوخة وعلاجا مجانيا وأدوية مجانية أن يقبلوا العودة الى البطالة لمجرد أن جماعة من الرأسماليين يريدون أن يحققوا لأنفسهم أرباحا على حساب الشعب . لن يقبل ملايين التلاميذ والطلاب وأسرهم الذين بدأوا إعداد مستقبلهم على أساس أن فى القطاع العام فرصا للعمل تنتظر الخريجين كل عام إلغاء فرص حياتهم المقبلة لمجرد أن جماعة من الرأسماليين يريدون أن يحققوا لأنفسهم أرباحا على حساب الشعب . لن يقبل المثقفون الاشتراكيون أن يروا التحول الاشتراكى يضرب ويصفى . لن يقبل الوطنيون عامة بأن يوضع مستقبل مصر العربية تحت رحمة الرأسمالية العالمية التى مازالت منذ عشرين عاما تشن على مصر الحرب وتحاصرها اقتصاديا وتقاتلها بجنود إسرائيل وتحاول بكل وسيلة أن تخترق السد العظيم الذى يحول دون إغراق مصر بفائض إنتاجها ، هذا السد الذى يحاولون فتحه لها تحت شعار الانفتاح الاقتصادى .

   ما الذى سيفعله كل هؤلاء دفاعا عن القطاع العام والتحول الاشتراكى والاستقلال الوطنى ؟..

   لا أحد يعلم تماما . إنما على كل واحد أن يعلم علم اليقين أن الذين يريدون تصفية القطاع العام وإلغاء المكاسب الاشتراكية بل وإيقاف التحول الاشتراكى يلعبون بالنار لعبة خطرة فيسكتوون هم بلهيبها . وقبل أن يفوت الأوان نوجه إليهم سؤالا واحدا .

10 ـ تحالف أم صراع ؟:

   إن ما يدور الآن حول القطاع العام يستقطب الناس فكرا وغدا يستقطبهم حركة . ولو استمر فان القوى ستفرز ويعرف كل واحد رفيقه ، وتقف القوى التقدمية وجها لوجه أمام القوى الرجعية . وهذه ـ فى كل المجتمعات ـ مقدمة للصراع الاجتماعى الذى أن بدأ يوما فلا أحد يعرف كيف ستكون نهايته . وقد يكون الصراع الاجتماعى لازما لتصفية القوى الرجعية غير أن التقدميين يعرفون أنه عندما يكون الوطن ذاته فى خطر فإن عليهم أن يؤجلوا صراعاتهم الداخلية الى أن يتحقق النصر فى معارك التحرير . من أجل هذا قبلوا صيغة تحالف قوى الشعب العاملة ، ومن أجل هذا كان العمال والفلاحون هم وحدهم الذين لم يطالبوا بامتيازات نقدية أو عينيه طوال فترة الصراع الوطنى الملتهب الذى خلفته هزيمة 1967 . غير أن التحالف التزام ذو أطراف متعددة ، فإذا كان التقدميون يرون الإبقاء على التحالف وتجنب الصراع الاجتماعى الى أن يتحقق النصر فى معركة التحرير ، فإنهم لايستطيعون الوفاء بالتزامهم الوطنى هذا إلا أذا التزمه أطراف التحالف الآخرون ولايبقى للتحالف الا بقبول كل أطرافه ، أما إذا رأت طائفة من الرأسماليين انتهاز فرصة ولاء التقدميين لوطنهم والتزامهم حدود ما يقتضيه الصراع ضد الحلف الصهيوني الأمريكي ليختلسوا مكاسب لاحق لهم فيها فإن هذا سيفجر الصراع الاجتماعى حتما ، وستقع مسئوليته على الذين يحاولون الآن تفجيره .

   أم أنهم يحاولون تفجيره فعلا ليدير الشعب ظهره لمعركته المستمرة ضد الصهيونية  ليدافع عن أسباب حياته فى الداخل . إن كان الأمر كذلك فإن الدعوة المضادة للقطاع العام تأخذ أبعادا تتجاوز مضامينها الاقتصادية . ستكون انحيازا للقوى المعادية من ناحيتين الأولى نقل المعارك من جبهة سيناء الى جبهة القطاع العام ، والانفتاح على الرأسمالية لتمكينها من هزيمة  الشعب على أرضه فى مجالات حياته . وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا يثير بعض الناس معارك لايمكن أن تثار الا إذا كانت معركة التحرير قد إنتهت ؟ ألا يثير هذا الموقف الاعتقاد بأنهم فى قرارة أنفسهم قد أنهوها أو اعتبروها منتهية . وعلى أى أساس أقاموا حساباتهم فانتهوا الى أن المعركة قد انتهت؟..  لماذا ترتفع الآن أصوات فوق صوت المعركة ؟.. هل انتهت المعركة ؟..

   لا لم تنته ، ولكن الحرب قد انتقلت الى جبهة القطاع العام ، وهو فى مكان القلب من الغايات التى يريد الصهاينة والأمريكيون الإمبرياليون تصفيتها بالحروب التى يشنونها علينا منذ أن بدأ التحول الاشتراكى ، على هذا الأساس يعرف كل واحد أين موقعه ومن حلفاؤه ومن أعداؤه ويبين بأكبر قدر من الوضوح أن ليس الصهاينة وحدهم هم أعداء هذه الأمة .

 

 

 

رأسماليون وطنيون .. ورأسمالية خائنة

 

 

   إننا لانقدم بهذا الحديث صكا بالبراءة من الخيانة الى كل الرأسماليين العرب كما أننا لانقدم به دليل إدانة ، إنما نسميهم ” وطنيون ” لنتجنب الحديث فيما لايقدم ولا يؤخر فى العلاقة الموضوعية بين واقع أمتنا العربية ومصيرها التقدمى وبين النظام الرأسمالى وقواه وخيانته ، نريد بهذه التسمية أن نقول لكل الرأسماليين فى الوطن العربى ، أن نواياكم التى قد تكون حسنة ، وبواعثكم التى قد تكون شريفة ، وأخلاقكم التى قد تكون نبيلة ، وولائكم الذى قد لايكون محل شك وكل ماهو ذاتى فيكم ـ أيها الأخوة العرب ـ لايهم هذه الأمة ولايؤثر فى مصيرها وإنما الذى يهمها ويؤثر فى مصيرها هو ذلك النظام ذو القوانين الموضوعية الذى يهدد الأمة بسلب مصيرها التقدمى ونعنى به النظام الرأسمالى ، أن أحدا لايهمه أن يتهمكم بالخيانة ، ولايتمنى أحد أن تكونوا متهمين بخيانة وطنكم ، وقد يكون من بينكم وطنيون حتى النخاع ، وبرغم هذا ، فإن الرأسمالية خائنة ، ولعلكم أنتم أيها الأخوة العرب ـ أن تكونوا أول ضحاياها من حيث أنكم واقعون فى مصيدتها الأخطبوطية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  القاهرة 26 فبراير 1975

   بعد هذا يكون خطابنا الى جماهير أمتنا العربية التى يهمنا أن تعلم علم اليقين أن ” الرأسمالية ” خائنة لمصيرها التقدمى ، خائنة فى قضية التحرر ، خائنة فى قضية الوحدة ، خائنة فى قضية التقدم الاجتماعى ماديا وثقافيا ، خائنة للوطنية ذاتها . ونعنى بكلمة خائنة أن ” الرأسمالية ” مضادة ومناقضة  لتحرر أمتنا العربية ووحدتها القومية وتقدمها الاجتماعى وللوطنية ذاتها ، أو بمعنى أكثر وضوحا وقطعا . أن امتنا العربية لن تنتصر فى معارك تحررها ووحدتها وتقدمها وفى أية معركة وطنية ، لا عن طريق الرأسمالية ، ولا بالتحالف مع الرأسمالية ، ولا حتى بمهادنة الرأسمالية ، ونعنى بالرأسمالية على وجه التحديد الرأسمالية العربية المسماة وطنية .

   لماذا ؟

   أولا : فى معارك التحرر

   إن أمتنا العربية أمة متخلفة أو نامية . ونعنى بالتخلف أو النمو مدلوله الاقتصادى العلمى ، وليس التخلف النسبى ، أى تخلفنا عن أمم غيرنا . نعنى به تخلف الأمة عن توظيف واستثمار الموارد المادية والبشرية المتاحة فيها فعلا فى سبيل إشباع الحاجات المادية أو الثقافية للشعب العربى . تخلف ماهو كائن عما هو ممكن ، وهذا يعنى ـ اقتصاديا ـ أن لدى الأمة العربية فائضا خاما من الموارد والبشر متاحا ولكنه غير مستثمر ، هذا الفائض الخام غير المستثمر هو بالذات الذى يطمع فى وطننا الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية . ليس بين الشعب العربى وبين شعوب الدول الرأسمالية وشعب الولايات المتحدة الأمريكية قائدة المعسكر الرأسمالى أى تناقض أو عداء من حيث هم بشر . فلكل منا رقعة معروفة من الأرض يستطيع أن يعيش فيها كما يشاء وأن ينتج فيها مايشاء بدون عدوان أو عداء . ولكن سبب البلاء هو أن تلك الشعوب تعيش فى نظام اسمه ” النظام الرأسمالى ” ، والنظام الرأسمالى لايربط بين الانتاج كما أو نوعا وبين احتياجات تلك الشعوب ، بل يربط بين الانتاج كما ونوعا وبين الربح . هذا هو قانونه الموضوعى الذى لاعلاقة له بالنوايا والاخلاق ، فحيث الربح يتجه رأس المال . والى حيث يتاح ربح أكبريغادر رأس المال مواقعه الأولى . ويتحقق الربح والربح الأكبر بزيادة الطلب ( كثرة المستهلكين للسلع المنتجة ) وبخفض سعر التكلفة ( الحصول على المواد الخام بأسعار مخفضة ) . ثم تبقى عناصر أخرى لايهمنا الحديث عنها الآن  إذ هى عناصر منشطة لحركة الربح وليست محركة له . مايهمنا هو أن هذين العنصرين اللازمين للربح ومزيد من الربح متوافران بدون استثمار فى وطننا العربى . عندنا مائة وخمسون مليونا من البشر يمثلون طاقة استهلاكية فائقة كفيلة إذا ضمت الى سوق الاستهلاك الرأسمالى أن تنمى أرباح الرأسماليين الأمريكيين وغيرهم . وعندنا موارد ( خيالية ) غير مستثمرة أيضا ، كفيلة إذا ضمت الى الانتاج الرأسمالى أن تنمى أرباح الرأسماليين الأمريكيين وغيرهم .

والرأسماليون قد يكونون وطنيين حتى فى أمريكا ولكنهم لا يستطيعون الا أن يتبعوا خط قانون نظامهم : البحث عن مزيد من الأرباح . باختصار ، لا يستطيعون إلا أن يستولوا ـ بالطرق المناسبة وبكل الطرق الممكنة ـ على تملك أمتنا من موارد مادية وبشرية .

   لقد هددتنا الولايات المتحدة الأمريكية أخيرا بالغزو للاستيلاء عنوة على منابع النفط . وأراد الرئيس الأمريكى وبعض وزرائه تخفيف لهجة التهديد فقالوا أنه لن يتم إلا إذا وصلت الولايات المتحدة الى درجة ” الاختناق ” . وقد يبدو للبعض أن استعمال هذا التعبير ينقل الأزمة من المستوى الاقتصادى الى المستوى الانسانى وكأن أمريكا لن تحاربنا إلا دفاعا عن النفس ضد محاولة عربية لقتل الشعب الأمريكى جوعا . وهذا غير صحيح ، إن ” الاختناق ” الذى يشير إليه الرئيس الأمريكى ووزراؤه هو اختناق ” نظامهم الرأسمالى ” . والنظام الرأسمالى يختنق فعلا إذا لم يحقق أرباحا ومزيد من الأرباح . فعلينا ـ إذن ـ أن نضع موارد أمتنا تحت تصرف الرأسماليين الأمريكيين ليحققوا أرباحا وإلا فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستغزو وطننا العربى . إننا نرى أن هذا التهديد على أكبر قدر من الجدية لأن النظام الرأسمالى فى أمريكا سيحتنق فعلا ، غدا أو بعد غد ، لأسباب لاصلة لها بالنفط العربى . ولكن هذا ليس موضوع الحديث ، موضوع الحديث هو أن الذى يهددنا ويحاربنا ، الذى أنشأ اسرائيل ، ودعمها ، وأمدها بالاسلحة، ليس واحدا أو آخر من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ، وليس مجلس الشيوخ الأمريكى ( الكونجرس ) أو وزارة الدفاع ( البنتاجون ) أو المخابرات المركزية . وليس ـ من باب أولى ـ الشعب الأمريكى ، بل هو على وجه التحديد ” النظام الرأسمالى ” فى  أمريكا . هذا هو عدونا . وليس كل الذين ذكرناهم من أول الرئيس الأمريكى الى آخر عميل أمريكى فى وطننا العربى إلا خدما وأدوات لهذا النظام ” العدو ” الذى يبحث عن أسباب الربح فى أرضنا العربية حتى لا يختنق ويهددنا بالغزو العنيف .

   غير أن النظام الرأسمالى لم يعد يستعمل العنف دائما وإن كان لا يتردد فى استعماله إذا لزمه ذلك ، لأن تجربة النظام الرأسمالى مع الحروب ( غير المحددة ) فى 1914 أو 1939 قد أثبتت له أن ” سعر التكلفة ” الحرب غال . ويقف المعسكر الاشتراكى وعلى رأسه الاتحاد السوفيتى المتطور “ذريا ” والصين الشعبية الصديقة المجيدة للشعب العربى عامل توازن يحول دون الحرب غير المحدودة . فلم يبق أما النظام الرأسمالى طريق الى الاستيلاء والربح الا الحروب غير المحددة ( المحسوبة بدايتها وساحتها ونهايتها ) أو التهديد بها ، وإما بفرض التبعية الاقتصادية على المجتمعات التى تريد الرأسمالية أن تغتصب مواردها لتربح .

   كيف تتم هذه التبعية ؟

   الآن ، ليس بالاستيلاء على الموارد الاقتصادية أو السوق الوطنية عنوة ، فإن ثمن ” الحراسة ” غال كما قلنا ، ولكن التبعية تتم بالحاق الموارد الاقتصادية والسوق الوطنى فى المجتمع التابع بموارد سوق الدولة الرأسمالية المتبوعة . بمعنى آخر توسيع دائرة النشاط الرأسمالى ، إنتاجا ومبادلة واستهلاكا ، فى الدولة المتبوعة ليشمل المجتمع التابع . ويتحقق هذا التوسيع أو الامتداد أو الاحتواء أو الإلحاق أو أى تعبير يدل على اخضاع المجتمعين ، التابع والمتبوع ، لقانون اقتصادى واحد ، بطرق ” فنية ” مختلفة ومتكاملة . منها ـ مثلا ـ إقامة مؤسسات اقتصادية أو مالية أو خدمات ” مستقلة ” أو مشتركة تنشئها الرأسمالية المتبوعة فى المجتمعات التابعة بشروط تسهل لها نزح الأرباح الى الدول المتبوعة . وقد كان هذا هو النموذج التقليدى . غير أن ثمة نموذجا حديثا  يجرب الآن لأول مرة  على نطاق واسع فى الوطن العربى ، إنه افساح المجال وتشجيع المؤسسات المالية  والاقتصادية فى المجتمعات التابعه لتنتقل الى الدولة الرأسمالية المتبوعة  وتنشط هناك مستقلة أو عن طريق المشاركة فى النشاط المالى والاقتصادى ، وكل من الطريقين يؤدى الى نتيجة واحدة : التبعية ، ذلك لأن المهم هو أن تتشابك خيوط النشاط المالى والاقتصادى وتنفتح قنوات تتسرب منها النشاطات من والى أحد المجتمعين بحيث تصبح البنية الاقتصادية الأضعف نسبيا ( المتخلفة ) تابعة فى نموها للبنية الاقتصادية الأقوى ( المتقدمة ) . ولما كان كل هذا لايتم عنوة فإنه يحتاج فى إتمامه  الى ” إرادة وطنية ” ، قد تكون حسنة النية بل فى الغالب أن تكون حسنة النية إذ أن ” الفخ ” أوضح من أن يقع فيه غير ” الطيبين حسنى النية ” وتجد ” الإرادة الوطنية ” فى المجتمعات المتخلفة مبررات مادية من ندرة بعض السلع الاستهلاكية المترفة ومبررات فكرية فى إدارة اسطوانة الليبرالية المهترئة عن الحرية .. حرية التملك والسمسرة والمضاربة والتهريب والاستغلال . وعندما يتم كل هذا لايهم الرأسمالية تحت أى شعار تم ، ولايضيرها أن ترفع على منشآتها الاعلام ” الوطنية ” المزوقة ولا الإحتفال بأعياد الاستقلال الوطنى ، مادام الوطن وكل مافيه من موارد وكل من فيه من بشر قد أصبح جزءا تابعا ” لآلة ” صنع الأرباح الرأسمالية . كما لايهمها أبدا أن يمتد الرخاء الرأسمالى الاستهلاكى الى المجتمعات المتخلفة ، بالعكس ، إنه علامة استيلائها على السوق أيضا .

   عندما يتم هذا يصبح اى حديث عن التحرر ، والإرادة الوطنية ، والاستقلال .. كلاما فارغا ، ذلك لأن أى حاكم ناضج و ” رجل دولة ” رزين، يحاول أن يمارس إرادته الوطنية المستقلة على وجه لا يتفق مع هذه التبعية المالية والاقتصادية ، سيجد أن نفاذ الإرادة الوطنية ، فى التحليل الأخير ، يعنى إعادة توظيف  الموارد المالية أو البشرية على وجه لا يتفق مع مصالح الرأسمالية المسيطرة . فيجد نفسه أما خيار رهيب : إما قطع علاقة التبعية التى نمت وإعادة  البناء الاقتصادى من جديد وهى ثورة كاملة لابد لها من هدم كل ما قام من أطر اقتصادية رأسمالية وما يتبع هذا من أزمة انتقال الى اقتصاد جديد ، وإما أن يخضع ويركع ويقبل أن تستثمر دولته ماديا وبشريا ، لحساب قوة أجنبية .

   كل هذا تفعله وتحاول إنجازه الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قائدة المعسكر الرأسمالى ، فى وطننا العربى ، وهو موضوع الصراع القائم بين أمتنا وبين تلك الدولة الرأسمالية الباغية . وهو جوهر قضية ” التحرر العربى “.

   فأين موقع ، وموقف ، الرأسمالية العربية من هذه المعركة ؟..

إنها من حيث هى رأسمالية لابد لها من أن تخضع لقانونها : الربح ، لا تستطيع أن تفعل غير هذا وإن حاولت أفلست .. وهذا يعنى أنها ـ من حيث المبدأ ـ لا تستطيع  أن تدخل قضايا التحرر الوطنى وتكاليف معاركها فى حساباتها . فلا يبقى أمامها الا واحد من اثنين : إما أن تنافس الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة بقصد استئثارها هى ـ أى الرأسمالية العربية ـ بالسوق القومى انتاجا وتوزيعا واستهلاكا وإما أن تتعاون مع الرأسمالية العالمية وتقبل مشاركتها فى السوق القومى .

   أما عن منافسة الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، فقد كان ذلك هو ” الموقف الوطنى ” ” للرأسمالية منذ قرون ، يوم أن كانت الرأسمالية ناشئة تقود ثورة التقدم بعد سقوط الإقطاع ، وتنافس بعضها على مسرح الاستعمار العالمى ، أما الآن حيث تحول النظام الرأسمالى الى نظام عالمى إمبريالى فإن ” الرأسمالية ” الناشئة فى المجتمعات المتخلفة اقتصاديا المتحررة حديثا لا تستطيع أن تنافس الإمبريالية ولو حاولت لسحقت ، أعنى أفلست بالمفهوم الرأسمالى . فلا يبقى أمامها الا التعاون والمشاركة والاستفادة من الخبرة .. الخ ، لكى تعيش ، أى لايبقى لها إلا أن تكون هى الطرف الممثل ” للإرادة الوطنية ” الذى تحتاج إليه الرأسمالية العالمية لتستولى على الموارد المالية والبشرية فى أمتنا ، عن طريق المؤسسات المالية والاقتصادية المستقلة أو المشتركة وتشجيع الرأسمال العربى على الانتقال والمشاركة فى النشاطات الاقتصادية فى الدول الرأسمالية ، أعنى أنه لايبقى لها ، لمجرد أن تعيش كرأسمالية ، إلا أن تكون ” وسيط ” الدول الرأسمالية فى محاولتها السيطرة على أمتنا عن طريق التبعية . وهذه هى الخيانة التى لاتجدى فيها النوايا الحسنة أو البواعث الشريفة أو الأخلاق النبيلة .

   إن كان ثمة أى أخ عربى رأسمالى يشك فى هذا ، أو يزعم أنه ينشط رأسماليا ويتعاون رأسماليا ويستثمر أمواله فى الخارج رأسماليا ، ويقيم المؤسسات الرأسمالية فى وطنه ، لأن ذلك هو الطريق ـ مثلا ـ لتوفير القوة الذاتية لتحرير الأرض المحتلة فإنا نتحداه أن يعرف مع من يتعامل رأسماليا على وجه التحديد ، ستذكر أسماء لاحصر لها من الشركات المنتجة للبضائع المدنية أو للأسلحة ولكن السؤال المهم هو : من هم أصحاب هذه الشركات ، إنه لن يستطيع أن يجيب لسبب بسيط هو أن أى عربى يتعامل مع أية مؤسسة رأسمالية ” لايجرؤ ” على محاولة معرفة أصحابها الحقيقيين (المساهمين ) لأن مثل هذا السؤال لايتفق مع التقاليد الماسونية للنظام الرأسمالى ، إنه سر المهنة الذى لا يجوز افشاؤه خاصة لعربى . ذلك لأن العربى سيكتشف ، لو علم السر ، أنه من وراء واجهات مشاركة الدولة ، والشركات المركبة ، والترستات ، والكارتلات ، والأسماء التجارية المبتكرة يتعامل مع إسرائيل ، وأن أسراره هو التى يكتمها حتى عن مواطنيه ، بحجة الوطنية ، متجمعة فى أيدى أعداء وطنه .

   لاحيلة فى ” خيانة الرأسمالية ” ولا علاج لها إلا تصفيتها من الأرض العربية وإقامة حاجز حديدى دون نمو النظام الرأسمالى فى وطننا أو امتداد النظام الرأسمالى الى وطننا ، ثم مشاركة كل القوى التى تريد أن تنجو من مخاطر هذا النظام المدمر معركتها الإنسانية من أجل تصفيته فى العالم كله .

   إن مصدر الأوهام ” الوطنية ” التى تروج لها الرأسمالية العربية ، أن الأخوة العرب الرأسماليين يتجاهلون أنهم قد تعلموا اللعبة متأخرين ، بضعة قرون .

   ثانيا : معركة الوحدة

   خيانة الرأسمالية العربية للوحدة خيانة مركبة . إذ أن النظام الرأسمالى يناقض ويعادى الوحدة العربية على مستويات ثلاثة : فهو حارس التجزئة ، وهو معوق للوحدة ، وهو حليف أعدائها .

   إما أنه حارس التجزئة ، فلأن الرأسمالية العربية نشأت ، ونمت ، تاريخيا فى ظل التجزئة العربية كإمتداد  تابع للدول الرأسمالية  التى احتلت الوطن العربى وجزأته دولا . ومن هنا كانت التجزئة وماتزال ، هى الأرضية الأساسية التى حكمت وماتزال تحكم النشاط العربى الرأسمالى . ففى “حسابات ” كل رأسمالى عربى يعتبر ” اقليمه ” هو أساس نشاطه من حيث حجم الموارد وحجم السوق ونوع المنتجات واحتمالات الربح ، وأما أى اقليم عربى آخر فهو سوق ” أجنبى ” يدخل فى حسابات التوسع بعد استنفاذ طاقة السوق الأقليمى . ولما كانت الرأسمالية  العربية ناشئة وضعيفة ، و “بدائية ” فان طموحها الاقتصادى يظل مقصورا على السوق الأقليمى . وعلى هذا الأساس تتحدد أطر النشاط الرأسمالى فى كل إقليم . من هنا يعتبر استقرار الوضع الأقليمى عاملا أساسيا فى نجاح المشروع الرأسمالى العربى ، ويصبح الإبقاء على التجزئة ، وتجنب مخاطر الوحدة ، شرطا لاستقرار المشروع واطراد نمو أرباحه على ذات الأسس التى قام عليها . وتقوم الدولة الإقليمية حارسا لهذا الاستقرار ضد أية ” هزة ” قد تحدثها خطوة وحدوية ، ولا بأس بعد هذا فى أن يحاول الرأسمالى العربى “الأقليمى ” البحث عن الأرباح فى الدول العربية الأخرى . وقد يعقد اتفاقيات تعاون أو مشاركة إقتصادية ، ولكن بشرط الا يتطور هذا الى أى نوع من الوحدة حتى الوحدة الأقتصادية . نقول حتى الوحدة الاقتصادية بين الدول العربية الرأسمالية ، حيث لاوجود للحجة التى يتشدق بها الانفصاليون يتهمون بها الاشتراكية بأنها حائل دون الوحدة . بالعكس ، ستبقى الدول والدويلات الرأسمالية آخر معاقل الإقليمية حتى لو توحد باقى الوطن العربى ، لأن الرأسمالية العربية التى تنشأ وتنمو على أساس حسابات إقليمية ، والتى تعتمد المنافسة فيما بينها قانونا للنمو ، والتى تبحث دائما عن الأرباح لن تقبل هدم بنائها الأقليمى ولو من أجل رأسمالية عربية أخرى ، وعندما تتاح لها أرباح أكثر عن طريق التعامل أو المشاركة مع الرأسمالية الأجنبية حتى لو كانت إسرائيلية خفية أو مستترة ، لن تتردد لحظة ، فى أن تختار ـ ولو خفية ـ طريق قانونها الحديدى : الربح ومزيد من الربح ، وستجد عندئذ أن دولتها الاقليمية  القائمة على التجزئة ، واستقلالها بنفسها ، واستقلالا لها عن غيرها ، وحصانتها ضد التدخل فى شئونها الداخلية .. ستجد كل هذا درعا يحمى نشاطها ” الخارجى ” ولو كان خائنا .

   أما أنها معوقة للوحدة  فلأنها ـ فى حماية دولها الإقليمية ـ تملك المقدرة الاقتصادية التى تستثمرها فى الترويج للفكر الأقليمى وتغذية النفسية الانفصالية لتثبيت أساسها : التجزئة فى مواجهة جماهير فقيرة ، مطحونة ، واقعة ـ من ناحية ـ فى قبضة القهر الاقتصادى من حيث أنها تستمد رزقها اليومى من النشاط الرأسمالى ، ولاتملك ـ من ناحية أخرى ـ فائضا اقتصاديا تستطيع أن تخوض به معركة متكافئة ضد إذاعة وتلفزيون وصحف ومجلات وندوات وحفلات ورشاوى .. القوى الاقليمية  التى تمولها الرأسمالية العربية ، فهى تنمى وتثبت الانتماء الاقليمى بقدر ماتضعف وتشوه الانتماء القومى ، فتعوق نمو الحركة الجماهيرية الوحدوية .

   هذا على المستوى الفكرى ..

   أما على مستوى الممارسة فمنذ أوائل الستينات أصبحت الوحدة العربية التى تناضل من أجلها القوى القومية التقدمية هى الوحدة الاشتراكية ، وانقضى الى غير رجعة المفهوم الليبرالى الذى نشأت فى ظله وكانت تتبناه الحركة القومية العربية . لا وحدة بدون اشتراكية . هذا المنعطف التاريخى فى حركة الوحدة العربية عزل الرأسمالية العربية عن القوى الوحدوية من ناحية وعمق عداء الرأسمالية العربية للوحدة من ناحية أخرى . إذ أصبح واضحا أن الوحدة العربية لاتعنى مجرد الغاء التجزئة وإقامة دولة واحدة ، بل تعنى أيضا تصفية الرأسمالية العربية فى دولة الوحدة . وترتب على هذا أن مجرد نشوء أو بقاء نمو النظام الرأسمالى فى أى قطر عربى هو بحد ذاته حائل دون الوحدة ومعوق لحركتها . وتعرف الرأسمالية العربية هذا الموقف معرفة اليقين وتتصرف على أساسه منذ تجربتها الأولى عام 1958 وخيانتها سنة 1961 . ومن هنا لم تعد الاقليمية مجرد أساس مادى يحدد نشوء واستقرار نمو الرأسمالية العربية ، بل أصبحت سلاح دفاع ضد المد الوحدوى تستخدمه الرأسمالية العربية لضرب وتصفية أية محاولة وحدوية ، وتخون قضية امتنا العربية حفاظا على أرباحها .

   أما أن الرأسمالية العربية حليفة لأعداء الوحدة العربية ، التى تعرف الآن أنها وحدة عربية اشتراكية ، فلأن الرأسمالية العربية ـ على مستوى الصراع العالمى ـ حليفة للمعسكر الرأسمالى بحكم الالتقاء على عداء النظام الاشتراكى ، بينما الجماهير العربية وطلائعها من القوى القومية التقدمية حلفاء للقوى الاشتراكية بحكم الالتقاء على عداء النظام الرأسمالى . فى نطاق هذه المعركة العالمية تواجه الأمة العربية فى معركة فلسطين ومعارك تحررها من التبعية ، عدوا محددا هو الولايات المتحدة الأمريكية . وفى هذه المعركة تتحالف ، وتتعاون ، و ” تخدم ” الرأسمالية العربية عدونا ، ولاتستطيع أن تفعل غير هذا ، بحكم ماذكرناه من أنها أما أن تخون أو تفلس . ولما كانت الرأسمالية لاتختار الإفلاس أبدا ، وإلا لما كانت رأسمالية ، فأنها تخون فى معركة التحرر ، والتحرر شرط مسبق للوحدة . فالرأسمالية العربية إذ تخون التحرر تخون الوحدة . يضاف الى هذا ، أن ذلك الحليف ، من حيث هو دولة كبرى رأسمالية يتوقف بقاؤها على إبقاء العالم مجزْءا متخلفا لتسهل السيطرة عليه، يعادى هدف الوحدة العربية الاشتراكية عداء مصيريا . أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف يقينا أن دولة الوحدة العربية التى تضم 150 مليونا من البشر وموارد خيالية ، وتستند الى حضارة عريقة ، وتبنى مستقبلها على أساس أرقى ماوصلت اليه التجربة الاشتراكية الانسانية ، ستكون “حفار ” قبر النظام الرأسمالى عامة ، والولايات المتحدة الأمريكية “الرأسمالية ” خاصة ، ذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست الا القائد ” الجديد ” لمعركة النظام الرأسمالى  ضد الوحدة العربية التى بدأت باحتلال الوطن العربى ثم تجزئته وماتزال مستمرة . ولسنا نبالغ إذا قلنا أنه فى ظل الواقع العالمى الحالى ، يخوض النظام الرأسمالى وقيادته الأمريكية معركته المصيرية الحاسمة على الأرض العربية ، وأنه ـ عندما ينهزم ـ وتقوم دولة الوحدة الاشتراكية سيكون قيامها فاتحة عصر جديد يدفن فيه النظام الرأسمالى وقيادته .

   ذلك هو الحليف الذى اختارته الرأسمالية العربية ، ولاتستطيع الا ان تختاره حليفا ، فتخون وحدة أمتها ، بصرف النظر عن النوايا والبواعث والأخلاق .

ثالثا : التقدم الاجتماعى والثقافى

   تزعم الرأسمالية العربية أنها هى وحدها ، القادرة على حل مشكلة التخلف فى الوطن العربى .

   فهى تملك رؤوس الأموال ، وهى تملك الخبرة وهى تملك كفاءة انتقاء المشروعات وإدارتها ” بدون قيود روتينية ” أو ” بدون بيروقراطية ” ، وهى إذ تبحث عن الربح لابد لها من أن تنجح إقتصاديا فى إدارة مشروعاتها ، وأنها تملك فى هذا الربح الحافز ” الخاص ” الذى يدفعها على العمل الجاد والمثمر ، وهو حافز لايتوافر إلا إذا كان النشاط محررا من كل القيود وأخصها القيود على الملكية . ثم ـ هكذا تضيف الرأسمالية العربية الى مزاعمها ـ أنها إذ تفعل كل هذا ولو بدافع الربح ، إنما تحقق ـ حتى ولو بدون قصد

التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للمجتمع كله ، فهى تحول المواد الخام الى مواد مصنوعة ، وهى تمنح القادرين على العمل فرصا للعمل وكسب الأجور ، وهى تقدم لهم الخدمات الطبية والثقافية التى ترفع مستواهم الصحى والثقافى ، إنها هى ـ بإختصار ـ التى تحقق التقدم الاجتماعى والثقافى حتى لو كان ذلك يأتى تلقائيا كتابع لابد منه للبحث عن الأرباح . ويضربون ألف مثل للفارق بين المجتمعات الرأسمالية والمجتمعات غير الرأسمالية . الفارق فى الرخاء .

   لاشك  أن الرأسمالية ” شاطرة ” وقادرة على النشاط الاقتصادى بكل فروعه ، من أول الإنتاج الى التوزيع ، الى تحديد الأسعار ، الى التخزين ، الى التحكم فى السوق ، الى المضاربة  الى التهرب من الضرائب .. الخ . وأنه إذا ترك المصير الاجتماعى للرأسمالية فإنها ستفعل كل شئ ماعدا الكسل والتواكل والخضوع للروتين .. وأنها ستحقق ” تقدما ” اقتصاديا واجتماعية وثقافيا .

   المشكلة كلها ليست هنا .

  المشكلة كامنة فى السؤال الأتى : من الذى سيستفيد من هذا التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ؟.. لمصلحة من تنشط الرأسمالية العربية ؟ هذا هو السؤال الذى ينساه أو يتناساه دعاة الرأسمالية العربية . أن الرأسمالية العربية ، من حيث هى ليبرالية ، لابد لها من أن تسلم بأن مقياس التقدم الاقتصادى  والاجتماعى والثقافى لايمكن أن يكون ” العائد “على ” الأقلية ” بل العائد على ” الأغلبية ” ، آمنا وسلمنا . فلننتقل بعد هذا الى مجتمعنا العربى المتخلف . الأغلبية من الشعب العربى تعيش تحت مستوى خط الفقر . على المستوى الاقتصادى تتبدد طاقاتها فى البطالة الصريحة أو المقنعة ، ويكاد متوسط دخل هذه الأغلبية أن يكون أقل متوسط فى العالم وعلى المستوى الاجتماعى تفتقد المساكن اللائقة بالإنسان ، وتفتقد الملابس اللازمة لمجرد الحفاظ على الحياة من تقلبات الطقس . وتفتقد الرعاية الصحية وتفتقد الأدوية وتفتقد المياه الصالحة للشرب ، والنور الصالح للرؤية ، والمواصلات الصالحة للأنتقال ، والأمن ضد العجز والشيخوخة ، ضد المرض ، ضد اليتم ، وعلى المستوى الثقافى ما تزال تعيش ـ تلك الأغلبية ـ فى ظلام الأمية ، هى ـ تلك الأغلبية ـ لأنها عاطلة أو فقيرة تكاد تقف مقدراتها الشرائية فى سوق الاستهلاك عند مستوى “الضروريات” وبالتالى فإن طاقتها كقوة شرائية لاتوفر للرأسمالية العربية شرط ” زيادة الطلب ومرونته ” اللازمة للتنمية الرأسمالية كما ونوعا الا فى أدنى مستوى الإنتاج . إن هذا يعنى اقتصاديا أن الرأسمالية العربية ، إذ تنتج لتربح ، لابد لها من أن تستند الى طلب استهلاكى نام ومرن وأى شريحة من البشر يدخلون السوق وهم يملكون مقدما مقدرة شرائية نامية ومتطورة ، إنه إذن سوق الأقلية ” الغنية ” الذى سيحكم الانتاج والتنمية الرأسمالية ، من حيث نوع المنتجات وكميتها .

   من هنا فإن ” الأغلبية ” العربية الفقيرة ستخرج من حسابات النشاط الاقتصادى الرأسمالى ، كقوة شرائية تحقق ربحا يقل عما تحققه القوة الشرائية للأقلية ، وبالتالى تخرج احتياجاتها من مجال النشاط الاقتصادى للرأسمالية. ستقيم الرأسمالية العربية ناطحات السحاب، وستستورد الأثاث الفاخر من إيطاليا ، وأدوات الموائد من فرنسا ، وستغرق شوارع المدن العربية بالسيارات الفارهة وتخصص ضواحيها للملاهي العامرة “بالأجساد” البيضاء المستوردة وستبيع الثلاجات والسخانات والسجاد “الإيراني” والأغذية المحفوظة وتفتح المطاعم على نمط “المكسيم” وسترهق أعصاب الشعب العربى الفقير برؤية أجمل الملابس والمجوهرات فى “فاترينات” محلاتنا الراقية ، وستملأ الصحف إعلانات وتملأ الليالى حفلات ، وستفتح البنوك تضارب على النقود وتفتح البورصات تضارب على المدخرات ، وتفتح محلات بيع البضائع بأسعارها مضاربة على احتياجات البشر.. وستنتج الأفلام وتصدر مجلات والصحف وتؤلف الكتب مضاربة على غرائز المراهقين والعجائز.. كل ما ستفعله الرأسمالية العربية، لأن كل هذا مربح. ولكن كل هذا يمثل ” التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى !! لـلأقلية.

   أما الذى لن تفعله الرأسمالية العربية ـ أبدا ـ فهى أن تنتج “للأغلبية” احتياجاتها من مساكن وملابس ومستشفيات وأدوية وتأمينات ومواصلات ومدارس وكتب ومجلات وأفلام ..” بسعر” يتفق مع مقدرتها الشرائية ،أى بدون ” مضاربة” على احتياجاتها الانسانية. والرأسماليون العرب لن يفعلوا هذا ، لا لأنهم متهمون فى نواياهم أو بواعثهم أو أخلاقهم ، بل لان الرأسمالية مرتبطة بالربح، ومزيد من الربح، ولا يمكن الا ان ترتبط به انتاجا وتوزيعا واستهلاكا ، فهى ـ فى مجتمعنا العربى المتخلف ـ لايمكن الا ان تكون نظاما من اجل “الأقلية” فتخون ـ رغم انفها ـ التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى “للأغلبية”.

أعنى تخون  التقدم  الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للشعب إذ ان الأغلبيةـ حتى فى منطق الرأسمالية الليبرالية ـ هى الشعب عندما تتناقض مصالحها مع مصالح الأقلية.

   كل هذا بدون ان نطرح آية مقولة اشتراكية، لاننا نريد ـ على وجه التحديد

تبديد أوهام التقدم الرأسمالى فى أمتنا العربية ، حتى مع إفتراض حسن النية، حتى بعيدا عن أى احتجاج بما يقدمه الحل الاشتراكى كبديل للرأسمالية. نهدم أولا أوهاما فى رؤوس بعض العرب قبل أن نبنى فيها معرفة الحل الصحيح لمشكلات التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى فى وطننا العربى . غير أن هذا لايمنع أن نشير الى أوهام الرأسمالية العربية فى حل مشكلة البطالة الظاهرة أو المقنعة .

   إن  الرأسمالية العربية إذ تنمو لابد لها من أن تكون فى حاجة نامية الى أيد عاملة ، وبالتالى فان التنمية الرأسمالية تستطيع أن تقدم فرص عمل لاولئك المنتمين الى ” الأغلبية ” ومع فرص العمل أجور وخدمات وتقدم اجتماعى وثقافى قدر احتياجات الرأسمالية لقوة العمل .. ولكن الذى تنساه الرأسمالية العربية أو تتناساه أنها قناة عمل مفتوحة الطرفين ، يدخل منها العمل كما يخرج منها ، وكما تمنح فرصا لعمل العاطلين تقذف بمن استهلكتهم من البشر الى احتياطى العاطلين . وكلما نمت الرأسمالية اتسعت قناتها وتدفقت قوة العامل من البطالة الى عمل الى بطالة . المأساة أن أولئك الذين ستقذف بهم الرأسمالية الى البطالة هم الذين قد رفعت مستوى معيشتهم قليلا وعلمتهم تقاليد الحياة فى المدن ووضعتهم على أول طريق الطموح الإنساني ثم … ألقت بهم على الأرصفة .لماذا تفعل الرأسمالية العربية هذا ؟.. لأنها رأسمالية قانونها الربح ، ولأن قوة العمل فى النظام الرأسمالى سلعة مطروحة فى سوق العمل ، ولأن قانون المنافسة هو الذى يحكم ويحدد “سعر” هذه السلعة ولأن ـ وهذا مهم ـ عرض العمل فى الوطن العربى أضعاف الطلب عليه ، فلابد لسعر ” البشر ” فى الرأسمالية العربية من أن يتدنى .

   يقال أن هذا لم يصدق فى المجتمعات الرأسمالية النامية ، فنقول ـ إن صح هذا ـ فلأنها رأسمالية نامية ومتقدمة قادرة على أن تدخل مسابقة الحياة بين عرض العمل وفرص العمل الجديدة وتزودها المستعمرات الظاهرة والخفية بفائض من الأرباح تستطيع أن ترشى به العاملين أو تحقق لهم مستوى معيشيا لائقا بالإنسان ، أما الرأسمالية العربية فلا هى نامية ولا هى متقدمة ولاتملك من أسباب الربح الا ما يقدمه لها مجتمعها المتخلف ، فلا تملك فائضا عن حاجتها المترفة لتعود فتضعه فى وعاء الفقر السائد . ويقال أن الحكومات تستطيع أن ” تتدخل ” لحماية قوة العمل بالتشريعات ، فنقول أن التدخل الوحيد الذى يعالج مشكلة كون ” العمل سلعة ” هو إخراج العمل من السوق فلا يكون محل عرض أو طلب ، يلزم أن يضمن المجتمع عملا لكل قادر على العمل ، بدون أن يطلبه ، وألا يفصل عامل لأى سبب وإن كان من الممكن أن ينقل الى عمل آخر ، هذا هو التدخل الوحيد الذى يضمن الا يكون ” البشر ” سلعا تباع وتشترى وينافس بعضها بعضا على فرص العمل المحدودة ، ويفسحون المجال لمضاربة الرأسماليين عليها كما يفعل النخاسون فى سوق الرقيق . هل تقبل الرأسمالية العربية هذا التدخل ؟ إذن فهى ليست رأسمالية . إنها تقبل تصفية ذاتها كنظام ، لأن مجرد التدخل لإخراج ” البشر ” من السوق الرأسمالى يقتضى  التدخل لتحديد ” عرض العمل ” أى فرص العمل المتاحة والممكنة نوعا وكما ، وهذا يقتضى التدخل فى تحديد مجالات الانتاج وأساليبها نوعا وكما ، وهو يقتضى بدوره أن يكون القرار الاقتصادى فى كل مؤسسة من حق الدولة وليس حق صاحبها ، وهذا قد يعنى تأميم تلك المؤسسات أى تصفية النظام الرأسمالى .

   البديل الوحيد هو أن تستولى الرأسمالية العربية على الدولة ذاتها ، عندئذ لن تتدخل الدولة لحماية أحد ، بل ستتدخل فى كل مكان ، وزمان ، ومجال ، يحقق لصاحبه السيادة الرأسمالية العربية مزيدا من الأرباح ، وتحميها بما تملك من قوة الردع قوانين ومحاكم وسجون .

   إذن ، فعلى أى وجه نظرنا الى آمال ” التقدم  الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ” فى الوطن العربى عن طريق الرأسمالية العربية ، نتبين أنها أوهام ، قد تكون مصحوبة بنوايا حسنة أو بواعث شريفة أو أخلاق نبيلة ، ولكن تبقى أوهاما ، ولايخون قضية تقدم الجماهير العربية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، أعنى لايناقضها ، شئ أكثر من الأوهام خاصة عندما تتسرب الى رؤوسها ذاتها .

 رابعا : الرأسمالية نقيض الوطنية

  على أساس علمى برجماتى  ذرائعى نفعى واقعى ـ أو ماتشاؤون تسميته ـ ناقشنا فيما سبق استحالة الوفاق أو التلفيق أو التوفيق بين الرأسمالية والوطنية فى المجتمع العربى فى هذا العصر لنقنع الجماهير العربية أولا ، ونقنع الرأسماليين العرب ثانيا ، أن المسألة ليست مسألة نوايا وبواعث وأخلاق وولاء .. بل أنها حقائق موضوعية باردة هى التى تضع الرأسمالية العربية موضع الخيانة ، أعنى التناقض ، مع المصير التقدمى لأمتنا العربية.

  وهى حقائق ليست من صنع العرب ولا اختيارهم سواء كانوا رأسماليين أو غير رأسماليين . بل هى حقائق هذا العصر ، عصر ” أممية ” القوى الرأسمالية وقدرتها الباطشة فى مواجهة ضعف الرأسمالية العربية ونشأتها الحديثة ، عصر تقدم الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية فى مواجهة أمتنا المتخلفة اقتصاديا المجزأة سياسيا المحتلة بعض أراضيها . عصر تنافس البشر وصراعهم فى الدول المتقدمة على مستويات الرخاء المتراكم بينما يتنافس البشر فى أمتنا العربية هربا من الموت جوعا .. الى آخره . كل هذا وضع الرأسمالية كنظام موضع التناقض ، أعنى الخيانة، من كل ما هو تقدمى فى الوطن العربى فهى تناقض التحرر ، وتناقض الوحدة ، وتناقض التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى لجماهير أمتنا العربية .

   غير أن كل هذه الحقائق العينية الملموسة لايمكن أن تكون بدون تفسير نظرى علمى . بل أن النظرة أو النظرية التى لاتستطيع أن تفسرها لاتستحق أن يقال لها عليه ، لأن الممارسة كما يقولون ، هى محك الصحة النظرية .

   فلماذا يناقض النظام الرأسمالى التقدم العربى ؟..

   من أين يجئ التناقض بين الرأسمالية وبين الوطنية فى أمتنا العربية ؟..

   لو بدأنا الجواب من تحليل مفهوم الرأسمالية لقيل إنما نحللها على وجه يؤدى الى إدانتها فهى مصادرة على المطلوب. لنبدأ الجواب إذن من حيث يستطيع أن يفهم حتى أكثر الرأسماليين غباء ، من الوطنية ، وهى بداية توفر لنا لجاجة وفظاظة تحدى الاشتراكية بالوطنية تحت الشعار السخيف الذى يشترك فى صياغته كل من الرأسماليين والماركسيين . الأولون يقولون نحن وطنيون فلا نريد أفكارا مستوردة . والآخرون يصكون على الوجه الآخر من ذات العملة الزائفة أن ليس الا اشتراكية علمية واحدة هى الاشتراكية الماركسية التى هى فى جوهرها ” أممية “.

   لنترك كل هذا جانبا ، ونبدأ من الاعتراف بأننا ـ كلنا ـ وطنيون ، لاشرقيون ولا غربيون ، ولانستورد أفكارا أو نظما بل نتمسك بواقعنا وما ينبثق من احتياجاته افكارا ونظما . مع ملاحظة أن النظام الرأسمالى ليس ابتكارا عربيا بل هو مستورد من جحافل الغزاة ، ومجرد أن لنا تراثا يحكم على المال السائل بالعقم الإنتاجي ويحرم الربا يعنى أننا قد استوردنا أشد النظم عداوة لتراثنا .

   على أى حال ، فإن مدخلنا الى الجواب هو الوطنية .

   والوطن كما لا يستطيع أحد أن ينكر هو تلك الرقعة الجغرافية التى تخص شعبنا تاريخيا . والوطنية هى هذا الاختصاص لشعبنا بوطننا دون أى شعب آخر ، والتحرر الوطنى هو تأمين هذا الاختصاص بحيث يكون الوطن لشعبنا وليس لأى شعب غيره . والوحدة الوطنية هى الا يستأثر أى جزء من شعبنا بجزء من وطننا ويحرم منه الباقى ” الوطنيين ” . وكلنا على هذا الوجه وطنيون . ولكن بما أن الوطن واحد ونحن متعددون ، فإن الوطنية تعنى اشتراكنا جميعا ، وكل واحد منا فى الوطن ، لكل منا حق متساو فيه ، حق شائع فى كل ذرة منه . ومن ثم يقول حتى الليبراليون أن لكل مواطن حقا مقدسا فى الإقامة فى وطنه فلا يطرد منه لأى سبب كان ، وهذا حق ، ولكن الإقامة لاتمثل وحدها ما يترتب على المشاركة فى الوطن من حقوق لأن الوطن ، ذلك الرقعة الجغرافية من أرض ونبات وجماد ومناخ هو ” مخزن ” الحياة ، أو كما يقال فى الاقتصاد ” مصادر الإنتاج المتاحة ” . وطبقا لمضمون ” المشاركة فى الوطنية ” نكون كلنا شركاء فى ملكية هذه المصادر ويكون استئثار فرد أو مجموعة من الأفراد بها أو ببعضها مناقضا للوطنية ، مصادر الإنتاج هذه لابد ـ لكى نعيش كلنا فى وطننا ـ أن تتحول الى منتجات بالوسائل المناسبة لكل منها ، ويكون استئثار فرد أو مجموعة من الأفراد بتحويلها الى منتجات مناقضا للوطنية ، ثم أن تلك المصادر التى تحولت الى منتجات ، ونحن شركاء فيها منذ البداية بحكم رابطة ” الوطنية ” تجد ترجمتها الفعلية فى أن تكون تلك المنتجات من حيث الكيف والكم ، مخصصة للاستهلاك المشترك . المشترك بمعنى أن تكون أولوية الإنتاج للحاجيات المشتركة المادية والثقافية ، التى تلزم كل فرد، والمشترك بمعنى عرضها للتداول ، وأسعارها ، وعائدها يكون للمنفعة العامة فى شكل خدمات مادية وثقافية ، ثم ـ أخيرا ـ أن الوطنية من حيث هى مشاركة تعنى أن لكل فرد حقا ” وطنيا ” فى أن يعمل فتكون البطالة مناقضة للوطنية ، وتكون السلبية مناقضا للوطنية . ويكون التغريب إجراما مناقضا للوطنية . فإذا كان ماهو مشترك بحكم الوطنية لاتكفى عناصره المتاحة التى ذكرناها إلا لتحقيق مستوى معينا من المعيشة ، يستحق منه كل واحد حسب الجهد الذى أضافه من عنده ( العمل ) للوطن ، فإن محاولة الاستيلاء على “بعض الوطن ” أرضا أو مصادر إنتاج أو عمل ، بدون عمل هو خيانة ـ أعنى مناقضة للوطنية .

   والنظام الرأسمالى ، ليس أكثر من مباراة بين البشر يستولى فيها كل قادر على ما يستطيع من ” الوطن ” مناقضا للوطنية إذ هى مشاركة بين الناس فى وطنهم المشترك . لهذا قلنا ونقول أنه لايجدى التوفيق أو التلفيق بين الرأسمالية والوطنية فهما متناقضان ، وأن الرأسماليين العرب قد يكونون “وطنيين ” على مستوى نواياهم وبواعثهم وأخلاقهم وولاءهم .. وكل ماهو ذاتى فيهم ، ولكن الرأسمالية ـ برغم كل هذا ـ ستبقى خائنة .

دفاع عن الدستور *

   تدرس الحكومة الآن صيغة مبتكرة لبيع شركات القطاع العام وذلك عن طريق تحويل قيمتها إلى ” أسهم ” وبيع تلك الأسهم لمن يستطيع أن يشترى .

   إن هذا البيع فكرة قديمة نشأت مع بدء الالتجاء الى الإقتصاد الحر الذى سمى ” الانفتاح ” ، كان يحول دون إتمامها أن شركات القطاع العام مملوكة للمؤسسات العامة وبالتالى فهى غير قابلة للبيع بذاتها لأن أموال المؤسسات العامة غير قابلة للبيع ، فرأى من رأى أنه لابد من خطوة أولى يقتل فيها المالك فتبدو شركات القطاع العام وكأنها أموال خاصة مما يجوز بيعه ، وهكذا ألغيت المؤسسات العامة تمهيدا لبيع شركاتها .

   يمكن الاعتراض على هذا الأجراء لأسباب عدة .

   أهمها على وجه الإطلاق هو الأضرار الجسيمة التى تحيق بالاقتصاد الوطنى نتيجة بيع القطاع العام مرة واحدة أو تدريجيا الى القطاع الخاص . أن التخطيط حينئذ سيكون مستحيلا وستتحول قوة إنتاج الشركات المباعة عن غايتها الأصلية وهى التنمية من أجل الرخاء الشعبى ، الى المضاربة فى السوق الحر جريا وراء أعلى ربح على حساب احتياجات المستهلك ذى القدرة المحدودة على الشراء . هذا بالإضافة الى التغير النوعى فى علاقات العمل وتحويل العمل ذاته الى سلعة تباع وتشترى ويخضع سعرها ( الأجر ) لسوق المضاربة . وما يترتب على هذا من آثار اجتماعية فادحة تمس استقرار حياة العاملين . وهى أضرار لن يعوضها أن يقال للعاملين أن لكم أولوية شراء أسهم شركاتكم فى وقت يعرف فيه القائلون ما يعانيه العاملون من أزمة طاحنة تلتهم فيه الأسعار المتزايدة كل أجورهم ولا تترك لهم فائضا ليشتروا به ، بدل ضرورات الحياة الصعبة ، أسهما فى الشركات .

   ومنذ أن  بدأت فكرة بيع القطاع العام مع ماسمى ” الانفتاح ” كان لنا شرف الدفاع عن القطاع العام تحت عنوان ” جبهة القطاع العام ” .. وفى دفاعنا نبهنا الى العلاقة العضوية بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية .. بالانفتاح على السوق الرأسمالى الإمبريالي الذى تقوده أمريكا سيحتم فتح السوق الداخلى لهذه الرأسمالية ذاتها وقواها ، ويجد قطاع كبير ومؤثر من المصريين أنفسهم مضطرين بالرغم من كل نواياهم الحسنة الى أن يتبنوا ، فى شأن القضية الوطنيه ، الخط الأمريكى للتسوية أو أن يعولوا عليه ، ومن أجل إبراز هذا المعنى الأخير قدمنا دفاعنا تحت عنوان ” رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة “..

   وهكذا كان دفاعنا عن التقدم فى مصر العربية متضمنا الدفاع عن أرض  الوطن وأموال الشعب والعاملين وحتى الرأسماليين الوطنيين .. من كل رؤية أردنا أن نوجه أنظار المسئولين الى مخاطر بيع القطاع العام أو مخاطر الانفتاح الاقتصادى على الرأسمالية .

   ولكن يبدو أن كل تلك الاعتراضات الحيوية لم تعد تجد آذانا صاغية بالرغم من عشرات الوعود العلنية بأن أحدا لن يمس القطاع العام وبالرغم من الشهادات المعلنة للدور العظيم الذى قام به القطاع العام فى تمكين مصر من إعادة بناء قواته المسلحة وتزويدها بكل ما كانت فى حاجة إليه لتحقيق نصر أكتوبر 1973 .

   فما العمل ؟..

   لندافع إذن عن القطاع العام من خلال دفاعنا عن الدستور والشرعية وسيادة القانون .. لعل الذين بأيديهم الحكم أن يستمعوا ، لأن الذين بأيديهم الحكم ببيع شركات القطاع العام لا يكفون ـ الى حد المبالغة ـ عن الحديث عن الدستور والشرعية وسيادة القانون ودولة المؤسسات .. الخ .

   من هذا المنطق نريد أن نقول لهم أنكم بحكم الدستور والشرعية وسيادة القانون لاتملكون بيع شركات القطاع العام وأنكم تعرضون أموال الشعب ، ومدخرات الذين سيشترونها للضياع ، لأنكم تبيعون ما لا تملكون التصرف فيه …

   إن الدستور ينص فى المادة 30 على أن ” الملكية العامة هى ملكية الشعب وتتاكد بالدعم المستمر للقطاع العام ” ويحدد وظيفة القطاع العام فى ذات المادة فيقول :” ويقود القطاع العام التقدم فى جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية ” ويضيف فى المادة 33 قول :” للملكية العامة حرمة . وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن طبقا للقانون باعتبارها سندا لقوة الوطن وأساسا للنظام الاشتراكى ومصدرا لرفاهية الشعب “…

   شركات القطاع العام ، إذن ، أموال عامة ومخصصة لمنفعة عامة بحكم الدستور . وعلى هذا الوجه يلزم الدستور المواطنين بحمايتها ويلزم الحكومة بدعمها ويفرض القانون الجنائى عقوبة جسيمة تصل الى الأشغال الشاقة المؤبدة على المساس بها ..

   فإذا انتقلنا من الدستور وقانون العقوبات الى القانون المدنى نجد أنه يحرم بيعها بنص صريح ، تقول المادة 87 :” تعتبر أموالا عامة العقارات والمنقولات التى للدولة أو للأشخاص  الاعتبارية العامة والتى تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم “. وتضيف :”هذه الأموال لايجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم “.

   وهكذا يتضح بجلاء قاطع أنه لايجوز التصرف ( البيع ) فى شركات القطاع العام .

   هذا هو حكم الدستور والقانون فهل نحتكم الى القضاء ؟

   إن المستشار الاستاذ بدوى حمودة رئيس المحكمة العليا التى ستقضى فى الأمر لو احتكمنا إليها سبق أن نشر مقالا فى مجلة مجلس الدولة ( السنة الثانية ) قال فيه أن شركات القطاع العام أجهزة من أجهزة الدولة الإدارية وهى لذلك من أشخاص القانون العام بل وتعتبر مؤسسات عامة وأنها مكلفة بخدمة عامة وأموالها أموال عامة . كما سبق أن حكمت المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية ( 28/12/1964 ) بأن شركات القطاع العام هى أدوات عامة ولو كانت تمارس نشاطا تجاريا أو صناعيا أو زراعيا .

   فإذا كان لا يهمكم الاقتصاد الوطنى ولاحياة العاملين فلماذا تعرضون أموال القطاع الخاص للضياع فى صفقة بيع باطلة .. ذلك القطاع الخاص العزيز الذى لاندرى ما الذى يغريه بشراء أسهم شركات يقال أنها خاسرة؟..

   آسف .. لقد إنكشف الغطاء ، ونشرت الصحف يوم 2/2/1978 أنه روعى فى الشركات المعروضة للبيع أن تكون من الشركات الرابحة .. لهذا رأينا عرض ” الملف ” كله على الرأى العام ..

 رابط تحميل الكتاب

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: