الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

رابطة العرب الوحدويين الناصريين …لماذا؟ وكيف؟ -الجزء الأول (وجهة نظر)

جمال بدرالدولة

الرابطة لماذا وكيف؟

الفصل الأول

لماذا؟

الجزء الأول

المشروع الناصري ومستحقات المراجعة

المراجعة فكرية أم تقنية؟

لقد استمر انحسار  المد القومي منذ غياب القائد جمال عبد الناصر واستثمار الفراغ التنظيمي القومي  من طرف القوى المعادية للمشروع لضرب المكاسب التي تحققت في عهد الزعيم عبد الناصر. للارتداد بالجماهير العربية  وعيا وفعلا من خلال التخريب الدعائي الذي لم يدخر جهدا للتشكيك في المسار الثوري الذي أسسته ثورة يوليو. ومن خلال اعادة النفوذ والفعل القوي للرجعية العربية بمشاريعها المناقضة وتغذية قواها لتكون لها السيطرة على مسار الأحداث في الوطن العربي.

ولسنا نشك في أن غياب التنظيم القومي الجماهيري الذي يمكن أن ينظم ويعبأ الجماهير العربية للتصدي للردة والحفاظ على المسار الثوري حتى يكتمل في مشروع فكري وتنظيمي نضالي يتعهد بتصفية واقع التجزأة والتخلف والإستعمار لصالح دولة العرب الواحدة الديمقراطية الاشتراكية كان ولا يزال السبب الرئيسي في اكتساح القوى المعادية للساحة العربية ترفد اليها من مختلف الابواب المتاحة بما فيها الدينية والعرقية والاقتصادية والسياسية. حتى دقت ساعة انتفاضة الشعب العربي على أنظمة الحكم التي فرضت عليها قهرا نظاما للحياة لا يتيح لها أي امكانية في المشاركة الفعالة في صياغة القرار وأسلوب الحياة. فكانت الابواب مفتوحة على مصراعيها للالتحام بالشعب الذي أطاح بهيبة هذه الأنظمة وقدم كل أسباب النصر في تغيير الواقع العربي لمن يستطيع ذلك. وانفتح الشعب الثائر على كل المشاريع السياسية يسمعها من مصادرها التي ظلت تعاني القمع لسنين طويلة. ثم يختار من يعتقد أن له الكفاءة في صياغة نظام جديد للحياة على أنقاض الأنظمة التي لا يزال يفكك مراكز قوتها ويتصدى لما تبقى منها من رياح تعصف بمساره الثوري.

ولم ينهمك شعبنا العربي في دراسة الفلسفات والنظريات التي تحملها التيارات السياسية التي توافدت على ساحة الاستقطاب والدعاية – ولم يكن أصلا مطلوبا منه أن يفعل ذلك-  لأسباب كثيرة منها ما هو اختياري ومنها ما أجبرته عليه ضروفه المتغيرة بسرعة رهيبة.

ولعل أهم الأسباب حسب اعتقدادي أن الشعب العربي يدرك (رغم ما يتوقعه الكثير من المحللين)  أن هذه التيارات السياسية هي تيارات الممكن وليست تيارات ومشاريع ما يجب أن يكون.

فيكفي أنها جميعا لم تصنع الثورة على الانظمة بل صنعتها جماهير من الشعب العربي بدون عناوين سياسية خطية وبدون قيادة حزبية معينة. ولم يكون دور التيارات السياسية سوى الالتحاق بالمسار الثوري في أحسن الحالات أو الاستفادة من الوضع الجديد الذي حققته الجماهير العربية لترشح نفسها لمراكز القرار والتشريع للنظام الجديد.

كل ذلك كان كافيا لكي يتعاطى الشعب العربي مع هذه التيارات السياسية على أنها مجرد بدائل ليس لديه خيار  في الانتقاء من بينها من يسلمه السلطة.

ولكن الشعب الذي يطمح في  حياة كريمة مستقرة تنسجم مع هويته ببعدها الاسلامي. لم يتردد في اختيار  القوة أو القوى السياسية الاكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والاكثر انسجاما مع هويته العربية ببعدها الاسلامي كبعد رئيسي يستحيل أن يلتحم أي تيار  سياسي مع الجماهير العربية اذا تجاهل فكرا وممارسة هذا البعد الحضاري.

وبما أن الاستقرار بالنسبة للشعوب الذي يعاني من حالة انفلات وفراغ نظامي يعني اختيار القوة الأكثر استقرارا على مستوى التنظيم والفعل الميداني (انتشار عددي ُ قوة دعائية ُ انضباط ووحدة تنظيمية….) كمقياس للقدرة على السيطرة على مجرى الواقع وتوجيهه.

وبما أن الانسجام مع البعد الاسلامي للهوية العربية يعني بيان انسجام المشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع الضوابط الحضارية التي نشأت عليها الاجيال التي تتوجه أفرادا وجماعات الى صناديق الانتخاب.  فان القوى الاخوانية كان لها الحظ الوفير في الانسجام مع هذه المقاييس من بين القوى الاخرى “الممكنة”. (رغم أن إنسجامها ظاهري ولكنه يقنع عموم الشعب بحكم تسارع الاحداث وغياب فرصة التدقيق والتمحيص)

ليس في هذا التحليل أي استنقاص لقدرة الشعب على الاختيار بل بالعكس انها الواقعية عند الشعوب. خاصة في مرحلة تاريخية على القدر المعلوم من التعقيد كما نعيشه في واقعنا العربي.

حيث يفعل تسارع الاحداث فعله في تشكيل الخيار الشعبي وفي تشكيل التجربة الثورية برمتها.

وسنكتشف عاجلا أم آجلا قدرة الشعب العربي على رصد النواقص في خياراته من خلال التجربة وعلى تغيير الاختيار بدون أي حرج عندما يصبح ذلك ضرورة لاستكمال مسار الثورة.

فالثورة لم تنتهي ولن تنتهي يخيار شعبي لم يكن في محله أو تبين فيما بعد عدم انسجامه مع حركة التقدم الثورية التي تستهدف تصفية كل العقبات التي تحول بين الشعب وبين تطوره قدراته المادية والحضارية.

ستستمر الملحمة الثورية للشعب العربي تتحسس طريق الخلاص وتبدع أدوات الخلاص من أجل بناء نظام عربي يوفر شروط الحرية والتطور للشعب العربي. وهو أمر لن يتم بمجرد انتفاضة على النظم القديمة ولن يتوقف بمجرد اختيار قوى رجعية كانت لها قدرة دعائية وتنظيمية عالية.

كان لابد من هذه المقدمة المقتضبة لنتناول موضوعا في غاية الأهمية ونعني بذلك موضوع “استحقاق المراجعة في المشروع القومي الناصري”.

بداية نحن أشرنا الى أن هناك استحقاق. وذلك لأنه عندما يكون هناك فشل في استقطاب جزء معقول العدد  من الجماهير العربية فهذا يعني أن هناك خللا معطلا يحول دون أن يلتحم التيار الناصري بالجماهير.

فهي –أي المراجعة- استحقاق للمشروع القومي الناصري لأنه أصبح واجبا لا بد أن  نؤديه تجاه المشروع كتعبير عن صدق ولائنا لما نعتقد أنه الأمل الصحيح في خلاص أمتنا العربية. فيكون تجاهل المراجعة من أجل معالجة الخلل بمثابة الموقف المعادي لخلاص أمتنا العربية.

صحيح فيما يبدو أن الآلة الإعلامية للتيارات الرجعية قد كان لها دور مهم جدا في صياغة الرأي العام الانتخابي. ولكن حجم الفشل يحملنا على الاعتقاد بأن المشكلة لا تنحصر في هذا المعطى الذي لا ننكره. تماما مثلما لا ينكر أحد إخفاق التيار الناصري في أن يجتمع على تمويل قناة تلفزية فضائية رغم توافر الكفاءات الاعلامية القومية الناصرية  التي كان ولايزال لها دور رئيسي في تنشيط بعض القنوات الفضائية المشهورة والمؤثرة.

ومما لا شك فيه أن التيار الناصري في الوطن العربي لا يفتقد الكفاءات الفكرية والتقنية والتنظيمية والنقابية وغير ذلك من الكفاءات التي يبدو –وهذا بديهي- أنها لو اجتمعت تستطيع أن تحدث فارقا في النتائج ليس فقط على المستوى الانتخابي وانما أيضا –وهذا الأهم-  على مستوى التأثير في خيار الجماهير والشد نحو نصويب المسار الثوري.

فالمراجعة استحقاق لأن النتائج كانت هزيلة بما لايدع مجالا للشك في أن جزءا كبيرا من الخلل ينحصر في عقبات داخلية وليست خارجية.  منها ما أفرزه التفاعل داخل التيار الناصري ومنها ما زرعوه فيه طواعية وقصرا وتجند من بيننا من يحرس تلك العقبات عن وعي أو جهل.

وهي بالضرورة عقبات فكرية وتنظيمية وتقنية وليس للمشاكل الذاتية أو الزعاماتية سوى نصيب قليل منها على عكس ما نردده من أن مشكلات التيار الناصري هي مشكلات الزعامة والذاتية.

فمن البديهي أنه عندما يكون هناك عجزا عن تصفية المشاكل الذاتية فان هذا يعني حتما أن هناك خلل في المؤسسة التنظيمية يصل بها الى حد الشلل في مواجهة التأثير السلبي لبعض الأفراد فيها.

انه خلل بنيوي وليست المشكلات الزعاماتية والذاتية سوى نتيجته الحتمية.

لن نستطرد في ذلك لأننا نعتقد أن التوقف عند موضوع المشاكل الذاتية والزعاماتية كان ولا يزال السبب الرئيسي في إلهاء المناضلين الناصريين عن الموضوع الأهم الذي يمكن ان يبدعوا الحلول المناسبة له ونقصد بذلك موضوع الخلل التنظيمي.

آية ذلك أن الشباب الناصري كان ولا يزال أمامهم خياران ممكنان لتصفية هذه المشكلة. فإما إقصاء هذه الزعامات ولو بالقوة لاسترداد المسار الديمقراطي داخل تنظيماتهم أو –عند العجز عن ذلك- أن يتركوا لهم مؤسساتهم مفرغة من المناضلين والكوادر السليمة ليؤسسوا ديمقراطيا تنظيماتهم أو تنظيمهم الديمقراطي. وهذا الأمر لا يتطلب سوى تطهير أنفسنا قبل تطهير المؤسسات الشللية. وتطهير أنفسنا يتم بالجرأة والقبول على العمل الجماعي. لا أكثر ولا أقل.

ولقد تطرقنا الى هذا المشكل لكي نبين أن مشكلة الزعاماتية والذاتية داخل التيار الناصري ليست هي الموضوع الرئيسي الذي تستوجبه المراجعة لأن هذه المشكلة هي نتاج لمشكلات في العمق. وأن حل مشكلات العمق سيتكفل بتمهيد الطريق بسهولة لحل المشكلات الذاتية والزعاماتية.

إذا أين تكمن جوانب المراجعة في المشروع الناصري؟

إن أول ملامح القصور في بعض الدراسات الداخلية  (التي ينتجها الناصريون) التي تتناول المشروع الناصري نقدا وتصحيحا أنها اما أن تتناول المشروع الناصري على أساس أنه مقولة فكرية خالصة. لا يغير من ملامحها المربع الذهبي الذي ندرس في اطاره الظواهر البشرية (أين؟ متى؟ كيف؟ ولماذا؟). فالمشروع الناصري يبدو من خلال هذه الدراسات فكرا مجردا يتطور ويتمظهر فوق رؤوس المناضلين وفوق رؤوس الجماهير. لا تتغير ملامحه بتغير الضروف.

واما أن تتناول المشروع الناصري كحالة نضالية بكل ما فيها من تنوع  وبكل ما فيها من ادعاءات الانتساب للمشروع الناصري من هنا وهناك. حتى أصبحنا نلاحظ مواقفا متناقضة حول بعض قضايا الأمة العربية تصدر من أطراف ومرجعيات تنظيمية وفكرية تدعي كل منها أنها ناصرية. ولكنها جميعا تمثل مكونات للمشروع القومي الناصري حسب هذا التناول (غياب الفرز في تحديد المكونات).

التناول الأول جعل المشروع الناصري يندرج في اطار المثالية العربية حيث يكون المشروع القومي الناصري هو كل ما كتبه وثبته الزعيم عبد الناصر من أول القواعد العامة للمشروع الى آخر الاجراءات الادارية  التي وقع اعتمادها في تلك الفترة  مع الاعتراض عن الاضافة والتصحيح. أو هو كل ما كتبه وانتهى اليه مفكر من المفكرين الناصريين لا اضافة ولا تصحيح.  والتناول الثاني لم يتجاوز الطابع الاحصائي التاريخي للتيار الناصري ولم يستطع أن يجمع هذا الشتات التاريخي لمكونات التيار الناصري فكريا وتنظيميا ونضاليا في مشروع موحد تجاه المستقبل فاكتفى بمتابعة ورصد استمرار التفكك من الماضي للمستقبل كأنه ثابت من ثوابت المشروع القومي الناصري.

ليس التفكك على مستوى التشتت التنظيمي فحسب بل انه قبل وبعد ذلك تفككا اقليميا أنتج مشاريعا ناصرية اقليمية المنطلق والغاية والاسلوب. حتى أنك تجد أحيانا دراسة محكمة وعميقة تؤسس للمشروع القومي الناصري ولكن على مقاس القطر الذي نبعت منه تلك الدراسة دون أن يأخذ صاحبها بعين الاعتبار  ولو محاولة اختبار صحة تلك الدراسة في الأقطار الأخرى حيث تتغير المعطيات جزئيا فلا تنسجم مع التفاصيل ذات الأصل القطري التي أوردها كقواعد عامة للمشروع القومي الناصري.

أما من ناحيتنا فإننا نعتقد أن المشروع القومي الناصري هو بمثابة وحدة من المناضلين والفكر النضالي.

انه القوميون الناصريون مع ما يحملونه من فكر قومي ناصري وبما يقدمونه في الواقع العربي من نضال يجسد مضامين هذا الفكر وينتصر لغاياته وينميه إضافة وتصحيحا مع تغير الظروف.

فالمشروع القومي الناصري هو وحدة ذات ثلاثة أبعاد

1-     البعد الفكري (الثوابت)

2-     البعد البشري (المناضلين + اللفيف البشري المتعاطف مع المشروع الناصري)

3-     البعد النضالي (تغيير الواقع في المستقبل).

هذه الوحدة ليست ثابتة في الزمان فهي تنساب مع حركة الزمان لتشهد فترات التقلص وفترات الازدهار والإبداع. وبالتالي لا تفلت من حتمية التغير كما لا تفلت من حتمية التأثير والتأثر.

هذه الوحدة نشأت مع ثورة يوليو  وتطورت فكريا وبشريا ونضاليا بما جعلها تختلف جذريا  في ملامحها عند نشأتها فأصبحت وحدوية  واشتراكية التوجه بعد أن كانت مشروع تغيير  مصري براهن على الرأسمالية الوطنية في بداية نشأتها.

وكان للزعيم عبد الناصر الدور الرئيسي في تصحيح وتنمية مضامين هذه الوحدة أثناء حركتها في الزمان. فكانت هذه الوحدة تكتسح الواقع العربي تأثيرا ونفوذا. وكان ولا يزال غياب التنظيم القومي يمثل الخلل الرئيسي الذي أدى الى تعطل حركة التصحيح والاضافة المستمرة التي هيمنت على مسار المشروع طيلة قيادة الزعيم عبد الناصر.

نحن نعتقد أن ثوابت المشروع الناصري كما تحددت من خلال تجربة المد الثوري في زمن الزعيم عبد الناصر وكما تأكدت من خلال الردة التي أصابت الأمة العربية منذ السادات الى اليوم(الردة أثبتت من خلال نتائجها الكارثية صحة المشروع القومي الناصري). تتلخص في ما يلي

1-     الانسان هو القائد لحركة التطور الاجتماعي

2-     نحن أمة عربية مكتملة التكوين تعاني مشكلات التجزئة والتخلف والاستعمار.

3-     الحل العلمي لهذه المشكلات يكون ببناء دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية.

4-     الاسلوب العلمي لتحقيق دولة العرب الواحدة هو الثورة العربية بما أنها تصفية الأنظمة الاقليمية الموجودة وبناء نظام قومي عربي.

5-     الأدات النضالية لانجاز الثورة العربية هي الحركة العربية الواحدة (التنظيم القومي).

6-      في غياب التنظيم القومي يتصدى القوميون الناصريون لمشكلات الشعب العربي بما هو متاح من امكانيات وأدوات تنظيمية ومؤسساتية يستثمرونها كمواقع نضالية للتصدي للمشكلات التي لا يتوقف تأثيرها السلبي على حياة الشعب العربي وكمواقع لتدريب وانتاج الكادر القومي الناصري ليكون مؤهلا لتأسيس والتنظيم القومي والنضال في صفوفه.

نعتقد أن هذه الثوابت هي بمثابة بطاقة الهوية القومية للمشروع القومي الناصري.

و هي بمثابة المحاور التي تدور حولها دواليب المشروع القومي الناصري في مسار تصاعدي من عمق الواقع العربي بكل مشكلاته الى رحاب الحلول الجذرية لمشكلات الامة.

وكل ما لا ينسجم مع هذا المسار لا يعتبر فكرا أو نشاطا نضاليا ناصريا حتى لو تقاطعنا معه في مراحل معينة من النضال القومي الناصري.

تلك هي ثوابت المشروع القومي الناصري التي لا تتغير بما أنها الحلول السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية لمشاكل التجزئة والتخلف والاستعمار التي لا تزال قائمة الى أن يبني الشعب العربي دولته الواحدة الديمقراطية الاشتراكية تحت قيادة تنظيمه القومي.

ولقد أثبت الارباك وتسلل القوى الرجعية الى مواقع القرار في الانظمة العربية بعد انتفاضة الشعب العربي ُ أثبت ولا  -يزال- الحاجة الملحة الى التنظيم الطليعي الذي يمكن أن يصفي الرجعية ويقود الجماهير العربية لتحقيق مسار ثوري سليم. فأجابت التجربة بأسرع من المتوقع على الادعاءات التي سادت لدى نفر من المثقفين الناصريين الذين اتخذوا قدرة الجماهير العربية على الاطاحة بأعلى هرم السلطة بدون تنظيم كحجة على أن مقولة التنظيم الطليعي تجاوزها الزمن ولم يعد هناك موجب للدعوة الى بناء الحركة العربية الواحدة بما أن الجماهير ستستطيع عفويا وبدون تنظيم طليعي أن تنجز مهام الثورة العربية.

هكذا جنبتنا التجربة الثورية عناء الحوار النظري العقيم لتبرير ضرورة التنظيم القومي بما قدمته من نتائج. رغم أن ذلك لا ينفي أن المسار الثوري قد انطلق فعلا ويجب علينا بناء وتطوير أداة الثورة العربية من أجل الالتحام القومي بالجماهير العربية ثم التموقع في مستوى القيادة التي تستكمل المسار الثوري فتحرره من الارباك الذي تحدثه الرجعية والقوى الاستعمارية وتعطيه البعد القومي عقائديا ونضاليا. وهذا يتطلب منا انتباها واقبالا على العمل المنظم حتى لا يتحول عامل الزمن الى عداد اندثار  بدل ان يكون عداد نمو فكري وتنظيمي ونضالي.

الجزء الثاني

فأين تكمن جوانب المراجعة وكيف؟

لو كان المشروع القومي الناصري مشروعا فرديا أو مشروع شلة من المناضلين تتمحور فكريا ونضاليا حول زعامة لكان صحيحا تقديم السؤال على النحو الذي أوردناه.

فستتكفل الزعامة بتحديد مكامن المراجعة كما تعتقد أو كما تريد ثم تحدد كيفية المراجعة لتقدم الى قواعدها مشروعا جديدا تلتزم به وتنفذه في أرض الواقع.

وهو خيار ينتشر في الوطن العربي داخل الحلقات الشللية إما تلبية لارادة الزعامة المهيمنة على الشلة وإما لأن هناك من فكر ودعا الى فكره فالتفت حوله شلة نصبته زعيما حتى بدون إرادته لأنه ألهمهم الحقيقة التي يمتازون بها عن باقي الشلل

ولكننا نعتقد أن السؤال ينبغي أن يقدم الكيفية على مكامن التصحيح. وذلك أن عهد البطل الذي يقود ويلهم قد ولى مع غياب الزعيم عبد الناصر. وأنه لا أمل في النصر بدون أن نبني المؤسسة الديمقراطية التي تحتضن التفاعل والإنتاج المشترك للتصور والقرار.

والمشروع القومي الناصري هو مشروع كل الذين ينتسبون اليه ملتزمين بثوابته. والانتساب واجبات وحقوق.

ومن حق كل الذين ينتسبون الى المشروع القومي الناصري أن يساهموا كل بما يستطيعون في تحديد مكامن التصحيح وتحديد البدائل التصحيحة في اطار الثوابت التي حددت ولاتزال هوية المشروع القومي الناصري ومحاور حركته التصاعدية.

ولكن تحديد مكامن التصحيح لا يمكن تأجيله الى أن يتم بناء المؤسسة التي يلتقي فيها القوميون الناصريون. فلابد من المساهمة في هذا المسار. ولكن بدون أن يفترض أي أحد أو مجموعة أن أي  رأي أو مقولة تصحيحة تصدر عن حلقة من حلقات التيار الناصري بمثابة الموقف النهائي الذي ينبغي أن تتبناه الحلقات الأخرى كإلزام يجنبها الإتهام بالجمود أو الإنحراف .

انه موقف جزء من التيار الناصري وليس موقف الاغلبية. يكتسب بذلك حق الدعوة والتفاعل ولكنه لا يكتسب حق الالزام.

على هذا الأساس فاننا نعتبر أن المراجعة والتصحيح ضرورة حتى في غياب المؤسسة الجامعة للتيار الناصري ولكنها تبقى ذات أثر فردي أو جزئي في ظل هذا الغياب. ولا يمكن الاستغناء عن المراجعة في حركة الحلقات الناصرية منفردة أو مجتمعة جزئيا فهي المحرك للفعل في الواقع بما هو ممكن. وانما سيكون هناك قصور يحول بينها وبين أن يكون لحركة التصحيح والاضافة الصادرة عنها تأثيرا قوميا يذكر.

كيف يمكن معالجة هذا القصور؟

المراجعة تكون قومية ديموقراطية.

لا شك أن المعاجة تكون بايجاد المؤسسة القومية. حيث تتفاعل كل المواقف والأطروحات لانتاج مراجعة مشتركة. وحيث يكون الإلتزام بموقف الأغلبية. وحيث يستمر الإنفتاح على الحلقات التي تلتحق بالمؤسسة في إطار الإلزام بثوابت المشروع الناصري.

ان الأسلوب القومي الديمقراطي هو الحل الوحيد الذي يجب أن نجسده تنظيميا لتفادي القصور الذي يفتك حتى بالحلقات التنظيمية الأكثر قدرة فكريا وتنظيميا ونضاليا على التأثير في الواقع.

التجسيد يتم بايجاد مؤسسة تحل التناقض بين التعدد والوحدة. إذ أنه من المثالية العقيمة أن نطالب بتصفية التنظيمات الناصرية بضربة سحرية واحدة لحساب تنظيم حزبي موحد بدون ايجاد اطار قومي يرتب عملية الانتقال من التعدد-الإشتراك الى الوحدة الحزبية.

اطار يمكن أن يبني مسار تراكمي للمراجعات والاضافات على المستوى الفكري (الاتجاه من الثوابت العقائدية الى نظرية) والمستوى البشري (استيعاب وتأطير الكادر البشري واللفيف المتعاطف) والمستوى النضالي (تطوير آداء الأدوات النضالية الممكنة وانتاج أدوات جديدة من جمعيات وتنظيمات لخوض معارك الممكن).

يكون الالتقاء على مساحة عقائدية ونضالية مشتركة مع الإلتزام بإحترام الإختلاف في مواطن الإختلاف. ثم الاتجاه جماعيا الى توسيع رقعة المشترك على حساب مساحات الاختلاف.

هذا الموقف لا يتأسس على نزوع شخصي وإنما يتأسس على الإيمان بأن الأسلوب الديمقراطي هو الأسلوب السليم والوحيد للتطور. وأن الإنتقال من التعدد إلى الوحدة هو عملية انصهار جماعية وليست إجراءا تعسفيا يفرضه الجزء على الكل. نضيف الى ذلك البعد الرابع حيث الزمان لا يتوقف والمعانات لا تتوقف ويكون من المثالية والخيانة للأمة أن نجمد كل مستحقات النضال بالممكن في انتظار بناء ما يجب أن يكون.

نحن إذا بصدد الحديث عن ضرورة إحداث مؤسسة تحتضن عملية الانصهار  لتنتهي بميلاد التنظيم القومي.

لا شك أننا لا نعني بهذه المؤسسة جبهة أو لقاءا دوريا بين القوى والأحزاب. فهي أشكال تصلح لآداء مهام نضالية محددة في معارك محددة ولكنها تظل عاجزة عن احتضان عملية الانصهار لعدة أسباب من بينها أن هذه الأشكال محدودة الآداء بغايات مرحلية تحددها معارك مرحلية. ومنها أنها تمثل نقطة تقاطع بين قيادات وخطط نضالية تعمل كل منها على استمرار وجودها كقيادة وخطة.

والتجارب أثبتت ولا تزال أن هذه الأشكال التي جربتها التنظيمات الناصرية لم تتمكن من احداث الإنصهار رغم صدق القواعد في أغلب الأحيان. وإن تم انصهار جزئي وبسهولة فذلك لأن الأطراف الملتقية أبعد ما يكون أن توصف بالمؤسسات التنظيمية.

غير أن هذه الدعوة لبناء مؤسسة قومية انتقالية ستواجه مشكلة لا يمكن تجاهلها. ذلك أن كل مجموعة من المناضلين القوميين الناصريين سيبادرون الى بناء مؤسسة تجمعهم كاطار انتقالي ويوفرون أقصى ما يمكنهم توفيره من ضمانات وامكانيات لنجاح هذه المؤسسة ويطالبون غيرهم بالانتساب اليها إعتقادا منهم أنها المؤسسة الأكثر جدارة واستحقاق لانتباه القوميين الناصريين والمساهمة فيها. وستبدأ المنافسة للإستقطاب طبقا لبروتوكولات المجاملة والدعم بين المؤسسات المختلفة ولن تلبث أن تتحول الى صراع ينهي كل الآمال في بناء مسار وحدوي انتقالي.

إن حل هذه المشكلة هو القادر على أن يحدث فارقا بين أن يكون هذا الحديث مثالية عقيمة أو  مشروع جدي وسليم لبناء المسار الوحدوي الناصري السليم.

الجزء الثالث

بداية يبدو لنا أنه من الواجب الإختيار بين مقولة تعدد المؤسسات الإنتقالية وبين مقولة وحدة المؤسسة الانتقالية.

يبدو من الوهلة الأولى أن تعدد المؤسسات الانتقالية يتناقض مع الغاية الواحدة. ونقصد يتناقض مع وحدة التنظيم القومي الذي تسعى الى تأسيسه هذه المؤسسات.

ولكن يبدو أننا بحاجة إلى مزيد من التعريف للمؤسسة الانتقالية. حتى يمكن أن نرفع بعض الغموض عن المشكلة المطروحة.

المؤسسة الانتقالية هي عبارة عن دعوة توحيدية تستهدف تأسيس التنظيم القومي تتخذ شكلا تنظيميا ذي طبيعة تنسيقية وليست طبيعة حزبية.

وعلى هذا الأساس فان نوعية آداء المؤسسة الانتقالية تختلف جذريا (ولا نقول تتناقض) مع نوعية آداء المؤسسة الحزبية.

ذلك أننا بصدد الحديث عن مؤسسة حاضنة للتفاعل يلتقي فيها المناضلون من مختلف المواقع التنظيمية بكل ما يعني ذلك من انضباط حركتهم النضالية لما تسمح به خطة العمل والنظام الداخلي المعتمد من طرف هذه التنظيمات الناصرية. وسيكون هناك تناقض حتمي اذا تصرفت المؤسسة الانتقالية بأسلوب حزبي (وبالتالي استراتيجيا حزبية تضبط كل تفاصيل حركة المناضل من خلال ضوابط وأوامر ملزمة). مما سيؤدي الى اعتبار الانتشار التنظيمي للمؤسسة الإنتقالية إختراقا للتنظيمات القائمة بدل أن يكون التقاءا عابرا  للتنظيمات ومكملا لها.

فالمؤسسة الانتقالية هي التجسيد التنظيمي للدعوة الى تأسيس الحركة العربية الواحدة. وتكتسب جميع صفاتها من أنها دعوة وليست مشروعا حزبيا. من ذلك أن الصيغة التنظيمية يجب أن تتوفر فيها المرونة المطلوبة لكي يكون المنتسب الى المؤسسة قادرا على إنجاز مهامه وإلتزاماته الحزبية أو الجمعياتية أو التنظيمية عموما والتي يفرضها إنتسابه الى التشكيلات التنظيمية الأخرى. وذلك في حدود أن لا يتناقض ذلك مع ميثاث وضوابط وغايات النضال التي تلتزم بها المؤسسة الإنتقالية.

لذلك سيكون الإنسجام هو أحد مقاييس امكانية الانتساب للموقع التنظيمي وللمؤسسة الانتقالية في آن واحد. فالانفتاح في الانتساب لابد يكون مشروط بالانسجام والا صار مصدرا لازدواجية المسار النضالي وستكون أول نتائجه المدمرة استفحال ظاهرة النفاق.

فإذا كانت المؤسسة الانتقالية هي التجسيد التنظيمي لمبدأ الدعوة لتأسيسي التنظيم القومي فإنها بذلك تمثل مسارا توحيديا يرصد العوامل المشتركة التي تدفع بالتوحيد لينميها ديمقراطيا من خلال انتاج المهام النضالية المشتركة في الاقطار وعلى المستوى القومي. فتبادر المؤسسة الانتقالية بإنتاج المبادرات المشتركة وأشكال العمل المشتركة.

فهي ليست دعوة فكرية فحسب بل وأيضا دعوة نضالية تشجع على الانخراط في التصدي للواقع من أجل الالتحام بالجماهير العربية ومن أجل تدريب وإعداد الكوادر النضالية لتأسيس التنظيم القومي. ويكون تجسيدها في مؤسسة انتقالية هو بمثابة إخراجها من نطاق الدعوة الفكرية المحضة إلى الدعوة الفكرية والنضالية التي تلتحم بالواقع لإنتاج الكادر الطليعي.

ولأن المؤسسة الإنتقالية هي التجسيد التنظيمي لتلك الدعوة وتتعامل مع المواقع التنظيمية كمصادر انتاج الكادر الطليعي. فإنها بالضرورة لا يجب أن تتعامل مع التشكيلات التنظيمية القائمة بأسلوب الإستقطاب لإفرغها من مناضليها. لأن المؤسسة الإنتقالية ليست بديلا عن هذه التنظيمات بل اضافة تغنيها وتحدث التقارب بين مناضليها.

فإذا كانت المؤسسة الانتقالية مفتوحة الإنتساب للمناضلين من مختلف التنظيمات الحزبية وغيرها  ولا تتعامل معها بأسلوب الإستقطاب المنافس فلسنا نرى مانعا من انفتاحها على أي مؤسسة إنتقالية مماثلة. ولسنا نرى من حيث المبدأ أن يكون هناك تعايش وتقاطع بين مختلف المؤسسات الإنتقالية. بل إن التقاطع مطلوب حتى تكون الخطوة التأسيسية للتنظيم القومي هي خطوة موحدة.

خلاصة ما سبق أن تعدد المؤسسات الإنتقالية هو واقع يمكن أن يفرض نفسه لأي سبب من الأسباب. فيكفي أن تبادر مجموعة من القوميين الناصريين الى تأسيس مؤسسة انتقالية نتيجة عدم العلم بوجود مؤسسة سابقة أو احتراز على ما سبق لنواجه واقع تعدد المؤسسات الانتقالية.

ولكن المباديء التي تضبط آداء المؤسسات الإنتقالية تجاه الواقع (الدعوة لتأسيس التنظيم القومي ولبناء الكادر والفكر الطليعي) وتجاه التعامل بينها (تجنب أسلوب الإستقطاب والإستقطاب المضاد والعمل على تطوير آليات عمل مشتركة) هي الضمانة الوحيدة لكي نجعل من واقع التعدد حالة صحية ذات اتجاه وحدوي تستقطب اليها أكثر ما يمكن من القوميين الناصريين.

إن تجنب التعاطي الصدامي مع التشكيلات الناصرية ومع المؤسسات الانتقالية الأخرى هو الضابط النضالي المشترك الذي يحدث الفرز بين المؤسسة الانتقالية والمؤسسات الشللية التي تدعي الدعوة لتوحيد التيار القومي الناصري من أجل بناء الحركة العربية الواحدة.

وإن كان تعدد المؤسسات الانتقالية واقع قد يكون مفروضا علينا كتيار قومي ناصري فهذا لا يعني أن نجعل حتمية التعدد مبررا لتشكيل المؤسسات بموجب وبغير موجب.

ومن سيشكل المؤسسات الانتقالية متجاهلا وجود مؤسسات سابقة أثبتت كفاءتها في انتاج مسار توحيدي سليم  فهو يبطن الرغبة في مسار شللي لن يلبث أن يثبت أنه انحراف عن الدعوة التوحيدية وكل ما على المؤسسات الأخرى أن تفعله هو الصبر حتى يتبن ذلك للمناضلين داخل هذا الإطار الشللي فيقع الفرز بين الصادقين وبين من يشتركون في هذا المرض الشللي. فالانشغال بالمهام التوحيدية أولى من استنزاف القوى في الاشتباك مع هذا الإطار. وهو في نفس الوقت تمهيد للاستيعاب السهل للصادقين في مرحلة ما بعد الوهم.

 يتبع…..

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: