الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

العلمانية واحتياجات الأمة – د. مخلص الصيادي

ماذا تعني العلمانية ؟

الجواب على هذا السؤال يجب أن نبحث عنه أولا عند العلمانيين أنفسهم كيف صاغوا، وقدموا العلمانية، وكيف فهموها وتطلعوا إليها

في كل بحث عن العلمانية سوف يواجهنا حديث عن اشتقاق هذه الكلمة في اللغة العربية، هل هي مشتقة من العلم وبالتالي هي عِلمانية ـ بكسر العين ـ، أم أنها مشتقة من العالم وبالتالي هي عَلمانية ـ بفتح العين ـ

الدكتور عادل ضاهر في  كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية” يرجعها إلى العلم باعتبار هذا هو الاشتقاق الأسلم

والدكتور عزيز العظمة في كتابه ” العلمانية من وجهة نظر مختلفة” يرجعها إلى العالم، والكتابين من أهم المراجع العربية في التعرف إلى العلمانية من داخل الصف العلماني، ولا شك أن هناك فارقا في المفهوم بين الاشتقاقين، إذ أن إرجاعها إلى العلم، يعني أن العلماني هو الذي يعتمد على العلم في فهم العالم ويدع ما سواه، والعلم هنا هو ما يعرف بالعلم المادي، أما إرجاعها إلى العالم فإنه يعني أن العلماني هو الذي يعتقد أن العالم يفهم من داخله وليس من خارجه، وأن ما فيه يغني عما سواه، ورغم هذا الفارق الذي يتصل بالتعميم والتخصيص فإن الجوهر في الأمرين واحد

وفي موسوعةويكيبيديا ” حرر معنى العلمانية على وجهيها على نحو ما ذهبنا إليه مع تدقيق  في صلة معنى المصطلح ب” الدهرية ” وأصلها في اللغات القديمة وقد جاء في الموسوعة : العَلْمانِيَّة ـ بفتح العين ـ مشتقة من الكلمة عَلْم (بفتح العين)، وهي مرادفة لكلمة عالَم. قارن الإنكليزية Laicism والفرنسية Laïcisme وهما مشتقتان من الكلمة اليونانية: Λαος/لاوُس/ “شعب”، “رعاع” أي عكس “الكهنة” وهم النخبة في الماضي. من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا الشعبية “الدنيوية”، بعكس الكهنوتية “الدينية”.

وكلمتنا العربية هي ترجمة مستعارة من السريانية لأن السريان اشتقوها أولا في لغتهم ترجمة مستعارة عن اليونانية أيضا. (قارن السريانية: /ܥܠܡܐ: عَلْما/ “العالم، الدهر، الدنيا”، فالعلماني في السريانية هو “الدنيوي، الدهري”، ولا علاقة لهذا المعنى بالعِلم (بكسر العين). ومن الجدير بالذكر أن الجذر السامي /ع ل م/ يفيد في جميع اللغات السامية معاني “الدهر، الدنيا، العالم، الزمن اللامتناهي”، إذ يجانس كلمة “العالم” عندنا كل من الكلمات السريانية: /ܥܠܡܐ: عَلْما/، والعبرية: /עולם: عُولَم/ ، وكذلك البابلية: /عَلونو/، والحبشية: /عالَم/ .. فالكلمة السريانية أعلاه ترجمة مستعارة عن اليونانية كما نرى لأن “الدنيا” من معاني الكلمة السريانية /ܥܠܡܐ: عَلْما/ أيضا.

 

إن التعاريف السابقة لكلمة العلمانية على اختلاف تجلياتها  تشير في الجوهر إلى موقف معرفي، أي أن العلمانية تقدم نظرية معرفة وتعامل مع الكون والحياة والإنسان ومجتمعه، أي أنها موقف كلي وليست رؤية جزئية لهذا الجانب أو ذاك في حياتنا،

إن العلمانية في المقام الأول ” معنية بدور الإنسان في العالم وباستقلالية هذا العقل الإنساني في سيرورة توظيف للعقل في أي من المجالات التي يوظفه فيها… والأهم من كل هذا أنها معنية بجعل دور الإنسان في العالم مشتملا على اكتشافه ـ باستقلال عن الدين ـ الغايات التي يجدر تحقيقها في هذا العالم، والوسائل القمينة بتحقيقها، إن العلمانية بهذا المعنى هي إذن موقف ابستمولوجي ” معرفي ” إلى الحد الذي تكون ضمنه موقفا من طبيعة المعرفة العملية معرفة الغايات والوسائل وعلاقتها بالمعرفة الدينية ” العظمة/ ص38

في العالم 1982عقد في لبنان مؤتمر للتيار العلماني وأصدر وثيقة ضمنها تعريفا للعلمانية استوعب المفهوم الشامل للعلمانية بشكل مكثف وواضح، وجاء في مادته الأولى تعريف للعلمانية يقول: ” العلمانية هي نظرة شاملة للعالم، أي للإنسانية جمعاء والكون كله، تؤكد استقلالية العالم بكل مقوماته وأبعاده وقيمه تجاه الدين ومقوماته وأبعاده وقيمه، كما تعني الحياد التام تجاه الدين أو الأديان المختلفة، “الصحوة الاسلامية في ميزان العقل / ص 48 ، 49  دار الفكر القاهرة 1989

إن فكرة الموقف المعرفي هنا تحتاج إلى إيضاح لأنها فكرة مركزية تتصل بالمرجعية أكثر من اتصالها بالنطاق أو بالنتائج ، فحين تكون مرجعية النظرة اعتقاد باكتفاء العالم المادي  بذاته وقدرته على تفسير نفسه، واعتباره نقطة البداية، وأفق النهاية، فإن الموقف يكون علمانيا، واعتقاد خلاف ذلك يجعل الموقف غير علماني، ولو اتفقت النتائج الجزئية أو الظرفية بين الموقف العلماني من مسألة ما والموقف غير العلماني والأمثلة توضح الفارق الجوهري بين الموقفين، كما تكشف كيف يمكن أن يظهرا وكأنهما موقف واحد في بعض الأحيان :

في مثال أول : يسعى المؤمن بالغيب وبوجود اله إلى اكتشاف قوانين الطبيعة باعتبارها قوانين أو سنن وضعها الله لهذا الكون، وأنه مأمور باكتشافها، بينما يعمل العلماني على اكتشاف هذه القوانين باعتبارها قوانين ناظمة لهذه الظاهرة أو تلك أوجدت نفسها دون موجد.

ومثال ثان : قد يتفق العلماني والمؤمن على منع الخمر أو المخدرات لكن الأول يرجع موقفه إلى أن العلم أثبت ضررها الصحي أو الاقتصادي، أما الثاني فلأن الله جل وعلا قضى بمنعها وتحريمها، آخذا في الاعتبار تلك الأسباب للمنع ـ التحريم ـ أو معرضا عنها، فالأصل لديه هو المصدر، فالتحريم صدر عن الله عز وجل، ومعرفة حكمة التحريم أمر آخر، قد يدرك وقد لا يدرك ،

ومثال ثالث : العلماني يقبل في مجتمعاتنا الإسلامية الراهنة أن يكون شكل الأسرة قائم على مؤسسة الزواج الطبيعية ” بين ذكر وأنثى ” لكنه لا يمانع أن تكون هناك أشكالا أخرى لهذه المؤسسة تجمع ذكرا مع ذكر، وأنثى مع أنثى، أو تقيم أسرة على أساس المساكنة وليس الزواج، بينما المؤمن لا يقبل بغير شكل الأسرة القائم على مؤسسة الزواج الطبيعية لأنها هي المؤسسة الشرعية الوحيدة التي قررها الدين، وجاءت بها الفطرة الإلهية، وغير ذلك شذوذ محرم يعاقب مرتكبه.

الدكتور العظمة يقدم الأساس النظري للموقف العلماني بعيدا عن الأمثلة الجزئية فيقول : ” المهم هنا هو السبب الذي يقوم عليه التحريم، إن هذا السبب هو ما يفرق بين العلماني واللاعلماني، بمعنى آخر أن المعيار لما إذا كان شخص ما علماني أم غير علماني في هذه الحالة هو ما إذا كان يتخذ من الاعتبارات العقلية من خلقية وغير خلقية أساسا أخيرا لهذا التحريم، أم أنه يتخذ من الاعتبارات الدينية أساسا أخيرا له ” العظمة ص 60

وفي الانتقال من مواقف الأفراد إلى مواقف الدولة والسلطات فيها فإن العظمة يرى أن الدولة التي تنتفي عنها صفة العلمانية هي الدولة التي يكون الدين فيها هو المرجع الأخير في كل الشؤون الروحية والزمنية، ويوضح أن الحكم على الدولة ما إذا كانت علمانية أم غير علمانية لا يستند إلى وجود سيطرة من قبل رجال الدين على مقاليد الدولة ـ كما كان الأمر في أوربا في العصور الوسطى ـ وإنما في كون النص الديني هو المرجع في الدولة ، العظمة ص 48 ، وبالتالي فإن اعتبار النص الديني” في الاسلام الشريعة الاسلامية” ، مرجعا وحيدا، أو مرجعا اساسيا، أو مرجعا من المراجع التي تعود اليها الدولة وتشريعاتها، ويستند اليها دستورها مما يخل كليا أو جزئيا بعلمانية الدولة، أو يحدد موقفها من العلمانية.

المعنى السابق الذي أوضحه اثنان من أهم مفكري العلمانية في زمننا هذا، وحدده مؤتمر العلمانيين ومفكريها جاء عليه الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه الموسوعي ” العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ” حينما عرف العلمانية الشاملة بأنها ” رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي وكلي ونهائي  تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات “الميتافيزيقية ” بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة الواحدية المادية، التي ترى أن مركز الكون كامن فيه غير مفارق أو متجاوز له  (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية ( وأن العالم بأسره مكون أساسا من مادة واحدة، لا قداسة لها، ولا تحتوي أية أسرار، وهي في حركة دائمة، لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت، هذه المادة وبحسب هذه الرؤيا تشكل كلا من الإنسان والطبيعة، فهي رؤية واحدية طبيعية مادية.

 ج1 ص220**”هذا التعريف للعلمانية الشاملة تعريف شمولي وبالتالي فإن مفرداته تحتاج إلى تفسير ، شأن كثير من الأفكار والمصطلحات التي جاء عليها الدكتور المسيري في موسوعته ، وقد دفعته هذه الحقيقة إلى وضع ملحق أتبعه الجزء الثاني من الموسوعة خصصه للتعريف بأهم المصطلحات والمفاهيم الأساسية المتواتر استخدامها في بحثه، وقد ضمت هذه 53 مصطلحا شغلت أكثر من أربعين صفحة”

التعرف إلى العلمانية من منظورها الفلسفي المعرفي يفتح أمامنا الآفاق حول تجليات العلمانية أي كيف  تتجسد العلمانية في الفكر والحياة  وما هي الوجوه التي تظهر بها  كما يراها العلمانيون أنفسهم .

الدكتور عادل ضاهر في كتابه “أسس الفلسفة العلمانية” يبسط أربعة وجوه لهذه العلمانية الفلسفية :

    ** وجها معرفيا : يتمثل في نفي الأسباب الخارجية عن الظواهر الطبيعية أو التاريخية، وفي تأكيد تحول التاريخ كله.

    **ووجها مؤسسيا يتمثل في اعتبار المؤسسة الدينية مؤسسة خاصة كالأندية والمحافل المتعددة في المجتمع.

    **ووجها سياسيا يتمثل في عزل الدين عن السياسة.(وبالتالي عن التعليم، وعن مؤسسات المجتمع المختلفة).

    **ووجها أخلاقيا قيميا يربط الأخلاق بالتاريخ والوازع بالضمير، بدل الالتزام والترهيب بعقاب الآخرة  .   د . ضاهر ص 37

باختصار فإن  العلمانية تبني نظرية المعرفة على بعد واحد هو البعد المادي، وتخضع له كل شيء في الوجود : الوجود نفسه، وتفسير وجوده، وبناه المختلفة السياسية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك بناه الروحية، وفي قلب ذلك كله الإنسان.

 وإذا كانت مجمل الأديان تقيم نظرية المعرفة من خلال مصدريها : الوحي والتجربة الإنسانية، وتتضمن هذه على نوعيها الرئيسيين : العلم بمختلف صنوفه وتراكماته وإفرازاته، والقيم بمختلف تجلياتها ومستوياتها، وبين العلم والقيم تتولد العلاقات الإنسانية وتقوم مفاهيم الجمال والأخلاق والفنون والقانون وكلها مكونات نظرية المعرفة ،

فإن العلمانية تعني من وجهة النظر المعرفية إلغاء الجانب الأول من جوانب نظرية المعرفة التي يستند إليها الفكر الديني واعتماد الجانب الثاني فقط ، جانب التجربة الإنسانية، والعقل الإنساني، والخبرة الإنسانية بمعزل تام عن الجانب الأول، وحصر هذا بالمكون المادي ونتائجه وإفرازاته، وفي هذا الإطار فإن مرجعية القيم تكون فيما تعارف وتواطأ عليه الناس، لذلك فإن القيم نسبية وبشكل مطلق يحدها الزمان والمكان، إن هذا لا يعني أن العلمانية ترفض الأخذ بأي شيء أو قيمة جاءت عن طريق الوحي أو دلت إليها الأديان، وإنما يعني بدقة أنها حين تأخذ أو تقبل شيئا من مصدر الوحي أو الدين فإنها لا تأخذه لأنه من هذا المصدر وإنما لأن الناس والمجتمع يريدان ذلك في هذه المرحلة.

والعلمانية من هذا المنظور لا تغفل أثر الدين على النفس البشرية، وأثره في تحريك المجتمعات، وأثره في حركة التاريخ، إذ أنها تقر بذلك كله، ولكنها تنظر إليه باعتباره مجموعة أساطير شكلت حيزا من ذاكرة الشعوب وتجربتها ووعيها، والتعامل معه يتم من هذا الاعتبار، والأساطير بطبيعتها ليست مجرد أوهام وأكاذيب وإنما هي تخلط الصحيح بالخيال والواقع بالرغبات، وتختزن الكثير من تجارب الشعوب وقيمها ومعارفها، ومن هنا فمن غير الجائز عند العلمانيين إغفال ذلك كله ما دام له وجود وفاعلية بين الناس، وإنما المقصود هنا تفسير هذا  الجانب وتحليل مصادره ووضعه في مكانه من نظرية المعرفة.

العلمانية هنا  تتضمن نفي القداسة عن أي شيء وعن كل شيء، فليس هناك نص مقدس، وليس هناك كتاب مقدس، وليس هناك مكات مقدس، وليس هناك شخص معصوم، وليس هناك مصدر للمعرفة خارج الإنسان نفسه وملكاته، وليس هناك غيب وعالم غيبي، أوآخرة، وحساب، أو أي شيء يتصل بهذا الجانب الذي يعطي الانسان صفة المؤمن  “فالعالم والواقع والدنيا هي مرجعية التدبير للاجتماع الإنساني والحياة والدولة، ومن ثم فإن هذه ليست في حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم، ومن وراء هذه الطبيعة … والإنسان مكتفٍ بذاته، يدبر شئونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة وليس في حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير” د محمد عمارة الوسيط في المذاهب والمصطلحات الاسلامية ص 246 نهضة مصر 2000

ومن هنا فإن اعتماد العقل والتجربة والعلم سبيلا للمعرفة لا يوفر موقفا علمانيا إلا إذا تضمن الشق الآخر من معادلة العلمانية وهو الخاص بنفي وإلغاء الوحي ورسالات السماء والأديان والإيمان بالله والآخرة، وما يدخل في هذا المجال من تشريعات وقيم والتزامات من نظرية المعرفة.

 

 بقليل من التدقيق يتضح أمامنا ـ وسنرى أمثلة لاحقة على ذلك ـ أن العلمانية في مستواها المعرفي تحولت عند اصحابها الى دين، والى هذا يذهب القطب العلماني اليهودي الأمريكي ” إرفنج إكرلستول “Irving  Kristol حين يؤكد : ( أن العلمانية رؤية دينية شاملة لها مقولاتها عن الحياة الإنسانية حاضرا ومستقبلا، وتأثيرها الفعال في العقائد الدينية التي لم تندثر بعد في هذا العصر العلماني ).

 

ولأن العلمانية موقف معرفي فإنها تعلمن كل شيء في المجتمع : تعلمن الإنتاج، والاستهلاك، والاستثمار، والتعليم، والإعلام، والصحة، والسياحة، والفنون … الخ،  أي أنها تعلمن طرفي المجتمع : المادة والإنسان، من زاوية أن الاثنين هما في الجوهر مادة، ويخضعان لقواعد التنظيم، والترشيد، والتقييم  نفسها.

 وبعيدا عن تصادم فكرة العلمنة مع فكرة الدين والإيمان، فإن آلية العلمنة هذه تفرز نفيا للدين والقيم والمؤثرات ذات المصدر غير المادي، كما أنها تنظر إلى الإنسان على أنه مكون من مكونات الطبيعة يخضع لما تخضع له الطبيعة ذاتها من قوانين وقواعد، لا يمتاز عن مكوناتها الأخرى بميزات حقيقية، ولعل في تسويق الاكتشافات الراهنة الخاصة بالجينات والشفرة الوراثية، وإمكانية تغيير وتعديل الصفات الوراثية، وفكرة الرجل الخارق “السوبر مان”، وإمكانية تصنيع إنسان آلي “روبوت”، يمتلك خصائص الإنسان وهو ما تبشر به أفلام الخيال العلمي الأمريكية، لعل في هذا كله تجسيد لما تذهب إليه العلمانية بشأن النظر إلى تشييء الإنسان واعتباره كائنا ذا بعد واحد هو البعد المادي.

الخلاصة هنا : أن العلمانية تقدم نظرية للمعرفة مغايرة للنظرية التي تقدمها الأديان، وبالتالي فإنه من زاوية نظرية المعرفة نكون أمام موقفين متعارضين : موقف علماني، وموقف غير علماني أو لنقل موقف إيماني،

 ونظرية المعرفة الإيمانية هنا أوسع مدى، وأكثر غنى،  إذ بينما تكتفي نظرية المعرفة العلمانية بنفي وجود شيء خارج عن الكون المادي، مؤثر أو غير مؤثر فيه، كما تنفي بالطبع كل حديث عن الغيب، فإن النظرية الإيمانية في المعرفة تعتبر علوم الغيب جزء أساسيا في المعرفة الإنسانية  توفرها الأديان بواسطة الرسل، وتتحدث عن نقطة البدء في وجود الكون المادي,  وتقدم أساسا أوليا لنظرية الأخلاق قاعدته الإرشاد الإلهي، وتعتبر أن الأخلاق المستندة الى هذا المصدر تنمو وتتكامل ولكنها لا تتغير وتتبدل،

إن العلمانية تخضع كل القيم التي تبدو غير مادية مثل الدين والأخلاق والعواطف للقيم المادية البحتة، فتكون نتيجة لها ومقيدة بحدودها، في حين أن النظرة الإيمانية تعتبر المادية جزءا من المكون العام،  لها حدودها وهي خاضعة لقيم أعلى تحدد مكانتها من الحياة كما تحدد آفاقها.

إننا هنا لا نتحدث عن العلمانية باعتبارها إلحادا، فهذا وإن كان صحيحا، إلا أنه موجود منذ وجدت المجتمعات البشرية، وقد حدثنا القرآن الكريم عن بعض مظاهره بسم الله الرحمن الرحيم” وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون “ الجاثية / 24   وليس صحيحا المطابقة الكلية أو الجزئية  بين الإلحاد والعلمانية ، فالإلحاد موقف من وجود الخالق وبالتالي الغيب والبعث، لكن العلمانية نظرية في تفسير الكون، وموقف في صنع الحياة، وفي  التغيير الاجتماعي تسعى لتصبغ المجتمع كله بصبغتها، والإلحاد موقف شخصي وسلبي قائم على النفي، حتى ولو شكل في النهاية تيارا، بينما العلمانية حركة فكرية ـ اجتماعيةـ شاملة.

 

إن هذا التحديد والتفريق ضروري حتى لا يذهب بنا البحث ـ ونحن نريد أن نتعرف على مولد العلمانية ـ بعيدا في التاريخ نتتبع فيه حركة الإلحاد ومفكريه، منذ التاريخ اليوناني القديم، أو ما قبل التاريخ اليوناني القديم، وصولا إلى علمانية النهضة الأوربية، ثم نضم الجميع في سلك واحد ونقول : هو تاريخ العلمانية وتجلياتها. إن من شأن هذا الخلط أن يشتت الجهد وأن يضيع الملامح الحقيقية للعلمانية .

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: