الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

الحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية

د . عصمت سيف الدولة

 

يلزم لكل حوار أن يستخدم لغة محددة الدلالة لأنها ضرورية لقطع الطرق المؤدية إلى المغالطات الفكرية . وإذا كنا نريد الوصول إلى فهم صحيح للحركة الطلابية يجب أن نحدد مانعنيه بالحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية .
أ – الحركة الطلابية جزء من الشعب
الطلاب هم جزء من الشعب في أي مجتمع . . جزء مشغول جزئياً أو كلياً بتحصيل المعرفة في معاهد التعليم ولكنه جزء غير معزول أو منعزل عن مجتمعهم أياً كان نوع الحياة التي يعيشها المجتمع ، إنهم جزء من ظاهرة إجتماعية شاملة هي مجتمعهم ذاته .
من هذه النظرة العامة لرؤية الطلاب يصح كل ما يقال من أنهم جزء لايتجزأ من المجتمع يؤثرون فيه ويتأثرون به وتحكم اتجاهاتهم الفكرية والحركية نفس القواعد التي تحكم الاتجاهات الفكرية أو الحركية لكل الناس في المجتمع ، وهذا يدحض كل ما يقال من ان على الطلاب أن يحصنوا أنفسهم ضد المؤثرات الإجتماعية خارج معاهدهم وأن يلتفتوا لدروسهم ومن هذه النظرة العامة أيضاً لايكون غريباً أن يتحرك الطلاب ضمن أية حركة إجتماعية .
لم يكن غريباً مثلاً ان يشترك الطلاب مع باقي فئات الشعب في معارك التحرر وأن يكونوا كقواعد للأحزاب التي تخوض الصراع الاجتماعي في مجتمعاتهم . ذلك لأنهم جزء من الشعب لايعزلهم عنه وعن قضاياه أنهم يتلقون العلم فترة من الوقت في معاهد معدة للتعليم ، ان هذا لايلغي روابطهم الأسرية والاجتماعية والقومية ، انهم من هذه النظرة العامة مواطنون في مجتمع لهم حقوق المواطنين وواجباتهم لايحرمهم من حقوقهم ولا يعفيهم من واجباتهم كونهم طلاب علم ، وليسوا علماء أو عاملين .
وعلى هذا لايمكن ان يكون للطلاب فلسفة طلابية خاصة بهم ومقصورة عليهم ، ذلك لأن المعرفة الفلسفية أو غير الفلسفية ذات طابع إنساني شامل ، بمعنى انها غير مقصورة على أحد .
الفكر الانساني مطروح على الكافة ، ويدعو الكافة إلى الإنتماء ، حتى لو لم يكن ينتمي إليه إلا جماعات مفرزة .
ولكن ما الذي يميز الطلاب إن لم يكن هناك فلسفة خاصة بهم .
إن الطلاب يتحركون معاً كقوة إجتماعية مفرزة ومقصورة عليهم ، إنهم يحاولون ان يلعبوا دوراً سلمياً أو ثورياً في تطوير مجتمعهم ، لابصفتهم امتداداً في داخل معاهد التعليم لقوى إجتماعية خارجية . ولكن بصفتهم قوة مستقلة بذاتها موازية للقوى الأخرى . . . وينتمي إلى الطلاب طلاب جدد ويتخرج من صفوفهم الخريجون ولكن تبقى الكتلة البشرية المتميزة التي تسمى ( طلاباً ) متصدية لدور إجتماعي تقوم به بدون توقف على حركة القوى الإجتماعية الأخرى ، هذا النشاط المستقل هو الذي حولهم إلى ظاهرة إجتماعية .

ب – نشأة الظاهرة :
هذه الظاهرة نشأت في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة أول ما نشأت ، وانتقلت إلى المجتمعات النامية التي بدأت تقيم وزناً وتحسب حساباً جاداً للحركات الطلابية . وفي هذه المجتمعات تؤدي الحركات الطلابية دوراً تقدمياً خلاقاً ، وبالرغم من كل العنف الثوري الذي قامت به الحركة الطلابية في فرنسا واليابان فإن الحركة الطلابية لم تفجر ثورة وتقودها وتنجزها إلا في الصين النامية ، وما تزال الحركة الطلابية في الوطن العربي تمثل قوة طليعية في معارك الحرية والاشتراكية والوحدة . وبينما تتعثر الحركات الطلابية في شباك التضليل الرأسمالي في المجتمعات المتقدمة اقتصادياً تتصدى الحركات الطلابية في دول العالم الثالث لدور البناء الإجتماعي الجاد منطلقة من مبدأ الرفض ذاته ، ولكن غير متوقفة عنده . ويرجع هذا الاختلاف إلى التأثير المتبادل بين الظواهر الإجتماعية في كل مجتمع على حدة ، فمن ناحية ، لاتكون الحركات الطلابية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة إلا واحدة من قوى إجتماعية نشيطة وقد لاتكون أكثرها مقدرة على النشاط .
بينما في المجتمعات النامية حيث التخلف الثقافي يشمل حركة الجماهير العريضة ، تبرز الحركة الطلابية كواحدة من أقوى وأنشط القوى المحددة المناضلة من اجل التقدم الإجتماعي .

ج – تفسير الظاهرة :
لتفسير الظاهرة الطلابية كجزء من ظاهرة اجتماعية لايمكن أن نلجأ إلى المثالية أو المادية . لماذا ؟
لأن المثالية ترجع الحركة الإجتماعية عموماً إلى فكرة خارج الإنسان تسميها القانون الطبيعي ، وعندما تحاول أن تفسر حركة الإنسان لاترجع إليه ، ولكن تطرحه على قوة خارجة لتفسر حركته .
والمادية ترجع الحركة الإجتماعية إلى واقع مادي خارج الإنسان أيضاً تسميه أدوات الإنتاج وعندما تحاول أن تفسر حركة الإنسان لاترجع إليه ، ولكن تطرحه على قوة خارجة لتفسر حركته . .
أما لماذا اختارت كل منهما الفكرة أو المادة لتفرضها على الإنسان ، فإن هذا يرجع إلى منطلقاتها الميتافيزيقية إذ أن كل من المثالية والمادية نظرية قائمة على أسس فلسفية ميتافيزيقية .
ففي المثالية يكون الفكر هو القائد المحرك للتطور الإجتماعي لأن الفكر وجد قبل المادة .
وفي المادية تكون المادة هي القائد المحرك للتطور الإجتماعي لأن المادة قد وجدت قبل الفكر .
أيهما وجد أولاً الفكر أم المادة ؟ هذا هو السؤال الميتافيزيقي الذي يتنازع الإجابة عليه كل من الفريقين . ويدعّي كل منهم أن إجابته صحيحة وإجابة الآخر خاطئة ، ولكن أحداً منهم لايستطيع ان يقدم دليلاً علمياً على خطأ رأي الآخر .
لهذا تمثل المادية والمثالية كلاهما ( جبرية عاتية ) تفرض على اإنسان مصيره سواء أراده أم لم يريده ، وتحيله إلى شيء لا إرادة له ولا حرية .
غير ان الإنسان لايقهر أبداً وهو يتعلم جيداً من خبرته ، كيف يثور ضد قاهريه وإذ بالإنسان يدرك كيف أهلكت تلك الفلسفات الجبرية مئات الملايين من البشر في المستعمرات ، أولاً في حربين متتاليتين في ربع قرن ، وأثير السؤال بعد الحرب الثانية ، هل البشرية على الطريق الصحيح ؟
وكان الواقع غير الإنساني الذي تعيشه الشعوب إجابة حية ، إن في المسيرة الحضارية كلها خطأ لايمكن تحمله إن ضحايا الجبرية ( المثالية والمادية ) لايمكن أن يذهبوا هدراً . وعلى مستوى العالم كله كان لابد من حركة تمرد إنساني ضد الاستهانة بالإنسان وإرادته وكان لابد من ثورة تحررية إنسانية ضد الجبرية مثالية كانت أم مادية .
بدأ التمرد على المستوى الفكري بمحاولة لم تنجح هي الوجودية ، التي لم تكن إلا رد فعل متطرف في الحرية للجبرية المتطرفة ، إنها تركيز قوي على الفرد ، وتجاهل كامل للمجتمع ، وكأي رد فعل ن لم تصل إلى غايتها بأن تكون فعلاً بديلاً وإن كانت قد حركت رياح التمرد في العالم كله ، وما يزال ” سارتر ” يرممها ويحاول تحريرها من سمات رد الفعل .
أما على المستوى الحركي ، فكان لابد أن يأتي من جانب أكثر القطاعات البشرية تحرراً من عبودية الحضارة الأوروبية ، إن الآباء والأمهات والأخوة الكبار واقعون نهائياً في قبضة النظم الجبرية كقادة أو موظفين أو عاملين ، إنهم مربوطون بالعجلة الدائرة بسلاسل من أجل رغيف الخبز . فبرزت حركة التمرد في أكثر قطاعات الشعوب استقلالاً عن مصادر القهر ، وهم ( الطلاب ) .
هكذا نشأت الحركة الطلابية ، طلائع ثورة عالمية ، ترفض أولاً صيغ الحياة التي لاتقيم وزناً لحرية الإنسان وإرادته وتحيله إلى شيء تتحكم فيه المثالية أو المادية .
ثم تحاول ان تصوغ الحياة في المجتمعات مستفيدة من خبرة الماضي ولكن بشرط أساسي هو الإبقاء على حرية الإنسان وإرادته في الإختيار والبناء .
وهكذا تنتصر الحركة الطلابية في كل مكان للإنسان ضد المثالية والمادية ، فهل الإنتصار للإنسان ضدهما موقف صحيح علمياً .

د – تحليل الموقف
لو تجاهلنا البحث في البداية الميتافيزيقية وكففنا عن الخلاف عن أيهما وجد أولاً الفكر أم المادة ، لوجدنا
1. أن المجتمعات قد نشأت لأول مرة بوجود الإنسان وذلك بعد ملايين السنين من بداية الوجود الذي يبحثون في كيف وجد .
2. انه منذ ان وجد الإنسان واجه ظروفه المادية
3. انه منذ ان وجد الإنسان قام بتطويع وتطوير هذه الظروف المادية لتشبع حاجاته المتجددة أبداً
4. انه من خلال الحركة الجلية بين الإنسان وظروفه صنع تقدمه وطوّر مجتمعاته
5. انه من خلال التأثير المتبادل بينه وبين ظروفه ، يتولى اإنسان بنفسه اختيار مستقبله وتحقيقه في الواقع .
فالإنسان منذ وجوده ، هو قائد حركة التطور الاجتماعي ، لا الفكرة المثالية ، ولا الظروف المادية
تلك هي خلاصة تاريخ الإنسان ببسـاطة .

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: