الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

الاصل فى حرية التفكير وحق التعبير والديموقراطية

ودع المثقفون والكتاب عام 1991وداعا فكريا ثريا عبروا عنه تعبيرا قويا دار حول حدثين قدرالمثقفون   والكتاب انهما ذوا أهمية تستحق الحوار العلنى حولهما ، اول الحدثين صدور حكم قضائى  بادانة مؤلف كتاب وناشره و موزعه .  الحدث الثانى هو فوز جبهة الانقاذ فى الجزائر  باغلبية  اصوات الناخبين  فى الجزائر فى الدور الاول . وقد كان لكل قائل قول فى احد الحدثين أو فيهما وهى اقوال متطابقة             او متعارضة  او متناقضة ولكنها جميعا صادقة ، اعنى كل من قال يعتقد ان ماقاله الحق . ولما كانت حقيقة موضوع  محددة ماهية وزمانا ومكانا لابد من ان تكون واحدة ، وان اختلف الناس وعيا بها فلا يصح من بين كل الاقوال الا قول واحد ، اولا يصح منها جميعا قول وتبقى الحقيقة غائبة . قال ابن الهيثم ؛” كل مذهبين مختلفين اما ان يكون احدهما صادقا والاخر كاذبا واما ان يكونا جميعا كاذبين ، واما ان يكونا جميعا يؤديان  الى معنى واحد وهو الحقيقة ، فاذا تحقق فى البحث وانعم فى النظر ، ظهر الاتفاق ، وانتهى الخلاف” . ولم بيخالفه احد من بعده الا اصحاب مذهب انعدام الحقيقة ، ولسنا من اتباعهم .

   ولست اريد ان اشارك  فى الجدل حول الحدثين او ماثاراه من اقوال عن حرية التفكير  والتعبير والديموقراطية . وانما اريد، مجتهدا ، ان ارد تلك الكلمات الرنانة الى اصل حقيقتها لتسهل معرفة اين الصدق واين الكذب فيما قيل ويقال عنها .

 1) نبدأ بحرية التفكير . التفكير نشاط ذهنى داخلى خاص  بصاحبه فهو قانون نوعى من قوانين الانسان ، او سنه من سننه ، ذو اثر  حتمى مثل كل القوانين .  بحيث لاىيستطيع  انسان حتى لو اراد ان يتوقف عن التفكير . من هنا يبدو ان الحديث عن ” حرية ” التفكير حديثي ذى دلاله  كالحديث عن حرية نبض القلب  وحرية التنفس . يترتب اولا على هذا ان الادعاء بامكانية  تجريم  او تحريم  او الحجر  على التفكير  عبث محض ، فلا احد  يستطيع ان يهتك السرائر او يحطم الجماجم ليطلع على مايفكر فيه الانسان فيجرمه او يحجر عليه . فان كان لابد من الحديث عن ” حرية التفكير ” فحرية التفكير  مطلقة  لاترد عليها حدود ولاقيود . ولقد حاولت محاكم التفتيش الاوروبية  فى العصور الوسطى  ان تقتحم  بالتعذيب  ضمائر  من اتهمتهم  بالكفر  واتخذت من اعترافاتهم ادلة ادانة ولكنها لم تفعل غير خداع نفسها ، اذ كان محالا  ، كما هو محال اليوم ، معرفة ما  اذا كان الاعتراف تعبيرا عن العقيدة او كان وضع حد للعذاب . واحد أحد هو الذى يعرف ما فى سرائر الخلق . وقد اراد جل جلاله ان يحرم التفتيش فى صدور الناس عما اذا كانوا مؤمنين ام كفرة  ماتداموا لم يعبروا عن كفرهم وامر بمعاملتهم تبعا لما عبروا عنه  . فقدشهد الله فى كتابه على نفر من الناس بانهم غير مؤمنين مع انهم قد اعلنوا اسلامهم ثم اقر حقهم فى ان يعاملوا كمسلمين . قال تعالى فى سورة الحجرات آية 14: قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم وان تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم ”   ومعنى ” لايلتكم من اعمالكم شيئا ” انه جل جلاله لاينقصهم من اجور اعمالهم كمسلمين شيئا . مع انهم غير مؤمنين . وقد اصبح كل هذا مسلما فى الشرائع الحديثة حيث لايسأل انسان عما يفكر فيه ولايسأل عنه مادام لم يعبر عنه .

 2) حق التعبير : التعبير هو نقل الفكرة الى الغير بأية وسيلة نقل من اول الاشارة الى العبارة المنطوقة او المكتوبة او الاذاعة … الخ . هنا مسالة جوهرية فى ادراك حقيقة التعبير.انه ليس افرازا انسانيا مثل الدموع او العرق او البول وانما هو اداة نقل فكرة من انسان الى انسان . وبالتالى لايدخل فى دلالة التعبير  الاصوات التى يناجى بها الانسان نفسه ، ولا الكتابات المحجوبة عن الغير  ولا الهذيان . وهذا النقل يحول التعبير  من نشاط فردى  الى علاقة ثنائية او جمعية حسب  الطرف المتلقى  الفكرة عن طريق التعبير عنها ، وهو ماينطوى دائما على دعوة الغير  الى الاشتراك مع صاحب  الفكرة  فىة فكرته بالتلقى او التصحيح او اعادة الصياغة وفى النهاية القبول الذى هو غاية كل تعبير . ومن هنا يتضح ـ كما نجو ـ ان حرية التعبير ليست حرية فردية  بل حرية اجتماعية ، او فلنقل  حرية كل فرد فى ان يدعو الناس فى مجتمعه الى مشاركته افكاره ،  من اين اذن جاء ذلك التقدير الذى يقارب التقديس لحرية التعبير ؟ جاء من حقيقتها الاجتماعية  وليس من حقيقتها الفردية . ذلك لان الامر من كل مجتمع  انه مجموعة قليلة او كثيرة من الافراد يعيشون معا فى واقع اجتماعى مشترك تقوم عليه حياتهم ، ويؤثر  فى حياة كل منهم من حيث الاحتياجات والامكانيات والمساهمة فى اشباع الحاجات بقدر ماتسمح الامكانيات ، ماديا وفكريا وروحيا ونفسيا أيضا فى زمان معين . من واقع  هذه المشاركة  وليس من واقع ” القدسية الفردية ” يستمد كل فرد حقا فى ان ينقل الى الاخرين افكاره عما هو كائن ومايجب ان يكون فى المجتمع الذى ينتمى اليه جزئيا او كليا ويتوقف مدى التطور فى أى مجتمع على مدى المساهمة الايجابية من كل فرد فى ان يعرف الاخرين عن طريق التعبير  الفكرة التى يدعوهم اليها خاصة بالنسبة الى المشكلات التى لايعرفها ، ولايحسن التعبير عنها ، الا من يعانونها حتى لو لم يعرفوا كيف يحلونها. البديل عن هذا هو ان تسند الى الناس مشكلات لايحسها الناس ، وتفرض عليهم حلول لاتحل مشكلاتهم التى يحسونها ، ولايكون ذلك الا بالقهر الفكرى او المادى او السياسى  الذى قد يفيد منه المستفيدون ولكنه على وجه اليقين  يبقى مشكلات الناس معلقة ويعوق تطور أى مجتمع لمصلحة الناس فيه فيقال ـ بحق ـ ان حرية التعبير مقدسة ، لانها الوسيلة الاولى  والاولية ، للحفاظ على المجتمع وحل مشكلات حياة الناس فيه وليس لان أى فرد فيه كائن مقدس .

     اكتشاف حقيقة حرية التعبير يكشف لنا بسهولة حديها:

   الحد الاول ، ان كل تجريم او تحريم او منع او قيد على تعبير الناس ، ككل الناس، فى المجتمع، أى مجتمع ، عن افكارهم هو اعتداء  على كل الناس فيه اذ يحرمهم جميعا من معرفة الحقيقة الكاملة لمشكلات حياتهم ويحجب عنهم افكارا تساعدهم سلبا او ايجابا فى معرفة حلولها الصحيحة . هنا يصبح الغير ( المجتمع) مصدر مانفضل تسميته ” حق” التعبير بدلا من حرية التعبير .

    الحد الثانى ـ الذى يتجاهله البعض فى بعض مايقال ـ ان سلامة المجتمع وجودا وحدودا وارضا وبشرا شرط موضوعى  لحل حرية التعبير فيه ، بمعنى ان من يعبر عن فكرة دارت فى راسه تتضمن تقويض المجتمع او المساس بعناصر وجوده ” كما هو” ولو حتى فكرة استبدال مجتمع آخر به يرتكب تحريضا على تقويض المجتمع لابد للمجتمع ان يجرمه ويحرمه ويمنعه او يقيده . والمجتمع ليس مجرد وجود وحدود وارض وبشر بل ثمة رابطة تضم كل هذه المفردات . انها مايسمونه ” الحضارة”ويعنون بها  القيم المادية والروحية والفكرية والفنية والاخلاقية الخاصة بالمجتمع المعين والتى يستنكر الناس تحقيرها     او الخروج عليها . وتتضمن  كل الدساتير وكل القوانين فى العالم ااحكاما تجرم وتحرم وتمنع الاعتداء ، بحجة حرية التعبير ، على تلك العناصر المتداخلة فى تكوين المجتمع نفسه . مثالها البسيط جريمة القذف والسب فى القانون المصرى وكل قانون آخر فى العالم . لماذا ؟ لان القذف كما يقول القانون       ( المادة 302 عقوبات ) اسناد  واقعة الى الغير لو كانت صادقة  لاوجبت احتقاره عند اهل وطنه . ولان السبب يتضمن خدشا للاعتبار ( المادة 306) . تحقق هذه الجرائم يفترض ان المجتمع وكل مجتمع ، قيما مشتركة يحتقر الناس الخروج عليها وتخدش اعتبار من يخرج عليها منهم يكون على القضاة ان يرجعوا اليها ويحكموا على هديها لا لمصلحة المجنى عليه ولكن للحفاظ على المجتمع .

3) والديموقراطية : الصدق احد قيمنا  الحضارية  . فبالرغم من ان ليس فى القوانين المنقولة راسا من القانون الفرنسى . التى تحكم مجتمعنا منذ اكثر من قر ن تجريم او تحريم الكذب ولو اتخذ وسيلة الى اكل اموال الناس بالباطل ، الا  ان قيمة الصدق التى هى ركن من حضارتنا ماتزال تحمل الناس على تحقير الكذابين  خاصة اولئك الذين يكذبون على انفسهم  اذ الكذب على النفس  فساد كامن فى شخص من ابتلى . ولم تصب كلمة كبيرة من الكذب على النفس حتى اصبحت  عند البعض من الكبائر كما اصيبت الديموقراطية لا فى بنائها التنظيمى ، فهو متنوع الهندسة ، بل فى اصلها الذى لاينكره حتى الكذابون . فهى نظام مشارك الشعب فى حكم نفسه اما مباشرة او بممثلين عنه . باختصار هى ضد الاستبداد  الذى سعنى استئثار فرد او مجموعة من الافراد بحكم الشعب  على مايرون  حتى لو كالنت رؤيتهم صحيحة . وقد يحدث ان يخطئ الشعب فى اختيار من يحكمونه ، وهى ظاهرة مستشرية   منذ ان استقل النواب عمن انتخبوهم فى القرن السابع عشر او كما هو جادث فى المجتمعات غير ذات التقاليد الديموقراطية . فى هذه المجتمعات الاخيرة تقفز الى قمة المشكلات الاجتماعية مشكلة الخطأ فى الاختيار الشعبى ولايحتاج الامر الى فلسفة او سفسطة لادراك ان تصحيح الخطأ الشعبى فى ممارسة الديموقراطية لايكون الا بمزيد ، من الديموقراطية ، ولايكون ايضا بادانة الشعب او تقييد ممارسته حقه فى المشاركة فى حكم نفسه .. ان الذين لايقبلون مايريده الشعب ويدعون الى ديموقراطية تحول دون نفاذ ارادته يكذبون على انفسهم ، قبل غيرهم ، على الوجهين . اذ لاهم مع سيادة الشعب ولاهم مع الديموقراطية . وهو فساد مطلق قبل ان يكون افسادا .

     تلك اصول التعبيرات قد تفيد فى كشف اللعب بالكلمات .

دكتور عصمت سيف الدولة

فى 11 يناير 1992

  

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: