الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

ذهنية الاستبداد: من الاستفتاء إلى مبادرة الانتقال الديمقراطي

ذهنية الاستبداد:
من الاستفتاء إلى مبادرة الانتقال الديمقراطي

د.سالم لبيض

لست أدري إن كان أنصار فكرة الاستفتاء على مصير المجلس التأسيسي التي شغلوا بها الناس هذه الأيام متأتية من رغبة حقيقية صادقة في حماية المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف ثورة لم يعد لها من هدف سوى تثبيت ذلك المسار، ولكني على دراية تامة بأن الاستفتاء بوصفه إحدى آليات الديمقراطية هو على غير تلك الصفة في تجاربنا السياسية العربية. فهو لا يرمز إلا إلى تزوير إرادة الشعوب وتكريس الاستبداد وإعطاء الصلاحيات المطلقة للحاكم. وعلى سبيل الذكر نشير إلى أن أنور السادات قد أكسب إحدى أسوأ الاتفاقيات مع الصهاينة الشرعية بواسطة الاستفتاء، وبن على زوّر الدستور ليسمح له بالحكم المطلق مدى الحياة بواسطة الاستفتاء. لنا أمثلة كثيرة أخرى تؤكد نهاية الاستفتاء كآلية ديمقراطية في الزمن العربي الراهن على الأقل. ولكن مع ذلك لابد من مناقشة الفكرة، فكرة خرجت من جحر نجهله من مصدر غير معلوم، لكنها حظيت بدعاية لا نظير لها، لا تستطيع أن تؤمنها إلا قوى نافذة، سرعان ما تحولت إلى حديث يومي في أفواه الناس وعلى صفحات الجرائد وعلى الشاشات العملاقة. بدأ المشهد يتشكل شيئا فشيئا ظهرت القوى الخفية واصطف الناس بين مؤيد ورافض. ولكن الاصطفاف حكمته نزعة الصفوف القديمة، كل القوى التي وقفت يوما إلى جانب بن علي لترميم حكومة ائتلاف وطني يوم 13 جانفي، كل القوى التي شاركت وأيدت حكومة الغنوشي الأولى والثانية، كل الذين ذرفوا الدموع على سقوط تلك الحكومة وشاركوا فيما يعرف باعتصام القبة، القوى التي انقلبت على مجلس حماية الثورة وفرحت بنسخته المزيفة، كافة المجموعات التي تشكلت أحزابا بعد أن انهار وتشظى التجمع الدستوري الديمقراطي، جميع الولاءات القديمة الذين يتمسكون بامتيازاتهم ومصالحهم، “شخصيات وطنية” جديدة علا شأنها زمن الثورة، كل هؤلاء صنعوا فكرة الاستفتاء واستماتوا في تأييدها. إن الحجة التي يستخدمها أنصار الاستفتاء متأتية من مقولة الاحتكام المباشر لإرادة الشعب، وهي مقولة على ما يبدو فيها من بريق مظللة وكاذبة لأنه لا يحق لأي كان أن يحدد مضامين الاستفتاء إلا أن يكون طرفا شرعيا مجسدا في حكومة منتخبة أو مجلس تشريعي منتخب، أو أن يكون مطلبا شعبيا مجمعا عليه كما هو حال المجلس التأسيسي الذي فرضته الثورة ونضالاته وأُستفتي عليه الشعب مباشرة في اعتصام 25 فيفري 2011 الذي أسقط حكومة الغنوشي وأتى بحكومة استمدت بعض مشروعيتها من وعودها بتحقيق ذلك المطلب. لم يكن الاعتصام المذكور مجرد تجمع لمئات أو حتى آلاف الأشخاص كما يُعيّره البعض وإنما وقف يومها في القصبة أكثر من مليون شخص وكانت اعتصامات أخرى نظيرة له في صفاقس وقفصة وغيرها من المدن في ذلك اليوم المشهود، مما أرعب الغنوشي وحكومته فأقدمت على الاستقالة صاغرة، وفُرض على الحكام الجدد القبول بمطالب الاعتصام. لم يكن من بين تلك المطالب الاستفتاء بأي حال من الأحوال، لذلك نطلب من أنصار هذه الفكرة أن يحشدوا عُشر من احتشدوا يومئذ وسنكون لهم مؤيدين. إن الأمر الأكثر خطورة في فكرة الاستفتاء هي هذا الاستصغار أو “الحقرة” حسب المصطلح الشعبي لشعب عظيم تمكن من إسقاط أحد أعتا الأنظمة الاستبدادية الفاسدة. كأني بلسان حالهم يقول لهذا الشعب أنت لست أهلا بأن تختار من يمثلك في المجلس التأسيسي، وبالتالي أنت لست جديرا بالديمقراطية، وهي الأسطوانة القديمة لنظامي بورقيبة وبن علي. إن الاستفتاء على الآجال والمهام المحددة للمجلس التأسيسي ليست سوى ممارسة نوع من الحجر على الشعب واتهامه بقلة المسؤولية إنها وصاية مغلفة بالديمقراطية. ولكن اللافت هو سقوط أحزاب من الصف الثاني من المفترض أنها من صف الثورة، فكيف تلتقي هذه الأحزاب في مبادرة هي الوجه الثاني لفكرة الاستفتاء. إن المجلس التأسيسي الذي يمثل الإرادة الشعبية هو سيد نفسه وهو الوحيد الذي يحق له أن يحدد مهامه ويضبط الآجال الممكنة لذلك، أما أن تأتي مجموعة من الأحزاب وتضبط المجلس بما ترتئيه فذلك عين المصادرة على المستقبل وعين الاستبداد. ولنا أن نتساءل ما هي ضمانتكم فيأن تكونوا داخل هذا المجلس إلا أن تزوروا الانتخابات، وما رأيكم لو أن المجلس تشكل من أحزاب لم تشارك في صياغة مبادرتكم ولم توقع عليها، أو أن تكونوا أقلية بأحزابكم الاثني عشرة داخل المجلس، أليس ما تقومون به هو جرثومة الاستبداد التي حقنها بن علي في أجساد أدعياء الديمقراطية؟

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: