الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

في ذكرى رحيله: القائد الغائب والمنهج المغيب

في ذكرى رحيله: القائد الغائب والمنهج المغيب

جمال عبد الناصر

1336هـ/1918م-1390هـ/1970م

                                                    بقلم د. محمود حمد سليمان

         تهيّبنا كثيراً قبل الدخول في بحث مختصر عن جمال عبد الناصر. لا لصعوبته فحسب، وإنما لأن أي بحث عنه كافٍ ووافٍ تعجز عن حمله المجلدات الضخمة فكيف ببحث مختصر وموجز في سلسلة من الأبحاث جنحت فكرتها إلى الإيجاز والاختصار منذ بدايتها.. كل منحى عند جمال عبد الناصر يحتاج وحده إلى كتاب قائم بذاته وسواء أكان ذلك على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الديني.. بل وفي كل مناحي الحياة وشؤونها ومجالاتها.

وأمام ضخامة الانجازات والإسهامات التي فجَّرها جمال عبد الناصر فقد آلينا على أنفسنا محاولة وضع اليد على الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى هذا النجاح العظيم الذي وصلت إليه ثورة 23 يوليو/تموز وقائدها وبطلها.

في تقديرنا، أن السبب الأساسي الذي حمل جمال عبد الناصر لأن يكون بطلاً شعبياً وعربياً وإنسانياً.. يكمن في “المنهج” الذي اختاره والمنهجية التي اتبعها.. في عصر عجَّ بالمناهج والفلسفات والنظريات..

إنه منهج “الإسلام والعروبة” أو “الإيمان الديني والعروبة الحضارية” كما يحلو للبعض أن يسمِّيه.. فلو لم يتبنَّ جمال عبد الناصر هذا المنهج ما كان ليُصبح رمزاً من رموز المجاهدين وملهماً للثوّار في كل أنحاء العالم وفي كل بقعة كانت تئنُّ من الظلم والجَوْر والاستعمار في كل هذه المعمورة.

صحيح أن جمال عبد الناصر لم يخترع هذا المنهج.. لأنه منهج سَرى في الأُمة منذ أوائل صدر الإسلام وحتى أيامنا الحاضرة.. ولو قرأنا التاريخ بعمق وحلَّلنا أحداثه بعلمية، وربطنا بين وقائعه بموضوعية.. لوجدنا أنه المنهج الذي كان تطبيقه يؤدي إلى النصر والتقدم والوحدة بقدر ما كان الابتعاد عنه يؤدي إلى الهزيمة والتخلف والتجزئة. وشتان ما بين الحالين من فوارق وتناقضات وتباعد..

على ضوء ذلك، نستطيع أن نلج إلى سيرة هذا المجاهد العظيم، دون أن نغوص في تقصّي إنجازاته أو رصد إسهاماته كما فعلنا مع الآخرين.. لأننا، كما قلنا، أعجز من أن نحيط بها كلها أو نلمَّ بتفاصيلها وتشعباتها وميادينها..

فمَنْ هو جمال عبد الناصر؟؟

ولد جمال عبد الناصر حسين في مدينة الإسكندرية في الخامس عشر من كانون الثاني عام 1918م. وهو في الأصل ينتمي إلى قرية صغيرة تدعى “بني مر” المجاورة لمدينة أسيوط من صعيد مصر. توفيت والدته وهو في الثامنة من عمره فعاش في كنف والده الذي كان يعمل بوظيفة “ساعي بريد” ويتنقل وفق ظروف عمله من مدينة إلى أُخرى. ولذلك فقد تلقَّى جمال دروسه الابتدائية في عدة مدارس وفقاً للحِل والترحال، فهو كان قد ختم القرآن الكريم في مدرسة بني مر.. ثم أوفده والده إلى القاهرة ليقيم في منزل عمه خليل الذي كان مجاوراً للأزهر ما أدَّى إلى تردده الدائم على أروقته والاطلاع على برامجه بل والتعرف على العديد من علمائه والطلاب الوافدين إليه من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي.. وصودف أن منزل عمه كان قريباً أيضاً من دار الكتب المصرية ما أتاح له استعارة الكتب والانغماس في القراءة والمطالعة اللتين ما انفكّ يزاولهما بكثافة طوال حياته..إلا أن المدرسة التي كان يفخر بالانتماء إليها هي مدرسة “النهضة” ففيها أكمل المرحلة الثانوية وفيها انغرست في ذهنه بواكير الأفكار التي سيطل بها على العالم لاحقاً.. وفيها ألّف رواية وسمها “في سبيل الحرية” بالإضافة إلى مقالات كثيرة لم تكن كلمة حرية تخلو من واحدة منها.

ولعله في هذه المدرسة استوحى صور أحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول، واستحضر آراء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وغيرهم من العلماء والقادة المجاهدين.

ولعله الظلم، الذي كانت تعانيه مصر على كافة الأصعدة، قد جعل الفتى الناشئ مليئاً بمشاعر الغضب والطموح إلى فجر الحرية والاستقلال والتقدم. ولذلك كان لا يوفر مناسبة في مواجهة الانكليز والسلطة إلا ويشارك فيها مندفعاً غير مبالٍ في قيادة المظاهرات والإضرابات والاحتجاجات العديدة والمتنوعة.. حتى إنه كان يمشي مرّة في الشارع وإذْ بمظاهرة معارضة تصادفه.. فانخرط في صفوفها بحماسة منقطعة النظير.. فظنَّه البوليس من الناشطين البارزين فيها فاعتقله مع من اعتُقلوا.. وفي السجن عرف جمال من هم هؤلاء والى مَنْ ينتمون إذ تبين له أنهم من تنظيم “مصر الفتاة” الذي لم يكن يعرف عنه شيئاً.. وفي مرة أُخرى، وإذ هو يقود مظاهرة طلابية فقد قام ضابط إنكليزي بتصويب نيران مسدسه إلى رأس جمال غير أن العناية الإلهية أنقذته بعد أن أُصيب بجرح خارجي ونجا بأُعجوبة. وفي مرّة ثالثة، وكان لا يزال طالباً، عندما قرر التخلص من الظالمين ونظامهم عن طريق الاغتيالات المباشرة.. وإذ هو كَمَنَ، مع مجموعة ممن يشاركونه الرأي، لأحد كبار هؤلاء وأطلقوا عليه النار.. فقد عاد جمال إلى منزله غير أنه لم يستطع النوم تلك الليلة عندما انتابته مشاعر إنسانية خارقة وهو يتصور عائلة القتيل تولول عليه وأطفاله يبكون ويتحسرون لفراقه.. فهرع مع ساعات الصباح الأولى ليشتري جريدة يومية علم منها أن القتيل لم يمت وأن إصابته ليست خطرة.. وعندها هدأ روعه وأطمأنَّ في قرارة نفسه. ولعلها الحادثة التي جعلته يشدّ الرحال إلى التفكير العميق في كيفية الإصلاح والتغيير والى السُبُل والوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك.. أي إلى الربط بين أساليب الثورة وأهدافها.. وإلى ضرورة الانتقال من مرحلة المراهقة والغضب إلى مرحلة النضج والعمل المثمر.

بعد مدرسة النهضة التحق جمال بكلية الحقوق ثم بالكلية الحربية التي رُفض فيها في المرة الأُولى لأن الانتساب إلى “الحربية” كان مقتصراً على أبناء الطبقات الإقطاعية والبرجوازية يومذاك. ولأن سجله الشخصي عند أجهزة المخابرات الملكية كان مليئاً بالأعمال والنشاطات والمقالات الثورية التحررية كالتحريض على المظاهرات وقيادتها والمشاركة فيها.. مما اضطره إلى تدبير لقاء مع وزير الخارجية اللواء ابراهيم خيري باشا وكان هذا يسعى، بشكل ضمني، إلى تأمين الكوادر الوطنية المخلصة للجيش المصري ويحاول جاهداً تقوية هذا الجيش الذي كان الانكليز يحاولون إبقاءه جيشاً ضعيفاً غير ذي شأن..

وهكذا، في الدورة الثانية آذار /مارس 1933م. وبمساعدة اللواء ابراهيم استطاع جمال عبد الناصر من دخول المدرسة الحربية ومعه حوالي أربعون تلميذاً من أبناء الفئات الشعبية معظمهم من الفلاحين. ولقد اتخذ جمال من المدرسة الحربية منطلقاً لزيادة مهاراته العسكرية والقتالية، ومن ثم وسيلة لتوسيع ثقافته ومداركه المعرفية.. وذلك عبر اللجوء إلى مكتبة المدرسة الحربية والإقبال بنهمٍ على القراءة والمطالعة.. ولعله من الضباط القلائل الذين ربطوا بين الفنون العسكرية وبقية أنواع العلوم والمعارف. حتى لقد قيل: إنه قرأ في المدرسة الحربية إلى أن تخرج فيها أكثر من أربع مئة كتاب في شتى الحقول والمجالات.

تفوّق جمال عبد الناصر في التدريب العسكري بين زملائه وأقرانه حتى عُيّن في قيادة أركان المدرسة الحربية فمدرِّساً فيها ثم تنقّل في مواقع عسكرية عديدة وفي مدن ومناطق مصرية وسودانية مختلفة، مكتسباً من ذلك خبرة لا بأس بها إلى أن انسحبت القوات البريطانية من فلسطين، وأُعلن قيام الكيان الصهيوني عام 1948م. ثم وقعت الحرب العربية/الصهيونية. فاتصل جمال عبد الناصر بقائد “المجاهدين” مفتي فلسطين المجاهد محمد أمين الحسيني طالباً منه الالتحاق بالفدائيين غير أن الحسيني طلب ذلك من الملك فرُفض طلبه.. وعندما قررت الأنظمة العربية إرسال جيوشها للقتال تحت وطأة الضغط الشعبي وعنف المظاهرات التي اجتاحت الشوارع العربية من المحيط إلى الخليج.. حين ذاك دخل جمال عبد الناصر هذه الحرب كأحد الضباط المصريين الذين يحملون الهموم الوطنية والقومية فأبلى فيها بلاءً رائعاً وأبدى من البطولات ما اعترف به العدو نفسه وشهد بذلك رفاقه أيضاً.. ولقد وقع جمال وفرقته في حصار “الفالوجة” في فلسطين ورغم أنه أُصيب بجروح بالغة فقد أظهر بطولة وحكمة نادرتين في فك الحصار وإنقاذ مئات الجنود المصريين من الموت المحتَّم.. ولقد خرج من هذه المعركة وفي أُذنيه ترن كلمات زميله الضابط الوطني أحمد عبد العزيز الذي استشهد وكانت آخر كلماته: “إن ميدان الجهاد الأكبر هو في مصر وليس خارجها”. وهو يقصد خيانة وعجز النظام الحاكم الذي وصل به الأمر، كما هو معروف، إلى تزويد الجيش المصري بأسلحة فاسدة كانت ذخيرتها ترتد إلى حاملها بدل أن تتجه إلى العدو في الجهة المقابلة.. ناهيك عن الفساد المستشري الذي يعممه النظام على مؤسسات الدولة وفي المجتمع بل وفي كل مجالات الحياة وشؤونها..

بعد معركة “الفالوجة” توجهت أنظار جمال عبد الناصر إلى الداخل وصار مقتنعاً أن التغيير والاصلاح لا يتماشيان مع هذا النظام القائم.. وأنه لا بد من ثورة جذرية حقيقية تعيد مصر إلى دورها وموقعها.. وتعيد الأمة العربية إلى المكان اللائق بها تحت الشمس على خريطة هذا العالم ومنه هذا الغرب المدجج بأسباب القوة والقهر والاستعباد.. المليء بالغنى والتقدم والعلم على حساب الشعوب الضعيفة والمغلوبة على أمرها.. فراح يخطِّط وخلفه كمٌّ متراكم من التراث والخبرات التي توحي بأسباب النصر أو الفشل.. وأمامه رؤى وصور من أحلام الوحدة والعدالة والحرية، وكل ما يتمناه الأحرار الشرفاء من سُبُل المجد والنصر والتقدم.. فكان أن بدأ بتشكيل “تنظيم الضباط الأحرار” وراح يهيئ له كل أسباب النجاح وقلب الأوضاع رغم الظروف الصعبة التي تحيط به من كل جانب.. ثم بدأ يصدر البيانات السرية في كل أنحاء مصر كما يصدر النشرة الإعلامية للتنظيم متعاوناً في ذلك مع مجلة “روز اليوسف” و”الصباح” وغيرهما.

بالإضافة إلى هذا، إتصل جمال عبد الناصر بالقوى والأحزاب والشخصيات والفعاليات التي تنادي بالحرية والاستقلال وذلك بأساليب بالغة الدقة والسرية.. ولم يوفِّر أحداً من هؤلاء ما استطاع الى ذلك سبيلا.. فكان أن اتصل بالوفد وزعمائه، وبالشيوعيين وقادتهم، وبالإخوان المسلمين وكوادرهم، ومن بين هؤلاء الشيخ حسن البنّا “المرشد العام للإخوان”.. حتى لقد زعم الإخوان المسلمون لاحقاً أن جمال عبد الناصر قد بايع البنّا قبل اغتياله عام 1949م.. وربما من الثابت والمؤكَّد أن بعض أعضاء “الضباط الأحرار” قد بايعوا البنّا فعلاً وربما بإشراف وعلم جمال عبد الناصر، وما يعزز هذا الإحتمال هو أنه بعد الثورة أعاد عبد الناصر فتح المحاكمة من جديد بقضية اغتيال البنّا وكشف المتورطين بها فحاكمهم وعاقبهم.. ثم إن وزارة الإعلام المصرية، ومعها بعض الصحف، كشفت في المدة الأخيرة عن صورة لجمال عبد الناصر واقفاً على ضريح حسن البنّا يتلو الفاتحة ويصرِّح متعهداً بمواصلة المسيرة على الدرب نفسها.. وذلك بعد قيام الثورة بفترة وجيزة.

ورسم جمال عبد الناصر الخطط والبرامج والتحركات على كافة الأصعدة حتى إذا كان صباح 23 يوليو/تموز 1952م. فقد انقض الجيش على السلطة وعزل الملك وأنشأ مجلس قيادة الثورة برئاسة اللواء محمد نجيب، وبقي عبد الناصر في الظل فترة من الزمن رغم أن كل المراقبين كانوا متلهفين لمعرفة من هو قائد الثورة الحقيقي ومن هو الرجل الأول فيها.. بعد أن لمسوا أن محمد نجيب ليس إلا صورة شكلية عن الثورة ورجالاتها..

يؤثر عن جمال عبد الناصر في هذه الفترة، أنه وقف وحده معارضاً “مجلس قيادة الثورة” الذي اتخذ قراراً بالإجماع بضرورة إنزال عقوبة الإعدام بالملك وزبانيته.. فلم يوافق عبد الناصر معتبراً أنه لا يجب أن تبدأ الثورة بالدماء التي لن تجلب إلا الدماء.. وتذكر الوثائق ومحاضر الجلسات أن أحد الأعضاء استشاط غضباً وصاح: “يجب محاكمة الملك وإعدامه. فأجابه عبد الناصر بهدوئه المعهود: وإذا كان يجب أن نُعدمه فلماذا نعذِّب أنفسنا ونحاكمه؟!”

نعم، ومنذ الأيام الأُولى للثورة ظهر عمق التفكير عند جمال عبد الناصر وفي طليعة ذلك إنسانيته وعدم رغبته في سفك الدماء.. ثم فهمه العميق لمعنى الثورة وأهدافها الحضارية التي يجب أن تتحول الى تغيير حقيقي في أعماق المجتمع والتي يجب أن تتكافأ فيها الأساليب شرفاً مع الغايات وتترابط فيها ألأهداف الوطنية والقومية كما تتكامل من خلالها أجنحة الحرية السياسية والاجتماعية.. وكل ذلك لن يتحقق ما لم تتحرر فيه الإرادة الوطنية على قاعدة الاقتناع الحر والايمان المطلق بالله والثقة الكاملة بالجماهير التي هي وحدها صاحبة المصلحة في التغيير والاصلاح والنهوض..

لم يكن للضباط الأحرار برنامج عمل محدَّد، ورؤية كاملة لكيفية إحداث الثورة بأبعادها كافة. وإنما اجتمع هؤلاء على شعارات عامة هي البنود الستة المشهورة: القضاء على الاستعمار وأعوانه، القضاء على الاقطاع، القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامة العدالة الإجتماعية، إقامة جيش وطني قوي، إقامة حياة ديمقراطية سليمة..

رغم ذلك، فقد كانت هذه النقاط تشكِّل برنامج عمل مؤقت، ولها دلالة هامة تمثلت في أنه لأول مرة في التاريخ يحمل انقلاب عسكري توجهات وطنية وتقدمية بعيداً عن الديكتاتورية والقهر والاستعباد.. حتى إذا آلت الأمور الى جمال عبد الناصر بعد تنحية محمد نجيب باشا، فقد أصدر عام 1954م. كتابه الأول: “فلسفة الثورة” وفيه حدَد أبعاد العمل والتوجهات التي حصرها بالدوائر الثلاث: الدائرة العربية، والدائرة الأفريقية، والدائرة الاسلامية..

في العام 1962م. أصدر جمال عبد الناصر “الميثاق” وذلك بعد أن دعا أكثر من 2500 عالم وخبير بمختلف الشؤون لمناقشته وإقراره ثم إنه طرحه في استفتاء شعبي لم يعرف العرب له مثيلاً في تاريخهم.. إذ لأول مرة يناقش الناس بمختلف مستوياتهم ومشاربهم برنامجاً ثورياً متكاملاً ويشاركون في قبوله أو رفضه.. ثم، ومن هذا الميثاق، صيغ دستور مصر ورُسمت سياستها الداخلية والخارجية في عملية ديمقراطية فريدة من نوعها في التاريخ البشري.. إذ لم يحدث أن طرح مفكر أو زعيم أو حزب نظريته وفلسفته للدولة ونظام الحكم على شعبه ثم أشرك هذا الشعب في الرأي والفكرة والاقتراح ثم انتظر نتائج التصويت الحر المباشر.. وبدأ بعد ذلك في التطبيق والممارسة. ومن يقرأ “الميثاق” بعمق يكتشف أن جمال عبد الناصر استفاد من تجارب عديدة.. وفي طليعتها تجربة الاسلام في إقامة العدل ونشر الحرية وتكريس الايمان والحفاظ على توحيد الله سبحانه وتعالى ووحدة البشر على الأرض دون تحزب أو تعصب.. ودون تمييز أو امتياز لأحد على أحد.. أو لأُمة على أُخرى.. وربما نصيب الهدف إذا ألقينا الضوء على الكلمات الثلاث التي أصبحت على لسان كل عربي، بل وكل حر في العالم الثالث، والتي لخَّصتْ مضمون “الميثاق” الأساسي وهي: الحرية والاشتراكية والوحدة.

فأما الحرية فلها جناحان مترابطان: الحرية السياسية والحرية الاجتماعية. فبدونهما أو بدون أحدهما لا تتحقق إنسانية الانسان ولا معنى للحرية التي جبل اللهُ الانسانَ عليها. وإذا كانت الحرية السياسية تعني حرية القول، والفكر، والرأي والنشر… فإنها لا تكتمل إذا لم ترتبط بحياة حرة كريمة أي بالحرية الاجتماعية بكل ما تعنيه من: حق العمل، ولقمة العيش وتأمين على الحياة من قبل الدولة التي، كما قال جمال عبد الناصر، تفقد شرعيتها ومبرر وجودها إذا لم تتحسس مشاكل الجماهير وتعمل على حلها.. وقد يكفي، في هذه العجالة، أن نذكر قوله المشهور: “إن تذكرة الانتخابات تصبح بلا معنى إذا لم ترتبط برغيف الخبز..”

وأما الاشتراكية فقد تميَّزتْ في الفكر الناصري عن كل النظريات و”الاشتراكيات” المتعددة في كل أنحاء العالم. عرَّفها الميثاق بأنها تعني: “الزيادة في الانتاج، والعدالة في التوزيع، والتكافؤ في فرص العمل”. ولَعمْري، إنه مضمون حضاري وإنساني أقرته الأديان السماوية ولمثله دعت الرسل والأنبياء.. فأين التناقض مع شرع الله كما حاول البعض أن يصوّره وهم لم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد قراءة هذا التعريف.. فراحوا يطلقون الأحكام جزافاً.. محاولين إثارة التشويش والبلبلة والإضطراب.. ليس إلا !!

وإذا كنا قد لاحظنا الربط المحكم بين الحرية والاشتراكية فإننا سنلاحظ ترابطهما أيضاً مع الوحدة العربية كما دعا إليها جمال عبد الناصر الذي اعتبر أن الوحدة حتمية وضرورية لأُمة واحدة مزَّقها أعداؤها غصباً عن إرادتها مع أنها تملك وحدة التاريخ ووحدة اللغة ووحدة المصالح ووحدة المستقبل والمصير، كما وحدة الأرض ووحدة الضمير والوجدان.. غير أن الوحدة في المنهج الناصري لا تقوم ولا يجب أن تقوم إلا بالإرادة الشعبية الواعية وبالإرادة الحرّة المبنية على الإقتناع الحر والإختيار الشعبي البعيد عن القهر أو القمع أو الضمّ القسري كما حصل عند شعوب أُخرى عبر التاريخ. ولذلك كان جمال عبد الناصر مؤيِّداً لأية خطوة باتجاه الوحدة حتى ولو كانت توحيد نقابتَيْن من النقابات المهنية أو قطرين من الأقطار العربية أو أي جهد وحدوي في أي مجال من المجالات.. وعليه كان حريصاً كل الحرص على التضامن العربي الذي اعتبره حداً أدنى لاستراتيجية عربية واحدة تكون ملزمة لكل دولة عربية على اختلاف حكامها ونظم الحكم فيها..

وإذا كان عبد الناصر يدرك أن الاستعمار سيحاصره ويمنع ثورته من الوصول الى أهدافها، فإنه برع، بدوره، في محاصرة الاستعمار الذي كان جاثماً على معظم الأرض العربية، فحوّل القاهرة ملجأً لكل المجاهدين ومنطلقاً لكل حركات التحرر وموئلاً لكل طلاب الحرية والاستقلال وعدم الإرتهان. وهو لذلك أيضاً أرسى القاعدة لمؤتمرات القمة العربية، وساهم في إطلاق الإتحاد الأفريقي، ولولاه ما كانت لتكون منظمة مؤتمر القمة الإسلامي، ومعسكر عدم الإنحياز، هذه المؤسسات التي ما تزال الى اليوم تعمل وإن كان يشوب عملها بعض الضعف بعد رحيل جمال عبد الناصر.. ولكنها أدَّت دورها التحرري الإنساني في مواجهة حدة الأحلاف الدولية فكسرت شوكتها.. وحصَّنتْ الشعوب المغلوبة على أمرها من الوقوع في المزيد من الاستعباد والظلم والتبعية.. ومن الرزوح تحت سنابك خيول الغرب الاستعماري الذي لا يقيم وزناً للإيمان أو الحرية أو الأخلاق أو الإنسانية. أما الصهيونية فلها شأن آخر مع “ناصر” ويكفي أن نذكر أنها اعتبرته العدو رقم واحد لإسرائيل.. ويوم نزلت كل شعوب العالم الى الشوارع والساحات تبكي مفجوعة بخبر وفاته، فإن اليهود وحدهم نزلوا الى الشوارع يطبِّلون ويزمرون فرحين مبتهجين لوفاة مَنْ كانوا يعتبرونه خطراً داهماً على أطماعهم وعنصريتهم وعنجهيتم..

وإذا كان المجال، كما قلنا سابقاً، يضيق عن رصد كل الإنجازات والتداعيات التي ولّدتها الثورة الناصرية فإنه من المفيد التذكير بأهم مفاصلها وخطوطها العامة العريضة وذلك وفق منهجية، اعتبرناها الأفضل، تقوم على أنه لمعرفة جمال عبد الناصر وما أنتجه على كافة الصعد.. فلا بد للباحث أن يتطلع الى الواقع الذي كان سائداً قبل عبد الناصر، والواقع الذي ساد بعد وفاته.. ثم مقارنة هاتين المرحلتين بالحقبة الناصرية التي استمرت من أوائل الخمسينات وحتى أوائل السبعينات من القرن العشرين الميلادي. لو نحن أقمنا هذه المقارنة وفق هذا المعيار، لرأينا:

–       قبل جمال عبد الناصر كان أي رئيس أو ملك أو أمير عربي يحلم بمقابلة أي وزير أو أي ضابط مخابرات أوروبي.. بل ويفخر بذلك ويتباهى أمام زائريه لدلالتها السياسية والمعنوية.. وما مراسلات حسين / مكماهون التي رسمت وقررت مصير المنطقة العربية كلها، إلا خير دليل على ذلك.. ومع جمال عبد الناصر صار أي رئيس أو ملك أو وزير أوروبي يحلم بلقاء ناصر.. بل ويعتبر ذلك نصراً بحد ذاته..

–  قبل جمال عبد الناصر كان مصير أي نظام أو خطة أو برنامج في شؤون الوطن العربي رهناً لإشارة من السفير الانكليزي أو الفرنسي أو الأميركي.. ومع جمال عبد الناصر صار أي وجود غربي أو أي سفير أوروبي رهناً لإشارة عبد الناصر أو متعلقاً ببضعة كلمات يلقيها في خطاب جماهيري في القاهرة..

–  قبل جمال عبد الناصر كانت معظم الأرض العربية من المحيط إلى الخليج رازحة تحت الحكم العسكري الغربي المباشر. أو تنوء بقواعده العسكرية أو بأنظمة الحكم التابعة له والمتلقية لأوامره.. ومع جمال عبد الناصر تحررت الأرض العربية كلها من نير الاستعمار وأغلبها تحرر بالكفاح المسلح والمقاومة الشعبية التي كانت القاهرة نقطة ارتكاز لها.. كذا في الجزائر وتونس والسودان وليبيا واليمن والعراق والخليج.. وحتى في مصر نفسها..

–  قبل جمال عبد الناصر كان أي عربي في المهاجر يُطلق عليه لقب “توركو” نسبة الى تركية، وما تعنيه اللفظة من سخرية وتخلف وبدائية.. ومع جمال عبد الناصر صار كل عربي مرفوع الرأس فخوراً بانتمائه للعروبة التي فجَّر طاقتها وأبرز وجهها الحضاري جمال عبد الناصر.. ألم يقل أحد رؤساء وزراء فرنسة يوماً: “إن المشكلة الكبرى والحقيقية هي أن “ناصر” أصبح يحتل قلوب شباب فرنسة..”!!

–  قبل جمال عبد الناصر كانت مصر مهددة بالموت جوعاً.. وكان الشعب يئن تحت سياط الفقر والبؤس والظلم.. ومع جمال عبد الناصر انطلقت عجلة الاقتصاد بحد أدنى من العدالة الاجتماعية فكان التصنيع، وكان الاصلاح الزراعي، والسد العالي، ومجانية التعليم والاستشفاء.. وتأميم قناة السويس، وتمصير الشركات الأجنبية.. وغير ذلك من الاجراءات التربوية والاجتماعية والاقتصادية التي وضعت مصر في طليعة الدول النامية وعلى الطريق السريع لدولة عصرية متقدمة.. ونهج جمال عبد الناصر التقطته بعض الدول والشعوب الفقيرة.. وسارت به حتى صارت اليوم دولاً مصنعة بل وتؤرق الدول الكبرى المزدهرة صناعياً..

–       قبل جمال عبد الناصر كانت كل صيحات الإصلاح والتغيير قد ذهبت أدراج الرياح، وعبثاً حاول الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى كامل وسعد زغلول وحسن البنا، وغيرهم. عبثاً حاولوا إحداث فجوة حقيقية في جدار القهر والتخلف والاستعمار.. ومع جمال عبد الناصر تحققت كل أحلام وأماني هؤلاء في الحرية والعدالة والتطور.. ولعله كان واعياً جداً وفطناً لأهمية العملية التربوية المواكبة لروح العصر.. أليس هو القائل: “ليست الجامعات أبراجاً عاجية ولكنها طلائع متقدمة تستكشف للشعب طريق الحياة” ؟ أليس هو مَنْ جاء إلى الأزهر يوماً يطالع برنامجه ويناقشه مع ثلة من العلماء ثم يعتبر هذا البرنامج ناقصاً.. وأمر بإضافة فقه الإمام جعفر الصادق لكي تكتمل في الأزهر علوم الإسلام عند كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ؟؟

أليس هو من وجَّه البعثات الأزهرية على نفقة الدولة الى أفريقية المترامية الأطراف فكان من نتائجها أن ترك عشرة ملايين من البشر عبادة الأصنام والأوثان وآمنوا بالله الواحد الأحد ؟!

وإذا كنا اليوم نسمع بمؤسسات الحوار المسيحي/الإسلامي وبمحاولات التقريب بين المذاهب وبالحوارات بين القوميين والإسلاميين.. أليس جمال عبد الناصر هو مَنْ أرسى دعائم كل ذلك ووضع مداميكه الأُولى موضع التطبيق والتنفيذ منذ أكثر من نصف قرن من الزمان ؟!

نقول هذا، مع إدراكنا لعدم القدرة على رصد كل إنجازات الثورة الناصرية ومدى التغيير الجذري الذي أحدثته في الواقع العربي عامة والمصري تحديداً، لأن ذلك يحتاج إلى مجلدات ضخمة إذا اتبعنا طريقة المقارنة والتحليل والاستنتاج.. غير أنه من المفيد أن نذكِّر ولو بجانب واحد من جوانب المأساة التي كانت تعيشها مصر قبل الثورة.. معتمدين في هذا التذكير على دراسة خبير مصري هو الأستاذ علي الجريتلي الذي كان عالماً اقتصادياً رأسمالياً، أو لنقل إنه لم يكن من المؤيدين للثورة أو لعبد الناصر.. ومع ذلك يقول الجريتلي ما فحواه، وبالأرقام أحياناً:

“قبل الثورة كان عدد قليل من أرباب العمل يحتكرون الصناعة ويمسكون بأهم مفاصل الاقتصاد الذي تُحكم قبضتها عليه الشركات الأجنبية الكبرى المحمية من الدولة لجهة الضرائب والرسوم الجمركية.. وغيرها.

وكان عدد قليل من المالكين الزراعيين يستأثرون بثلث الأراضي الزراعية ثم يرصد بالأرقام:

–       61 مالكاً يملك كل واحد منهم أكثر من 2000 فدان. أي 277258 فداناً.

–       28 مالكاً يملك كل واحد منهم أكثر من 1500 فدان. أي 97454 فداناً.

–       99 مالكاً يملك كل واحد منهم أكثر من 1000 فدان. أي 112216 فداناً.

–       92 مالكاً يملك كل واحد منهم أكثر من 800 فدان. أي 86472 فداناً.

والمجموع ان 280 مالكاً يملكون 583400 فداناً. مما يعني أنه بالنسبة لملايين الفلاحين المصريين، مع بداية الثورة، فإن واحداً من كل مئة ألف مصري كان يملك. وأن هذه الملايين مجتمعة تملك فقط 12% من مساحة الأراضي المخصصة للزراعة بينما يملك 2% من المصريين 65% من الأراضي الزراعية.. ومع فداحة هذه الأرقام وهول المصائب الإجتماعية التي تنتج عن مثل هذه الحال.. فقد خرج مَنْ يقول لعبد الناصر “إن التأميم حرام.. والإصلاح الزراعي مخالف للشريعة.. إلى غير ذلك من المقولات التي يحرص أصحابها على الجمود والتخلف والضرب بعرض الحائط بمصالح البشر.. هذا إذا كان هؤلاء يعتبرون الفلاحين بشراً ..

وماذا لو عرفنا من دراسة “الجريتلي” أن 90% من صادرات مصر كانت من القطن وأن التجارة به كانت محصورة بيد عشرة بيوت فقط ؟!

مرة أُخرى نقول: المسألة ليست مسألة انجازات، فهذه أكثر من أن تُعدّ وتُحصى.. ولكن المسألة مسألة منهج.. إما يكون خاطئاً فتبتعد عنه وعن أصحابه الجماهير.. وإما أن يكون صحيحاً فتلتحم به وبأصحابه الجماهير.. لقد فشل المنهج التكفيري ولن ينجح أصحابه حتى ولو توفرت لهم كل إمكانيات الدنيا.. وفشل المنهج الليبرالي الرأسمالي رغم كل ما توافر له من قوة وجبروت.. وفشل المنهج المادي الماركسي رغم الزخم الذي انطلق منه.. وفشل مناهج كثيرة، رغم كل ما أُوتيتْ من حرارة حماسية فارغة من أي مضمون..

إثنان في العصر الحديث هزّا الشرق ونفضا عنه غبار عصور من الجمود والتخلف والسبات العميق.. إنهما جمال الدين الأفغاني وجمال عبد الناصر. الأول، لم يصل إلى السلطة ولكنه وصل إلى قلوب ملايين العرب والمسلمين من كل الطوائف والمذاهب والمناطق.. فوضع الشرق كله على أُهبة نهضة حقيقية..

والثاني، وصل إلى السلطة ولكنها لم تشكل له إغراء.. فمنها قفز إلى قلوب الملايين في كل هذا العالم.. ونقله إلى واقع جديد ومعادلات دولية ومحلية جديدة..

أما السر في الرجلين فواحد: إنها قضية المنهج منهج “الاسلام والعروبة”. ولو نحن تعمَّقنا في البحث والتحليل لرأينا: أن كل المواقف والإنجازات والأفكار والآراء والخطط والبرامج والرؤى والإيحاءات.. كلها ترتبط بالمنهج وتصب فيه بعد أن تكون قد انبثقت منه.. وقل الأمر نفسه في كثيرين نجحوا في أوطانهم وأقطارهم ومجتمعاتهم بسبب تبنيهم للمنهج نفسه.. وسواء نجحوا أم فشلوا.. انتصروا أم انهزموا.. ألم يكتب التاريخ نصراً لعبد الناصر على أكبر الأمبراطوريات الاستعمارية وأعتى القوى الدولية عام 1956م. وفي العام 1967م. ورغم الهزيمة التي لحقت بالقائد نفسه، ألم يكتب التاريخ نفسه أنه لأول مرة يخرج شعب بكامله وأُمة بكاملها لتحيي قائداً مهزوماً.. وتتمسك به في استفتاء عفوي لم تعهده البشرية من قبل ؟!

إنه المنهج نفسه.. المنهج الأصح يفعل فعله في السراء والضراء.. في الشدّة والرخاء.. ومعه، ومعه فقط، لا سبيل لليأس ولا للقنوط ولا للإحباط.. أليست الحال نفسها تنطبق على ما حصل في معركة “بدر” وما حصل في معركة “أُحد”.. أليس هذا درساً إلهياً تعلمناه في زمن مبكر من تاريخ هذه الأُمة؟!

فهلاّ علَّمنا كوادر أحزابنا وتنظيماتنا ما معنى “المنهج” ليعرفوا أن أقدامهم يجب أن توضع على الطريق الصحيح قبل أية خطوة يودون الاقدام عليها؟!

فهلاّ علمنا المجاهدين المخلصين قضية “المنهج” ليتأكدوا أن أحلامهم وأُمنياتهم لن تذهب أدراج الرياح عند أول منعطف؟!

فهلاّ علّمنا مثقفينا ومفكرينا قضية “المنهج” ليكون باستطاعتهم الحكم الصحيح على كل الحركات والفئات والأشخاص؟! وليكون بمقدورهم مواجهة الترهيب والترغيب الذي يتلقونه من أصحاب الألوان البراقة والشعارات الخادعة ؟؟

أليس قول الإمام علي عليه السلام للخوارج: “إنها كلمة حق يُراد بها باطل” عندما قالوا له: ما الحكم إلا لله.. أليست كلمته هذه تؤكِّد لنا أن الإمام كان يعي ما معنى “المنهج”؟ وما معنى التمسك به ؟

صحيح أن جمال عبد الناصر لم يخترع منهج “الإسلام والعروبة” كما قلنا سابقاً، ولكن الصحيح أيضاً أن عبد الناصر حلَّل الواقع محلياً وعربياً ودولياً في هذا العصر بالذات، ثم حدّد مشكلاته وأزماته وأعطاها الحلول المناسبة من عصارة تفكيره ووعيه وثقافته.. بعكس الذين جابوا أنحاء الأرض وحملوا ما وجدوه من حلول ونظريات وفلسفات.. وُضعتْ في الأصل والأساس لمجتمعات أُخرى ومشاكل أُخرى وأُمم أُخرى تختلف عنا في واقعها وأزماتها ومشاكلها ومناهجها..

ثم إن جمال عبد الناصر ربط هذه الحلول بالمنهج المناسب لهذه الأُمة في هذا العصر الذي نعيش فيه.. وتلك برأينا أهم أسباب نجاح عبد الناصر والسر الرئيس في شعبيته التي ما تحصلتْ لزعيم أو قائد منذ عصور طويلة..

أذكر أنني من حوالي السنة تقريباً كنت أحضر مقابلة مع المفكر الأميركي هنتغتون على تلفزيون الجزيرة، ولهنتغتون دور فاعل في رسم الاستراتيجية الأميركية لعهود طويلة مقبلة، وهو مؤلف كتاب: صدام الحضارات، كما هو معروف.. سأله المذيع مَنْ هو العدو رقم واحد لأميركا اليوم؟ فأجاب: الإرهاب المنبثق عن الحركات الإسلامية المتطرفة.. فسأل المذيع: ولكن ألستم أنتم من أوجد هذه الحركات وسلّحها وموَّلها منذ البداية ؟ فأجاب: لو عاد جمال عبد الناصر أو مَنْ هو مثله لأعدنا التحالف مع ابن لادن من جديد..

فلماذا يخاف هنتغتون من رجل مات من حوالي أربعين عاما ً؟ ولماذا يخشى عودته أو عودة مَنْ هو مثله ؟!

هنتغتون كان يقصد المنهج / الخط الذي تبناه جمال عبد الناصر واستطاع به سدّ الثغرات، وحشد الإمكانيات، وتجميع الطاقات، وتنظيم القيادات التي لا تنثني ولا تنحني ولا تُروّض.. والإتجاه بكل ذلك إلى الوحدة العربية التي يؤرق شبحها الغرب بأسره.. ومنذ زمن بعيد.

أليس في هذا جواب على السؤال المطروح: لماذا تجتمع كل قوى الأرض، رغم تناقضاتها، على محاصرة القوى القومية وتهميشها وإضعافها في كل أنحاء الوطن العربي؟!

ذلك لأن هذه القوى القومية المجاهدة، تتبنى هذا المنهج. المنهج الذي تبناه جمال عبد الناصر. وعليه، فقد رأت الدوائر الاستعمارية أن انتصار القوى العروبية سيؤدي إلى شللها المحتّم في نهاية المطاف، كما حصل في عهد جمال عبد الناصر.

ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً برزت عبقرية عبد الناصر في تشخيصه للواقع المعاصر واستنباط الحلول له كما قلنا، ولقد تجلّى ذلك أكثر ما تجلّى في فلسفة النظام السياسي التي أنتجها والقائمة على تحالف “قوى الشعب العاملة” هذه النظرية التي لم يسبقه إليها أحد من فلاسفة العالم ومنظريه عبر التاريخ. دون أن يعني ذلك أنه لم يستفد من تجارب الماضي والحاضر، على حد سواء..

“قوى الشعب العاملة” تقوم على الفلاحين والعمال والمثقفين والجنود والرأسمالية الوطنية الغير مستغلة.. ومن هذه الفئات يتكون “مجلس الشعب” الذي تقسم مقاعده نسبياً وفق عدد كل طبقة من هذه الطبقات وحجمها الشعبي بعد إجراء إحصاء دقيق لكل المواطنين وفرزهم إجتماعياً وليس وفق أي اعتبار آخر..

وإذا كانت نظرية تحالف “قوى الشعب العاملة” قامت في مواجهة تحالف الاقطاع والبرجوازية والرأسمالية الفاحشة، فإنها حققت أوسع مشاركة شعبية في السلطة والدولة، وجعلت الصراع بين الطبقات يُحلّ سلمياً.. وشكّلت سداً منيعاً في مواجهة الصراعات المناطقية والطائفية والمذهبية والحزبية والعرقية.. هذه الصراعات التي أفشى بذورها الاستعمار التركي ثم الاستعمار الغربي خدمة لمآربه ومصالحه فأدّت إلى ما أدّت إليه من فرقة وتجزئة وتشتت وضعف وهوان..

ولعمري، فإن نظرية قوى الشعب العاملة ما تزال إلى اليوم هي الحل الجذري الوحيد لما تعاني منه الأقطار العربية ولا سيما في لبنان والعراق والسودان والجزائر وغيرها، وربما بعض الأمم والشعوب التي تتشابه معنا في واقعها ومشكلاتها، ولا سيما في العالم الثالث.

ما كان الاستعمار الغربي ومعه القوى الرجعية والعميلة، ما كانوا ليتركوا جمال عبد الناصر يسير بهذا النهج المدمر لمصالحهم ومآربهم ونواياهم الاستعمارية في السلب والنهب والاستعباد.. ولذلك راحوا يرسمون الخطط تلو الخطط للتخلص منه بشتى الصور والأساليب.. لقد حاولوا اغتياله وتصفيته جسدياً مرات عديدة.. لعل أبرزها: محاولة اغتياله في الإسكندرية عام 1954م. بإطلاق الرصاص عليه عندما كان يخطب في مهرجان جماهيري حاشد.. وقد اعتُقل مطلق الرصاص: محمود عبد اللطيف الذي تبيّن أنه من التنظيم الخاص للإخوان المسلمين الذي كانت تحوم عليه شبهة التعاون والتنسيق مع المخابرات البريطانية.. كما بينت التحقيقات لاحقاً.. والذي كان يُشرف عليه حسن الهضيبي وسيد قطب، والإثنان لم يكونا من قدامى الإخوان المسلمين، إذ من المعروف أنه، بعد اغتيال حسن البنّا، قد دبَّ الخلاف في صفوف قيادات الإخوان على منصب المرشد.. وبعد أكثر من سنتين كان الحلُّ الوسط في هذا الخلاف هو المجيء بالهضيبي الذي لم يكن منتسباً فعليّاً للإخوان من قبل.. وأما سيد قطب فقد انتمى لجماعة الإخوان بعد عودته من أميركا عام 1951م. ما يعني أن شيئاً ما غير مألوف كان يجري في صفوف حركة الإخوان المسلمين وتوجهاتها.. وفي هذه الأجواء جاءت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر.

أما المحاولة الثانية، فقد جرت في أثناء الوحدة مع سورية عندما جاءه الضابط السوري عبد الحميد السراج بمبلغ كبير من المال ووضعه أمامه على الطاولة قائلاً: هذا المبلغ مخصَّص لاغتيالك!!

ثم مرة ثالثة، عندما اكتشفت المخابرات اليوغوسلافية في زمن “تيتو”، صديق عبد الناصر وزميله في تأسيس معسكر “عدم الانحياز”؛ عندما اكتشفت العبوات الناسفة في الطاولة التي كان مقرراً أن يجلس عليها جمال عبد الناصر عندما كان في زيارة ليوغوسلافية..

ومحاولات اغتياله كثيرة منها ما كُشفَ النقاب عنه ومنها ما بقي مستوراً، ربما الى اليوم، أو أنها أكثر من أن تُعدّ وتُحصى، كما يقول محمد حسنين هيكل.

ولم تقتصر المحاولات على اغتياله شخصياً وبشكل سري.. بل تعدتها إلى محاولات تصفية الثورة نفسها: قيادة ونظاماً وأهدافاً.. كما جرى في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م. والذي باء بالفشل على الرغم من مشاركة إسرائيل به إلى جانب أقوى دولتين في العالم يومذاك: فرنسة وبريطانية. وعلى الرغم من عدم تكافؤ القوى بين الأساطيل المدججة بجميع الأسلحة ومنها النووية، وبين العمال والفلاحين والجنود في مصر الذين هبُّوا للدفاع عن الثورة وقائدها بكل أنواع السكاكين والعصي والمعاول والرفوش..

وكما جرى في الإنقضاض على الوحدة بين مصر وسورية عام 1961م. إذ تحالفت يومها قوى اليمين واليسار، قوى الشرق والغرب.. مدَّعو الاسلام ومنظرو البروليتارية، عملاء إسرائيل وفلاسفة “التقدمية”.. واستطاعوا إسقاط الوحدة.. آملين أن يتم ذلك وسط بحر من الدماء العربية بين السوريين والمصريين.. ولكن ردّ عبد الناصر كان حضارياً ففوّت الفرصة على النافخين بأبواق الفتنة والحرب الأهلية عندما قال: “ليس المهم أن تبقى سورية جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة. المهم أن تبقى سورية..”

وكما جرى في عدوان 5 حزيران 1967م. عندما تآمرت القوى نفسها بشكل مباشر أو غير مباشر.. فكانت النكسة الكبرى في تاريخ الثورة ولكنها ورغم كبرها فقد كان ردّ عبدالناصر ثوريّاً هذه المرة أيضاً  عندما رفع شعار: “لا صلح. لا اعتراف. لا مفاوضات” ورددته قبله الجماهير العربية في 9 و 10 حزيران.. فكانت هزيمة عسكرية ولم تكن هزيمة سياسية.. إذ تلاها بيان 30 مارس/آذار كبرنامج مرحلي للتحرير وإزالة آثار العدوان.. وفي أقل من سنة كان الجيش المصري قد استعاد بناء قوته وبدأ يخوض حرب الاستنزاف التي أكّدت للدوائر الغربية والصهيونية أن آمالها أضغاث أحلام وأن إرادة المقاومة عند العرب أصبحت أكثر قوة وأكثر خبرة وأكثر استفادة من نار المحنة التي لم تحرق وإنما ساعدت على النضوج..

ومع ذلك لم تترك القوى الاستعمارية والصهيونية سبيلاً إلى إشغال الثورة وإضعافها إلا وفعلته.. فلجأت فيما لجأت، إلى إذكاء نار الفتن والحروب بين العرب أنفسهم وفي كل مكان وصلت إليه أصابعها السوداء.. فكانت أحداث لبنان المتوالية بين الجيش والفدائيين التي كان عبد الناصر يهب لإطفائها كلما اشتعلت.. ودوره في اتفاق “القاهرة” عام 1969م. بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية لا يمكن لأحد أن ينكره.. ومثل ذلك حصل بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني مرات عديدة كان آخرها أحداث 1970م. هذه الأحداث التي استدعت أن يعقد عبد الناصر مؤتمر قمة عربي شامل في القاهرة والذي أرهقه إلى حد الإعياء.. والذي أصابه بذبحة قلبية مفاجئة وهو يودّع آخر ضيوف القمة (أمير الكويت).. فما لبث أن فاضت روحه منتقلاً إلى رحمة ربه في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1970م. بعد أن أرسى قواعد ملحمة في الجهاد والكفاح من أجل الحرية والوحدة والعدالة لم يعرفها التاريخ العربي والعالمي منذ عصور طويلة..

ترك جمال عبد الناصر هذه الدنيا ومنزله الخاص في القاهرة هو نفسه كما كان بالإيجار قبل الثورة.. ولعل واقعة واحدة من وقائع عديدة تدلنا على نهجه ونظرته لكيفية ممارسة السلطة. ذلك أن أمير الكويت قدَّم له مبلغاً كبيراً من المال لكي يبني به قصراً خاصاً له يليق برئيس جمهورية بدلاً من المنزل المتواضع الذي تعيش فيه أسرته.. وفي الزيارة التالية للأمير الى مصر. طلب من ناصر الاطلاع على هذا القصر الذي من المفترض أن يكون قد أُنجز بناؤه.. فما كان منه إلا أن اصطحب الأمير بسيارته التي قادها بنفسه إلى أن توقف أمام مصنع كبير قائلاً هذا هو القصر الرئاسي الذي يضمّ آلاف العمال وتعيش من ورائه آلاف الأُسر الفقيرة والمعدومة..

قيل لجمال عبد الناصر يوماً: لماذا يعشقك شعبك إلى هذه الدرجة ؟! فأجاب: لأني أنا أيضاً أعشقه إلى هذه الدرجة !!

وإذا استثنينا قصائد المديح النبوي عبر العصور.. فإننا نعتقد أن القصائد التي قيلت في جمال عبد الناصر تناهز كل ما قيل من قصائد في كل ملوك الأرض وحكامها وقادتها في كل الدهور والأزمان.. ولعلنا نذكر كلمة واحدة في هذا المجال قالها الشاعر اللبناني العروبي طارق ناصر الدين يوم وفاته إذ قال: كل موت يكون كبيراً ثم يصغر إلا موت جمال عبد الناصر كل يوم سيكبر لأن جنوداً من تلاميذه كل يوم سيسقطون.

أما رئيس وزراء بريطانية ادوارد هيث فقال: لم تكن قوة عبد الناصر ونفوذه معترفاً بهما في مصر وحدها ولكن في جميع أنحاء العالم.

وقال وزير خارجيته جورج براون: لقد كان نبأ وفاة عبد الناصر أسوأ نبأ سمعته في حياتي.. لقد كان ناصر أعظم رجال العالم.. كان شجاعاً بعيد النظر.. لقد كان أفضل رجل ظهر في الشرق الأوسط..

أما مناحيم بيغن زعيم الليكود في إسرائيل فقال: إن وفاة عبد الناصر تعني وفاة أخطر عدو لإسرائيل.. إن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدراته وحنكته وزعامته..

وقال رئيس أركان جيش إسرائيل حاييم بارليف: بوفاة جمال عبد الناصر أصبح المستقبل مشرقاً أمام إسرائيل وعاد العرب فرقاء كما كانوا وسيظلون كذلك باختفاء شخصيته الكاريزماتية..

وأما زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني فقال: الرئيس عبد الناصر هو أعظم عربي ظهر في عصرنا ووفاته خسارة عظيمة للعالم الإسلامي وللعلاقات بين مصر وإيران.. لقد كان أقرب زعيم لثورتنا عندما كنا مطاردين من الشاه..

وبعد حوالي أربعين سنة من وفاة ناصر وبعد أن فازت جنوب أفريقية على مصر في كأس العالم لكرة القدم. فقد قال نيلسون منديلا زعيم ثورة الفقراء في جنوب أفريقية: لو كان جمال عبد الناصر على قيد الحياة ودخلت مصر المنافَسة أمامنا.. فقد كانت جنوب أفريقية انسحبت على الفور من الوقوف أمام مصر.. ولكن الظروف تغيرت اليوم.. ومصر لم تعد مصر عبد الناصر.

آثاره

–  الميثاق. وقد صدر عام 1962م. بعد أن نوقش في مؤتمر ضخم من قادة الرأي والفكر في مصر. ثم عُرض على استفتاء شعبي وحاز على الأغلبية الساحقة من أصوات المصريين.. وهو يشكل الإطار الفكري والاستراتيجي لثورة 23 يوليو/تموز.

–  فلسفة الثورة. كتاب أصدره جمال عبد الناصر عام 1954م. وفيه يحدد الرؤية الإستراتيجية للثورة الناصرية. ويحدد الدوائر الأساسية التي على الثورة التحرك في إطارها وآفاقها وصولاً إلى تحرر حقيقي وفوري.

–  ألف سؤال وجواب. كتاب أجاب فيه جمال عبد الناصر عن ألف سؤال في مختلف الشؤون السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وغير ذلك. وقد اعتمد فيه أسلوب الحوار المباشر مع المثقفين والخبراء وطلاب الجامعات، وغيرهم.

–       بيان 30 مارس / آذار. أصدره عام 1968م. كبرنامج مرحلي للتحرير وإزالة آثار العدوان.

–  مجموعة الخطب المتنوعة التي ألقاها جمال عبد الناصر في مختلف المناسبات منذ قيام الثورة وحتى وفاته. وهي لو جُمعت كلها لبلغت مجلدات ضخمة في مختلف الشؤون المصرية والعربية والدولية. وفي مختلف شؤون الحياة ومجالاتها.. علماً أن الخطبة الواحدة، بشكل عام، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مصرياً وعربياً ودولياً.. وقد كانت تستغرق عدة ساعات.. ولقد قامت دار المسيرة ببيروت عام 1975م. بإصدار قسم كبير منها تحت عنوان: المجموعة الكاملة لمكتبة المعلم جمال عبد الناصر.

المصادر والمراجع

–       أجاريف: جمال عبد الناصر. ترجمة د. سامي عمارة، دار التقدم، موسكو، 1983م.

–       جنبلاط، كمال: ربع قرن من النضال. الدار التقدمية، بيروت، 1987م.

–       حمروش، أحمد: قصة ثورة 23 يوليو 1952م. المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1974م.

–  دومال ولوروا، جاك وماري: جمال عبد الناصر من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة. ترجمة ريمون نشاطي، دار الآداب، بيروت، 1968م.

–       ابو الريش، سعيد: جمال عبد الناصر آخر العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005م.

–       الزركلي، خير الدين: الأعلام. الطبعة 12، دار العلم للملايين، بيروت، 1997م.

–  سويدان، ناصر الدين: يوميات ووثائق الوحدة المصرية/ السورية. معهد الإنماء العربي، بيروت، 1987م.

–       سيف الدولة، عصمت:

– نظرية الثورة العربية. دار الفكر، القاهرة، 1971م.

                       – هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً. دار المسيرة،

                           بيروت، 1977م.

–       شاتيلا، كمال: – العرب والتحديات الدولية. المركز الوطني للدراسات،

                     بيروت.

                 – لبنان بين العروبة والشرق الأوسط الكبير. المركز الوطني

                    للدراسات، بيروت، لا.ت.

                 – مواقف إسلامية حضارية. المركز الوطني للدراسات،

                    بيروت، 2004م.

–       عوض، لويس: أقنعة الناصرية السبعة. دار القضايا، بيروت، لا.ت.

–       لاكوتير، جان: عبد الناصر. دار النهار، بيروت، 1971م.

–       مجلة الفكر العربي. العدد 4 و 5. معهد الإنماء العربي، بيروت، 1987م (عدد خاص عن الناصرية).

–       المجموعة الكاملة لمكتبة المعلم جمال عبد الناصر. المجلد الأول، دار المسيرة، بيروت، 1975م.

–  مجلة الموقف. الأعداد بدءاً من تشرين أول/أكتوبر، عام1970م. وبعض أعدادها كانت تصدر باسم الموقف الناصري أو الناصرية.

–       نويهض، عادل: سنوات كانت عربية. مؤسسة نويهض، بيروت، 1410هـ/1990م.

–       هويدي، أمين: مع عبد الناصر. دار الوحدة، بيروت، 1984م.

–       هيكل، محمد حسنين: – أكتوبر 73 السلاح والسياسة. مركز الأهرام،

القاهرة، 1414هـ/1993م.

– بين الصحافة والسياسة. الطبعة السادسة، شركة المطبوعات، بيروت، 1985م.

– الحل والحرب. شركة المطبوعات، بيروت، 1985م.

– قصة السويس. الطبعة السادسة، شركة المطبوعات، بيروت، 1985م.

– لمصر.. لا لعبد الناصر. الطبعة الثانية، شركة المطبوعات، بيروت، 1988م.

………………………………………………..

د.محمود حمد سليمان. من كتاب: علماء وحدويون مجاهدون. در منتدى المعارف، بيروت، 2011م.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: