الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

احسبوها.. كي لا تخسر المعارضة الإصلاح والمقاومة السلاح

احسبوها.. كي لا تخسر المعارضة الإصلاح والمقاومة السلاح

نصري الصايغ

سوريا تندفع إلى الهاوية. لا موانع في الطريق الدموي تؤجل الكارثة. النظام سيدافع عن نفسه حتى آخر ما عنده، وما عند الآخرين، والمعارضة أحرقت مراكبها. البحر من خلفها والنظام أمامها… ولا مفر.
كل ما قبل هذا الاندفاع، بات من الماضي. لا تنفع الاتهامات المتبادلة. لا جدوى بعد اليوم، من اتهام النظام، بما يرتكبه. حتى أهل النظام لا يدافعون عن سيرته وبنيته وسياساته. أهل النظام، يدافعون عن أنفسهم، وليس عن النظام.. لا جدوى من اتهام السلطة للمعارضة بغير ما هي عليه. لا ينفع اتهامها بأنها جزء من المؤامرة، وبالاسلامية والتقسيم وتنفيذ أجندة خارجية. لم يعد مجدياً البتة، توضيب المعارضة في حقيبة السلفيين والمسلمين والعصابات. كما لم يعد ممكناً إعلان براءة أحد، أو نظافة أحد. فالنظام يرتكب، وهو مستعد للمزيد من العنف والاجتياح والاعتقال والقتل والترويع، والمعارضة مستعدة للمزيد من التضحية وتذخير الذات بوسائل، قد تكون قتالية لدى البعض منها، للأسف الشديد.
الصراع المعلن والمفتوح في سوريا لن يحل في نهاية الأمر، على طاولة الحوار أو على طاولات التفاوض. ولن يحل كذلك من خلال الكسب الكلامي. كل طرف في سوريا، يستجمع أوراق القوة ويوظفها في المعركة. النظام، يلجأ إلى ورقة العنف، إلى نعت الثورة بالمؤامرة، إلى ربطها بأميركا وفرنسا وتركيا، إلى اعتبارها مجموعة من العصابات تقود جماهير مغرراً بها… والمعارضة تستجمع أوراق قوتها: دمها الذي تنقل نزفه وسائل اتصال الكترونية، مؤتمرات هنا وهناك وهنالك. توظيف القوى الاقليمية والمحافل الدولية في حراكها… النظام يسمح لنفسه باستعمال الممنوعات. والمعارضة، في بعض أطيافها، تستعمل الممنوعات كذلك (مؤتمر برنار هنري ليفي).
لم يعد كل هذا مجدياً. الطرفان في معركة. النظام ذاهب إلى إلغاء المعارضة بالكامل، والمعارضة ماضية في إسقاط النظام. وما هو ممنوع في أزمنة ما قبل الحسم، يصير حلالا، بكل أسف، في لحظة مواجهة الحقيقة: إما الهزيمة أو الانتصار.
انه زمن الحساب..
احسبوها إذاً. هل حسب النظام كلفة معركته؟ أم أنه حسبها وعرف كلفتها وهو مستعد لتدفيع سواه ما كان باهظاً منها، أم أنه أدرك أن معركته في مواجهة التظاهرات السلمية في أكثريتها، أشد قسوة عليه من مواجهة «الحركات والعصابات المسلحة»؟ هل قرر قتالهم بقسوة ليقاتلوه بالسلاح، فتسهل عليه المعركة، فيوظفها سياسياً وإعلامياً؟ هل حسب قوته العسكرية فقط، وقوة ضغطه الأمني، أم أنه مطمئن إلى قاعدته الشعبية الصلبة، المؤلفة بكل أسف أيضا، من قوى أهلية ذات صبغات طائفية ومذهبية؟ هل حسب أخطار انزلاق سوريا برمتها إلى حروب أهلية متقطعة ثم متصلة؟
أحسبوها بكل تفاصيلها. بالإمكان قراءة الخريطة السورية بكاملها. لا شيء مستوراً. النظام معروف ومكشوف ولا يحتاج إلى شرح وتفصيل. هو يعتمد سياسة محددة، أكان مقتنعاً بحقيقتها أم مدركاً زيفها. هو، يطيب له، أن يكون في امتحان مواجهة المؤامرة. والمؤامرة، كما هو مفترض، تكون سرية العناوين والتفاصيل. فلماذا هذه المؤامرة، بين ما عرفناه في التاريخ القديم والحديث، ليست سرية، بل هي معلنة وفضفاضة وكثيرة الترداد. أركان المجتمع الدولي، من أميركا والمنظمات الواقعة تحت تأثيرها ونفوذها، مع عدد من دول الغرب، تريد من سوريا أن تفك تحالفها مع إيران ومع حزب الله.. هل من جديد في ذلك؟ أليست هذه مطالب قديمة؟ أين المؤامرة إذاً؟
النظام في سوريا مصر على أن المؤامرة الجديدة تريد تقسيم سوريا. لم يقل لنا كيف؟ لم يصرح بمن؟ إلا إذا افترض أن هذه المعارضة هي رأس حربة الحروب الأهلية ورأس حربة التقسيم، فأقدم على فعل اجتثاثها. لعل المسألة معكوسة: قمع المتظاهرين بالعنف المتمادي يؤدي إلى حروب أهلية ويفضي إلى تقسيم أهلي، لا جغرافي.
هل حسب النظام معركته ليحسم نتيجتها مهما كانت كلفتها؟ لا يعقل ألا يكون مدركاً وعارفاً أن القبضة الأمنية والمطرقة العسكرية، لم تحسما المعركة بعد. لم يكن النظام متساهلاً مع أي تظاهرة أو أي مدينة أو أي حي. كان بالمرصاد العسكري والأمني. هل حسب النتائج؟ ألم يكتشف أن العلاج الأمني، أوقع المزيد من القتلى وسفك المزيد من الدماء وفسخ النسيج الوطني وأضاف إلى الأخطار الداخلية مخاطر التدخل الأجنبي وبلغ حد الاحتراب الداخلي بين مكوّناته، فاستيقظت عصبياتها الطائفية والمذهبية؟ ألم يدرك أن العزلة تشتد والخناق يزداد، وأن الطلاق بين السلطة وأكثرية الشعب صار حتميا، وأن المزيد من العنف، يفتح جراح الماضي كلها، فيحاسب الحزب ويحاكم الأب ويدان البنون؟
احسبوها، إلا إذا كان السائد لدى أي سلطة مغلقة واستبدادية هو منطق: «عليّ وعلى أعدائي»، أو «إما أنا أو الفوضى»، أو «إما أنا أو الأصولية المخيفة» أو «إما أنا أو الحروب الأهلية» أو، «إما أنا أو الجحيم». وهذه الوصفة جرى استعمالها والتداوي بها من قبل أنظمة الاستبداد ولم تكن شافية.
إن الاندفاع إلى الهاوية يلغي إمكانية الحوار، يمنع الانفتاح، يلغي التفاوض، ويجعل من القرارات الإصلاحية، حبراً على ورق، أو زينة متأخرة لسحنة سلطة لم يعد لديها ما تتجمل به.
احسبوها. بعد كل هذه الاعتبارات وعلى خلفية ما جاء أعلاه، لا بد من سؤال أخير للنظام: هل الفوز بالقوة محسوم ومأمون، مهما كانت كلفته الإنسانية والاقتصادية؟
لا أحد ينتصر على الشعب إلى الأبد. الشعب باق، والسلطة إلى رحيل والنظام إلى أفول. فالحرب، إذا ربحها النظام، خسر خسارة له وللوطن.
[[[
حساب المعارضة بكامل أطيافها من طينة أخرى. السؤال الأول: هل حسبت قوتها ووظفتها في المعركة السلمية، بشعارات ممكنة التطبيق؟ هل كانت قادرة على الحراك والانجاز أم أنها ذهبت بعيداً في المطالبة بإسقاط النظام، وهي غير قادرة على ذلك.
النظام في سوريا، له خصوصية شديدة الوطأة. هو نظام عسكري، وليس نظاماً حزبياً. حزب البعث مات من زمان. كان مجرد واجهة مدنية بأدوات أمنية. الجيش ليس محايداً أبداً. النظام هو جيشه، وجيشه هو النظام. لا ينفصمان أبداً. لا شبه بين تونس ومصر وبين سوريا. فـ«السلمية» التي فازت هناك، توعكت في سوريا، وتأزمت في اليمن، وانتكست في البحرين. السلمية في سوريا، غرقت في الدم. والدم في سوريا، لا لون موحداً له، دم الثوار، لا يشبه دم المؤيدين للسلطة. دم هنا، يستنفر غرائز. ودم هناك يستنفر غرائز مضادة. وهذان الدمان، يعبدان الدرب إلى الهاوية، هاوية الاحتراب الأهلي المخيف.
لا أعرف ما كان يجب أن تقوم به المعارضة، ولا أعتبر نفسي مؤهلاً لتقديم أي نصح. أتساءل فقط، عن المخاطر التي تهدد الحراك، كأن يستنقع في التكرار، الذي عرفته معارك الكر والفر في ليبيا. تتحرر مدينة ثم يعاد اقتحامها من قبل القوى العسكرية، مرة تلو مرة. أو كأن يصبح الدم النازف رخيصاً جداً، فتتعامل معه السلطة بالاتهام المسبق والمبتذل، أو كأن يفتح الاستتقاع الدموي الطريق أمام أهوال التدخل الخارجي.
أنحني أمام الدم المسفوك، ولا طاقة لدي لأخذ العبرة وإبداء الرأي، إنما الخوف مشرّع: خوف على المعارضة ومشروعها الديموقراطي، وخوف على سوريا المجتمع والدولة والسياسة والقضية.
خوف يتلبّس من اكتوت قلوبهم بنيران الاحتلال الاسرائيلي في لبنان، وخشية من أن ينزلق الصراع إلى إقالة سوريا من دورها القومي في دعم المقاومة في لبنان وفلسطين. خوف من الخارج الذي يبيع الحرية ويشتريها، لكنه لا يساوم أبداً على مصالحه ومصالح اسرائيل الاستراتيجية.
دمشق ليست عاصمة لسوريا… هي عاصمة لفلسطين، من أزمنة قديمة. دمشق عاصمة للمقاومة والممانعة. والشعب السوري فلسطينياً كان… والخوف من القطرية والكيانية والمذهبية والاثنية…
سؤال يقلق ويلح بقلقه، لأن مثل هذا المسار سيؤدي حتماً إلى خسارة الجميع. لا رابح أبداً من معركة مستدامة، يتداخل فيها الوطني المعارض، مع الخارجي المتربص والاقليمي المحتال.
سؤال يقلق ولا يريح صاحبه الجواب التقريبي. سوريا اليوم وسوريا الغد، مسؤولية المعارضة. لقد كتب النظام تاريخه المعروف، وهو بصدد كتابة الفصل الختامي. لا مستقبل لهذا النظام. إذا هزم المعارضة فسيخرج مهزوماً. المعارضة في صدد إنجاز تاريخ جديد لسوريا. ومطلوب بإلحاح، طمأنة القلقين والخائفين على دور سوريا الاقليمي والعربي.
لا نصدق أي دولة عربية. انها أنظمة استبدادية فتاكة. لا نصدق انها مع الديموقراطية والحرية والعدالة والمساءلة وتداول السلطة. هي أنظمة دموية، عفنة، تبعية، قروسطية، لا تصلح إلا لدفن عسى يكون قريباً على أيدي شعوبها… ولا نصدق الدول الغربية الكاسرة، ذات التاريخ المشهود في دعم الاستبداد العربي، وفي تأييد وتشجيع نظام الإبادة الاسرائيلي وسياساته الاستيطانية اللاغية لفلسطين برمتها ولأهلها بأجمعهم. ولأن القلق بهذا المستوى ولا يوازيه إلا القلق على الثورة نفسها فإن المطلوب طمأنة الأمة على مستقبلها والمقاومة على سلاحها.
[[[
بعد القلق على المعارضة لا قلق لدينا يفوق القلق على المقاومة في لبنان أساساً وفي فلسطين تحديداً. وهي مقاومة أنجزت تحريراً غير مسبوق البتة، في أزمنة «الصراع العربي الفلسطيني». وهي مقاومة متجذرة في مستقبل الأمة، وليس في ماضيها الحديث فقط. المقاومة الاسلامية في لبنان، لم تعد مشروعاً من الماضي، كما يقول بعض أهل السياسة في لبنان وبعض أصحاب النيات الشريرة في دنيا العرب. المقاومة هذه، هي العمود الفقري للصمود والمواجهة، في الصراع العربي الاسرائيلي، وهي كذلك في مواجهة سياسات العداء الأميركي الغربي للأمة، ان من خلال تأييدها المطلق لإسرائيل او من خلال نهبها المشرعن بقوة النفوذ والوجود والعسكر للثروة العربية، بالتواطؤ مع ممثلي الغرب الناطقين باللغة العربية.
قلقنا على المقاومة، نابع من حاجتها إلى استمرار الدعم الكامل، وتحديداً بالعدة العسكرية، التي يؤمنها النظام السوري. ولا يفيد أبداً، اتهام النظام بأنه يتاجر بالقضية وبالمقاومة. هذا كلام غير دقيق وغير جائز، لأن المقاومة تتنفس من الرئة السورية والرئة الايرانية، وقلبها ينبض وينزف في لبنان. وهذه حقيقة مثبتة ومؤكدة ومبرهنة بالدم والتضحيات هنا، وبالغضب الدولي على سوريا… سوريا النظام، مغضوب عليها، ليس بسبب نظامها الاستبدادي، بل لدعمها المقاومة في لبنان وتحالفها مع ايران.
معادلة أثبتت صحتها ورجاحتها وفوزها، فيما أنظمة التباكي على الحرية، غربية وعربية، كانت تتفرج على دمنا وتتمنى أن نسقط بالضربة الاسرائيلية القاضية في حرب تموز 2006.
قلقنا مشروع… وقد يفسر هذا القلق، موقف حزب الله في لبنان، من النظام في سوريا، دعماً وتأييداً. هذا النظام كان الحليف القوي والوحيد بين الدول العربية، فكيف يقف ضده، وهو لا يزال بحاجة إليه، فإذا سقط، فإن سؤاله يصير بحجم الأسئلة عن المصير الوجودي.
احسبوا الخسائر. لا خسارة أفدح من خسارة الحرية، لا خسارة تضاهي خسارة الديموقراطية، لا خسارة أشد وطأة من خسارة الكرامة، لا خسارة تتفوق على خسارة الثورة العربية الديموقراطية في سوريا… وشقيقاتها العربيات، المتفرجات أو المنتظرات.
احسبوا الخسائر. لا خسارة جسيمة، بجسامة خسارة المقاومة في لبنان. خسارة الربح المؤزر بالدم والتضحية والوفاء والكرامة والنبل والقيم.
كم ستكون الخسائر قاتلة، إذا خسرت المعارضة السورية ثورتها، وإذا خسرت المقاومة اللبنانية سلاحها؟
ما العمل؟
الأيام المقبلة، قد تقذف نوراً في الصدر فننجو من الضلال، أو قد تقذف سهما في القلب، فتكون لنا أفدح مقتلة.
من يمنع عنا الهاوية؟
حتى الآن… لا أحد.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: