الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

إمتحان التاريخ – عوني فرسخ

كانت وكالات الأنباء قد نقلت عن ائتلاف شباب ثورة 25 يناير/كانون الثاني، صاحب المبادرة التاريخية بتفجير الثورة، دعوته لجمعة مليونية في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، تأكيداً على استكمال الثورة، وذلك بالضغط على المجلس العسكري الحاكم لتصفية سيطرة رجالات عهد مبارك على مؤسسات ومرافق الدولة، والإسراع بمحاكمة الرئيس المتنحي وأركان نظامه والضباط المتهمين بقتل شباب وصبايا الثورة . غير أن جمعة استكمال الثورة شهدت تجمعاً مليونياً في ميدان التحرير بأكثرية ساحقة لجماعة الإخوان المسلمين والجماعة السلفية، فيما بدا استعراض قوة ومحاولة فرض الذات والشعارات على بقية قوى الحراك الشعبي في مصر، فضلاً عن أن السلفيين الذين تجاوزوا الاقتصار على الدعوة للمشاركة في النشاط وطالبوا بإقالة شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية، ولقد تسبب استفزازهم في انسحاب 30 حزباً ومنظمة .

 

ومما لا شك فيه أن الاخوان المسلمين والحركات المتفرعة عن الجماعة، هي اليوم المنظمات السياسية الأوسع انتشاراً، والأكثر شعبية والأبرز من حيث كفاءة التنظيم والإمكانات المالية، في مصر وبقية الأقطار العربية التي تعيش مخاض التغيير الجذري في مشرق الوطن العربي ومغربه، ما يجعلها الأوفر حظاً بالفوز في أي انتخابات متحررة من تدخل أجهزة الحكم . ولقد توالى خلال الشهور الأخيرة الحديث عن توجه الإدارة الأمريكية للانفتاح على جماعات الإسلام السياسي العربية والدفع باتجاه بروز ما يعتبر منظمات إسلامية معتدلة على غرار الأنموذج التركي الذي يمثله “حزب العدالة والتنمية” بزعامة أردوغان . وكثيرة هي المؤشرات الدالة على أن التوجه الأمريكي يلقى تقبلاً متزايداً في أوساط القيادات الإخوانية، بل إن منها ما لم يتردد بالإعراب عن استعداده للالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الصهيوني، بما في ذلك معاهدتا كامب ديفيد ووادي عربة، رغم تنكرهما للحقوق العربية والإسلامية التاريخية في فلسطين .

 

ثم إن أدبيات سيد قطب التكفيرية قد غطت على أدبيات حسن البنا، خاصة عدم عدائها للدعوة القومية العربية والممارسة الديمقراطية، بحيث إن مقولات سيد قطب المعادية للعروبة والديمقراطية تكاد تكون هي السائدة لدى الجماعات السلفية ولقطاع واسع بين الإخوان المسلمين . ما انعكس على اتساع دائرة المتحسبين من تولي الإخوان المسلمين السلطة، ناهيك عن القلق الشديد الذي تبعثه مشاركة السلفيين على أي نحو في الحكم .

 

إلا أن جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات المتفرعة عنها، من بعض الحركات السياسية العربية، من حقها تولي السلطة إذا توصلت إليها عن طريق صناديق الاقتراع كما أن من حقها أن تعمل على تطبيق برامجها إن هي التزمت بالديمقراطية، وأول قواعدها احترام حق الآخرين في الاختلاف، والتعامل معهم باعتبارهم شركاء مسيرة، وأصحاب وجهات نظر جديرة بالاحترام .

 

والجدير بالتذكير به أن المؤتمر القومي الإسلامي، الذي يشارك في عضويته عدد من رجالات الإخوان المسلمين وقادة الحركات الإسلامية من المشرق والمغرب العربيين، قد توافق مع كل من المؤتمر القومي العربي ومؤتمر الأحزاب العربية على النضال المشترك لتحقيق الأهداف القومية الستة: الاستقلال الوطني والوحدة العربية، والتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتجدد الحضاري .

 

فضلاً عن أن شعوب الأمة العربية تعيش مرحلة التحرر الوطني وأول متطلباتها النضال لتحقيق استقلالية الإرادة الوطنية والقرار الاقتصادي، وذلك بالتصدي للمداخلات والضغوط الخارجية، الإقليمية منها والدولية، والعمل على تنمية القدرات الانتاجية، والدفع باتجاه تشكيل جبهات وطنية في كل قطر عربي من مختلف الأحزاب والمنظمات والقوى الملتزمة بالعمل على تحقيق الأهداف الستة السابق ذكرها .

 

ولقد كان الالتزام بالقضايا الوطنية والاجتماعية شرطاً لتأييد جماهير الشعب العربي للقادة والحركات السياسية . ويذكر أن عادل حسين مؤسس حزب العمل بمصر والكاتب صاحب التوجه الإسلامي تساءل في ندوة “القومية العربية والإسلام” التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية سنة 1981: كيف استطاع عبدالناصر أن يتصادم مع الإخوان المسلمين ويحتفظ برغم هذا بشعبية واسعة؟ ورأيي بداية أن الناصرية لم تحجّم جماعة الإخوان المسلمين بمجرد استخدام أجهزة الأمن . بل إنها أساساً من خلال سحب البساط الفكري والسياسي من تحت أقدامها . فحين قادت جهاداً مقدساً ضد السيطرة الأجنبية والصهيونية، وناضلت من أجل توحيد العرب والعدالة الاجتماعية، أدركت الجماهير الواسعة أن عبدالناصر يعبر عن مضمون إسلامها الثوري ومأثوراته، فلم تتجاوب مع عداء الإخوان المسلمين لعبد الناصر، ولم تنفض عنه بسبب هذا العداء .

 

وإلى جانب تقديم كل ما فيه التعبير الصادق عن مضمون الاسلام في التصدي للتحالف الأمريكي الصهيوني، والعمل لردم الهوة المتسعة ما بين القلة المتميزة بالغنى الفاحش وبين الأكثرية الساحقة التي تعاني الفقر المدقع، لا يكتمل الالتزام الواعي بالإسلام ديناً وشريعة إلا بإعطاء الاجتهاد في المسائل الفقهية حقه . وإذا كان السلف الصالح قد عبروا في اجتهاداتهم، المؤسسة على تفسيرهم للنصوص من الكتاب والسنة، عما رأوا فيه صلاح مجتمعاتهم، وتركوا لنا إجماعهم على القول بتغير الأحكام بتغير الأزمان، فإن أحوج ما تحتاجه المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة اجتهادات تلبي احتياجاتها وتيسر للمسلم المعاصر العيش في زمانه والتفاعل مع محيطه بأكبر قدر مستطاع من الإيجابية، بحيث يعطي الصورة المشرقة للإسلام الدين والشريعة .

 

والسؤال الأخير: هل يلتزم الأخوان وحلفاؤهم بمتطلبات مرحلة التحرر الوطني والعمل للأهداف الستة، أم إن تعصب وانغلاق السلفيين سوف ينعكس على ممارساتهم، بحيث يخدمون مخطط التفتيت الأمريكي الصهيوني؟ وهذا هو امتحان التاريخ الذي يواجهه الإخوان المسلمون إن قدر لهم أن يتولوا السلطة في مصر أو أي قطر عربي آخر .

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: