الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

سايس ـ بيكو، وتأسيس التجزئة العربية

فتحي بالحاج:     

لقد أبرمت الدول الاستعمار العديد من المعاهدات والاتفاقيات واقتسمت بموجبها العالم الى مناطق نفوذ لنهب خيراته.  وتمكنت فرنسا وبريطانيا من الحصول على نفوذ كبير في الأقاليم العربية بعضها بالقوة العسكرية وبعضها الآخر بالقوة التقنية و الاقتصادية. ففرنسا مثلا سيطرت بالحديد و النار على تونس و الجزائر و المغرب. أما بريطانيا فانها تمكنت من السيطرة العسكرية على مصر والخليج العربي. الا ان معاهدة سايس بيكو تعتبر من أخطر الاتفاقيات  ذلك أنها أسست لتقسيم الوطن العربي. ومهدت للتجزئة في الوطن العربي.القد كانت أكثر من مجرد معاهدة لاقتسام نفوذ سياسي او اقتصادي او ثقافي. لقد زرعت بثور المرض في الجسد العربي ألا وهي الحدود التي على أساسها تمّ بناء دويلات  ضعيفة ومستضعفة تلعب دور العائق في بناء دولة العرب الواحدة. لقد كانت سايس بيكو كمرض الايدز أفقد الجسد العربي مناعته. لقد جاءت هذه المعاهدة لوأد حلم العرب في بناء دولة قومية عربية. ان كل هذا الضعف العربي والانهيار المخيف الذي أصاب الكيان العربي هو النتيجة المنطقية لهذه المعاهدة السيئة الذكر.

اتفاقية سايس ـ بيكو:
تمت مفاوضات سرية في 1916 بين روسيا وفرنسا وانكلترا على كيفية اقتسام ميراث الدولة العثمانية. ونص الاتفاق في مرحلة أولى في مارس 1916 على ان تكون حصة روسيا المضايق والقسطنطينية والولايات الشرقية. وترك أمر التصرف في الولايات العربية الى فرنسا وانكلترا التي عقدت اتفاقية بينها في 26 أفريل 1916 المعروفة باتفاقية “سايس ـ بيكو” نسبة الى المتفاوضين  “مارك سايكس” الانكليزي و”جورج بيكو” الفرنسي.  فلم يسمح لروسيا بالدخول الى المنطقة العربية كما كانت تريد ـ فلسطين ضمن المناطق التي رغبت في وضعها تحت سيطرتها نظرا لوجود رجال الدين و الكنائس الأرثوذكسية فيها ـ  ولم يكن هذا معزولا عن وعد بلفور سنة 1917. وقد حددت الاتفاقية مناطق النفوذ لكل من انكلترا وفرنسا. منطقة النفوذ البريطاني في السواحل السورية الممتدة من الحدود المصرية الى الناقورة و العراق الجنوبي بغداد البصرة و السواحل الممتدة من خليج البصرة الى نهاية البحر الأحمر منطقة النفوذ الفرنسي السواحل السورية من الناقورة الى الاسكندارية مع جبل لبنان و كيلكيليا. فلسطين ادارة خاصة ووضع ميناء الاسكندرونة تحت ادارة دولية و اعتباره ميناءا حرا. وقد تمت الاشارة باللون لكل منطقة:

المنطقة السمراء و تشمل فلسطين مع مدينة القدس و تدار دوليا.

المنطقة الحمراء و تضم جنوب العراق مع بغداد و البصرة و تحكمها انكلترا مباشرة.

المنطقة الزرقاء و تمتد على البلاد الساحلية من بر الشام.. كيلكيليا لواء اسكندرونة بلا العلويين، لبنان و تحكمها فرنسا مباشرة.

منطقة أ  تضم سورية الداخلية و شمال العراق مع الموصل وكركوك، و توضع تحت اشراف فرنسا.

منطقة ب وتضم الأردن وبادية الشام والعراق الأوسط، وتشرف عليها انقلترا. وتعلن الدول الموقعة على هذه الاتفاقية عن استعدادها للاعتراف بدولة عربية مستقلة أو مجموعة دول عربية متحدة في المنطقتين أ و ب، وتتعهد بأن ترسل لها خبراء و مستشارين بناء على طلبها (1).

وراحت بريطانيا وفرنسا تحرّضان العرب ضد الأتراك، وتغدق عليهم وعود التحرر والوحدة. وبقيت الاتفاقية سرية الى أن نشرت تفاصيلها الثورة الروسية  وأمام رد الفعل الشعبي الرافض لفرنسا وبريطانيا والداعي للاستقلال والوحدة  حاولت فرنسا وبريطانيا الالتفاف على هذه الدعوة فتم ارداف هذا الاتفاق بملحق في 8 نوفمبر 1918 حتى ينسجم مع ماعرف من ” مبادئ ولسن” وتمّ التأكيد فيه على أن الحكومات التي ستقام ستكون ناتجة لرغبة الأهالي. الا أن فرنسا وانقلتر رفضت الاعتراف بالاستقلال الذي اعلنه الشعب العربي في سوريا سنة 1920 الذي ارتكز على مبادئ ولسن والتقرير الذي قدمته اللجنة المكلفة باستطلاع مطالب الشعب وأحواله.

ان هذاالتقسيم هو تتويج لما تحقق من سيطرة ميدانية  في كل مجالات الحياة اقتصاديا وعسكريا. فلقد أصبحت مصر والمغرب العربي  تخضع مباشرة للوجود العسكري البريطاني والفرنسي. فعملية سايس بيكو جاءت انطلاقا من وضعية التقسيم الأولى مغرب عربي  يخضع للسيطرة الأجنبية منذ قرابة نصف قرن ومشرق عربي مازال يترنح بين تقسيمات ادارية عثمانية وسيطرة اقتصادية ومالية غربية تتحداهما حركية فكرية وسياسية نشطة تدفعها رغبة جامحة في التحرر من قبضة الهيمنة الأجنية  غربية او تركية وبناء الدولة العربية الجامعة ـ وان اختلف دعاتها دولة عربية اسلامية  تضم العديد من الأمم الاسلامية الأخرى أو دولة قومية على المثال الموجود في الغرب . يعني دولة خاصة بالعرب دون بقية المسلمين ـ. لتضيف حالة  تقسيم جديدة في المشرق العربي تهيئ المنطقة لتنفيذ المشاريع الغربية ـ زرع كيان غريب يفصل المشرق عن المغرب، وخلق حدود سياسية لم تكن موجودة، تهتك بالنسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي للعرب وتخلق وضعية جديدة تعيق مطلب التوحيد القومي شبه.

النقطة الغير معلنة في اتفاقية سايس بيكو هو التسليم لفرنسا بحق التصرف في المغرب العربي. فالتواجد الفرنسي في المغرب العربي غير قابل للحوار و هو تواجد يرتكز على مبدأ تحويل التقسيم الاداري العثماني للمغرب العربي الى مؤسسات أو مشاريع دول تتعارض مع مبدأ الدولة القومية العربية. والتسليم لبريطانيا في سيطرتها على مصر وبعض مناطق الخليج العربي .

والا كيف نفسر أن يكون جيش المستعمر واحداً، والمصالح واحدة والشركات التي تنهب الخيرات هي نفسها،  في حين تتفنن الادارة الاستعمارية في استخراج القوانين و تركيز الحدود لتحويلها الى حدود طبيعية و نفسية و ثقافية ؟

انها الغاية الاستراتيجية لقوى الهيمنة وهو تكثيف معوقات العمل الوحدوي العربي . هو منع العرب من بناء دولتهم القومية ونقض العهود التي قطعها.

لقد صاحبت هذه الاتفاقية سياسة تفتيت لكل مايرمز الى وحدة هذه المنطقة. ففرنسا مثلا بعد أن تمت لها السيطرة التامة قسمت بلاد الشام الى ستة دول وفرضت اللغة الفرنسية لغة رسمية. لقطع الطريق امام بناء الدولة القومية العربية:

قبل المعاهدة بعشرة سنوات بعد وضع كل الوطن العربي تحت السيطرة  اجتمع بعض “المجرمين” من أصحاب المعرفة  للاجابة عن سؤال ماذا بعد الاستيلاء والتقسيم الذي تم؟. اجتمع  في سنة 1907 قرابة 200 عالما في بريطانيا من المختصين في التاريخ  وفي الحضارة وانتهوا الى أن حضارة جديدة يمكن أن تبزغ بقيادة العرب. وتقضي على الحضارات الأخرى. واتفقوا على ضرورة الدعوة لتقسيم العرب لأنهم يمثلون خطرا على السيطرة الغربية في العالم. لقد رأى “المجرمون”  ضرورة ايجاد ايجاد حاجز بشري يفصل بين أفريقيا العربية وآسيا العربية، من شأن هذا الحاجز أن يحول دون وحدة هذا العالم وتجمعه، وكان التحالف الاستعماري الصهيوني في تقسيم هذه الأمة…

ان تفتيت الأمة العربية هي القاعدة التي حكمت رؤية الغرب الأوروبي لأمتنا…ان تفتيت العرب الى مجموعات سياسية متناحرة وخلق كيانات سياسية  متصارعة مع خلق كيان غريب سيكون الحل لاعاقة أي شكل من أشكال العمل الوحدوي في الوطن العربي(2) .    

لقد استهدفت هذه الاتفاقية أمة مكتملة التكوين، ففتّت وحدة نسيجها السياسي والاجتماعي وحولت جسدها الى أشلاء لاحول لها ولاقوة. جاءت اتفاقية سايس بيكو بعد قاموا من العديد من الدراسات والأبحاث التي اعتبرت هذه  المنطقة الجغرافية المسمات بالوطن العربي مؤهلة أن تصبح دولة قومية قوية قادرة على افتكاك مشعل الحضارة و التقدم. فالعرب يمتلكون كل مقومات الأمة الحديثة. استعملوا علوم التاريخ وعلم الحضارات لاستنباط ما يمكن ان يعيق حركة العرب المستقبلية. فكان الهدف هو تحويل هذه المنطقة ذات الحضارة الواحدة الى كيانات منفصلة الواحدة عن الأخرى، في صراع متواصل  بينها بحيث تبقى دائما في حاجة الى القوى الخارجية للحفاظ على وجودها. الخطورة  في هذه الاتفاقية أنها أبرمت والأمة العربية بدأت تتحسس مفهوم الدولة القومية الحديثة و بدأت تسعى بخطى حثيثة لتأسيسها و تحاول جاهدة للتخلص من سيطرة دولة ـ الامبراطورية العثمانية ـ، لامحال ساهم العرب في تأسيسها كدولة متعددة القوميات،  ولكن تحولت بفعل عوامل عديدة الى دولة استعمارية.

ففكرة الدولة القومية فكرة حديثة في المنظومة الفكرية العربية والاسلامية. فالعرب طيلة تاريخهم القومي لم يجدوا أية صعوبة في العيش مع القوميات الأخرى داخل دولة جامعة. فالمكوّن الحضاري العربي أعطى العرب هذه الميزة الانسانية السامية. فالبعد الانساني في المكونات الحضارية العربية وهي السند الثقافي للفكرة القومية العربية، همشت فكرة الدولة القومية كما هي في الغرب فلم تصبح ضرورية ومشكلة حياتية ووجودية الا بعد انفصام عرى الدولة الجامعة وسيطرة قوميات أخرى ذات نزعة عنصرية استهدف العروبة، وسعت الى محو شخصيتها ووجودها عندها وليس قبلها ظهرت الحركة القومية ولو كان سبب آخر غير هذا السبب لاعتبرت الحركة القومية حركة مشبوهة. فالمكونات الحضارية العربية ذات بعد انساني عالمي اذ لا يجد العرب أي موانع نفسية أو اجتماعية في العيش مع قوميات أخرى في اطار دولة واحدة على قاعدة الاحترام المتبادل. هذه القاعدة الانسانية التي بنى على أساسها العرب تاريخهم من خلال نسج علاقات الأخوة والانسانية مع الشعوب والمجتمعات الأخرى انتهكت مضامينها من قبل الغرب الذي أصبح قوة سياسية وعسكرية. وتبعهم في هذا الحركة الطورانية. فأصبحت دولة كل المسلمين الى سلطة بيد الأتراك يقيضون بالأقليم العربية مقابل الحفاظ على أمتهم التركية.

فمن غير المنكور أن هشاشة فكرة الدولة القومية في الفكر العربي والاسلامي ساهمت في تمكين  القوى الاستعمارية فرنسا و بريطانيا من دس الاقليمية و الطائفية في ثوب  الوطنية والأمة، والتقسيم الاداري العثماني في ثوب الاستقلال والدولة الحديثة. وشجعت ظاهرة صراع  الأقليات الدينية و الاثنية في الوطن العربي  فعوض أن تكون عامل اثراء و تنوع ويمثل ثروة لا يستهان بها للأمة العربية استغلت فرنسا وبريطانيا لتحويل هذا العامل عامل تفتيت و تدمير للكيان الواحد. وحاولتا أن تعطياها مضامين اجتماعية و سياسية و ثقافية لتتحول الى مضامين قومية. وأجهدت الدول الاستعمارية نفسها نبشا في التاريخ الغابر المندثر بحثا عن رموز لتبرير ما تقوم به في مواجهة حركة التوحيد القومي العربي. واستغلت الدول الاستعمارية التعدد الديني والمذهبي للتدخل في الشؤون الداخلية العربية كما حدث سنة1861 من قبل فرنسا. وتمكنت من تحويل التعدد من عامل ثراء للحضارة القومية العربية الى عامل فرقة و صراع بدعوى تثبيت الدور “المميّز” لفرنسا في حماية الأقلية المسيحية:

لقد أتت اتفاقية سايس بيكو لفرض الامتيازات التي تمكنت فرنسا من فرضها على حلفاءها واعدائها من قوى الهيمنة الأوروبية  في سوريا و في لبنان. التي نجحت في اضفاء  الصبغة الدينية على أطماعها و حاولت الظهور بأنها مسؤولة في حماية الأقلية المسيحية في سوريا و لبنان. وقد انتزعت من البابا اعترافا بخصوصية الأقلية المسيحية في الشرق العربي و خاصة الأقلية المارونية. فأصبح هذا الدور مقدس  فالبابا يكتب الى الكاردينال لانجيو   سنة 1988 “ان فرنسا لها في الشرق رسالة خاصة منحتها اياها الرعاية الربانية و رسالة نبيلة لم تخصص بمجهود و لكن بمعاهدات دوليةن و اعترف أيضا مجمعنا الديني ببياناته الصادرة في الثاني و العشرين من مايو سنة 1888 و في الحقيقة فان البلاد البابوية لا تريد أن تمس الحقوق العظيمة التي حصلت عليها فرنسا من أجدادها و التي مازالت تنتظرها انه بدون شك تستحق أن تحتفظ باعجاب قيمة مهمتها” (3) أما في الخطاب السياسي الرسمي فرئيس الوزراء الفرنسي ربط المصالح الحيوية  الفرنسية في المشرق العربي بالكرامة الوطنية. ” اننا مصممون عاى الدفاع عن حقوقنا و مصالحنا بكل قوة و عازمون عاى المحافظة على تقاليد فرنسا  العظيمة في الشرق و اننا نؤكد بأننا سنعمل كل ماينبغي من أجل صيانة كرامتنا القومية المقدسة التي لا تلمس باليد.” (4)  في هذا السياق يمكن ان نسوق العديد من الأمثلة التي استخدمتها الدول الغازية لخلق حالة عداء دائمة حتى بين المذاهب الاسلامية سواء بين السنة والشيعة او بين المذاهب داخل السنة من جهة وداخل الشيعة من جهة. وهذا التاريخ الاستعماري الان يستحق البحث والدراسة العلمية الجادة لأنه يكشف لنا صفحة تاريخة يمكن ان تساعدنا في فهم ما تقوم به بعض دوائر الهيمنة في الوطن العربي.

وانه من خلال الاكتواء وفهم هذه السياسة الاستعمارية تم الرد على قوى الهيمنة، فجاءت المقاومة من العرب مسلمين ومسيحيين وغيرهم. فتكونت منذ  وعد بلفور لجان اسلامية مسيحية في أهم التجمعات  السكانية في فلسطين تحسبا  لنتائج وعد بلفور و قد تمكنت هذه اللجان من عقد أول مؤتمر عربي بفلسطين بالقدس امتد من 27 جانفب الى 9 فيفري 1919 في هذا المؤتمر أكد المؤتمرون من مسلميتن و مسيحيين على الروابط القومية بين سوريا و فلسطين بأبعادها الدينية و الثقافية و الأخلاقية و الاقتصادية و الجغرافية و رافضين ادعاءات فرنسا و يطالبون بتطبيق مبادئ ولسن معتبرين أن فلسطين هي جنوب  سوريا. ([5])  وبما ان المشروع الاستعماري هو مشروع تفتيتي تصفوي فانه وجد من ابناء أمتنا من مسلمين ومن مسيحيين من يتعامل معه. كل هذا لايمت الدين الاسلامي والدين المسيحي في شيء لأنه أجزاء من مكونات أمتنا وعلامة من علامة ثراءها ومناعتها.

سايس بيكو والانتفاضة العربية الأولى:
تجلت اتفاقية سايس بيكو السرية في مواقف هذه القوى الاستعمارية من الثورة العربية التي انطلقت تطالب بالتحرير من الهيمنة التركية دون أن تكون لها اجابة حول ماستفعله ازاء الهيمنة البريطانية والفرنسية الحاضرة على الأرض العربية. لقد جسّد الموقف من الثورة العربية، العداء الغربي لفكرة القومية العربية ومبدأ بناء الدولة القومية العربية. وهذه المواقف هي في نهاية المطاف التطبيق الحقيقي لاتفاقية سايس بيكو. فتخوف القوى الغربية من الثورة العربية وفكرة التوحيد العربي، جسدته التقارير العديدة التي تم تجميعها حول الأهداف الحقيقية لقيادات الانتفاضة العربية التي انطلقت في المشرق العربي ضد الأتراك. للتمكن من السيطرة على التوجهات السياسية لقيادات التحرر العربي.

نشير هنا الى البعض من هذه التقارير لضيق المجال . اما جمعها وحصرها لدراستها فانها من مشمولية الشباب العربي المتصدّي لبناء المستقبل كما سبق وان بيّنّا. فعلى سبيل المثال قدم بن غبريط الذي ترأس وفد الحجيج المسلمين (6) الى البيوت المقدسة، في 18 ديسمبر 1916،  قدم تقريرا  الى الحكومة الفرنسية عبر فيه عن تخوفه من “مطامع” و “طموحات” الشريف حسين الوحدوية ذلك أنه اي الشريف حسين حسب هذا التقرير غير مستعد للتخلي عن سوريا فهو لن يقتنع فقط بالأماكن المقدسة الحجاز بل يهدف الى بناء دولة قومية تجمع كل العرب و هذا ما سيؤثر على وضع فرنسا داخل مستعمراتها في المغرب العربي.” لا ينطوي استقلال العرب في عرف الشريف الذي أعلنه، على تحرير الأماكن المقدسة و حدها، بل يمتد الى ما وراء ذلك، فهو يطمع الى انشاء دولة عربية قوية، ذات شأن تشمل حدودها الجغرافية بلاد العرب، و قد قال لي أن بلاده لا تستطيع أن تعيش وحدها، لضعف مواردها، بل لابد من الاعتماد على الأقطار المجاورة لها، و هو يشير بذلك الى سوريا و دمشق، و لا يخفي نجله عبد الله مطامعه من هذه الناحية، و يجب أن أقرر أن خلافنا مع الشريف يجعل  استقرارنا في سوريا عرضة لمصاعب… ان تقاعسنا عن مساعدته في حالة الخطر قد يعجل في حمل الحكومة العربية على التعاقد مع الترك، و يدفعهم لاغماد سيوفهم و الوقوف بجانب الترك ضد الحلفاء” (7) وقد ذكر بوانكريه رئيس فرنسا في مذكراته أن الفرنسيين ” كانوا يدركون أن الحركة العربية ستؤثر تأثيرا ضارا بهم، ليس في البلاد العربية التي يطمعون بها للمستقبل فحسب، بل في البلاد العربية التي يسيطرون عليها منذ عقود من الزمن أيضا”   (8) .  وقد كان صرح بوانكريه في ديسمبر1915 ” ان الامبراطورية العربية ليست بالنسبة لي شيئا كبيرا، ولكنني أخشى تأثيرها على مستعمراتنا الافريقية، واني أود أن لا أراها تولد، وقد عرضت مخاوفي هذه على مجلس الوزراء” (9).

لم يأت اعتراف فرنسا بالثورة العربية الاّبعد أن وقعت مع بريطانيا معاهدة سايس بيكو التي بمقتضاها أجبرت بريطانيا على الاعتراف بمصالحها في المنطقة وعدم المساس ب”مصالح فرنسا القومية” في سوريا وفي لبنان. فتبادل الوفود و التهاني يخفي حقيقة الموقف الفرنسي الذي اتسم بالازدواجية و بالانتهازية فهو نفس الموقف الذي دعا اليه وزير خارجية فرنسا <<بيشون>> و نقله الى سفرائه في البلاد العربية عقب المؤتمر العربي الأول في باريس في جوان يونيو 1913 حين قال لهم ” ان الحركة العربية قد انقلبت ضدنا فأظهروا انكم تساعدونها لتكسبوا وده الأهالي العرب و في الخفاء اسعوا للقضاء عليها ” و قد كان هذا المبدأ هو حقيقة الموقف الفرنسي الذي يتمثل في اظهار العطف و الاسناد، و اضمار الشر و العداوة” (10) و لم  تخف فرنسا تخوفها حال اعلان قيام المملكة العربية و قد بينت الوثائق طبيعة هذا التخوف و حاول معتمد الشريف حسين طمأنة فرنسا على المقصود بالعرب لا يتضمن مستعمراتها  فالمحادثات بين معتمد فرنسا في القاهرة و معتمد الملك تناولت هذا الموضوع فاكد له المعتمد العربي محمد الفاروقي بعد أن تلقى ايضاحات  حول الأزمة من مكة بأن هذا المعنى قديم للعرب  و أن المقصود بملك العرب  له مضمون جديد يقتصر على الحجاز و سوريا و اكد نفس الموقف للانقليز فبين لهم أن مصر ليست من البلاد العربية المقصود باللفظ، فتونس و الجزائر و مراكش من الباب الأولى أن لا تدخلا في هذا الاصطلاح، و أن ما تعنيه اللفظة هي البلاد العربية في شبه الجزيرة العربية و بلاد الشام [ برقبتان في 21،22 ديسمبر من المعتمد العربي في القاهرة الى وزارة   الخارجية في مكة (11).

وعندما عجزت فرنسا في اطفاء نار الثورة العربية المشتعلة في سوريا عمدت الى اختلاق و تأسيس جمعيات من سوريين للدفاع عن مصالحها فكونت في ديسمبر1917 هيئة عرفت باسم جمعية الدفاع عن حقوق سوريا و لبنان و كان مركزها في القاهرة و كان الهدف من انشائها أن تتولى نشر الدعاية لفرنسا بين السوريين و اللبنانيين. ومما اقترحته هذه الجمعية انشاء دولة مستقلة في لبنان تحت حماية فرنسا  توسع حدودها لتشمل طرابلس و صيدا وصور.   

اما في مؤتمر السلم الذي عقد في باريس  سنة 1919 لتدعم موقفها الاستعماري فدفعت بالعديد من الشخصيات لافشال مهمة الأمير فيصل ـ الذي أراد أن يتكلم باسم العرب كأمة واحدة و كموقف واحد “يعبر” عن “المصالح القومية العربية” ـ.  وأدخلت بعض الشخصيات السورية المعروفة بميولها نحو فرنسا الى مؤتمر السلم فعملت على اشتراك السيد شكري غانم مثقف لبناني و كاتب مجيد كان يقيم في فرنسا منذ اكثر من 35 سنة تولى تحرير جريدة المستقبل اثناء الحرب، و أسس جمعية اللجنة المركزية السورية كان معروفا بميوله نحو فرنسا الذي ألقى كلمة أمام المؤتمر عارض فيها أراء فيصل و أنكر عليه تمثيله جميع العرب و قال بـأن فيصلا لا يمثل الا الحجاز، و ليس للحجاز أية علاقة بسوريا، و ليس للحجاز الحق في الكلام عن شؤون سوريا و تولي الدفاع عن قضاياها. و أشار في كلمته الى أن سوريا تريد دولة كبيرة تساعدها، و طلب أن توكل الى فرنسا مهمة اعادة بناء سوريا مستقلة متحدة، و ادعى أنه ” يعبر عن بقية المواطنين السوريين فطلب من فرنسا باسمهم جميعا أن تسترجع مهمتها في سوريا. و طلب منها [ فرنسا] على ألا تتخلى عن مصالحها المعنوية و ألا تتحول عن تقاليده القديمة ”  (12)        

طيلة سنوات 1915 1920 كان الشريف حسين يؤكد كل مرة أنه مستعد للحفاظ على مصالح فرنسا وضمان استمرار امتيازاتها التي تملكها في سوريا و في لبنان قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى من مدارس، و جمعيات تبشيرية و خطوط حديدية و شركات اقتصادية حكمت ياسين ص148 و بالرغم من هذا فان فرنسا كانت ترلى اي عملية توحيد ستكون لها نتائج  غير محمودة العواقب بالنسبة للأمبراطورية الفرنسية. و قد حاول مندوب الشريف حسين ابعاد تخوّف فرنسا فحاول ان يعطي مضمونا جديدا للعروبة بانتزاع المغرب العربي و مصر و لكن محاولاته باءت بالفشل . ففرنسا تصر على تقسيم البلاد العربية على أساس ديني و اثني و عنصري حتى تتم اعاقة بناء أي دولة قومية. فتقرير وزارة الخارجية المقدم الى البعثة الفرنسية يعيد تقريبا أهم بنود اتفاق سايس بيكو 1919 حيث يبين رغبة فرنسا في تقسيم بلاد الشام الى دويلات قزمية و امارات متصارعة فيما بينها. ورسالة رئيس بعثة الحج سي شرشالي مصطفى 1919 نصت  على  ن فرنسا على اتفاق تام مع انقلترا بخصوص الوضع في شبه الجزيرة العربية و هي ترى ضرورة دعم سيادتها و استقلالها. اننا نود شأننا في ذلك شأن حلفائنا الانجليز  و ستعمل على انشاء امارات في حلب و دمشق و الموصل و سيكون لامراءها ارتباط بملك الحجاز و من المفهوم ستحتفظ بحق تزويد الحكام هذه المناطق بالمستشارين لتطوير هذه المناطق ” أما على ساحل البحر المتوسط حيث سكان  خليط من شعوب متعددة و مختلفة الأديان، فالضرورة تدعو الى انشاء نظام خاص للقدس و فلسطين يضمن احترام جميع الأديان، ” (13). ففرنسا مصرة على اعتبار الوطن العربي شعوب متعددة مختلفة. ولم تكف رسائل فيصل لطمأنة من كان يعتبرهم “حلفائه” المسيطرون على المغرب العربي  فقد بعث برسالتين الى وزارة الخارجية الفرنسية  ليؤكد لها أن مصر وتونس والجزائر والمغرب لاتدخل في طموحات الشريف حسين.

 وقد كان الجانب الفرنسي صارما  حتى في المراسلات  وقد عبر وزير خارجية فرنسا عن عدم ارتياحه فطالب بتعديل رسالة بعثها  سفير بريطانيا في فرنسا في 17 نوفمبر 1916 الي السردارفي في القاهرة طالبا منه أن يبين وقوف الحكومات المتحالفة مع الشريف حسين واعتباره رئيسا للعرب. ففرنسا اعترضت على مصطلح ( العنصر العربي)  وطالب فيها أن تبدل بعبارة ( الشعوب العربية) حتى لا تتعارض مع  المخططات التي رسمتها الحكومة الفرنسية.( المستعمرة في المشرق وفي المغرب العربي) التي تعمل على تفتيت العرب. (14).

أما عن الموقف البريطاني خلافا لما يشاع كانت ترى في مشروع المملكة العربية المتحدة خطرا على مصالحها. وقد لخصت موقف حكومة الهند انقليزية  الموقف البريطاني عندما قالت ” اننا نأمل أن يموت  هذا الخبيث الممسوخ [ المملكة العربية] في مهده. “. أما عن بعض التلميحات الايجابية في بعض المواقف البريطانية فقد حددته طبيعة العلاقة مع فرنسا. البريطانيون يساندون المطالب العربية عندما يكونون في مواجهة الفرنسيين أساسا  عندما يدخلون في مفاوضات مع الفرنسيين لتليين الموقف الفرنسي ليس الا. ففي بلاد مابين النهرين حيث يسعون الى السيطرة  فانهم يعارضون تأسيس <<حكومة تمثل الأهالي>>، و في مصر يرفضون استقلال حقيقي للبلاد بالرغم من الحركة الشعبية المتاعظمة التي تطالب بالاستقلال. “,,,فكل المسؤولين البريطانيين يضعون مصالح الامبراطورية البريطانية في المقام الأول و يضعون مصالح شعوب الشرق في المقام الثاني…” (15). ولم تثن المسؤولين البريطانيين ردود الفعل العنيفة التي عبر عنها في مواجهة الهجمة الصهيونية والتواطؤ البريطاني معها عندما تكوّنت لجان عربية اسلامية مسيحية في أهم التجمعات  السكانية في فلسطين تحسبا لنتائج وعد بلفور. فلم يكن في نية بريطانيا مساعدة المطالب العربية، بالرغم من الكتابات العديدة التي تسعى التركيز على ان السياسة البريطانية كانت مع الحركة القومية  العربية. لقد كان همها هو الحفاظ على امتيازاتها داخل الامبراطورية العثمانية في العراق و مصر و كان التوتر بينها و بين فرنسا و روسيا مرتبط بمصالح هذ الدول ومدى تمكنها من بسط نفوذها على اكبر عدد من المناطق الاستراتيجية  ذلك أنه لم يكن في نية البريطانيين مساعدة العرب في بناء الدولة القومية. فالتشجيعات البريطانية في دفع العرب للانتفاضة ضد الأتراك تدخل في اطار التكتيكات البريطانية في ترتيب مصالحها. فالعلاقات الودية التي تربطهم بالأتراك دفعتهم الى رفض فكرة الاستقلال في خريف سنة 1913. الا أن الموقف البريطانين فقد أصبح الأتراك مصدر تهديد لمصالحهم عندها انتبهوا الى توظيف الغضب العربي من الممارسات التركية. “كان البريطانيون يدركون أهمية البلاد العربية الاستراتيجية و يولونهات اهتماما زائدا، غير أنهم كانوا على علاقات ودية مع الأتراك أيضا و نظرا لتهديد تركيا للمصالح البريطالنية فان بريطانيا صارت تقدر أهمية موقف العرب بالنسبة لها” (16). فمواقف قوى الهيمنة مرتبطة بالتكتيكات السياسية تنقلب بمجرد الاستجابة لمصالحها. ففرنسا عارضت احتلال بريطانيا لمصر وظلت تعارضه، الى ان اتفقت معها على أساس: أن تكون هي حرة في عمل ماتشاء في المغرب. ومقابل ذلك تصبح بريطانيا حرة في عمل ماتشاء في مصرز واعلنت المانيا بانها ستدافع عن استقلال المغرب وستحول دون احتلال فرنسا لتلك البلادزظ ولم تتزعزع عن موقفها هذان الا بعد مفاوضات ومساومات طويلة، انتهت الى اتفاق ينص على ان تترك فرنسا احدى مستعمراتها الافريقية للمانيان ومقابل ذلك تعترف المانيا لفرنسا بحرية العمل في المغرب. ولم تقدم ايطاليا على احتلال طرابلس الغرب وبني غازين الا بعد مفاوضات ومساومات طويلة جرت بينها وبين كل من فرنسا وبريطانيا، والمانيا، والنمسا، وأسبانيا. (17) 

هناك توافق للقوى الهيمنة في الرفض القطعي لمشروع الدولة القومية للعرب. فمهما اختلفت وتناقضت مصالحهم فانهم مصرون على اعاقة اية عملية اتحاد عربي. وتنفيذ اتفاقية سايس بيكو يعتبر قاسم مشترك وتكتسب هذه الاتفاقية الأولوية امام أية خلافات تحدث بينهم. وقد تجلى أكثر من مرة وخاصة في  اصرار كل من فرنسا بريطانيا على أن يكون فيصل ممثل للحجاز في مؤتمر السلم بباريس سنة  في جانفي 1919 اذ لم يتم الاعتراف به كممثل للمملكة العربية المتحدة. فالفرنسيون يريدون اخراج سوريا و لبنان من الحكم العربي.

أمام التهديدات والضغوطات عقد فيصل مع كليمنصو في 6 جانفي 1920 اتفاقا عرف باسم مشروع اتفاق فيصل كليمنصو و نص المشروع على الاعتراف بانفصال سوريا عن لبنان و نص المشروع ” على ان تضمن فرنسا استقلال سوريا و تمنحها المعونة، و أن تقبل سوريا المستشارين الفرنسيين و ان تعطي الفرنسيين الأولوية التامة في التعهدات و القروض المالية مع الاعتراف بانفصال لبنان عن سوريا على أن يقوم مؤتمر السلم بتعيين حدوده ”  و قد قابل الشعب العربي في سوريا هذه الشروط بالمظاهرات و الاحتجاجات و اصر على شعار الاستقلال و الوحدة. مما دفع الأمير فيصل على التراجع. و عقد في 6ـ7 مارس 1920  اجتماع بالنادي العربي بدمشق و في 8 من مارس اتخذ المؤتمر قراره التاريخي باعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية بما فيها فلسطين و لبنان  واعلان قيام المملكة العربية و تم تكوين اول وزارة دستورية برئاسة علي رضا الركابي. مرتكزين على تقرير اللجنة الأمريكية التي انبثقت عن مؤتمر الصلح (18) بالرغم من رفضها من قبل فرنسا وبريطانيا. “فاللجنة الأمريكية” التي عرفت ب”لجنة كوين الأمريكية”  أعطت تقريرا أعلنت فية رغبة العرب في الاستقلال و تمسكهم بمبدأ الوحدة رافضين تجزئة سوريا ولبنان مطالبين باستقلال العراق داخل وحدة مع سوريا ورافضين الدعاوي الصهيونية في فلسطين (19) لكن المؤتمرون المتآمرون في سان ريمو ضربوا عرض الحائط  التقرير ومطالب شعبنا واصدروا قرارات تتماشى وتتفق مع الرغبة الاستعمارية و الصهيونية. فتبنى “المجلس الأعلى للحلفاء” المنعقد في سان ريمو بايطاليا في الفترة مابين 19 و 26 افريل سنة 1920 اتخاذ عدة قرارات بشأن البلاد العربية تتلاءم مع رغبة كل من فرنسا و بريطانيا فأعلن المؤتمر تقسيم سوريا  الى ثلاثة أجزاء هي سوريا ، لبنان، و فلسطين و قرر وضع سوريا و لبنان تحت الانتداب الفرنسي بينما وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني  واذ تم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني فقد كان تحت ضغط مندوب الحركة الصهيونية لتنفيذ وعد بلفور. ولم تر قوى الهيمنة في مؤتمر 6و 7 و 8 مارس 1920 بسوريا الذي اتخذ قراره التاريخي باعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية بما فيها فلسطين و لبنان الا تحديا لها وضربا لمصالحها القومية. وحشدت فرنسا جيشها في لبنان وزحفت على سوريا وبسطت نفوذها على سوريا بعد معركة ميسلون بحجة تنفيذ القرار المتعلق بالانتداب.

وقد بدا واضحا أن المؤتمرين هدفهم تقسيم الأمة العربية الى مناطق متناقضة متصارعة و تحويل الشرق العربي الى مجموعة من المقاطعات تتوسّع وتتقلص حسب التخطيط الاستعماري . بل ان دولة استعمارية مثل فرنسا قسّمت سوريا الاقليم الى العديد من الكنتوانت تحت اسم دول فقطعت اوصال سوريا الداخلية الى أربع دول لها كيانلات خاصة بها. فنجد في تاريخنا العربي المعاصر وبايعاز وتحت اوامر الدولة القومية الفرنسية دولة دمشق، و دولة العلويين اللاذقية، و دولة جبل الدروز [ السويداء]، ودولة حلب و ربط بها لواء الاسكندرونة بحيث أصبح يتمتع بادارة خاصة، و دولة جبل لبنان يحكم كلا منهما موظف فرنسي.

ودخل كل الوطن العربي تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية، تحت مسميات عديدة : الحاق، حماية أو انتداب. ان هذا التواجد الاستعماري الأوروبي الذي ارتكز على اتفاقية سايس بيكو هو الذي هو الذي أسس للتجزئة العربية هو الذي نمّي  بذور الاقليمية العربية التي ستأخذ أبعادا اجتماعيا وسياسية وثقافية ممّا سياثر سلبا على النسيج الاجتماعي والثقافي للأمة العربية.

خاتمة:
إنّ اتفاقية سايس بيكو لم تكن مجرد اتفاق بين فرنسا و بريطانيا و روسيا على مناطق نفوذ. فهذه المناطق تحولت طبقا  للخطة الاستراتيجية الاستعمارية الى لحظت التأسيس  للوضع العربي كما أرادته قوى الهيمنة انذاك وكما تريده الآن. فالاتفاقية مع جملة من اتفاقيات لاحقة و الوعود تلعبت دورا خطيرا في افشال أية محاولة جادة لبناء دولة قومية في الوطن العربي. و لازال الوطن العربي يعيش على وقع ما انتجته هذه الاتقافية.  وهاهو الآن يرفض اية شكل من اشكال المسّ بهذه الحدود أو نكرانها. فهو يرى في كل دعوة لتجاوزها وفي كل دعوة تفند مشروعيتها التاريخية دعوة تطال القانون الدولي والمجتمع الدولية ويصورها على أساس تدخل في الشؤون الداخلية.

 منذ سايكس بيكو والتجزئة العربية تزداد  تعقيدا. ولازالت سبب كل المصائب التي تعانيها أمتنا. فلم يكن المستعمرون :”… يعبثون عندما مزقوا الأمة العربية الى أجزاء منفصلة، و أنهم لا بد كانوا يحققون بتلك التجزئة ما يتفق مع مصالحهم. و لا يستطيع أحد أن يحتج على ما نقول بأن القسمة وقعت فيما بين المستعمرين انفسهم لأنهم متعددون، ذلك لأن القوى الاستعمارية لم يلبث كل منها أن عاد فجزأ نصيبه من الأمة العربية الى تلك الأجزاء التي تقوم عليها الآن الدول العربية. نعم، لا يستطيع أي انسان في الوطن العربي أن يزعم أن قد كانت له أو لأجداده  دولة بما تعنيه الدولة من اختصاص الأرض أو سيادة عليها. و لا يستطيع أحد أن يزعم أنه و أجداده قد اختار الحدود التي تقوم فيها دولته. كانت الحدود، كل الحدود، تحدد اما ” بفرمانات” صادرة من الخليفة أو بمواقع الجنود الأروبية الغازية، أو بالاتفاق بين كل تلك القوى المسيطرة. أما الشعب العربي فقد كان بعيدا عن هذا كله…” (20). ان هذه الاتفاقية لعبت دور التأسيس للتجزئة في الوطن العربي فالدول العربية المعلنة بعد الحرب العالمية الثانية، تحتكم في مرجعياتها السياسية والحدودية الى هذا التقسيم. ان اتفاقية سايس بيكو بقيت مرجعية النظام الاقليمي العربي الذي تم فرضه بعد 1945 والذي سعت قوى الهيمنة العالمية التمسك به. ان هذه الاتفاقية التي فرضت التجزئة العربية هي التي هيأت تنصيب الحدود وتوجيه كل اقليم توجيها مختلفا عن الاخر بما ينمي الروح الاقليمية، ويقوّي عوامل الفرقة والغربة بين أبناء الوطن الواحد.

الإحالات:
 [1]  التجزئة العربية كبف تحققت تاريخيا؟ الدكتور أحمد طربين  دار المستقبل العربية سلسلة الثقافة القومية. ص 146

[2]  النص بالانقليزية احتمالات الاتحاد بين الدول العربية   722  732 HISTORICAL REVIEW P   THE AMERICAIN    مجلد  98 أكتوبر 1942

[3]  lyanté le Drame Oriental p 150  

[4]  Poincarré : Au service, de la France. T4 p 404

[5]  وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918ـ1939 من أوراق أكرم زعيتر بيروت معهد الدراسات الفلسطينية 1979 ص 16ـ17

[6]   في محاولة لبث المزيد من البلبلة و الفرقة وضعت فرنسا على رأس وفد الحجيج القادم من فرنسا “مسلما” ممثلا للحكومة لمحاولة لاستمالة الرأي العام العربي، و قدم هذا الوفد تقريرا مفصلا على اتصالاته.

[7]   كتاب أمين سعيد أسرار الثورة ص 145

[8]  حكمت ياسين مصدر سابق  ص 109

[9]  ياسين حكمت مصدر سابق ص 110

[10]  في حكمت ياسين  مصدر سابقص 128

[11]  في كتاب أمين سعيد اسرار الثورة ص 177

[12]     حكمت ياسين    فرنسا والثورة العربية الكبرى  الدار التونسية للنشر. ص 208ـ209

[13]  ياسين ص 150

Eugène  Jung ; les puissances devant la Révolte arabe, la Révolte Arabe. Et Mme B.G. Gaulis dans la Question [14] Arabe.

[15]  هنري لورنس  المشرق العربي : عروبية واسلامية من 1798 الى 1947ص 165 l’orient arabe, arabisme et islamisme de 1798 à 1945.  Editions  Arman  Collin 1993/

[16]  حكمت ياسين مصدر سابق ص67

[17]  ابو خلدون ساطع الحصري، حول القومية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية .  بيروت 1985ز ص 224.

[18]  تقرير اللجنة الرباعية برئاسة  كينغ : تعيين لجنة رباعية تتولى معرفة رغبات الشعب في سوريا عبر الاستماع الى كل الجمعيات و الهيئات المتواجدة, وقد قضت ستت أسابيع في المنطقة العربية و ان كانت اللجنة تفضل الانتداب لمدة محدودة فان مطلب الشارع كان الاستقلال التام. و النقطة المهمة جدا فان هذه اللجنة أنها اعتبرت  أن المنطقة تكتسب وحدة جغرافية و تاريخية و لغوية و ترى من غير الملائم انشاء دول عديدة  مستقلة داخل حدود. و يكتسي هذا التقرير أهمية كبرى تاريخية لأنه أتى بجهود غربي ووفد غريب عن المنطقة ثم أنه نتاج بحث ميداتني من خلال الاتصال مباشرة بعرب سوريا و لايمكن أن نتمه بالتحيز لأنه عبارة عن استفتاء شعبي جمع فيه أراء الشعب في كامل الجهات في سوريا. ان هذا التقرير يعطينا فكرة فكرة واضحة عن رغبات الشعب غداة الحرب العالمية الأولى.

[19] ابو خلدون ساطع الحصرين حول القومية العربية سلسلة التراث القومين 14ن مركز دراسات الوحدة العربيةز

[20]  عصمت سيف الدولة نظرية الثورة العربية  الجزء الرابع  ص 132.

* فتحي بالحاج  رئيس “الملتقى الثقافي العربي الأوروبي” بفرنسا.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: