الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

المأساة في التاريخ العربي مسيرة جنائزية …

على بســاط الثلاثــاء
124
يكتبها : حبيب عيسى

عندما يضيق الأفق ، وتتلبد سماء الوطن بدخان الحرائق ، وتصّم الآذان أصوات القذائف ، تتدخل الذاكرة لتحملك إلى المقدمات والمسببات التي أدت إلى ما أنت عليه ، فهل هذا هروب إلى الماضي ؟ ، أم بحث في أسباب المحنة وتداعياتها ؟ ، يجوز الوجهان كما يقول النحاة ، الأمر يتوقف على الموقف مما يجري ، بعد قراءة ماجرى …

( 1 ) 
لقد شهد عقد الستينات من القرن العشرين المنصرم محاولات فكرية جادة لمواكبة مشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي التقدمي ، بعد أن انكشف المشروع بانفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة 1961 ، ثم بهزيمة 1967 ، وظهرت الضرورة الملحة للمراجعة الفكرية والتنظيمية والبنيوية ، وتعددت المسارات في هذا الاتجاه ، البعض استنجد بالماضي ، واكتفى بالنقل التراثي ليفلسف فتن الحاضر ويبررها بفتن الماضي ، وُغيّب العقل تماماً ، والبعض الآخر تجاهل التاريخ العربي واستنجد بالنقل المترجم من الخارج كوسيلة وحيدة للحاق بركب التقدم ، وُغيّب العقل أيضاً ، ونهائياً ، والبعض الثالث أهمل هؤلاء وأولئك ، وانخرط في الممارسة النضالية الواقعية معتمداً على التجريب والتضحية والانخراط في معارك الواقع بالأدوات المتاحة ، وُغيبّ العقل الاستراتيجي ثالثاً ، لكن هناك مسار آخر انتهجه فريق مختلف ، فتح دفاتر التاريخ ، ودققّ في التراث العربي وأعمل العقل ، لكنه ، وفي الوقت ذاته تعمّق في البحث والتمحيص في التراث الإنساني الشامل ، وبحث أيضاً في تجارب الحاضر العربي منقباً عن العوامل الايجابية ، وعن العوامل السلبية والمعيقة للتطور والنهوض ، هنا تصادفنا اجتهادات وإبداعات فكرية عملاقة تنوعت مناهجها واتجاهاتها ، لكن هناك سياق واحد يجمعها هو إعمال العقل في سائر القضايا والأفكار والإيديولوجيات المطروحة تمحيصاً وإبداعاً واجتهاداًً ابتداء من ” منهج جدل الإنسان ” الذي أبدعه عصمت سيف الدولة ، إلى المنهج التاريخي الذي اعتمده نديم بيطار ، إلى البيان الذي حققه عبد الله الريماوي ، إلى أسماء أخرى واكبت وتلت تلك المسيرة النضالية ، فبناء النموذج الحضاري العربي المعاصر في الوطن العربي ، والذي طال انتظاره ، تم تناوله من أوجه متعددة لكن الحديث فيه يبقى ملحاً ومشروعاً ومشرعاً كون هذا البناء لم يتحقق بعد في الواقع .. وإلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يرتفع فيه بناء الحضارة العربية المعاصرة على أنقاض التجزئة والتخلف والاستغلال والاستبداد والاحتلال … سيبقى شباب الأمة العربية وشيوخها المخلصين مشغولين بهذا البنيان كيف يقوم ..؟ ، ما هي أسسه ..؟ ، ملامحه ..؟ ، العقبات التي تعترضه ..؟ ، ثم كيف يتحقق هذا كله في الواقع العربي المأزوم ..؟ ، وما هي إمكانيات انتصاره ، وتجاوز العثرات ..؟ ، الاختلاف في الإجابات لا يفسد للود قضية ، لكن الهروب من الإجابة يفاقم المشكلات ، ويعّقد الحلول … 
فتيار النهوض والتنوير العربي القومي والتقدمي عانى من الهزائم ما فيه الكفاية ، ودفع دماء غزيرة على طريق التجريب ، وحسن النوايا ، والشعارات الكبيرة التي تخفي أساليب عاجزة عن التعامل مع الواقع ومشكلاته ، أدخلته في نفق الانحسار والهزائم .. فتم النكوص عن التقدم تحت شعار أنه ” لا جديد تحت الشمس ” وأنه لا حاجة إلى الإبداع الفكري الجديد فكل إبداع برأيهم ابتداع ، وأن التراث العربي حسب رأي بعضهم ، والتراث العالمي حسب رأي بعضهم الآخر يضم كل ما نحتاجه ، وما علينا إلا الالتزام بتلك المدارس الفكرية التي يدعون إليها وأنه لا حاجة بنا إلى الاجتهاد ولا إلى البحث العلمي المعاصر ولا إلى دراسة ظروف أمتنا التي تعقدّت الأمور فيها .. فكل تساؤل أو اختلاف أو إبداع هو تجذيف أو تحريف أو ردة ، وقد بذلت جماعات هذا الاتجاه بتناقضاتها وبالاتهامات الحارة التي يوجهها كل فريق إلى الفريق الآخر … جهوداً مضنية لنبش التراث العربي وملائمته مع ما تريده بعض تلك الجماعات ، بينما بذلت جماعات أخرى جهوداً مضنية باتجاه آخر لترجمة ما يخدم الخط الذي تتبناه من التراث العالمي ، واغرقوا المكتبات بتلك المؤلفات وبدا المزاد فيما بينهم على الجماهير العربية وبالطبع لم يخل المزاد من عمليات التزوير والتلفيق والرشوة والاتفاقيات السرية بين أصحاب المزاد أنفسهم .. فانفضّت الجماهير العربية عن هذا المزاد بعد أن خسرت أعداداً هائلة من الضحايا المجانييّن ، وفقد مشروع النهوض والتنوير التقدمي العربي حاضنته الجماهيرية ، أو انصرف المجتمع عن السياسة كما يقولون .
( 2 )
وللأمانة فإن تلك المجموعات رغم سلبياتها كلها ، فإن لها حسنة إيجابية واحدة سيبقى تيار التقدم العربي يذكره لها ، وهي أنها أغنت المكتبة العربية بمؤلفات هامة عن التراث الإنساني العالمي ، وعن بعض جوانب التراث العربي القديم ، أتاحت وستتيح في المستقبل لتيار النهوض العربي أن يدرس ويحلل ويستوعب التراث الإنساني بما فيه العربي وهو يحاول التقدم بمجتمعه وبناء حضارته الجديدة ، فالانعزال غير ممكن في هذا العصر ولا يضير هذه المؤلفات أن تقديمها تم بطرقة استفزازية أو أن البعض قد حاول اعتناقها كمذاهب لاهوتية عوضاً عن أن تكون مجرد مصادر للمعرفة والثقافة واستخلاص الدروس واستيعاب التطور التاريخي للعلوم الإنسانية .. نقول أن ذلك كله لا يضيرها لأن العقل المنهجي يستطيع اكتشاف الحقائق العلمية والأصالة التاريخية بنفس القدرة التي يستطيع من خلالها اكتشاف الزيف والتزوير والتضليل …
لقد أدى ذلك كله إلى بلورة مشاريع فكرية أصيلة عالجت الظروف الموضوعية بالغة التعقيد في الوطن العربي بالإضافة إلى إدراك إصرار قوى الهيمنة الأجنبية على استمرار تدخلها في التوجهات السياسية والفكرية والحضارية للشعب العربي ، وذلك بسبب ضخامة المصالح الأجنبية في الوطن العربي ، وخلصت تلك المشاريع الأصيلة إلى أن الأفكار والأساليب السائدة لن تستطيع تغييّر هذا الواقع الموضوعي العربي المعقد والتقدم به ، لذلك لابد من استيعاب التراث الإنساني والعربي ودراسة الواقع العربي بظروفه وواقعه المعقد ، ثم التعامل من خلال ذلك كله مع الواقع العربي كما هو ومن ثم التقدم إلى ما يجب أن يكون ، فظروف التخلف والتجزئة لن تتغيّر لصالح الجماهير العربية إلا إذا تقدمت تلك الجماهير لتغييرها .
لقد قدمت تجربة أولئك الرواد رغم حملات الحصار والتهويل التي تعرضّوا لها نتائج إيجابية لحل أزمة الفكر العربي المعاصر وتفاوتت محاولات هؤلاء بين العمل على بناء إيديولوجية عربية متماسكة منهجياً ، وبين مجرد نقد الأوضاع الراهنة وتعرية الأفكار السائدة ، ونحن هنا سنلقي الضوء على محاولة فكرية ظهرت في أواخر عقد الستينات من القرن المنصرم لم يتم الانتباه إليها تحت عنوان ” نحو حضارة جديدة ” حيث حاول أحمد حيدر أن يطرح المشكلة ويناقش ممارسات التيارات السائدة وفشلها في تقديم حل موضوعي ويهتدي من خلال البحث العلمي إلى أن الإنسان الإيجابي ، إنسان القضية هو المسؤول عن تحدي الظروف ، وبناء نموذج الحضارة القومي التقدمي .
“الديالكتيك” في رأي احمد حيدر سمة من سمات العصر ، وليس من الضروري أن يشمل العالم كله حتى يعتبر كذلك ، فما من فلسفة شملت العالم كله ، و”الديالكتيك” كما يقول حيدر كأغلب المفاهيم الفلسفية بدأ مع الأغريق ، ليس في مرحلة ازدهار الفلسفة اليونانية مرحلة سقراط وأفلاطون وأرسطو ، بل قبل ذلك في مرحلة الطبيعيين ، ومع هيراقليط بالذات ، فقد قال هيراقليط بالتغيير والصراع ، وهما المقولتان الأساسيتان في “الديالكتيك” ، وهذا ما يعرف بالتقريب بينه وبين هيجل ، وقد شهدت الفلسفة الحديثة محاولات توفيقية لإيجاد العلاقة بين شطري الانفجار : الفكر والامتداد ، وقدّم كل فيلسوف نظرية في المعرفة ، واستنبط منها نظرية في الأخلاق ، وقد ساهموا جميعاً في تغييّر العالم ، ولو أن ماركس قال : أن وسيلته أنجع من وسائل السابقين لاعتماده على المظلومين لكان قد عبر عن أصالته الخاصة على نحو أفضل .. ويأخذ حيدر على هيجل نزعة استسلام وإذعان لحكم القدر ، وهذا طبيعي مادام كل شيء من فعل الروح التي تتسع حكمتها إلى كل شيء ، لكن وبعد كل انتقاد يبقى هيجل شامخاً في تاريخ الفلسفة ، وعلى مفترق دروب عصرنا ، ولا يضيع منه سوى المذهب ، أما الحدوس التي التقطها فستبقى ، ويبقى على عصرنا أن يعالجها على نحو جديد .
( 3 )
ثم يعرّج أحمد حيدر على فلسفة ماركس والماركسية كنظرية سياسية بالإضافة إلى كونها نظرية فلسفية ، وهذا يجعل منها سلاحاً ذو حدين يمكنهّا من الدفاع عن نفسها دون حاجة اللجوء إلى المنطق ، فكثير من الماركسيين يكتفون من النقاش بتصنيف كل ذي حس نقدي في صف المعادين للثورة دونما حاجة إلى أية حجة ، وبالفعل إذا كان الهجوم على الماركسية من جانب المستعمرين وأعداء الاشتراكية ، فإنه يصح هذا الموقف الحاد الذي يقفه الماركسيون ” التصنيف وإصدار الحكم السريع ” ، ولكن عندما ينطلق هذا الموقف من الاشتراكية بصفتها نظاماً إنسانياً ، لا غنى عنه ، محاولاً تصحيح النظرية بنوع من النقد الذاتي ، فإن مثل هذا النقد الذاتي مع المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي يمكننا أن نستمد تبريره من الرفاق المتزمتين أنفسهم بالإضافة إلى أن الاستعمار ذاته يعمل على زرع نوع من الماركسية الميكانيكية في العالم المتخلف ، ماركسية مبتذلة تتناسب مع الأذهان الكلية ، وتعفي الإرادات من عبء العمل والمسؤولية وبذلك تلهي الشعوب عن قضاياها وقد تمكنت الستالينية من تحويل الماركسية إلى عقيدة جاهزة يغيب فيها دور الإنسان ومبادرة الجماهير وبذلك ترجع الماركسية إلى العقائد الجاهزة ، وهي عدوة الاجتهاد الشعبي ، وقديماً قام الكهنة بدور الحجر على العقل بطريقة لبقة أحياناً لذلك كان لهم السلطان على الدولة نفسها ، وللأسف فقد ارتضت الماركسية كسياسة انحرافات تأباها وتنكرها كفلسفة ، فالعقيدة التي كانت تعلن الحقيقة بصراحة وقسوة ما كان لها أن تبتلى بالأكاذيب وما كان للعقيدة التي تعلن نهاية الظلم أن ُتستخدم لتبرير أقسى المظالم التي شهدها التاريخ ، وقد شهد الربع قرن الستاليني الذي احتجبت به الأصالة الماركسية النقدية والعلمية ، ليقوم مقامها تصور للعالم وللمعرفة أصبح معتقدياً ولاهوتياً ، فكان هذا الربع قرن باهظ التكاليف ، فالعدوان على الديمقراطية في الحزب وفي الدولة ينشأ بالضرورة من هذا التصور اللاهوتي للعالم وللتطور التاريخي وللفكر البشري ، كما أن لينين كان قد وضع الدولة وصية على الجماهير عندما قال : ” ما يتصوره هذا العالم أو ذاك ، أو حتى البرولتياريا كلها ، أنها الهدف … شيء لا قيمة له ..” 
هكذا يرجع الإنسان في مجرى التاريخ أداة كما كان في الهيغلية ويصبح الخلاف بين النظامين “الاشتراكي والرأسمالي” على طبيعة القوى المحركة فقط أما دور الإنسان فمحذوف من كليهما ، أو هو عرض ظاهر على سطح الأحداث ، ولا يغيّر من الأمر أن أنجلز يعتبر أن الجماهير هي القوى المحركة ، فقد رأينا أن الطبيعة والمجتمع يسودهما وضع واحد .
( 4 )
فالتاريخ في نظر الماركسية يبدو حواراً بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج المنبثقة عنها .. فالبشر في نظر ماركس لا يصنعون تاريخهم بشكل واع ، إذ أن كافة مظاهر هذا التاريخ تنبثق انبثاقاً مباشراً عن سلوكهم المادي ، ولا قيمة للصور التي تمر في وعيهم عن هذا التاريخ ، وتحرص النصوص الماركسية كثيراً على تعبير ” باستقلال عن إرادتهم .. لا قيمة لأهدافهم المنشودة …إلخ ” فكأن البشر لا يفعلون سوى أن يستعملوا أدوات الإنتاج التي تتطور ، وتتولى نيابة عنهم صنع تاريخهم بكافة مظاهره ، فالبشر ماركسياً يصنعون تاريخهم دون أي قصد واع منهم … ويقول أحمد حيدر : إن “الديالكتيك” هو حوار الذات والموضوع ، وليس حوار قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ، ثم أن الديالكتيك مغامرة دائمة لا يستطيع المذهب أن يقدم لها أي ضمان ، أما في الماركسية ، فالتاريخ محكوم بالمذهب الذي يبدو ضماناً كلياً .. !
إن إعطاء الأولوية للعمل على المعرفة يجعل المذهب منجرفاً منذ البداية نحو السلطة السياسية ، وهيمنة الدولة ، والخلفاء ليسوا منحرفين ، ولكنهم امتداد طبيعي للمذهب ، ويصف أحمد حيدر الماركسية بأنها تعاني من أزمة نظرية حادة ، ولكن الدول الماركسية في نمو متزايد ( 1969 ) فهل يعني هذا أن الدول قد تجاوزت المذهب …؟ 
فالماركسية لا تسمح بعودة الإنسان إلا إذا تنكرت لنفسها ، إن الماركسية لا تملك إمكانية التجدد إلا إذا حطمّت هيكلها القديم ، ثم عمدت إلى بعض مفاهيمه المبعثرة ، وأعادت صياغتها من جديد ، وهذا ما لن يحدث من داخل الماركسية …
ثم ينتقل حيدر من دراسة الديالكتيك الموضوعي ممثلاً في هيجل وماركس إلى دراسة الديالكتيك الذاتي .. الذي وجد تعبيره في الصوفية قديماً .. وفي الوجودية حديثاً .. 
فالتصوف هو أن يتخلص الإنسان من عنصره الخسيس ليلتقي بذاته الحقيقي ، وذلك بأن يتبدل عبر سياق ديالكتيكي جوهره : المعاناة ، والتوتر ، فليس التصوف صدعاً بين الأنا والعالم ، إنه السيطرة على الحياة بالسيطرة على ذواتنا …
أما الوجودية : فهي جزء من شعور عام معاصر لنا .. قوامه الشعور بالافتقار إلى الماهية ..
ثم ينتقل حيدر إلى مقارنة ، ومناقشة ما يسميه الديالكتيك الذاتي بالديالكتيك الموضوعي فيقول : إن الوجودية حركة حائرة لا تملك انسجام الصوفي مع نفسه الذي أودع ماهيته خارج العالم ، فتخلى عن هذا العالم جملة وتفصيلاً ، ولا تملك أيضاً انغماس الماركسي في حياة المجتمع من أجل تغييّره ، لكنها تكون أكثر انسجاماً مع نفسها إذا قبعت مع الذاتية ، فلم تحاول الخروج منها لأن الوجود الحق في نظرها هو الذاتية ، لقد عانى سارتر شعوراً بالنقص أمام الماركسية التي لا تفتأ تناوشه وتنتصر عليه كلما تصدى للسياسة ، لأن مواقفه الاجتماعية والسياسية ليست سوى مواقف انتقائية غير منسجمة مع معارفه الفلسفية .
( 5 )
لقد جاءت النظرات الفلسفية إلى الوجود متعسّفة ، وحيدة الجانب تجيد وصف بعض الظواهر وتتعثر عند التعرض لسواها ، فهي تحمل في صميمها تناقضاً لا يمكن رفعه ، وبذلك تعرض نفسها للنقد من قبل مذهب جديد يزيل التناقض السابق ، ويقع في تناقض جديد نتيجة نزعة الإطلاق التي ترمي إلى تفسير كل شيء بمبدأ وحيد وبذلك يفسح المجال لمذهب فلسفي جديد ، وهكذا ..
فمقابل الذاتية السارترية المتطرفة ، نجد الماركسية تنتصر للعالم وتؤكد نظامه وقيامه بذاته وهي لا تفسح مجالاً للذاتية إلا بمقدار ما تعمل هذه الذاتية على السير في اتجاه التاريخ المنتظم .. إن هذه المأساة المعاصرة ليست سوى تكراراً لمأساة قديمة عاناها الفكر الإسلامي بشكل حاد تمثل في الصراع بين الفلاسفة الذين بلغوا ذروة العقلانية وعلى رأسهم ابن رشد ، وبين علماء الكلام الذين مثلهم الغزالي ، ثم تتابع هذا الصراع من خلال معاني الفلسفة الرئيسية مثل ” الله ، العالم ، علاقة الله بالعالم ، الإنسان ” ويعقبّ حيدر على ذلك بالقول : 
إن هناك مفهومين عن الكون متقابلين ، ومتعارضين في جميع المسائل هما مفهوما الدين والفلسفة ، التعارض الأول في المعرفة بين الوحي والعقل ، والتعارض الثاني هو تقابل الله والعالم ، والتقابل الثالث هو تقابل الجواز والضرورة ، ثم التقابل بين المعرفة والعمل ..
إن القتل في الحياة البرجوازية إدانة لصاحبه ، لذلك استعاضوا عنه بالقتل المعنوي ، بتحويل الذات موضوعاً بإرجاع الذات إلى شروطها وظروفها وتفسيرها بهذه الشروط والظروف بدل تفسيرها بالقضية أو إرجاعها إلى الماضي بدل ربطها بالمستقبل …
إن مهمة الانتهازي الذكي هي وصم كل إنسان حسن السمعة ، ذلك لأن كل من يحتفظ بشرفه هو بمثابة اتهام ، وتهديد للأنذال ، وقد ُقتل الشرفاء في مختلف العصور بهذا الدافع الخسيس ذاته …
إن تحويل الإنسان إلى موضوع ُيفسّر بعجز البشر وسقوطهم على مستوى ذواتهم ، والخضوع لجبرية الشروط والظروف .
هكذا يعثر حيدر على طرفي الصراع : 
التقابل في المعرفة هو تقابل بين عالم ضروري منتظم خاضع للقانون ملائم للحياة ، وبين شخص متفرد بذاته قانونه الوحيد هو الحرية .
التقابل في الحياة قائم بين قبول الحياة والمحافظة عليها ، وبين التضحية بها من أجل قضية تكتمل بها إنسانية الإنسان .
التقابل في العلاقات الإنسانية قائم بين أن نعامل الآخر موضوعاً ونتخذه وسيلة لحياتنا ، وبين أن نجعله ذاتاً فنضع حياتنا تحت تصرفه .
تقابل بين أن نحيا فنجعل معرفتنا في خدمة الحياة ، وبين أن نخلص للمعرفة فننصرف عن المنفعة .
إذن فالحياة ، أو ” ضرورة البقاء ” هي طرف التقابل الأول ، أما الطرف الثاني فهو الذات الإنسانية ، وهي في صراع دائم مع هذه الضرورة ، فكيف تكتشف الذات هذه الضرورة …؟؟.
( 6 )
المعرفة أولاً شرط ضروري للحياة ، إننا نحيا في العالم فحياتنا فيه رهن بمعرفتنا إياه من أجل التلاؤم معه ، والمعرفة الإنسانية تختلف عن معرفة الحيوانات ليس في الدرجة كما يرى بعضهم ، بل في النوع أيضاً ، فالإنسان يصل إلى تكوين المفهوم ويسأل عن معنى الوجود والغاية منه ومكان الإنسان فيه ، إننا على علاقة وثيقة مع العالم ، وأن هذه العلاقة غير قابلة للفصل ، وتأخذ أشكالاً عديدة من الصراع والتركيب .. فلماذا كانت علاقتنا بالعالم محتومة لا يمكن الخلاص منها …؟
إن صلتنا بالطبيعة ليست تلك الصلة الساكنة المنفصلة القائمة في عالم الحيوان ، فالإنسان بسبب طبيعته الإنسانية لا يقف بعلاقته بالطبيعة عند شكلها الأولي المعطى ، ولكنه يؤنسن هذه العلاقة ويطبعها بطابعه ، أنه يعيد تنظيمها باستمرار ، وبذلك يحملها على أن تتلاءم مع حاجاته .. فالتطور نحو الموضوعية معيار أساسي من معايير التقدم ، فهو يميز بين العالم المتخلف والعالم المتقدم ..
ونحن نغوص في العالم ، وُنمعن في تنظيمه وتصنيعه وتنميته لأن لنا جسداً هو أصل بقائنا وأصل صلتنا بالعالم … من المهم أن نعيد الذات إلى تربتها الواقعية … بعد أن تركها بعضهم معلقة في الفراغ .. دون أن تمحوا أصالتها الخاصة ، كما لابد من تبيان صلة الأصالة بشروطها وتوقفهّا على هذه الشروط ، فهي ليست أمراً ُمعطى .. ولكنها غاية ُتنشد ، وكمالاً نجهد في سبيل بلوغه ، ودراسة الذات هي دراسة أبعادها ، إن للعمل قوة تطهيرية .. إنه مثل القضية .. بل هو القضية في سياق التحقق ، ولأنه كذلك فهو يفعل في صاحبه ، ويجعله أكثر تماسكاً ومنعة ، وذلك بنقله الجسد من وضع الاسترخاء ، أو الوضع التأثري ، إلى وضعية الفاعلية أو الوضع التوتري ..
فالإنسان الحق هو إنسان القضية ، والقضية هي ما لم يتحقق بعد .. هي ما ينقصنا ، وما نسعى إليه كي نحصل به على كمالنا الذاتي …ولذلك ، فالقضية هي الماهية ، والماهية ليست أمراً معطى ، ولكن هي ما علينا تحصيله بضرب من الجهد الذاتي .. وما دمنا كذلك فنحن جهد متوتر ونزوع دائم نحو الهدف … إننا في سياق ديالكتيكي ، والديالكتيك هو التغييّر في الوجود من أجل تحصيل الماهية ، والتغييّر يقتضي الزمن ، فالزمن إذن من بنية وجودنا … إن فكرة الزمن هي أساسية في مذاهب الخلاص ، في المذاهب التي تحمل الإنسان على أن يحّصل خلاصه الذاتي بنفسه ، وليس الأمر مقصوراً على المذاهب الدينية ، فبعض الفلسفات الاجتماعية مثل الماركسية تضع المستقبل على أنه هدف التاريخ الإنساني ، وتجعل الحاضر شراً ينبغي تجاوزه ، فالزمان هو أداة تحقيق الماهية ، والإنسان سياق زماني بجوهره .. فنحن لم نعط حياتنا الحقة ، ولكننا اكتشفناها هناك في المستقبل … وإننا في سعي دائم نحوها متجاوزين الحاضر … القضية هي أن يتجاوز الفرد حياته الحاضرة نحو هدف ، ما … فهي ليست سوى هذا التجاوز ، أو هذا النزوع نحوه .. قبل أن يتحقق في أي مشروع عيني …!
وتماسك الفرد هو أساس تماسك الوحدة الحوارية وازدهار الوحدات الحوارية وتماسكها الذاتي هو أساس الحوار الإنساني الشامل الذي يؤدي إلى ازدهار الإنسانية عبر حدود الجسد ، حد الماضي ، حد التناهي ، حد العماء ..

( 7 )
أما في مناقشة أحمد حيدر للصيرورة ، فيرى أن الموضوع يعاني ضربين من التغيير هما : 
التغيير العفوي الذي سيتم بفعل عوامل الطبيعة ذاتها .
التغيير الهادف الذي يتم من قبل الإنسان .
هنا يصل أحمد حيدر إلى صلب الموضوع فيقول : إن الإنسان هو المحرك الهادف للتطور في مواجهة الظروف وامتداد التاريخ في المستقبل ، حيث يقول : 
1 – ” .. إن الإنسان الثورة هو الإنسان الذي ينزع نحو تركيب جديد من القيمة والواقع ” .
2 – إن الصيرورة الأفقية ذات البعد الوحيد ليست صيرورة ديالكتيكية لسبب واضح هو أن الإنسان ليس طرفاً فيها ، إنها في نظر أصحابها أفضل عالم ممكن لأنها تعفيهم من الجهد واليقظة ، إنهم يكرهون كل جديد ،ولذلك فهم يكرهون المستقبل ويعملون على مد الحاضر إلى مالا نهاية ، أما إنسان الثورة فقد وضع قضيته في ذلك المستقبل الذي سيبدو مفاجأة مذهلة لهم .
الثائرون سيصنعون المستقبل وعيونهم مفتوحة على الغاية .. قضيتهم ليست مضمونة بحتمية التاريخ بل عليهم أن يقاوموا تيار الصيرورة وأن يعارضوا الحاضر الأبدي بالمستقبل حامل القضية ، إنهم الوعد بحضارة جديدة …
.. الثوار سيدخلون في حوار شامل ليس مقصوراً على وحدة حوارية ، بل إنهم سيرتفعون إلى حوار الوحدات الحوارية .. إلى حوار الثقافات الإنسانية ..
إنهم ينتمون إلى المستقبل بينما ينتمي خصومهم إلى الماضي ، ومن هنا يستمدوّن قوتهم .
إن التركيب الحق لا يتحقق من تلقاء ذاته .. بحتمية التاريخ بل لابد من معارضة العطالة الإنسانية وحمل الصيرورة على أن تسلك سبيل القضية والجهد والمقاومة الصعبة في سبيل بلوغ هذا التركيب .. إنها تجربة أخصب من أن يتسع لها صدر هذا العصر الجاحد ، المنهوك القوى .. إن التركيب الحاضر ليس أبدياً لأنه ليس خاتمة التاريخ ، فالصيرورة لا تتوقف ولابد من أن تؤدي بالبشر إلى أن يصيروا موضوعات مرة أخرى ، وعندئذ لابد من جهد إنساني جديد يتجلى في ثورة تعيد للإنسان أبعاده المفقودة ، وهكذا .. إن الإنسان يحتفظ بماهيته ، بجهده الذاتي دون أي عون من صيرورة التاريخ …
أما عن دور البيروقراطية المتقدمة علمياً واقتصادياً في قهر الشعوب المختلفة ، “والمتخلفة منها خصوصاً ” ، وتزوير قضاياها ، وامتلاك الفعاليات الاقتصادية لتلك الشعوب ، فيقول أحمد حيدر : أن ذلك كله يتم بأن ينخلع الإنسان وأن يطمئن إلى انخلاعه .. فقضيته قد ُنقلت من مستوى القيمة إلى مستوى العيش .. وماهيته قد ُغرست في مستوى العيش هذا .. وصنعت لها أبعاداً زائفة .. وبذلك يجد المنخلع لنفسه مبرراً معقولاً .. وينتفي الشعور بالانخلاع ، وتستأصل جذوة الثورة من نفوس البشر .. فماضي الشعب ُينظر إليه على أنه تاريخ مؤسف .. ُيتغاضى عنه بتاريخ حكومي ُمقرر سلفاً ، ُفيلقن الطلاب تاريخاً معاصراً صنعته الصحافة وأجهزة الإعلام قوامه المؤتمرات والمراسيم والمنظمات وأعمال ” الرجال العظام ” الذين لازالوا يتمتعون بالحياة ، وهكذا ..
( 8 )
أن نمّر بالحاضر كراماَ في سبيل مستقبل يتجاوز هذا الحاضر ذلك ضرب من الاختلال النفسي هكذا فالحاضر هو الوجود الحق الذي يجب أن نملأه بالمقامرة والصيد والجنس … والمستقبل هو أن ُتتاح لنا الفرصة لتكرار هذا الحاضر ، هكذا يتم تزييف كل شيء ، وهكذا يتم استغلال حتى الإيديولوجيات التقدمية ، فالماركسية مثلاً يمكن أن ُتستغل بما فيها من نزعة عالمية ترى الوحدات الحوارية ، أو الألوان القومية تشكيلاً عارضاً يجب تجاوزه …واستغلال نزعة التقيدّ التاريخي المتضمنة في هذه النظرية لتشييع الاستسلام لدى الشعوب ، فالتاريخ سيؤدي بشكل حتمي إلى خير الإنسان ، ولذلك فلا حاجة للتوتر وبذل الجهد ، وإنما يكفي أن نمنح روح التاريخ الخيّرة ثقتنا وبركتنا …” 
ثم يتم ترويض النزوع إلى اليسار عند الشعوب عن طريق ماركسية مُبسّطة ومُيسّرة ، ماركسية ميكانيكية مُجّردة خالية من عنصر الإنسان الواقعي المُشخصّ ، وبعيدة عن روح التحليل الخصبة التي لا يمكن إنكارها على ” الماركسية الصحيحة ” .. إن هذه الماركسية المبتذلة تجذب الأميركانية كثيراً ، ولولا اقتران الماركسية بالاشتراكية ، لكان هذا النوع من الماركسية فلسفة الأميركانية الرسمية ..
ثم يتم تمويه الصراع الجذري بين عالم ذوي التقنية العالية ، وعالم المستلبين بصراع عرضي بين ذوي التقنية أنفسهم ” شرق وغرب ” وبذلك ينشغل المستلبين عن أن يختاروا وجودهم الحق ، بالوقوف في وجه ذوي التقنية أولاً .. بالوقوف مع فريق من ذوي التقنية ضد الفريق الآخر ..
الأميركانية تسلب الإنسان أبعاده الحقة ، وتصنع له أبعاداً زائفة ، وتعمل في البلاد الأخرى على خلق حكومات صمت وتعمية تكون بمثابة وكالات خارجية للتصدير ..
الأميركانية نزعة واعية ومدروسة ، وهي تعمل في ضوء تخطيط شامل قوامه تقنية تستند إلى شتى العلوم ، إنها سياسة ذوي التقنية من أجل إخماد روح العصر ، وتحقيق المزيد من الانخلاع الإنساني …
( 9 )
في القديم كانت مأساة العرب متأتية من أثر الصحراء وحياة الترحال على علاقتهم بالأرض ، وكيف أن الحاكم في عصر الانحطاط كان يتغير بسرعة ، فقد كانت الانقلابات رائجة في ذلك الوقت فلا يكاد الناس يبكون رموز مزاج حاكم مطلق ، ما ، حتى يحل محله آخر مطلق ذو مزاج مختلف .. فخضعت حياة الناس للمصادفة ، وانتفى الشعور بالأمان .. ولذلك يرتمي الإنسان في النظرية الجاهزة فاقداً كل حس نقدي ، وكل قدرة على التميّيز لأنه إنسان مهدور ، لذلك كان عصر الانحطاط يضطهد المفكرين ، ويسبق العصور الحديثة بفرض نظرية الدولة على المواطنين ، أما عن واقع العرب في العصر الحديث فيقول حيدر :
إن العرب يسمون عصرهم الحاضر بعصر النهضة الحديثة ، وهذه التسمية تترك في نفوسهم ارتياحاً فيشعرون بأنهم تجاوزوا عصر الانحطاط وظلامه ، ويحولون بين الناشئة ، وبين مواجهة الحقيقة ، فترتمي الناشئة في الجهل ..
أغلب المواطنين العرب لا يجدون كفايتهم من الحاجات المادية على الرغم من الثروات الضخمة التي يتمتع بها الوطن العربي .
الانفصال القائم بين الدولة والمواطنين يجعل كلاً منهما في عزلة من الآخر ، عزلة قوامها الشعور بالارتياب والحذر والخوف ، وبذلك تنصرف الأولى للدفاع عن نفسها بدل أن تنصرف للبناء ..
العربي المعاصر لم يسترد أبعاده المفقودة منذ عصر الانحطاط الكلاسيكي ، ولكن مأساته المعاصرة تقوم في أن أبعاداً مزورة زائفة بدأت تنمو على أنقاض الأبعاد الأصيلة ، والعربي المعاصر بدأ ينسى أبعاده الحقيقية ، وهو يزهو بأبعاده الزائفة بوقاحة تبني المسخ لمسوخيته …!
العربي اليوم ينزلق بين مختلف الاتجاهات مسمياً حركة الانزلاق هذه مرونة ، واهتداء … فالعربي قد نسي وجود القيمة ، ومنح وجود العيش شكل وجود القيمة …
إن عصرنا هو عصر انحطاط مموه ، ولذلك فهو أسوأ عصور الانحطاط جميعاً .. إنه مموه بالأبعاد الكاذبة ، وبالآلة ..
لكن هذه المأساة التي تجعل تاريخنا أشبه بمسيرة جنائزية لا ينبغي أن تحجب عن عيوننا رؤية المستقبل .. فنحن ما نزال أحياء رغم هذا التاريخ الطويل من التجارب المريرة .. فالشعور بضرورة التغيير الجذري كامن لدى هذا الشعب ، وعلينا أن نوقظ هذا الشعور لكي ينزاح التافهون فيمتلك الشعب هويته الحقة ، لهذا كله فإن احمد حيدر يدعو إلى التوجه نحو تركيب جديد .. فالتاريخ الإنساني يبدو في أغلب لحظاته محكوماً من قبل الطبيعة التي لا تهتم سوى باستمرار الحياة ، أما ازدهار الإنسان فأمر منوط به وحده ، وعليه من أجل استعادة ماهيته المستلبة ، أن يقوم بجهد خارق للطبيعة من أجل أن يجعل الصيرورة محكومة بالقيمة …
فمهمة عصرنا أن يقيم الأبنية الإنسانية فوق تربة التقنية الشاملة ، ونعني بالأبنية الإنسانية تلك الوحدات الحوارية ، أو الكيانات القومية المفتوحة على حوار إنساني شامل والتي يسترد الفرد ضمنها أبعاده المفقودة ، وماهيته المستلبة ، إن ذوي العطالة يزعمون أنهم يعملون لمحو كل أنواع الصراع .. بين البشر ، وذلك بإلغاء الاختلاف ، وإقامة التجانس وهم يرون ” التجانس في حذف أبعاد الإنسان لأن تنوع الوحدات الحوارية أو الثقافات القومية أساس الخلاف بين البشر ” .. لكننا رأينا أن الماهية الإنسانية هي في صميم تواصل وحوار ، ولا ينقطع الحوار إلا بفقدان هذه الماهية حيث يسقط الفرد حيواناً مسوقاً بالعطالة وحدها ، وبذلك يعمل على سلب ماهياتهم …!
( 10 )
إن من يمتلك أبعاده يحرص على الآخرين ، لأن الحوار أساس أبعاد الإنسان ، فاسترداد الأبعاد إذن يحلّ الحوار الإنساني محل الصراع ، وبذلك يتواصل البشر …ويبقى السؤال كيف نقونن التوجه إلى المستقبل العربي ، ونصيغها قوانين ترشد المناضلين العرب لتوحيد جهودهم .. وتحريك الطاقات العربية باتجاه تحقيق الهدف ، وإذا كان إنسان القضية هو المعني بصياغة المستقبل ومنع امتداد الماضي إلى هذا المستقبل ، فمن هو إنسان القضية …؟ وما هي القوانين النوعية التي تحكم حركته …؟ ثم ، وإذا كان المقصود الآن هو التوجه نحو حضارة عربية جديدة أو بناء الوحدة الحوارية المتقدمة في الوطن العربي كما يسميها أحمد حيدر يصبح السؤال أكثر تحديداً : كيف يستطيع إنسان القضية بالتحديد .. أن يفعل إيجابياً في الواقع العربي المتخلف والمجزأ والمُحاصر ، ليحقق فيه الحضارة العربية الجديدة …؟
هذه أسئلة تهم المعنيين بالمستقبل العربي عامة ، ولذلك ، فإنهم جميعاً معنيين بالإجابة ، وهنا على سبيل المثال نلاحظ أن أحمد حيدر ، وهو يبحث عن حضارة جديدة تقاطع إلى حد التطابق مع منهج ” جدل الإنسان ” الذي صاغ قوانينه عصمت سيف الدولة فإنسان القضية المعّول عليه في صياغة وصنع الحضارة العربية الجديدة عند عصمت سيف الدولة هو الإنسان الديالكتيكي الفاعل في مجتمع ديالكتيكي عن طريق الديالكتيك الاجتماعي ، وبذلك يكون بحث أحمد حيدر خطوة إيجابية .. وتلك إضافة جديدة على الطريق …إلى الحضارة العربية الجديدة ، وربما تكون الخطوة الأولى هي تلك التي خطاها المناضلون العرب في تونس ….إنهم عرب القضية ، إنسان القضية ، مجتمع القضية المحصن ضد الفتن ، ودعاتها … 
حبيب عيســــــــــى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: