الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

مستقبل الثورة .. ومستقبل الناصريين

مستقبل الثورة .. ومستقبل الناصريين

 

بقلم : دكتور صفوت حاتم

 

1 – يجب أن نعترف جميعا أن الثورة الشعبية في 25 يناير قد فاجأت الجميع .. ويجب أن نعترف أن ما تلاها – ولا يزال – من تداعيات مصرية وعربية هو محل فرح يطرب له القلب . بقدر ما يثير كثير من التوجس والقلق على مصير مصر والأمة العربية . ومع إنقضاء هذه الشهور القليلة على سقوط نظام ” حسني مبارك ” .. صارت الرؤية أوضح .. فالأسلاميون بكافة فصائلهم يتصدرون المشهد السياسي في مصر وبعض الأقطار العربية .. وتبدو المقارنة بين درجة حشد وتعبئة الناصريين لقواهم وجماهيرهم ضعيفة مقارنة بحال الحشد الإسلاموي .. ولكن ذلك لايعني – في تقديري – أن جمهور عبد الناصر والناصرية أقل   من جمهور الاسلاميين .. فذلك يبدو لي غير دقيق .. وهو لم يخضع على أية حال لإختبارات تنظيمية جازمة في مضمونها ..  ولكن لدي ثقة ان هذا الجمهور احتفظ بولائه لأفكار وصورة عبد الناصر ومشروعه القومي على مدار أكثر من أربعين عاما .. وهي فترة طويلة نسبيا وتصلح في حد ذاتها كمقياس على مدى شعبية وإغراء أفكار عبد الناصر وتجربته للشارع العربي رغم مضي هذه السنين .. فإذا أضفنا لهذه السنين الطويلة تحديات الأنظمة العربية الرجعية والمناوئة للناصرية .. مضافا لها إخفاقات القيادات الناصرية في لم شعث التيار داخل مؤسسات جماهيرية واسعة وتركها للجماهير نهبا لصراعات زعامية ومنفعية ” هزيلة ” .. كل ذلك يؤكد ويدعم الثقة في نفسي أن الناصرية بجمهورها وليس بمؤسسساتها أوسع من أي أختبار تنظيمي يعبر عن حجمها وعن قوة تأثيرها .

وإذا اضفنا إلى كل ذلك ظاهرة أخرى عجيبة .. هي توافد أجيال شابة صغيرة السن وحديثة التجربة الى ساحة العمل الناصري .. أو ساحة الأعجاب بعبد الناصر الذي لم تره .. وتجربته التي لم تعشها .. كل ذلك يعطي مؤشرا على قوة شعبية ” محتملة ” كبيرة ومؤثرة في ساحة العمل السياسي العربي .. وهو أمر تحتاجه ثورات الحرية التي إنطلقت في معظم أرجاء الوطن العربي .. وتهفو لها بقية الأرجاء التي لم تنتفض بعد .

2- إذا إتفقنا على هذه المقدمة البسيطة .. ستبدو لنا أوضاع التيار الناصري قلقة .. ولكنها ليست مزمنة .. على العكس تبدو حالة ” القلق ” وكأنها حالة إيجابية فالقلق هو الذي يحرك الأنسان ويدفعه للبحث والتقصي والعمل .. ولكن هناك عامل جديد أشرت إليه سابقا .. وهو عودة  ” الحالة الإسلامية ” للعمل السياسي والجماهيري دون قيود أو عوائق أمنية أو سلطوية أو إعلامية  .. وهي حالة صعود شبيهة بالإنفجار للغاز الضغوط المكبوت .. سيصدر دوي هائل قد يصم الآذان .. أو وهج لامع قد يخطف الأبصار .. ولكن إعتقادي ان ذلك سيكون لفترة قصيرة ثم تنحسر الأصوات المدوية والأضواء الخاطفة وتعود الأشياء الى حجمها الحقيقي .. وتنزاح هالة الغموض التي كانت تكتنف هذه ” الحالة ” .. وتسقط عنها أردية ” الشهادة والتضحية ” التي استخدمتها – وتستخدمها حتى الآن – وستفقد حتما تعاطف كثير من القطاعات الجماهيرية التي تعاطفت معها لكونها مظلومة وفقط . وهناك من الدلائل أن هذا قد بدأ فعلا .. وهناك من الدلائل أن مسلسل أخطاء عناصر ” الحالة الإسلامية ” يتسارع بشكل لم يكن يتوقعه حتى خصومهم الفكريين والسياسيين .

 

3 – ورغم أخطائهم المتسارعة   يوميا – والموثقة لحسن الحظ – فهم يشكلون في مشروعهم خطرا أكيدا على ثورات الحرية المندلعة في الوطن العربي .. فبدلا أن يكونوا عنوانا على التسامح مع الجماهير والقوى الأخرى  بإعتبارهم ضحايا  سابقين  للقمع السلطوي نراهم يتصرفون بغرور  شديد .. وبدلا من أن يكونا مدافعين في الصفوف الأولى عن الحرية .. نراهم يتصرفون كأخطر مايكون على حرية الآخرين ..ولست من الذين يميلون لإستخدامهم ” كفزاعة ”  للناس .. فإعتقادي ان المتزنين والمخلصين منهم يعلمون صدق ما أقول ومدى خطره عليهم وعلى قضية الحرية في مصر والوطن العربي .. ولاشك أنني أرغب أن أذكرهم بما حدث في الجزائر الشقيقة  حينما سقط النظام الشمولي في أوائل التسعينات وانفتح المجال لجبهة الإنقاذ الجزائرية للتقدم للإنتخابات البرلمانية وأن تنجح فيها نجاحا ساحقا في الدور الأول .. وكان كافيا أن يصدر منها خطأ واحدا أو تصريحا واحدا في غير وقته ومكانه عن إمكانية استفتاء الشعب على قيام ” دستور إسلامي ” ..حتى قامت الدنيا ولم تقعد .. ودخلت الجزائر نفق الحرب الأهلية والدكتاتورية العسكرية حتى هذه اللحظة .. ويبدو لي أن ثقة الإسلاميين الزائدة في أنفسهم تجعلهم يكررون نفس الأخطاء دون أي تعلم من دروس وأخطاء الماضي .. على أي حال هذا شأنهم .. ونحن لسنا مؤهلين لإعطاء دروس لتيار أعتاد هو إعطاء الدروس للآخرين !!

 

4- ولكننا ندرك أن أخطاء أي فريق من فرق العمل السياسي قد يؤدي إلى إنتكاسة وطنية هائلة قد تعيد – لا قدر الله – الديكتاتورية مرة أخرى أو تعيد الشعب الى حالة اللامبالاة بالحياة السياسية  والعزوف مرة أخرى عن المشاركة السياسية .. وهي نكسة كبيرة لو حدثت خصوصا بعد خروجه العظيم والمؤثر في مشاهد الثورة ومشاهد الإستفتاء على تعديل الدستور وماحدث فيه من مشاهد غريبة من أقطاب ” الحالة الإسلامية ”  أخوان وسلفية ..

في هذا المشهد السياسي يبرز دور الجماهير الناصرية كمعادل للوطنية المصرية الجامعة ..حتى من بعض خصومها السابقين كالليبراليين أو الماركسيين .. فساحة العمل السياسي وتحديات مواجهة النظام السابق كان قد  أفرز تمازجا بين المواقف والأفكار على نحو إيجابي ..

من هنا تبدو مهمة  إعادة تأسيس الحركة الجماهيرية الناصرية هي مهمة وطنية بإمتياز .. فدور مصر العربي .. وسياسة الإستقلال الوطني وبناء القدرة الذاتية .. وسياسة العدالة الإجتماعية للطبقات الكادحة .. والحريات السياسية .. والوقوف الحازم أمام الغطرسة الإسرائيلية .. كلها صارت شعارات ومطالب الحركة الوطنية  المصرية والعربية .. مع اختلاف في التقدير لوزن  كل منها بإختلاف التيارات السياسية  .

 

5 –  لكن الحركة الجماهيرية الناصرية ترزح – بإمتياز أيضا – تحت وطأة قيادات وزعامات شبيهة بما هو كائن في الأحزاب الحاكمة وفي التنظيمات الإسلامية .. وهو عطب عربي فيما يبدو .. حيث تختفي القدرة على تجديد وإحلال نخب شابة أو اقل سنا .. خلاف ما يحدث في الأحزاب الأوروبية  مثلا .. أويحدث أحيانا في إسرائيل !!

 

وهكذا طرحت قضية توحيد تيار الناصري أكثر من مرة .. وفشلت أكثر من مرة !!

 

ويبدو لي أن من سبب من اسباب الفشل ( العديدة ) ان ”  قادة الفشل ”  المتكرر  في الماضي  هم ذاتهم الذين يتصدرون مبادرات التوحيد ..نفس الرموز .. ونفس العقليات .. ونفس الشخوص .. ونفس الطريقة !!

ان خلود هذه القيادات في مواقعها .. وإعادة استخدامها مرات ومرات أفقد قضية الوحدة الناصرية الجدية التي تستحقها .. وفترت حماسة الجمهور الناصري لها .. بعد أن فقد ثقته في جدية من يقومون على ” ملف التوحيد الناصري ” …

كل هذه المتغيرات والتحديات : ثورات الحرية المفاجئة .. الصعود المفاجئ ” للحالة الإسلامية ” وإنفلاتها المهدد لثورة الحرية وإمكانية الإنتكاس الى وضع الفوضى أو الديكتاتورية .. كل ذلك وغيره يطرح السؤال : من القادر على مواجهة هذه الأخطار ؟

وبكل الموضوعية والحياد لا أرى سوى التيار – والجمهور –  الناصري قادرا على فتح الطريق للحرية في الوطن العربي مرة أخرى .. فمشروعه – في جوهره –  حداثي وعقلاني وجامع لعناصر الأمة .. لكن المفارقة المؤلمة .. ان مؤسساته وزعاماته ليست حداثية ولا عقلانية .. في الغالب ..  حتى لا نظلم الجميع !!

 

من هذه المفارقة : مشروع  ناصري حداثي محمول على مؤسسات تنتمي الى عصور  ” حفرية ” و ” متحفية ” ..  قد اصبح ضرورويا أن نضع طبيعة هذه المؤسسات التنظيمية وقيادتها التاريخية موضع النقد والمساءلة والتجاوز .. وقد يجدر بنا إجراء حوار مصارحة طويل وشاق ومؤلم مع أنفسنا حتى نصل الى الحل بسرعة .. ووجه السرعة في رأيي أن أخطار الإنتكاس في الثورة باتت مقلقة .. وأن هناك قوى تريد حرف ثورة الحرية بإتجاه الطغيان والكبت تحت إغواءات الشريعة والدولة الشرعية .. وربما يكون مفيدا تحذير هذه القوى أن مشروع الدولة الدينية سيفتح ملف الصراع الطائفي السني – الشيعي  قبل أن يفتح ملف الصراع الطائفي المسلم – المسيحي .. فإيران وتركيا من دول الجوار العربي .. والوطن العربي فسيفساء مذهبية وعرقية وعوامل التفجر المذهبي فيه سهلة .. وهناك قوى تستطيع أن تزج بالأمة العربية  في ساحة الحرب الطائفية بسهولة شديدة .. ونظرة على تجرية الصراع الديني  في لبنان والجزائر والسودان والعراق  خير شاهد على صحة مانقول ..

 

لكل هذا وغيره أقدم هذه الورقة السريعة عن أزمة العمل التنظيمي الناصري .. لتكون مدخلا لحوار جماهيري حول المستقبل .. وليس الهدف من هذه الورقة الحوار من أجل  الحوار .. فليس هناك متسع من الوقت لدينا .. فنحن نريد .. والجماهير الناصرية تريد .. والمستقبل العربي يريد .. ونحن الناصريون نريد تغيير هذا الواقع والانطلاق بثورة الحرية .. نحو الحرية ..

والله الموفق .. من قبل ومن بعد …

 

 

يعترف كاتب هذه الشهادة أنه لا يملك إجابة واضحة عن أسباب أزمة العمل الناصري  في مصر والوطن العربي . 

 فلم يكن كاتب هذه السطور معايشا لنشأة وتأسيس الحزب العربي الديمقراطي  الناصري في مصر  . كما أنه لم يكن مشاركا في تجاربه التنظيمية ما يسمح له بتشخيص الأزمة وطرق الخروج منها . كما أن صاحب هذه الورقة لايملك في الوقت ذاته الحكم على أداء التجارب  الناصرية المختلفة والممتدة  على مساحة الوطن العربي  . فذلك أمر  فوق طاقة فرد  واحد  وأكبر من حجم كاتب هذه الورقة ودوره في العمل السياسي الناصري              .  

لذلك إسمحوا لي أن أبدأ بداية مجردة وبعيدة عن جوهر السؤال وهو :  أزمة العمل الناصري وما هي طرق الخروج من الأزمة ؟

 

الأجابة عن هذا السؤال – في رأيي – ليست منقطعة الصلة بأزمة ا لعمل السياسي العام وتراثه الفكري التنظيمي في الوطن العربي وبشكل خاص النشأة الأولى للأحزاب والمنظمات السياسية في وطننا العربي  . فكثيرا ماكان المنشأ الطائفي أو القبلي أو الطبقي لهذه المنظمات هو السبب الأول وراء فشلها .  

  ويكاد يكون من المتفق عليه في المفاهيم الحزبية , أن النشأة الأساسية التي ينشأ بها حزب ما تظل تدمغ حياته وموافقه وتؤثر على مساره .  

فطبيعة النشأة التنظميمة ( نشأة سرية .. نشأة علنية مفتوحة وواسعة .. نشأة نخبوية .. ظروفنضال وطني مسلح .. ظروف نضال إجتماعي .. ألى آخره ) . ثم تركيبة القيادة الأولى التي يعهد اليها بتكوين الحزب ( التحلق حول زعيم فكري .. التحلق حول زعيم أو مناضل سياسي .. التحلق حول شلة قيادية .. الى آخره ) . وفي النهاية التركيبة الإجتماعية للقيادة ( قيادة نخبوية التكوين .. تواجد مؤثر للعناصر النوعية : عمال.. فلاحين .. طلاب .. الى آخره .

 

من هنا دعونا نرصد طبيعة هذه الولادة الأولى للظاهرة الحزبية العربية وتأثير هذه الولادة على الحياة والمسار :

 

العفوية التجريبية 

 يمكن القول دون مبالغة , أن تكوين كثير من الأحزاب السياسية العربية قد جاء تكوينا ” عفويا ” , إنجاز التعبير . إذ كانت الأحزاب والمنظمات السياسية تولد – وأحيانا تموت – دون أن يخطر لها أن الشكل التنظيمي لولادتها سيلعب دورا حاسما في طبيعة إتجاهها السياسي وتركيبها الطبقي . بغض النظر عن نواياها الذاتية

.

ان المناقشات الواسعة التي دارت في داخل بعض التيارات السياسية حول مفهوم الحزب والنظرية التنظيمية والعلاقة بين الحزب والجماهير والطبقات المرشحة للتغيير ونظرية العمل التنظيمي ( هل هي المركزية الديمقرطية أو الديمقراطية الموسعة لمنظمات القاعدة ودور العمل النقابي بالعمل الحزبي وأولية النقابي على السياسي ) . كل هذه المناقشات والأدبيات تكادتكون مجهولة في الحركة القومية وبشكل خاص الحركة الناصرية . فلم يتح – للتيار الناصري – على حد علمي – الفرصة المناسبة لإدارة نقاشات موسعة حول هذه الأمور أو بعضها بغرض الوصول الى تأسيس فكر تنظيمي خاص بالناصرية على ضوء خبرتها التاريخية في السلطة وخارجها.  

 من جهة أخرى لم يتح للقائمين أو المشاركين في هذه التجارب المختلفة أن يضعوا تجاربهم وخبراتهم مكتوبة وموثقة عن المراحل المختلفة للممارسة التنظيمية الناصرية من هنا يبرز الجانب الأول من أزمة العمل الحزبي الناصري وهو ما يمكن أن نطلق عليه أسم ” العفوية التجريبية ” . أي إفتقاد وغياب نظرية في التنظيم .

.

ان معظم الأحزاب العربية لم تطرح مسألة شكلها التنظيمي إلا بعد ان تكون قد تطورت وتقدمت في السن . وهكذا تأتي الممارسة التنظيمية مجرد عملية تكريس وتأطير لممارسة تنظيمية ” عفوية ” منذ البداية  

 وحتى عندما تتوصل هذه الأحزاب – بعد طول ممارسة – الى ضرورة نبذ ” العفوية التجريبية ” والإلتزام بنظرية تنظيمية مقننة , فإن هذا لايعني دوما أنها تحولت الى أحزاب منظمة فعليا فمثل هذا الشكل التنظيمي الجديد ليس سوى  ثوب خارجي يتلبس الحزب الذي تبقى ممارساته صدى للعفوية التي دمغت نشأته وبدايته الأولى                              .

وهكذا يمكن أن نجد أن الشكل الجديد لهذه الأحزاب يصبح شكلا متحجرا وجامدا غير قادر على تحسس التطورات والأحداث المتجددة . إذ يظل الشكل التنظيمي ثابتا سواء كانت المرحلة مرحلة نضال برلماني أو حكم عسكري وسواء كانت مرحلة تطور سلمي بطيئ أو صراع حاد ومكشوف وسواء كان الحزب في السلطة أو خارجها.

 

ولابد من الإعتراف الآن أن التجربة التنظيمية الناصرية عانت – ولازالت – من تأثير هذه السمة ” العفوية التجريبية ” منذ بداية الثورة وحتى وفاة الزعيم الراحل ” جمال عبد الناصر

” .

ان محاضر إجتماعات مجلس الوزراء بعد نكسة يونيو 1967 , تكشف بوضوح عن إحساس الرئيس الراحل بهذا العيب الخطير . ولم يتحرج لحظة واحدة في الإعتراف به والمطالبة بالخروج من أسره.  

 

 

الإنتقائية التنظيمية

 

ان نظرية المركزية الديمقراطية – مثلا – هي نظرية تنتمي تاريخيا للماركسية وللممارسة الماركسية بتلاوينها المختلفة وقد تبنتها كثير من المنظمات والأحزاب الناصرية دون تمحيص أو نقد .. وبدون أي تعديل في جوهرها . وحتى هذه اللحظة لم يدر نقاش جدي داخل التيار الناصري  – على حد علمي – حول نظرية  المركزية الديمقراطية وعيوبها وإمكانياتها , وبالأحرى بدائلها . إذا كان هناك بدائل لها بالفعل .

      

لذلك يبدو لي ان الممارسة التنظيمية جاءت إمتدادا لنزعة إنتقائية ” عفوية ” لتجارب الإتحاد الإشتراكي العربي ومنظمة الشباب وطليعة الإشتراكيين . ثم الحلقات والمنتديات الفكرية الجامعية.          .  

وأسارع بالقول , ان هذا التراث ” الإنتقائي ” ليس مذموما في ذاته فيما لو كان قد خضع لدراسة إرادية موثقة وليس مجرد إمتداد ” عفوي ” وتلقائي لخبرات الأفراد ومواهبهم وكفاءاتهم غير المختبرة بطريقة موضوعية مقننة.  

 

النزعة التكنيكية 

ان الصفة التي تجمع بين ” العفوية التجريبية ” وبين ” الإنتقائية ” في مسائل التنظيم هي تغلب ما يسمى ” النزعة التكنيكية”      والمقصود بهذا تغلب مفهوم عن التنظيم ينظر للمشكلة التنظيمية بإعتبارها مسألة ” تكنيكية ” محضة . اي القدرة على حصر العضوية وتنظيمها وتصنيفها ومتابعة المستويات التنظيمية والإجتماعات والإيرادات وتنظيم الإنتخابات وتوثيق محاضر إجتماعات .. الىآخره

   .ان هذه النزعة ” التكنيكية ” تقترب في فهمها للتنظيم من مفاهيم علم الإدارة في المؤسسات والشركات الإقتصادية والصناعية ولا علاقة مباشرة بمسألة الحزب السياسي. ولقد شهدت الحركة الناصرية عناصر كثيرة تتمتع بهذه الموهبة ” الإدارية ” , ولكنها لا تتمتع بالحس السياسي او الإبداع في مجال العمل التنظيمي .

.

ان التنظيم مسألة سياسية وفكرية بالدرجة الأولى وليست مسألة إدارية محضة مهما بلغ من إتقانها الإداري وإنضباطيتها . فالبنية التظيمية لحزب علني  تختلف عن البنية التنظيمية لحزب سري. والأحزاب ذات الطابع العسكري والتي تمتلك ميلشيات مسلحة تختلف في طرق إدارتها عن الأحزاب السياسية .. الخ .

                                

وكثيرا ما تغلب هذا المفهوم ” التكنيكي ” في العمل السياسي  و تحول الحزب الى مؤسسةبيروقراطية بليدة غير قابلة للتطور  أوإستيعاب المتغيرات .. وسادت العناصر الإدارية والبيروقراطية في مستويات القيادة وصارت عائقا أمام تطور الحزب  .. وهو ما يؤدي في النهاية الى  نفور  العناصرالمبادرة وإنزوائها تحت ضغط وثقل العناصر البيروقراطية .  

 

الديمقراطية الحزبية

 

يمكن الإستنتاج مما تقدم أن هذه الظواهر الثلاث ستلقي بظلها على الممارسة الديمقراطية داخل الحزب السياسي وآفاق تطوره.

 ويهمنا هنا أن نشير الى أن مشكلة الديمقراطية الحزبية هي رد فعل مباشر لمجموعة من الأمور التكنيكية أو الفنية التي تصاحب عملية مولد الحزب السياسي .

فمن الأهداف التي لم تستطع الأحزاب العربية أن تحققها حتى هذه اللحظة , هدف إقامة علاقاتديمقراطية بين القيادات والقواعد . فقد كان الغالب أن تحتكر القيادات كل شيئ في التنظيم و فهي تضع له أفكاره وتصوغ له فلسفته وتفرض عليه إجتهاداتها السياسية الشخصية وتلزمه – في أحيان غير قليلة – بالمواقف المتعارضة وتزج به في معارك غير مفهومة . وكل هذا بسبب غياب الديمقراطية.

 

 

والديمقراطية ليست مفهوما نظريا أو شعارا عاما . بل هي قبل كل شيئ وبعده مسألة محكومة بالنشأة التي ينشأ بها الحزب السياسي .  

ومن هذه الأمور التي لم ينتبه لها بشكل كاف مسألة النشأة الأولى وتأثيرها على حياة الحزب الديمقراطية . ويمكن تلخيص هذه النشأة في ظواهر ثلاث

1 – النشأة حول قيادة سياسية أو فكرية ” كاريزمية “

2 – ثنائية الزعامة في التنظيم

3 – النشأة حول ” شلة قيادية ” أو مجموعة من ” الشلل التنظيمية”  

وما يهمنا في هذه الظاهر الثلاث , الظاهرة الأخيرة , أي نشأة التنظيم حول الشلة القيادية أو تجمع” الشلل القيادية.

 ان الخبرة التاريخية أكدت , في كل مرة , أن انشاء التنظيمات الجماهيرية عن طريق دعوة شلة قيادية لهذا التنظيم يسلب التنظيمات الجماهيرية منذ البداية أحد الشروط الأساسية للديمقراطية .

 فعندما تتولى القيادة إنشاء التنظيم يحدث الآتي                 :                   أ – تكتسب القيادة صفتها كقيادة قبل نشأة التنظيم ب – تدعو الى التجمع حولها في التنظيم ج – تختار الكوادر القيادية التي تليها في هذا التنظيم                         

                         .

ان تولي القيادة إختيار الكوادر التالية لها بعيدا عن الديمقراطية التنظيمية ( لأن التنظيم لم يكن موجودا أصلا قبل إختيار الكوادر ) يحصر التنظيم منذ البداية في مضايق التقدير الشخصي والتجارب المحدودة والولاءات الشخصية . فعندما تستند الرابطة الحقوقية في التنظيم الى العلاقات الشخصية المجردة من اي روابط موضوعية أيديولوجية او نضالية , يتحول التنظيم الىمؤسسة مكونة من أشخاص تربطهم روابط خاصة لا علاقة لها بالتميز الفكري أو التنظيمي او النضالي . ولا يلبث هؤلاء في أستغلال التنظيم لتحقيق مصالح شخصية وعزل القيادة عن القواعد ومطاردة من يتوقعون منهم أن يكونوا منافسين لهم في مراكزهم القيادية . وينتج عن هذا الجو صراعات سلبية مدمرة تدمر التنظيم . وينتج عن هذا وغيره أن ترفض عناصر كثيرة ووممتازة الزج بنفسها في هذا الجو التنظيمي وما تلبث أن تنأى بنفسها عن العمل الحزبي وتهجره .

 

تعدد التكتلات التنظيمية 

 لا يكاد يخلو حزب – أيا كانت أيديولوجيته – من وجود التيارات الفكرية  التي تكون بسيطة في البداية ولكنها  لا تلبث أن تعبر عن نفسها في ميول تنظيمية متصارعة . وظاهرة الشلل أو الإتجاهات التنظيمية , ليست ظاهرة خطيرة فيما لو تم التعامل معها بإعتبارها طبيعية وليست خروجا على الطبيعة الحزبية ان عدم الإعتراف بها لا يعني عدم وجودها ولكن يعني إمتدادها في الواقع الحزبي بشكل سلبي ومخرب.  

.

قطعا أن المرحلة التاريخية التي يمر بها حزب ما تفرض قيودا – تضيق أو تتسع بحسب ضرورات النضال السياسي – على التعددية الفكرية والتنظيمية ولقد أثبتت الخبرة التاريخية للأحزاب العربية أن إنكار التعددية وإستنكارها لم يولد – في المقابل – سوى التمرد التنظيمي و التشرزم والإنشقاقات والهروب من المنظمة الأم وهجر العمل الحزبي .. الى آخره.

.

 ان تجربة الأحزاب اليسارية الجديدة في اوروبا تقوم على اسس القبول بالتعددية الداخلية , فكريا وتنظيميا , وعلى اساس التمثيل النسبي للإتجاهات الفكرية والتنظمية مع القبول بوحدة الحزب  .  

ان أوضح مثال على هذه الخبرة , تجربة الحزب الإشتراكي الفرنسي الجديد الذي أعاد تأسيسه “فرانسوا ميتران ” عام 1971 من تجمع كتل وإتجاهات إشتراكية مختلفة ومتابينة في أفكارها وإتجاهاتها                                .  

ولقد ظلت سياسة الحزب الإشتراكي الفرنسي تراوح من اليمين الى اليسار بحسب الوزن النسبي الذي تلعبه التيارات المختلفة داخل الحزب  أو بحسب تغير المزاج الشعبي وإختلاف مراحل العمل السياسي خارج السلطة وداخلها                    .  

ان تجربة التأميمات التي حدثت مع استلام الحزب الإشتراكي  الحكم في فرنسا 1981 كانت تعبيرا عن صعود التيار الأكثر يسارية في داخل الحزب . ولكن إخفاق هذا التيار وفشل برنامجه السياسي وتغير المزاج الشعبي بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي , أفسح المجال للتيار الإصلاحي الأقل يسارية داخل الحزب الإشتراكي الفرنسي .     وكان السر في هذا هو القبول بمبدأ التعددية والتكتل الداخلي مع الحفاظ على وحدة الحزب أن الناصريين لم يقبلوا – بحسن نية – الإعتراف بوجود الإتجاهات والتكتلات الفكرية والتنظيمية في التعامل الحزبي . ربما كان هذا بدافع الحماسة للتجربة الناشئة . ولكن هذا الإنكار لم يمنع واقعيا من أن هذه التكتلات لم تجد لها مكانا في الداخل , فكان من الطبيعي أن تبحث لنفسها عن مكان في الخارج  وحدوث التشرزم والانقسام .

.

لا يمكن هنا ان نلقي باللوم على أي طرف , بقدر ما  نلوم  على الذين لم ينتبهوا – منذ البداية – لوجود هذه الظاهرة عند المولد ولم يقدروا – آنذاك – أن منع خطرها لا يتحقق بالأماني والنياتالحسنة , بقدر ما هو فكر تنظيمي يفتش ويحلل ويقارن ويستبق الظاهرة .

ان كاتب هذه الورقة يعتقد أن مصلحة التيار الناصري  الآن ربما تكون في التعدد الحزبي أكثر مما تكون في الوحدة الحزبية ؟!!

 

غياب النقد الذاتي

 

لقد أوجدت الحركات الثورية تقاليد داخلية لممارسة النقد والنقد الذاتي . ولكن ممارسة هذه الفاعلية تتطلب أن يكون الحزب قد بلغ نضجا معينا من الناحية الفكرية ومن ناحية التربية الصحيحة لدى أفراده ودرجة  موضوعية وصدق علاقاته الداخلية بحيث يمكن للحزب استخدام النقد والنقد الذاتي في تصحيح مساره وعزل المقصرين وإبراز قيادات جديدة .

هذا يكاد يكون أمرا متفق عليه في الأدبيات الحزبية .

 

ان  ممارسة ” النقد الذاتي ” دليل قوي على إخلاص القيادات وقدرتها على التغيير دون تعالي وغرور .

من ناحية ثانية  فإن ممارسة هذا ” النقد الذاتي لا يجب أن تتخذ كآداة للتشهير بهذه القيادات أو وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية الناتجة عن صراع الأحقاد والمناورات والتنافر والصراع على المراكز القيادية.

إن ممارسة النقد الذاتي مهمة فوق طاقة البشر ويجب  أن تتم بموضوعية وتجرد . ولكن حتى هذه اللحظة لم ينكر أحد ضرورتها في العمل الحزبي أو التقليل من شأنها ان وجود أدبيات موثقة داخل العمل الحزبي تمارس هذا النوع من النقد والنقد الذاتي لا يقلل أبدا من صورة القيادة أو يبخسها حقها ويكفي أن نتذكر ان أعظم مواهب الزعيم  الراحل ” جمال عبد الناصر ” هي تلك القدرة المذهلة على نقد الذات وتحمل المسئولية عن الخطأ وضرب القدوة دوما في  الإعتراف بالخطأ وتحمل العواقب   .   

.

.

غياب مدرسة الكادر

لقد تنبهت الأحزاب ” الشمولية ” الى أهمية التربية الحزبية وتخريج الكوادر . ولقد ظل هذا التقليد معمولا به في الأحزاب الشيوعية الرسمية وغير الرسمية . فالبنية الفكرية والنفسية التي يتم على اساسها إختيار الكوادر وتنمية مهاراتهم هي مجالات خصبة مازال الفكر السياسي يتجاهلها ويعرض عنها عن غير دراية بأهمية دورها الخطير في العمل الحزبي .

ان غياب برامج علمية لإختيار الأفراد وفرزهم فرزا موضوعيا وفق شروط نضالية ونفسية مدروسة ومقننة و كان له أعمق الأثر في أن تفرز الحركات السياسية نماذج شاذة ومنحرفة وإنتهازية تدمرالعمل السياسي.

لهذا لم يكن غريبا أن تبرز ظواهر سلبية من الدسيسة والوقيعة والتنابز ومواقف التشكيك وتبادل التهم وسيادة منهجة المناورة كأفضل علاقة ذكاء بين الشباب العاملين في الحقل السياسي الحزبي .

لنأخذ على سبيل المثال ظاهرة ” الشلل التنظيمية ” وهي  إنها ظاهرة تنبع من وجود طبقة من القياديين الذين يملكون قدرا من المعرفة النظرية والحركية أكبر من القواعد التي تنتمي لهم .وبالقدر الذي يحافظ هؤلاء القادة على هذا التفوق  يحافظون في الوقت ذاته على مراكزهم القيادية ويأمنوا تبعية أفرادهم لهم .. بينما تشعر القواعد  بلذة سلبية كلما تفننت في إظهار الإخلاص للقيادة.

ان مهمة مدرسة الكادر هي إذابة هذه التفاوتات المختلقة وتمكين الأفراد من الحكم الصحيح على المواقف وتأهيله للقيادة . مدرسة الكادر هي الفرن الذي يصهر الكوادر ويشكلهم من جديد ويعدهم للمهام الحزبية والسياسية وفق المراحل النضالية المختلفة                       ( خارج السلطةالسياسية أو داخلها ) 

لقد أدركت الأحزاب السياسية في البلدان الأوروبية ضرورة الإهتمام بخلق أجيال شابة لقيادة الحزب والدولة عبر برامج خاصة للتدريب على فنون العمل السياسي وإدارة السلطة السياسية وصنع القرار السياسي وتوجيه الجماهير والتفاوض .. الى آخره .

 

وأخيرا : الإقليمية

 

ان الإقليمية ليست فقط مجرد توجهات عقائدية ونظرية , بل هي قبل كل شيئ أسلوب في التفكير ومنهج في العمل السياسي .

وعلى الرغم من إدراك الوحدويين الناصريين لأهمية اقامة التنظيم القومي كأداة لتجاوز التجزئة وإقامة الوحدة . إلا أن هؤلاء الوحدويين لا زالوا بعيدين جدا عن إقامة هذا الحزب الوحدوي الذي هو مشروع الدولة الواحدة التي يناضلوا من أجلها .

ولسنا هنا في مجال إقناع أحد بضرورة هذا الحزب الوحدوي او أولويته . فليست هذه الورقة مجال هذا الحديث .

ولكن ما نحاول قوله أن غياب هذا الحزب الوحدوي يفسر – الى حد كبير – شيوع كل السلبيات التي تحدثنا عنها وإخفاق التيار الناصري عن تحقيق المهام التي ذكرناها سابقا

والتي تتخطى قدرات الأحزاب الناصرية القطرية كلها مجتمعة .

المهم الآن أن غياب مرجعية قومية عليا ( أو بالأحرى شرعية قومية عليا ) سوف يجعل من المحتم أن تسير الحياة الحزبية في الأقطار وفق آلية قطرية ضيقة لاتجد من يردعها ويقلل من تأثيراتهاالسلبية .

ان خلق ” شرعية قومية ” مؤسساتية يمكن أن تحد من نوازع الصراع والتنافر وتحكم في المسائل القطرية بتجرد يتجاوز المصالح الشخصية والقطرية مثار النزاع والصراع بين الأفراد والكتل والإتجاهات الفكرية والتنظيمية ان أي مهمة لحل النزاعات والصراعات بشكل قطري ستظل محكومة بالميول والأهواء الشخصية والمصالح الذاتية .

.

هل يمكن النجاح في ضبط العمل الناصري قطريا ومحاصرة الإنحرافات داخله في ظل غياب هذه الشرعية القومية العليا ؟

كل هذه الأسئلة – وغيرها – تحتاج الى الكثير من الحوار والإجتهاد .. من أجل  المستقبل العربي  الذي لا أراه  إلا موحدا وديموقراطيا يتمتع  كل إنسان فيه  بالحرية والمساواة والكرامة .

ان المهمة العاجلة أمام الشباب القومي الناصري هي مهمة تأسيس ” إئتلاف ناصري” واسع ..يدعو له الشباب وينظمونه من خلال تواصلهم وحواراتهم وإجتهاداتهم .. ولن يبخل عليهم المخلصون من ” كهول الناصرية ” بالخبرات والدعم والتأييد ..

يا شباب الناصرية .. هذا وقتكم …

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: