الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر من قصر الضيافة بدمشق

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر

من قصر الضيافة بدمشق

١٥/٣/١٩٥٩

أيها المواطنون.. أيها المواطنون:

باسم شعب الجمهورية أحيى إخواتنا الذين يجتمعون معنا اليوم هنا فى هذا الميدان من لبنان الشقيق العزيز.

أيها المواطنون:

وفى هذا الجمع العظيم لا يستطيع الإنسان أن يميز الأخ من أخيه، أن يميز اللبنانى من السورى، وهذا – أيها الإخوة – إنما هو مثل للأخوة الراسخة المتينة التى تربط شعب الجمهورية العربية المتحدة مع شعب لبنان الشقيق.

أيها المواطنون:

ونحن نحتفل بالعيد الأول لوحدتنا وقيام الجمهورية العربية المتحدة؛ تمر بالعالم العربى أحداث خطيرة، وهذه الأحداث تحتاج من كل فرد منا أن يكون على بينة حتى لا يغرر به، وحتى لا ينفث العملاء سمومهم بين أرجاء العالم العربى لينفذوا الخطط التى دبرت ضدنا فى الماضى ثم فشلت، وإن شاء الله ستفشل خططهم كما فشلت خطط أسلافهم.

أيها الإخوة:

حينما أعلنت الجمهورية العربية المتحدة موقفها المستقل، وتبنت السياسة الحرة المستقلة التى تنبع من ضميرها؛ جابهها الأعداء من كل مكان، وكان هؤلاء الأعداء يتمثلون فى الاستعمار وأعوان الاستعمار والعملاء، هؤلاء الذين كانوا يريدون أن يخضعونا للأجنبى، وهؤلاء الخونة من أبناء وطننا الذين كانوا يعملون للأجنبى لإخضاع بلدنا نظير ثمن بخس، ونظير منافع خاصة ومنافع ذاتية.

وقد انتصر الشعب العربى.. انتصر وهزم خطط الاستعمار، وخطط أعوان الاستعمار. وحينما أراد الاستعمار بحلف بغداد أن يجمع هذه المنطقة ضمن مناطق النفوذ، وحينما ضم نورى السعيد بغداد إلى حلف بغداد، بل وجعل بغداد عاصمة لحلف بغداد، وبدأ الضغط على الأمة العربية فى كل بلادها وأقطارها لتنضم إلى حلف بغداد؛ ثار العرب فى كل بلد عربى، هنا فى سوريا، وهناك فى لبنان، وفى الأردن، وفى كل مكان. وانتصرت إرادة الشعب العربى الحر، ولم يتمكن الاستعمار وأعوان الاستعمار من أن يدخلوا سوريا أو لبنان أو الأردن فى حلف بغداد.

وقد ثار الأردن ثورة ديسمبر المشهورة حينما وصل “تمبلر” – رئيس أركان حرب الإمبراطورية البريطانية – ليجبر الأردن لينضم لحلف بغداد؛ فهب شعب الأردن كله يقاوم الانضمام لحلف بغداد، ويقاوم التبعية، ويقاوم أعوان الاستعمار.

كان الاستعمار وأعوان الاستعمار يحاولون دائماً أن يجمعوا هذه الأمة داخل مناطق النفوذ الاستعمارية، وكان – فى نفس الوقت – الشعب العربى يكافح فى كل بلد عربى؛ حتى لا يدخل ضمن مناطق النفوذ. وكافح الشعب العربى فى مصر ضد حلف بغداد؛ حتى ينهار حلف بغداد، وقاوم الضغط الذى وجه ضد مصر، والمؤامرات من أجل الضغط على مصر وضمها إلى حلف بغداد، وضمها إلى مناطق النفوذ. وكان فى مصر فى هذا الوقت.. كان فى مصر القوات البريطانية المحتلة، ورغم هذا لم يستطع الاستعمار وأعوان الاستعمار من أن يدخلوا مصر فى حلف بغداد، بل استطاع الشعب فى مصر أن يخرج جنود الاحتلال من مصر، وأن يخلص أرضه إلى الأبد من الاحتلال ومن مناطق النفوذ.

هذا – أيها الإخوة – هذا هو تاريخنا الطويل ضد الاستعمار وأعوان الاستعمار، وضد مناطق النفوذ، وكانت هناك فئة – فى هذه الأوقات – تحاول أن تستغل هذه الظروف، ثم تحاول أن تستغل تعبئة الشعب العربى ضد الاستعمار لتنفث سمومها داخل الأمة العربية، لتسيطر سيطرة جديدة ولتسود التبعية. وكانت هذه الفئة – أيها الإخوة – تتمثل فى الشيوعيين العرب؛ الذين آثروا أن يتنكروا لبلدهم ولقوميتهم، والذين رضوا أن يكونوا عملاء، والذين تسلحوا بالانتهازية، والذين تسلحوا بمبدأ الغاية تبرر الواسطة، وأرادوا أن يستغلوا كفاح الشعب العربى ليقيموا فى أرجاء الأمة العربية الديكتاتورية الشيوعية المبنية على الدماء.

ولكن الشعب العربى حينما كان يكافح من أجل حريته، ومن أجل استقلاله، ومن أجل قوميته، وحينما كان يكافح ليتخلص من الاستعمار ومن أعوان الاستعمار؛ لم يكن يكافح هذا الكفاح، ولم يكن يقدم الشهداء، ولم يكن ليبذل الدماء ليسلم الوطن العربى إلى الشيوعيين العملاء، ولتسود التبعية مرة أخرى فى جميع أرجاء العالم العربى.

وقد بدأ هذا – أيها الإخوة – منذ سنوات، وكفاح الشعب العربى لم ينقطع منذ سنوات، وفى مصر – وقبل الثورة فى مصر – كان الشعب المصرى يحارب الاحتلال ويهاجم قاعدة القنال، وكان الشعب المصرى يحمل السلاح ليخرج الإنجليز من مصر، ويستشهد من أجل قضية مقدسة آثار على أن يبذل فى سبيلها الدماء حتى تتحقق، وحتى يحصل على الحرية والاستقلال.

وسقط كثير من الشهداء فى حربهم ضد الاحتلال وفى حرب العصابات فى القنال، ولكن الشيوعيين العملاء؛ الذين كانوا – فى هذا الوقت – يأخذون الوحى من خارج بلدهم، وكانوا يتلقون التعليمات من الأحزاب الشيوعية فى الخارج، كانوا يحاولون أن يستغلوا كفاح الشعب العربى فى مصر من أجل الحرية والديمقراطية ليقلبوها شيوعية حمراء، تسيل فيها الدماء ويسيل فيها الإرهاب.

وقد حاول الشيوعيون – أيها الإخوة – بكل وسيلة من الوسائل أن ينفذوا إلى الجيش فى مصر، ولكنا كنا على بينة من أمرنا، وكنا على بينة من طريقنا، ولم نقبل الشيوعية أبداً من قبل الثورة وبعد الثورة؛ لأننا كنا نؤمن برسالة خالدة هى رسالة القومية العربية، ولم نكن نستطيع أن نغير إيماننا وأن نؤمن بالإلحاد والتبعية؛ لأن الشيوعية – أيها الإخوة – تؤمن بالإلحاد وتؤمن بالتبعية.

وقد حاول الشيوعيون قبل الثورة فى مصر أن يضموا بعض أعضاء الثورة، وكنت أحد هؤلاء الناس، وحاول الشيوعيون بكل وسيلة من الوسائل أن يقنعونى لأنضم إلى مدرستهم وأنضم إلى مبادئهم، ولكنى – أيها الإخوة – لم أقبل ذلك لسبب بسيط؛ لأنى لم أستطع بأى حال من الأحوال أن أؤمن بالإلحاد أو أؤمن بالتبعية.

وكنت على ثقة – أيها الإخوة المواطنون – وأنا أعرف الكثير من الشيوعيين فى مصر، كنت على ثقة من أمرهم، وكنت على ثقة من سيرهم فى طريقهم، وكنت أعرف دخائلهم من قبل الثورة، وكنت أعرف أخص خصائصهم من قبل الثورة، وكنت أعرف – أيها الإخوة – أن رسالة الشيوعية مبنية على الإلحاد ومبنية على التبعية.

وكان لى بعض المعارف من الشيوعيين الذين حاولوا أن يستغلوا هذه المعرفة ليضمونى إلى الشيوعية، وكانوا يعتقدون أن فى هذا العمل نصراً كبيراً لهم، ولكنى – أيها الإخوة – آمنت بالقومية العربية وكفرت بالإلحاد والتبعية، كما آمن الشعب العربى فى كل بلد عربى حينما كان يكافح من أجل وطنه ويريق الدماء، كما آمن الشعب العربى فى كل بلد عربى بقوميته العربية الخالصة وكفر بالإلحاد والتبعية.

واليوم – أيها الإخوة المواطنون – ونحن نجابه هذه الأمور فى المنطقة العربية لا يمكن أبداً أن نتجاهل تاريخنا. لقد انصب حقد الشيوعيين العرب علينا فى مصر، وجابهونا بحملات كثيرة، ولكنا جابهناهم ولم نخضع لتهديدهم ولم نخضع لضغطهم؛ لأننا كنا نؤمن أن رسالتنا هى رسالة القومية العربية والحرية والاستقلال، وهى رسالة التخلص من مناطق النفوذ والتبعية، وهى رسالة الأخلاق.

وكان الشيوعيون – أيها الإخوة – يحاولون أن يستغلوا الثورة فى مصر لينفذوا عن طريقها؛ ليسيطروا – وهم أقلية قليلة وفئة قليلة – على الأغلبية الكبرى وعلى الشعب كله، وليقيموا الديكتاتورية المبنية على الدماء تحت خزى تزييف الديمقراطية.

ولكن الشعب العربى فى مصر فطن إلى أن الشيوعية هى إلحاد وتبعية، وآمن برسالته المبنية على القومية العربية، وهزم الشيوعيون، واستمرت القلة قلة، بل عزلت هذه القلة ولم تستطع أن تنشر رسالتها بين الشعب العربى فى مصر.

وهنا – أيها الإخوة – فى سوريا حاول الشيوعيون أن يكرروا نفس اللعبة، وأن يكرروا نفس الوسيلة، وأن يتبعوا كل سبل الانتهازية حتى يستغلوا كفاح الشعب السورى من أجل الحرية والاستقلال، وضد الاستعمار وأعوان الاستعمار؛ ليقيموها شيوعية ملحدة مبنية على التبعية، ولكن الشعب السورى الذى تبنى على مر السنين والذى تبنى على مر الأيام رسالة القومية العربية، والذى تصدى للتتار فهزمهم حينما أرادوا أن يقضوا على القومية العربية، والذى تصدى للاستعمار الصليبى وخلص الأمة العربية – نتيجة إيمانه بالقومية العربية – من هذا الاستعمار؛ هذا الشعب العربى السورى لم يرض أبداً أن يقبل الإلحاد والتبعية، وكفر كفراً كاملاً بالشيوعية، وآمن برسالته المقدسة.. رسالة القومية العربية.

هذه – أيها الإخوة – هى لمحات عن تاريخ كفاحنا من أجل حريتنا ومن أجل استقلالنا، وهذه – أيها الإخوة – هى لمحات من تاريخ كفاحنا فى سبيل رسالتنا المقدسة؛ رسالة القومية العربية، وفى سبيل التخلص من الاستعمار وأعوان الاستعمار. وهذه – أيها الإخوة – هى لمحات عابرة عن تاريخنا فى سبيل مقاومة الشيوعية المبنية على الإلحاد والتبعية، ومقاومة تحكم الأقلية فى الأغلبية تحت اسم الديمقراطية المزيفة.

وكما هزم الشيوعيون – أيها الإخوة – فى مصر هزموا أيضاً هنا فى سوريا، وكما كشفهم الشعب العربى فى مصر كشفهم الشعب العربى فى سوريا؛ لأن الشعب العربى الذى تسلح بالوعى وآلى على نفسه أن يحقق رسالة القومية العربية استطاع فى أيام قلائل أن يهزم رسالة الإلحاد والتبعية، وقامت الوحدة بين الشعب المصرى وشعب الجمهورية العربية المتحدة، وكانت نتيجة الاستفتاء – أيها الإخوة – إجماع على الوحدة وهزيمة للشيوعيين الذين كانوا يحاربون هذه الوحدة.

ولم تنته القصة – أيها الإخوة المواطنون – فإن الحقد الأسود الذى تمكن فى قلوب الشيوعيين فى مصر، والحقد الأحمر الأسود الذى تمكن فى قلوب الشيوعيين فى سوريا استمر.. استمر بعد الوحدة ضد الجمهورية العربية المتحدة.

وهرب بعض الشيوعيون من الجمهورية العربية المتحدة، ولم نكن بأى حال من الأحوال فى هذا الوقت قد وجهنا لهم أى شىء أو اتخذنا نحوهم أى إجراء؛ لأننا أعلنا أننا لن نحاسب عن الماضى ولكنا سنحاسب عن المستقبل.

وخرج الشيوعيون من مصر وهم يشعرون بالهزيمة النكراء بعد أن أعلن الشعب العربى فى مصر، وبعد أن أعلن الشعب العربى فى سوريا خرج الشيوعيون من سوريا وهم يشعرون بالهزيمة لأن الشعب العربى آثر وصمم على الوحدة بإجماع الآراء، وبنسبة إجماعية تمثل إرادة الشعب وتعنى أن هذا الشعب أصبح سيد إرادته وأصبح سيد مشيئته، وأن هذا الشعب يحاول مرة أخرى أن يعيد تاريخ الماضى بوحدته من أجل تحريره، ومن أجل الوقوف فى وجه أطماع الطامعين وعدوان المعتدين.

هرب الشيوعيون من سوريا، وكان الشعب السورى يعرف أن الشيوعيون هنا لم يكونوا بأى حال من الأحوال يؤيدون الوحدة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الوحدة تقطع عليهم الطريق.

وفى يوليو الماضى – أيها الإخوة – قامت الثورة فى العراق، وقام جيش العراق الباسل وشعب العراق الباسل بثورتهم ضد الاستعمار وأعوان الاستعمار.. ضد حلف بغداد.. ضد التبعية وضد مناطق النفوذ. واستطاع الجيش العراقى العربى أن يحرر شعب العراق الأبى، ويقضى على الخونة وأعوان الاستعمار. وكان جيش العراق إنما يعبر بهذا عن إيمان شعب العراق العظيم؛ إيمانه بحريته واستقلاله، وإيمانه بقوميته.. القومية العربية التى كان دائماً يؤمن بها.

ولكن الشيوعيون الذين هزموا فى مصر ثم هزموا هنا فى سوريا؛ وجدوا لهم النصير فى بغداد حتى يأويهم، وحتى يعاونهم على أن تكون بغداد نقطة انطلاق ضد الشعب العربى فى باقى أجزاء الوطن العربى. وقام الشعب العربى الباسل فى العراق يكافح من أجل حريته وديمقراطيته، ولكن الشيوعيون بدءوا يعلنون الشعارات الزائفة؛ إنهم يعلنون شعار الديمقراطية، وليس شعار الديمقراطية فى الشيوعية إلا الديكتاتورية الحمراء، وإلا سفك الدماء. هم يقولون بالديمقراطية.. والديمقراطية ومبادئ الديمقراطية؛ وليست الديمقراطية إلا الستار الذى يتستر خلفه شيوعيى العراق حتى تتمكن الأقلية – وهم ليسوا إلا أقلية – من شعب العراق العظيم، وحتى يتمكنوا من أن يكبلوا هذا الشعب فى أغلال الإلحاد والتبعية، وحتى يتمكنوا من أن يبيدوا كل عنصر وكل فرد ينادى بالاستقلال وينادى بالقومية.

ووجد الشيوعيون فى العراق.. فى قاسم العراق، النصير الذى آواهم وحماهم، وهو فى هذا كان يحقد على الجمهورية العربية المتحدة التى أعلنت منذ أول يوم لثورة العراق أنها تساند العراق وتساعد العراق، ولكن قاسم العراق ركبه الحقد.. الحقد الأسود منذ اليوم الذى وصل فيه عبد السلام عارف هنا إلى دمشق فى السابع عشر من يوليو، وقابله شعب دمشق المقابلة العظيمة.. وقابله مقابلة الفاتحين.

ولم يكن شعب دمشق وشعب سوريا فى هذه الأيام يعرف من هو عبد السلام عارف، ولكن شعب دمشق كان يحيى عبد السلام عارف وهو يعتقد أنه بذلك يحيى شعب العراق ويحيى ثورة العراق، ويمجد شعب العراق ويمجد ثورة العراق.

وكان شعب دمشق – أيها الإخوة – الذى يتحلى بالحصافة يعلم كل العلم أن عبد السلام عارف هو الذى قام بالثورة فى بغداد، وأن قاسم العراق لم يدخل بغداد إلا بعد الساعة الحادية عشرة، بعد أن أنهى عبد السلام عارف الاستعمار وعملاء الاستعمار. وكانت هذه – أيها الإخوة – هى عقدة العقد فى قاسم العراق لأنه كان يشعر أن الشعب العربى يعرف دور قاسم العراق فى ثورة العراق؛ لأن دور قاسم العراق فى ثورة العراق كان يتلخص فى أن يدخل إلى بغداد بعد أن يستولى عليها عبد السلام عارف، فإذا نجح عبد السلام عارف فينصب قاسم العراق زعيماً أوحداً رحماناً رحيماً أو يدخل بعد هذا إلى بغداد، إذا كانت ثورة العراق فشلت وإذا كان عبد السلام عارف فشل، لينهى ثورة العراق، ثم ليعلن ولاءه لعبد الإله ونورى السعيد.

هذا هو دور عبد الكريم قاسم – قاسم العراق – فى ثورة العراق، وهذه هى عقدة العقد.. هذه هى العقدة، وهذا هو مركب النقص الذى عقد الأمور منذ أول يوم من أيام ثورة العراق. وحينما استقبلنا عبد السلام عارف على أساس أنه الرجل الذى قام بالثورة فى العراق ابتدأ الحقد يتجلى من جميع تصرفات قاسم العراق، وبدأت المؤامرات من هذا اليوم ضد الجمهورية العربية. ولم نكن – أيها الإخوة – نصدق بأى حال من الأحوال ما نراه، ولكنا كنا نعتقد أننا واهمون، وكنا نحاول بكل وسيلة من الوسائل أن ننهى هذه العقدة، وأن نقضى على مركب النقص.

وكما قلت لكم: أرسلت من أجل هذا إلى قاسم العراق أربع مرات؛ أطلب منه أن نتقابل من أجل بحث وحدة الصف العربى والتعاون العربى، ولكن مركب النقص وعقدة العقد كانت لازالت مسيطرة على قاسم العراق. وبعد هذا – أيها الإخوة – آوى قاسم العراق الشيوعيون الذين لجئوا من هنا إلى بغداد.. آوى هؤلاء الناس، ثم تبناهم، ثم تبنى شيوعيى العراق الذين كانوا قد لجئوا أيام نورى السعيد إلى بلدكم يطلبون الحماية، بل يطلبون الإيواء؛ فحميتموهم وآويتموهم.

ولكنهم لم يستطيعوا أن يبثوا فيكم رسالتهم؛ رسالة الإلحاد والتبعية.. رسالة الشيوعية، وهزمتموهم، وآثرتم – أيها الإخوة – أن تتمسكوا برسالتكم؛ رسالة الشرف والدين والقومية العربية. (تصفيق).

وحينما قامت ثورة العراق – أيها الإخوة – عاد شيوعيى العراق إلى العراق وقلبهم ملئ بالحقد عليكم، وهم يريدون أن يجدوا الفرصة ليتحكموا فيكم؛ حتى يقيموا المشانق، ويقيموا المذابح، ويخلصوا البلاد من كل رأى حر ومن كل رأى شريف.

ذهبوا إلى العراق ووجدوا فى قاسم العراق – بمركبات نقصه وبعقده – السبيل الذى يتخذونه ضد القومية العربية، ذهب هؤلاء الناس الذين يتنكرون ويكفرون بالقومية العربية ويؤمنون بالإلحاد والتبعية. ذهب هؤلاء الشيوعيون إلى بغداد ثم تبنوا مناصرة قاسم، وناصرهم قاسم العراق، وأعلنوه هناك زعيماً أوحداً وحيداً، وكانوا بهذا يرضون فيه الغرور، ثم يثيرون فى نفسه عوامل الحقد ضد جمهوريتكم. ونحن كما نعلم أن الشيوعيون انتهازيون من الطراز الأول، حاولوا أن ينتهزوا الفرص حتى يتحكموا فى بغداد، وأعلنوا – أيها الإخوة – الشعارات الزائفة فى بغداد، أعلنوا هذه الشعارات التى تبنى على الديمقراطية، وأين هى الديمقراطية اليوم – أيها الإخوة – فى بغداد؟!

ديمقراطية الإرهاب، وديمقراطية المشانق، وديمقراطية محاكم الشيوعيين فى الشوارع لقتل كل من لا يستجيب إلى إرهابهم، ولقتل كل ما لا يستجيب إلى طلباتهم.

هذه هى الديمقراطية المزيفة.. وهذه هى أقسى أنواع الديكتاتورية الإرهابية.. الديكتاتورية الشيوعية الإرهابية التى أعلنت فى بغداد تحت اسم الديمقراطية، وليس هناك فى بغداد من يستطيع أن يرفع صوته أو يعبر عن قوميته؛ لأن مصيره هو القتل ومصيره هو الفناء.

وبدأ شيوعيو بغداد مع الخونة الشيوعيين الذين هربوا من بلدكم يوجهون الحملات ضد الحملات، ثم يوجهون الحملات لتعبئة الشعور للتفرقة بين شعب بغداد وشعب العراق وشعب الجمهورية العربية المتحدة. ومنذ قامت الثورة أو بعد قيام الثورة بأسابيع بدأت الصحف الشيوعية التى تملأ العراق، بدأت تحاول بوسائل الدس والخداع أن تفرق بين شعب العراق وشعب الجمهورية العربية، وأن تفرق بين رسالة القومية العربية التى آمن بها الشعب العربى.

وبدأ حكم الإرهاب، وحينما أرادوا أن يتخلصوا من عبد السلام عارف أعلنوا أن عبد السلام عارف تآمر مع الجمهورية العربية المتحدة. ولم يكونوا بهذا يبغون – أيها الإخوة – إلا أن يتخلصوا من العنصر القومى فى عبد السلام عارف، وإلا أن يمكنوا الأقلية الشيوعية من مصير شعب العراق الشقيق.

وحينما أرادوا أن يتخلصوا بعد ذلك من رشيد عالى الكيلانى، الرجل الوطنى الذى قاوم الاستعمار وأعوان الاستعمار، والذى حارب وقاوم حلف بغداد. ولازال – أيها الإخوة – قاسم العراق حتى اليوم عضواً فى حلف بغداد؛ رغم الشهداء الذين سقطوا فى كل بلد عربى من أجل الخروج من حلف بغداد.

حينما أرادوا أن يتخلصوا من رشيد عالى الكيلانى أعلنوا أنه تآمر، وبث الشيوعيون فى بلدهم الدسائس والفتن والأراجيف التى تقول: أن رشيد عالى الكيلانى تآمر مع جمهوريتكم. ولكنهم كانوا بهذا يحاولون – أيها الإخوة – أن يقضوا على كل عنصر قومى؛ لتتحكم الأقلية فى العراق، وليسود الإلحاد وتسود التبعية، ولينتهى الدين، وينتهى الشرف، وتنتهى الكرامة، ولتتحكم الأقلية فى الأغلبية.

ولكن شعب العراق – أيها الإخوة – الذى ثار دائماً، ولم يقف أبداً فى ثورته ضد الاستعمار وأعوان الاستعمار؛ الذى ثار مرات ومرات ضد نورى السعيد، وضد الاستعمار، وضد حلف بغداد، والذى ضحى فى سبيل ذلك بالدماء والشهداء؛ لا يمكن أبداً أن يقبل الديكتاتورية الشيوعية الإرهابية الحمراء لأنه شعب آمن بحريته واستقلاله، وآمن أيضاً بقوميته.

إن الشيوعيون اليوم – أيها الإخوة – فى العراق يحاولون أن يصفوا كل العناصر القومية الشريفة، ويحاولون أن يبثوا الفرقة بين شعب العراق والشعب العربى؛ حتى يقيموا من العراق قلعة شيوعية ينطلقون منها لإقامة هلال خصيب شيوعى فى هذه المنطقة من العالم. وهم يستميتون فى الدفاع عن هذا الهدف؛ لأنهم يعرفون أنهم حينما أرادوا أن يتحكموا فيكم هنا هزمتموهم شر هزيمة، ونبذتموهم، بل طردتموهم من بلادكم؛ لأنكم آثرتم أن تتمسكوا بدينكم، وتتمسكوا بقوميتكم، وتتمسكوا بحريتكم واستقلالكم.

أيها الإخوة المواطنون:

هذا هو الموقف الذى نجابهه اليوم فى الأمة العربية؛ الشيوعيون الذين ملأ قلبهم الحقد فى مصر وفى سوريا وفى كل بلد عربى، وقاسم العراق الذى ركبته مركبات النقص، والذى يشعر أن دوره فى ثورة العراق إنما يحتم عليه أن يعتمد على فئة تسانده؛ حتى يتحكم وحتى يمكن نفسه، الشعارات الزائفة من أجل التغرير بالشعب العربى فى العراق، والشعب العربى فى سوريا.

هذا هو الموقف فى العراق، وهذا هو الموقف فى جميع أنحاء العالم العربى، وهذه هى لمحات عن تاريخنا ونضالنا ضد الشيوعية والإلحاد والتبعية، وتثبيت رسالة القومية العربية.

واليوم – أيها الإخوة – حينما قامت ثورة الموصل؛ ثورة الشواف فى العراق، ضد حكم الإرهاب، وضد الحكم الشيوعى، وضد الإلحاد والتبعية؛ لم يجد قاسم العراق وأعوان قاسم العراق والشيوعيين فى العراق من سبيل أو وسيلة إلا أن يقولوا ما كان يقوله نورى السعيد من قبل، وأعوان نورى السعيد من قبل.. أعوان الاستعمار.

ولا فرق – أيها الإخوة – بين أعوان الاستعمار والعملاء.. كلهم عملاء، باعوا بلدهم بثمن بخس.. باعوا بلدهم من أجل دراهم معدودات، وتنكروا لأرضهم، وتنكروا لوطنهم.

حينما قامت ثورة الموصل ضد الإرهاب، وضد البغى، وضد العدوان، وضد الإلحاد، وللحفاظ على القومية وعلى الدين، قالوا: إنها ليست ثورة عراقية، ولكنها ثورة دبرتها الجمهورية العربية المتحدة. وهم بهذا – أيها الإخوة – يتجاهلون الإرهاب الذى أقاموه فى بغداد، وديمقراطية الإرهاب.. هذه الديمقراطية المزيفة. واليوم – أيها الإخوة – تعلق المشانق فى العراق، ويقتل القوميون فى العراق، ويقتل من لا يستمع إلى الحزب الشيوعى وينطوى تحت إرادته، وتحكمت الأقلية الشيوعية فى شعب العراق الأبى الكريم، شعب العراق الذى كافح دائماً من أجل حريته واستقلاله. وإن ثورة الموصل – أيها الإخوة – بديهية لأنها ثورة قامت ضد الإلحاد والتبعية، وضد الديكتاتورية الإرهابية، وضد تحكم الشيوعية الإلحادية، وضد التبعية.

ولن تكون ثورة الموصل – أيها الإخوة – الثورة الأخيرة مادام فى العراق ديكتاتورية، ومادام هناك إرهاب، ومادامت سياستهم هى سياسة الإلحاد وسياسة التبعية.

ولكنهم سيحاولون دائماً أن يخدعوا شعب العراق، ويقولون له: إن هذه الثورة ليست ثورة عراقية، ولكنها ثورة أجنبية قامت بها الجمهورية. وكانوا بهذا – أيها الإخوة – يعتقدون أنهم يصيبون هدفين: الهدف الأول هو القضاء على ثورة العراق، والهدف الآخر هو التفرقة وبث الأحقاد بين شعب العراق وشعب الجمهورية العربية المتحدة.

أيها الإخوة المواطنون:

وإن شعب العراق الأبى الذى حارب نورى السعيد عشرات السنين، وخرج بثورات، وهزمت الثورات، ولكنه صمم على أن ينتصر فانتصر، ومزق نورى السعيد، ومزق أعوان الاستعمار والعملاء، لن يترك الفرصة أبداً – أيها الإخوة – للعملاء الجدد، ولن يترك الفرصة للشيوعيين والإلحاد والتبعية. شعب العراق الذى كافح طويلاً وجاهد طويلاً ليتخلص من حلف بغداد، ولازال فى حلف بغداد، ويتخلص من الاستعمار وأعوان الاستعمار.. شعب العراق الذى خرج حينما وقع العدوان على بورسعيد رغم نورى السعيد ورغم زبانية نورى السعيد، وقدم الشهداء، لن يستكين أبداً للإرهاب والديكتاتورية الشيوعية الجديدة، ولن يقبل أبداً حكم الإلحاد والتبعية والشيوعية، ولن يقبل أبداً حكم الإرهاب، ولن يخدع بالديمقراطية المزيفة التى يعلنونها فى صحفهم، ثم يحرقون باقى الصحف التى لا تستجيب لهم ولا تنصاع لأوامرهم.

شعب العراق الأبى الذى جاهد وكافح وقدم الآلاف فى الماضى، يقدم اليوم – أيها الإخوة – مئات الضحايا وآلاف الضحايا لكفاحه الجديد ضد الإرهاب الجديد، وضد التبعية الجديدة، وضد حكم الشيوعية والإلحاد؛ وهو بهذا إنما يكمل رسالته التى آلى على نفسه أن يستمر فيها رغم إرهاب نورى السعيد.

واليوم – أيها الإخوة المواطنون – حينما ننظر إلى بغداد بعد سبعة شهور من قتل نورى السعيد؛ نجد الإرهاب أقسى مما كان فى وقت نورى السعيد، ونجد تحكم الأقلية التى تؤمن بالإلحاد والتبعية أشد وأعتى مما كان فى أيام نورى السعيد، ونجد قاسم العراق – أيها الإخوة – يستخدم زبانية نورى السعيد من أجل تثبيت نفسه، ومن أجل تثبيت هذه الزمرة الباغية، ومن أجل السيطرة على شعب العراق، ومن أجل بث الفرقة بين العالم العربى. ونجد أيضاً قاسم العراق يتبع نفس أساليب نورى السعيد؛ نفس الكلمات، تزييف الوثائق، تزييف الشعارات، الاستعمار الناصرى الذى ردده نورى السعيد يردده قاسم العراق.

أصبحت القومية العربية اليوم – أيها الإخوة – فى العراق بعد سبعة أشهر من ثورة جيش العراق الباسل استعمار، وأصبح الذين ينادون بالقومية العربية والوحدة العربية عملاء، وتركت الحرية للشيوعيون العملاء الذين يؤمنون بالإلحاد والتبعية لتصفية العناصر القومية.

ولكن شعب العراق والشعب العربى الذى حافظ على قوميته؛ حافظ عليها ضد جيوش أعتى الدول وأكبر الدول، وهزم أقوى الجيوش واستمرت القومية العربية، وهزم التتار حينما اجتاحوا بغداد، سيهزم اليوم هذه التبعية الجديدة، سيهزم اليوم هذه الديكتاتورية الحمراء، سيهزم اليوم حكم الإرهاب، وسترتفع – أيها الإخوة المواطنون – دائماً راية القومية العربية عالياً هنا فى دمشق، وهناك أيضاً فى بغداد؛ رغماً عن الشيوعيين العملاء، ورغماً عن قاسم العراق. والله يوفقكم.

والسلام عليكم ورحمة الله

Advertisements

One response to “كلمة الرئيس جمال عبد الناصر من قصر الضيافة بدمشق

  1. fnoonarabia 26/04/2011 عند 09:51

    الله يرحموا

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: