الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

معركة الوجود العربي القومي ـ بقلم : د. فوزي الأسمر

معركة الوجود العربي القومي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : د. فوزي الأسمر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يثير ما تشهده الأمة العربية في هذه المرحلة التاريخية المهمة ، جدلا مستمرا خصوصا بين الغيورين على مصالح هذه الأمة ومستقبلها . وفي أكثر من مناسبة أثيرت بعض التخوفات عن إمكانية فشل هذه الثورات خصوصا وأن أعداءها يتربصون لها ، ويحاولون وأدها وهي في المهد . 
فالتحديات التي تواجهها الثورات العربية ،والأخطار التي قد تداهمها ، تحتاج إلى وقفة لطرح أفكار وآليات وسبل عمل , بهدف تقوية وتحصين المكاسب التي أنجزتها هذه الثورات ‘ ولهذا فإن المعارك التي تخوضها إن كانت شعبية أو سياسية أو عسكرية , ما هي إلا مرحلة مخاض تمر بها الثورات بإنتظار المولود الجديد .
وهذه مرحلة لا بدّ من عبورها كي يصبح من الممكن إرساء سفينة الحرية والديمقراطية في بحر الأمان العربي . وميزة هذه المرحلة أنها مرحلة فصل وأنتصار . إن الثورات التي سبق وعاصرناها في تاريخنا الحديث ، إعتمدت في الأساس على التخلص من الإستعمار وتسليم الأمور إلى أبناء الشعب ليتقدموا في بناء الوطن القومي ، ومنح الإنسان العربي الحرية والعزة والكرامة في وطنه .
ولكن الأمور لم تسر في هذا الإتجاه لدى هذه الدول . فقد تكالبت قوى أجنبية وعربية على إنجازات مصر إبان حكم جمال عبد الناصر , والذي استطاع الإنتقال من مرحلة التحرر من الإستعمار إلى مرحلة البناء الإقتصادى ، والعمل من أجل الوحدة الوطنية والقومية لدى الشعوب العربية .
ولكن مع وفاة الزعيم بدأت الدول تأخذ منحاً جديدا . وبدأت تعود إلى الظهور الدولة القطرية ، والتي زعمت أنها تحارب الإستعمار ، في حين فتحت الأبواب على مصراعيها للفساد المحلي والإستغلال الأجنبي ، وبالتالي فقد أصبح طبيعيا في هذه الحالة أن تتحكم الدكتاتورية بمصير الشعوب العربية ، وتعمل على تغييب وإسقاط العمل القومي من جدول الأعمال , وفي كثير من الأحيان محاربة واضطهاد عناصره.
ولم تستطع الدولة القطرية إقناع الجماهير العربية بضرورة وجودها ، فقد رأت هذه الجماهير فيها كيانا مناهضا لتطلعاتها خصوصا مع بداية القرن الواحد والعشرين . فخلال فترة الأربعين سنة الأخيرة شهد الإنسان العربي تغيير في تفكيره وتطلعاته المستقبلية . فقد سافر الكثيرون إلى خارج الوطن العربي ، منهم للدراسة للتعليم ومنهم للعمل وآخرون لقضاء عطل , ونتج عن ذلك إحتكاك مع الشعوب الأخرى الشيء الذي ساعد كثيرا في تطوير الرؤية المستقبلية لهؤلاء والذين حملوها معهم عائدين إلى أوطانهم . وأصبحت المقارنة بين معيشتهم وتفكيرهم وتطلعاتهم الحياتية تختلف عن تلك التي يريدها لهم قادتهم . 
وكان لا بدّ من وجود عامل مرئيّ على أرض الواقع ، فكان هناك الغزو الأمريكي للعراق والذي كان من أهم أهدافه إفشال الدولة القومية ، وتشجيع قيام الدولة القطرية المبنية على الطائفية والعشائرية . ووجدت هذه الفكرة مرتعا خصيبا في العراق المحتل لأسباب لا نريد الخوض بها في هذا المقال . ولكن المحتل ، رغم كل محاولات غسل الدماغ ، والضغوط النفسية، والرشاوي المالية ، فشل في إقامة الدولة الديمقراطية التي نادى (ولايزال ينادي ) بها . فالنمو الطائفي ، ليس فقط يتناقض مع النمو الديمقراطي والقومي ، بل إنه يفقد أسس هذا النمو . فالدولة القطرية لان يكتب لها النجاح إذا ما استغنت عن الأسس القومية ، وفي هذه الحالة أسس القومية العربية والعروبة . فالقومية كما هو معروف, ليست نظرية ،بل إنها ظاهرة حياة تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية ومصيرية مشتركة . 
والمثل الثاني لوجهة النظر هذه هي أن يؤدي الغزو الأمريكي للعراق إلى إقامة دولة إستيطانية تقوم على المواطنة وليس على الأبعاد القومية ، وكأنها دولة مهاجرين على غرار إسرائيل والولايات المتحدة ، واللتين لم تتطور فيهما القومية . فإسرائيل اليوم تعاني من هذا النقص وتحاول تغطيته بالبعد الصهيوني وعن طريق دمج الدين بالقومية ، ولكنها فشلت في صهر المهاجرين اليهود في البوتقة القومية المفتعلة . وهذا النموذج لم يكتب له النجاح في العراق بسبب الوجود القومي القوي .
في خضم هذا التحرك ، ومحاولات بناء ” شرق أوسط جديد ” يتماشى مع التطلعات الأمريكية والإسرائيلية ، فجر الشباب العربي ثورة تونس ولحقتها مصر ، وهي تنتقل الآن بسرعة فكانت لها أصداء في ليبيا وفي اليمن وفي البحرين وفي سورية وفي الأردن وغيرها من الدول العربية .
وهذه الثورات جاءت في الأساس لتحقيق الإصلاحات وإعادت البلاد إلى موقعها القومي والتاريخي ومحاربة الفساد وغسل وصمة العار عن جبين الشعوب العربية . إنها ليست إنقلابات عسكرية هدفها محاربة ” الرجعية والإستعمار وأعوان الإستعمار ” بل إن هدفها الأول هو التخلص من الأنظمة القائمة والبدء من البداية . وهذا ليس بالأمر الهين ، ولكنه ليس مستحيلا . فالعدو الأول الذي شخصته هذه الثورات هو النظام القائم ، فكان لا بدّ من خوض غمار صراع معه والتخلص منه حتى تستطيع الشعوب من السيطرة أولا على مقدراتها ومصيرها ولتبني مستقبلها . 
وأهم نقطة حققتها هذه الثورات هي كسر عقدة الخوف لدى الإنسان العربي . فلم يعد الشعب يهاب الحكام ، وأخذ ينادي برحيلهم ومحاكمتهم . كما أسقطت هذه الثورات شعار “الفزاعات” التي إستغلته ( ولا تزال ) معظم الأنظمة العربية ، والدول الإستعمارية أصحاب المصالح الإقتصادية والإستراتيجية في المنطقة ، أنه في حالة سقوط النظام فإن قوى التطرف الديني ، خصوصا الإخوان المسلمين ، أو ما تسمى بالقاعدة وغيرهما هي التي ستستلم الأمور ، وتقوم بفرض دكتاتورية جديدة أكثر تطرفا من الدكتاتوريات المتواجدة . إلا أن هذه “الفزاعات ” تساقطت الواحدة تلو الأخرى . لا الإخوان سيطروا ولا القاعدة فرشت ظلالها ، بل يمكن القول أن هذه العناصر لم تظهرعلى الساحة كما توقّع البعض .
كما أن التغيب المرحلي ، في رأيي ، للشعارات العروبية والقومية وشعار تحرير فلسطين ومحاربة الإستعمار وغيرها ، لا تعني أن هذه الثورات أبتعدت عن هذا الإتجاه . فكما أسلفنا فإن الأساس القومي هو السبيل الأمثل لتحقيق الأهداف . فالمراقب للتصريحات والمواقف الوطنية، خصوصا من مصر ، يستطيع أن يتفاءل خيرا . 
فعلى سبيل المثال مطالبة وزير الخارجية المصري ، نبيل العربي ، بضرورة تطبيق كل بنود اتفاقيات كامب ديفيد بما فيها البنود المتعلقة بالقضية الفلسطينية ، ودعوته لإعادة دراسة الإتفاقيات المبرمة بين مصر وجميع الدول بما فيها إسرائيل بالنسبة لبيع الغاز الطبيعي والبترول وغيره ، وتحذير إسرائيل من التمادي في اعتداءاتها على قطاع غزة , والعمل على إعادة العلاقات مع إيران وغيرها من التصريحات والمواقف يمكن إعتبارها أنها أساس لمرحلة جديدة قد يكون لها أبعاد إيجابية ، كثيرة .
فبسبب نظام حسني مبارك وزمرته خلال الثلاثين سنة الأخيرة ،ودعمه لمواقف إسرائيل ، والمحاولات المستمرة لمنحها الشرعية في المنطقة دون أن تطبق أي قرار من القرارات الدولية، أو الإتفاقيات التي وقعت عليها ، وخضوعه للمطالب الأمريكية ، كل هذا أدى إلى مزيد من عربدت إسرائيل ، ليس فقط ضدّ الفلسطينيين ، بل وصلت أصابعها إلى تونس والعراق ودبي ولبنان وغيرها من الدول العربية . كل هذا ليس بسبب قوتها العسكرية فقط ، بل كون أنها كانت مقتنعة أن نظام مبارك في مصر وبعض الأنظمة العربية الأخرى تقف إلى جانبها لسبب أو آخر وتساندها سياسيا بصورة مباشرة أوغير مباشرة . 
إذن فالمعركة التي تخوضها الشعوب العربية في هذه المرحلة التاريخية هي معركة الإستقلال الحقيقي ، معركة لا بدّ من خوضها ، فالعدو الذي تتحداه هذه الثورات هو العدو الحقيقي للشعوب العربية . إنه ليس الدخيل والأجنبي ، بل قادة فاسدين مصو ، ولا زالوا ، يمصون دماء شعوبهم، وينهبون ثرواته . 
فبدون هذه المعارك النهائية ، وبدون الإنتصار بها ، لا يمكن للشعوب العربية أن تدخل القرن الواحد والعشرين ، ولا يمكن لها أن تسيطر على ثرواتها ومقدراتها ومصيرها . من من هذه الإنتصارات من يتم بدون صراع عسكري عنيف كما كان الحال في تونس ومصر وفي اليمن والبحرين وغيرها من الدول ، ومنها من يتم بالمعارك العسكرية الضارية التي يذهب فيها آلاف الضحايا ، كما هو الحال مع معمر القذافي . ولكن لا بدّ من خوض هذه المعارك لأنه لا يوجد سبيل آخر أمام الشعوب العربية ، وفي حالة وقوع نكسة فستكون مؤقتة وستتكرر العملية حتى النصر الأكيد .

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: