الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

قـصة ” العلمانيـة “

99 – ” العلمانية ” نزعة ترى ، أو تعمل على ، مايقال له ” الفصل بين الدين والدولة ” . ولما كانت كلمة   الدين غيرذات دلالة محددة على دين معين ، بل تطلق تجريداً على كل ماهو دين ، أو كل ما أسماه اصحابه أو منكروه ديناً ، بلا تفرقة ، ولما كانت كلمة ” الدولة ” قد اختلفت دلالتها على مدى العصور فأطلقت على الأسر الحاكمة ، وأطلقت على الحكم ذاته ، ثم هي في العصر الحديث تطلق على مجموعة من العناصر المادية والمعنوية والبشرية ، تؤلف معاً واقعاً معترفاً به ( سنعني بها السلطة في هذا الجزء من الحديث إلى أن نعودإليها تفصيلاً ) ، فليس ثمة غرابة في ان تكون كلمة ” العلمانية ” من أكثر الكلمات غموضاً . ومع ذلك فهي كلمة رائجة رواجاً كبيراً في الأدب السياسي . أما على مستوى الكلام المرسل أو الدعائي فقد يكون استعمالها من لوازم الاستعراض الذي يريد به بعض المثقفين الايحاء بأنهم عالمون أو علماء ، أو أنهم ينتهجون العلم في التفكير أو التدبير أو الحركة ، أو من لوازم ” الاستعباط ” الذي يريد به بعض الهاربين من المشكلات الايحاء بأن حركة الهرب تكتيك محسوب ( الهروب من فلسطين عربية إلى فلسطين علمانية ) .

ولعل مرجع الظن بأن كلمة ” علمانية ” قادرة على الايحاء بما يرضي غرور مستعمليها أو احلامهم ما يدخل في تركيبها من حروف كلمة ” العلم ” حتى لتكاد تنبيء بأنها مشتقة منها ، أو ذات صلة وثيقة بالعلم ، وهي ليست كذلك . لاعلاقة البتًة بين ” العلمانية ” نزعة وبين ” العلم ” منهاجاً . والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفي مثل هذه الصلة .

أكثر من هذا غرابة ومدعاة لغموض دلالة كلمة العلمانية ما يوحي به استعمالها للتعبير عن نزعة ” الفصل بين الدين والدولة” من أنها معارضة أو مناقضة للدين . وقد ساعد على شيوع وهم التناقض بين العلمانية والدين انها كانت ثمرة التيار الفكري العقائدي الجارف الذي أخرج أوروبا من ظلمات قرونها الوسطى وعرف باسم حركة التنوير . وقادته الفكريين كانوا ملحدين : هوجو جروتيوس ( 1583 -1645 ) وتومس هوبز ( 1588 -1679)وجون لوك ( 1632 – 1704 ) وديفيد هيوم ( 1711 – 1776 ) وجان جاك روسو ( 1712 – 1778 ) وجيرمي بنتام ( 1748 – 1832 ) وستيوارت مل ( 1806 – 1873 ) وهربرت سبنسر ( 1820 – 1903 ). . . الخ .

هذا في حين أن جوهر حركة التنوير الأوروبي هو الثقة في مقدرة العقل على ادراك الحقيقة . وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمونهم جملة ” المدرسة الرشيدية ” نسبة الى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد  ( 1126 – 1198 ) الذي نقلوا عنه فعرف الأوروبيون عن طريقه الفيلسوف الاغريقي أرسطو ، وفلسفته وشرحها . ( ترجم الاسكتلندي ميخائيل سكوت ( 1175 – 1234 ) اغلب اعمال ابن رشد إلى اللاتينية في الفترة مابين ( 1217 و1230 ) . وإذا كان الأوروبيون قد شاءوا – لأسباب لاعلاقة لها بالايمان أوالكفر أو الفلسفة – أن ينكروا ابن رشد حامل مشكاة النور إلى اوروبا المظلمة فإنه من غير المنكور أن من بين فلاسفة التنوير وقادته الفكريين فلاسفة عباقرة دافعوا عن الدين بسلاح العقل وآمنوا ، ليستطيعوا أن يفهموا كما قال من قبل سان انسلم ( 1033 – 1109 ) . منهم ديكارت ( 1596 – 1650 ) وليبنز ( 1646 -1716) وجورج باركلي ( 1685 – 1753 ) وجوزيف بتلر ( 1692 – 1752 ) وكانت ( 1724 – 1804) وهيغل ( 1770 – 1831 ) وهيرمان لوتز ( 1817 – 1881 ) . . . الخ .

والواقع أن حركة التنوير ذاتها لم تكن إلا امتداداً لما يسمى في تاريخ أوروبا ثورة الاصلاح الديني التي اندلعت في أوائل القرن السادس عشر وقادها مارتن لوثر الألماني الذي بدأ دعوته عام 1520 ، وجان كالفن السويسري الذي بدأ دعوته عام 1536 . ولقد كان الاصلاح الديني ثورة ضد احتكار الكنيسة في روما تفسير الانجيل ومدّ قدسيته إلى المذهب الكاثوليكي ، ليصبح المذهب هو الدين . ولم يلبث الاصلاح الديني أن تطور ليصبح ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي كما يصوغه مذهب الكنيسة فيما سمّي بحركة التنوير ، ولم تلبث حركة التنوير أن تطورت إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة ، فكانت العلمانية .

لقد كانت كلّها مراحل حركة ثورية واحدة استمرت أكثر من قرنين ضد مؤسسة تحتكر العلم والفهم والحكم دون الناس أجمعين ، وتفرض علمها وفهمها وحكمها على الناس باسم الدين . فكانت هي الدين حين يكفر الناس بالدين أو يعارضونه أو يناقضونه ، ولم يكن الدين هو المسيحية . وقد تجسّد هذا الموقف في المذهب ” الرّباني ” الذي روّج له فولتير ( 1694 – 1778 ) فراج في أوروبا وانتشر . والمذهب الرباني يؤمن بالله وينكر الوحي ويثق بالعقل . بل ان تلك الكنيسة قد كانت سبباً في شيوع الهرطقة على مدى ثلاثة قرون سابقة على الثورة الفرنسية . وإذا كان كبير الماديين الملحدين البارون دي هلباخ ( 1723 – 1789 ) قد قال ان الدين هو السبب الأساسي للتعاسة ، فإنه كان يردد ماقاله من قبله أحد كبار كهنة الكنيسة ذاتها . قال الكردينال ريجيتا لدبول في مجلس الكرادلة الذي انعقد عام 1546 ، اننا نحن المسؤولون عن التعاسة التي حلت من انتشار الهرطقة وانحدار الأخلاق المسيحية ، لأننا فشلنا في أن نزرع الحقل الذي سلم الينا ، اننا كالملح الذي فقد طعمه .

يخطيء اذن الذين يظنّون أن العلمانية مذهب فكري مضاد للدين ، ويخطيء الذين يظنون أن العلمانية قد وفدت إلينا دعوة إلى الالحاد لتنتزع من قلوبنا الايمان . ولقد أضل هذا الخطأ كثيرين ، فرموها ، إذ رموها ، حيث ظنّوا موضع الخطورة فيها على الدين . نقول ” خطأ ” ونقول ” ظنا ” لأننا لانريد أن نسبق أسباب اليقين . وقد نعلم حينئذ أن ثمة عدواناً منظماً قد أراد أن يلهي ضحاياه عن دفع خطر واقعيّ يهدد حياتهم فلفتهم إلى خطر وهمي يهدد ايمانهم فأوحى إليهم بأن العلمانية نزعة إلحادية معارضة أو مناقضة للدين عامة فغاب عن الادراك العام مافي العلمانية من مناقضة ومناهضة للاسلام خاصة . ولن ندرك ماغاب بدون معرفة كاملة بحقيقة العلمانية . سنجتهد مااستطعنا في كشف حقيقتها لمن لايعرفون ، ونرجو ألاّ يندهش أحد منهم حينما يدرك أن أصل العلمانية بمعنى الفصل بين الدين والدولة التي يوحى إلينا بأنها مناقضة للدين ، مذهب ديني في المسيحية نشأ معها ، فرضاً من فروضها ، ثم استمر ركناً من أركانها ، وجزءاً من تراثها اللاهوتي . لم يدخل العقل البشري إلا بها ، إذ لم يكن معروفاً في أي دين من قبل ، ولم ينتقل منها إلى أيّ دين من بعد .

في اليهـوديـة

100 – فمن قبل كان اليهود مجتمعاً قبلياً جائلاً في الأرض ، لاأرض له، إلا مايقيم عليهاحتى ينزع عنها ، مثلهم في ذلك مثل كل المجتمعات القبلية التي كانت تجوب الأرض إلى ماقبل عصر الشعوب ثم القوميات ، وما يزال بعضها جائلاً في الأرض حتى الآن . فنرى فيما كتبه اليهود عن تاريخهم في أسفار التكوين والخروج والتثنية والملوك من كتابهم المسمى ” توراة ” أن قد كانت بدايتهم عشيرة إبراهيم عليه السلام في مدينة أور جنوبي مدينة بابل ( العراق ) . ومنها بدأت جولتهم القبلية الطويلة ، إلى حاران ، ثم كنعان ( فلسطين ) ، ثم مصر ، ثم حبرون ( فلسطين ) ، تحت قيادة ابراهيم ، ثم إلى مصر مرة أخرى بدعوة من يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ثم إلى سيناء تحت قيادة موسى عليه السلام لمدة جيلين ، ثم إلى فلسكين تحت قيادة يوشع بن نون ، ثم إلى العراق أسرى على دفعتين : دفعة ساقها ملك اشور ، ودفعة ساقها ملك بابل . وابتداء من 539 ق.م . استولى دارا ، ملك فارس ، على كل الأرض التي كانوا يجولون فيها ، ثم من بعد الفرس استولى عليها اليونانيون بقيادة الاسكندر الاكبر عام 332 ق.م . ثم استولى عليها الرومان عام 58 ق.م . طوال تلك الفترة التي بدأت بالاستيلاء الفارسي حتى نهاية الاستيلاء الروماني لم يكن لليهود ارض خاصة بهم ولو كانوا مقيمين فيها باذن من صاحبها الغالب . ثم انتهى تاريخهم عام 70 بعد الميلاد حين أبادهم الرومان جملة ، ودكّوا مواقع إقامتهم ، وأحالوا هيكلهم المقدس رماداً .

وليست الهجرة في الأرض بحثاً عن الرزق أو الأمن هي المييز الوحيد للمجتمع القبلي ، بل من مميزاته أيضاً وحدة مصدر السلطة في إدارة شؤون القبيلة . ولقد كان ذاك المصدر الوحيد في كل المجتمعات القبلية هو الدين سواء كان وثنياً أم سماوياً . وسواء كان الاله الوثني واحداً أم متعدداً . ومع أن الطريق إلى مركز القيادة في القبيلة ، أيّ قبيلة ، لم يكن دينياً دائماً ، ولا كان سلمياً في كل الحالات ، إلا أن الوصول اليه كان دائماً دليلاً مقبولاً على اختيار الآلهة من انتصر فوصل . وكثيراً ماكانت الطقوس الدينية التي تلي النصر شهادة لرئيس القبيلة الجديد بأنه الاله أو ممثل الاله . وكان الكهنة أوالسحرة هم الشهود على تلك الصلة بين السلطة ومصدرها الديني ، أي على شرعية السلطة . ولما كانت السلطة في كل قبيلة مقصورة على أفرادها الذين ينتسبون عادة إلى جدّ واحد ، حقيقي أو مزعوم ، فقد كان لكل قبيلة دينها وإلهها أو آلهتها المقصورون عليها . وكان كل ذلك  “معترفاً به ” لكل قبيلة في المجتمعات القبلية ، معترفاً به من القبيلة المعنية ومن القبائل الأخرى .

ولم يكن اليهود إلا قبيلة لها إلهها الخاص ” يهوه ” فحرّمت عليهم النصوص القبلية الموضوعة في التوراة أن يعقدوا أيّ حلف مع آلهة القبائل الأخرى . فيقولون على لسان إلههم ” يهوه ” : ” إنّي أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك . لاتقطع معهم ولامع الهتهم عهداً ” ( سفر الخروج ، اصحاح 23 آية : 32 ،33 ) وهو مايعني ” الاعتراف ” القبلي بآلهة القبائل الأخرى . على أي حال فإن تاريخ اليهود نموذج يكاد أن يكون كاملاً للدين كمصدر وحيد للسلطة في كل العصور السابقة على ظهور المسيحية ، وبالتالي على غياب فكرة  “العلمانية ” عن العقل البشري في تلك العصور .

101 – فعلى مستوى القيادة القائمة بالسلطة توارث قيادتهم ابراهيم ثم اسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم موسى ثم مجموعة من رجال الدين يسمون ” القضاة ” آخرهم صموئيل النبي لمدة 450 عاماً . ثم من بعدهم داود ثم سليمان نحو عام 1000 قبل الميلاد . وكان كل اولئك القادة القبليون ” أنبياء ” في الوقت ذاته . وكان قادتهم القبليون في ظل السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية ” كهنة ” يختارهم الفرس واليونانيون والرومانيون إبقاء على نسبة السلطة القبلية إلى الدين ولو كان مصدرها الواقعي لايهودياً

102 – أما على مستوى النظام القبلي الداخلي بكل علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد عاش اليهود طوال تاريخهم يحكمهم نظام ” الشريعة ” . والشريعة مدونة في مرجعين . الأول ، كتاب يقدسونه اسمه التوراة ينطوي ، بجوار الوصايا العشر المعترف بها رسالة موسى عليه السلام إلى قومه ، على مجموعة كثيفة من كليات وتفاصيل أحكام العبادات ( الطقوس ) ، والمعاملات المدنية والجزائية ( الجرائم وعقوبتها ) ، والمالية  (الاملاك والعشور والنذور ) ، والاجتماعية ( إذا مات والد عن غير ولد كان لأخيه أن يتزوج أرملته على أن ينسب الابن البكر الذي ينجبه منها إلى أخيه الذي مات ( التثنية : اصحاح 25 آية : 5 -7 ) .

أما المرجع الثاني فهو التلمود وهو قسمان : ” المشنة ” أي صورة الشريعة ” والجمارة ” أي ملحق الشريعة .

وكلاهما تفاسير وشروح للأحكام دينية الأصل ، وإن كانت قد تكاثرت وتشعبت حتى أصبحت عند بعض اليهود هي المرجع دون التوراة ( طائفة البروشيم ) ..

وهكذا لم يعرف تاريخ اليهود مايمكن أن يقال له ” قانون وضعي ” ولو على مستوى السلوك اليومي . وكل ماوضعوه فعلاً وضعه الكهنة وردّوه إلى الدين ليكتسب قوة الالزام ، وهي قوة لامصدر لها في اليهودية غير الدين .

103 – أما على مستوى تنظيم ممارسة السلطة ، بالاضافة إلى الأنبياء القادة أو الأنبياء الملوك كان يوجد  “السنهديم ” وهو هيئة كهنوتية ذات سلطة عليا . يرأسه رئيس الكهنة وينتخب أعضاؤه من الكهنة والكتبة (علماء الشريعة ) واللاويين ( سبط لاوي بن يعقوب ) ، الذين اختارهم ” يهوه ” لخدمته ، المختصون بالوظائف الكهنوتية المالية مثل تلّقي العشور والنذور وأوائل القطاف وباكورة الأثمار وأبكار الأنعام وفدية البكر من البنين . . الخ وكان ” السنهديم ” يهيمن على حياة اليهود هيمنة كاملة شاملة ، ويقوم بممارسة السلطة بكل فروعها المعروفة اليوم : التشريعية والتنفيذية والقضائية . فقد كان هو الذي يفتش في دفاتر الشريعة عن النصوص ويقرر أنها ملزمة ، وهو الذي يضبط المخالفات والجرائم ، وهو الذي يصدر الأحكام وينفذها بالاضافة إلى رقابة السلوك اليومي لكلّ فرد للتأكد من اتفاقه مع الطقوس الدينية بدءاً من طقوس غسل الأيدي حتى الامتناع عن العمل يوم السبت . وكان هو الذي يعين فروعه وممثليه في كل موقع ليمارسوا السلطة نيابة عنه . ولقد كانت تلك الهيئة الكهنوتية تملك توقيع العقوبة ” القبلية ” : الطرد من القبيلة ، التي تعني التكفير والتهجير معاً أو مايقابل – مع بعض الفروق – عقوبة الحرمان من النظام الكنسي . ولقد كانت تلك العقوبة – كشأنها في كل المجتمعات القبلية – أداة حاسمة لاخضاع كل يهودي لسيطرة ” السنهديم ” .

104 – هكذا كانت اليهودية وكان اليهود قبل ظهور المسيحية . وكذلك كانت لكل المجتمعات القبلية . لم تكن فكرة ( ولا نقول نظاماً ) ازدواج السلطة ، في المجتمع الواحد قد خطرت للعقل البشري . لم يكن في تاريخ البشرية قبل المسيحية ما يسمح بنشوء لفظ يعبّر عما تعبّر عنه ” العلمانية ” الآن من فصل الدين عن الدولة .

ازدواج السـلطة

105 – ثم جاء السيد المسيح عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل تسبقه وتمهد له وتبشر بمجيئه عشرات النبوءات الواردة في كتبهم . قالوا ، وكتبوا ، قبل مجيء المسيح ان النبي اشعياء قد قال ان المسيح سيولد من عذراء . وأن النبي ميخا قد قال بأنه سيولد في ” بيت لحم ” . وان النبي هوشع قد قال انه سيلجأ إلى مصر في طفولته . وأن النبي زكريا قد قال انه سيدخل القدس يوم الأحد السابق على عيد الفصح . وان النبي داود قد قال ان احد تلاميذ المسيح سيخونه ويسلمه الى اعدائه . .. الخ . وتواترت الاناجيل الاربعة على أن قد جاء المسيح على ماقال انبياء بني اسرائيل في كتبهم . بالرغم من ذلك لم يصدقه اليهود . ولم تفلح كل المعجزات التي وردت في الأناجيل ووقعت بين اليهود وتحت سمعهم وبصرهم من أول إحياء الموتى إلى إطعام خمسة آلاف من الجوعى من بعض سمكات ولقيمات . . .الخ ، لم تفلح في إقناع اليهود الذين عاشوا دهراً ينتظرون المسيح ، بأن المسيح هو عيسى بني مريم الناصري الذي عاش بينهم . وهو أمر تصدم غرابته قارىء الانجيل ، إذ يبدو فيه إنكار اليهود للمسيح صاحب كل تلك المعجزات المرئية والملموسة ، مجرداً من أي مبرر معقول . ولكنه في الحق لم يكن غريباً . كان وراءه سبب بسيط . وهو بعد سبب وحيد : ان عيسى بن مريم قد جاء اليهم نبياً ورسولاً ولم يأت ملكاً أو قائداً . ولم تكن اليهودية كما صاغ أحكامها الكهنة ، وما كان اليهود كما صاغهم التاريخ قبيلة ، بقادرين على فهم أو قبول فكرة ( مجرد فكرة ) الفصل بين النبوة والملك . أو كما يقال الآن فكرة الفصل بين الدين ” والدولة ” أو فكرة ” العلمانية ” .

وكان لابد من اختبار السيد المسيح لكشف موقفه من تلك الفكرة الغريبة . فأرسل اليه الفرّيسيون ، وهم طائفة الفقهاء من اليهود ، بعض الهيرودسّيين ، وهم طائفة من اليهود عملاء الامبراطورية الرومانية ، ليختبروه ” قائلين : يامعلم ، نحن نعلم انك صادق وتعلّم طريق الله بالحق ولاتبالي بأحد لأنك لاتنظر إلى وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن . أيجوز أن تعطي الجزية لقيصر أم لا ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال : لماذا تجربونني يامراؤون أروني معاملة الجزية . فقدموا له ديناراً . فقال لهم : لمن هذه الصورة والكتابة فقالوا له : لقيصر . فقال لهم : ” أعطوا إذاً مالقيصر لقيصر والله لله ” ( متى 21 : 17 ) .

106 – بتلك الكلمات المقدسة مسيحياً ، ولدت فكرة ازدواج السلطة في العقل البشري . وهي لم تولد فكرة مجردة ، بل صيغت أمراً ونظاماً للحياة في مجتمع حي . وهما أمر ونظام لايستمدان قوتهما الملزمة من معقوليتهما ذاتهما ، ولا من ملاءمتهما لحاجة من وضعا لهم يتبعونهما إن شاءوا ويتركونهما إن أرادوا غير آثمين . لا ، بل هما أمر ونظام يستمدان قوتهما الملزمة من مصدر الالزام في الدين كله : الايمان بالمسيح وقدسية تعاليمه . وهكذا لم يكن نظام الفصل بين الدين ” والدولة ” أو العلمانية نزعة خارج الدين او موقفاً منكراً له أو مضاداً ، بل هي – أي العلمانية – فرض ديني وركن من أركان الديانة المسيحية .

وهو ركن لايقوم على مجرد القول : ” أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” بل يقوم على هذا المبدأ وعلى تطبيقاته المتكررة في آيات الانجيل . ذلك أن الفصل بين ما لقيصر وما لله ، قد تم فصلاً مابين الدين والدنيا ، ووضع السيد المسيح المؤمنين به في موقف خيار حاسم بين ملكوت السماء وبين زينة الحياة الدنيا من المال والبنين . قال عن المال : ” لايقدر أحد أن يخدم سيدين . لانّه إما أن يبغض واحداً ويحب الآخر وإما أن يلازم واحداً ويحتقر الآخر . لاتقدرون أن تخدموا الله والمال ” ( متى : اصحاح 6 آية 24 ) وقال عن البنين : ” لاتظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض . ماجئت لألقي سلاماً بل سيفاً . فإني جئت لأفرق الانسان ضدّ أبيه والأبنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها . وأعداء الانسان أهل بيته . من أحب أباً أو أماً اكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنةً اكثر مني فلا يستحقني ومن لايأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني ” ( متى : 10 آية 34 – 37 ) . واضح من هذين النصين فصل العلاقات الدنيوية الأسرية والاقتصادية عن العلاقة الدينية بعد أن كان نص من قبلهما قد فصل بينهما وبين العلاقات السياسية . وهو فصل للتناقض وليس فصلاً للتمييز بما يعني منع الجمع بين الدين وبين كل تلك العلاقات . وصيغة القول : ” لايقدر أحد أن يخدم سيدين ” واضحة الدلالة في تقرير الاستحالة المسيحية للجمع بين الدين والدنيا .

ومن تطبيقات المبدأ ذاته أسلوب اختيار السيد المسيح لتلاميذه أو أسلوب اتّباعهم له . فهو اسلوب قاطع الدلالة على منع الجمع بين الدين والدنيا . كانت صيغته في كل مرة الترك من أجل الأخذ . ترك شواغل الدنيا لأخذ المركز الديني . قص الانجيل انه ” وإذ كان يسوع ماشياً عند بحر الجليل رأى أخوين سمعان الذي يقال له بطرس واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين . فقال لهما : هلمّ ورائي فاجعلكما صيّادي الناس . فللوقت تركا شباكهما وتبعاه . ثم اجتاز من هناك فرأى اخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي ابيهما يصلحان شباكهما فدعاهما فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه ” ( متى 4 : 18 – 22 ) ” وفيما يسوع مجتاز من هناك رأي إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متّى فقال له : اتبعني . فقام وتبعه ”  ( متى 9 : 9 ) . إن العناية بإبراز الاستجابة الفورية للأمر المقترن بالتّرك الفوري للعمل هو إبراز لحدّية الفصل بين الدّين والدنيا ومنع أيّ شك في أنه لايمكن الجمع بينهما ولو لفترة زمانية قد يقتضيها الانتقال من موقع العمل الدنيوي إلى موقع العمل الديني . ولولا قدسية المبدأ لما كان ثمة مايحول دون أن يكون بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا ومتّى تلاميذ للسيد المسيح وعاملين بالصيد أو بغيره .

107 – قام الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية إذن على مستوى العقيدة ولم يبق إلاّ تجسيد هذا الفصل في ممارستها . أما سلطة قيصر فقد كان يمارسها قيصر وأعوانه ، فمن ذا الذي يمارس السلطة الدينية ؟ إنهم تلامذة السيد المسيح الذين اختارهم ليتبعوه . لم يخترهم ليعلمهم أو ليخصّهم بالعلم دون العامة من الناس ، فقد كان عليه السلام يعلّم الكافة ويسعى إليهم حيث يكونون بدون تخصيص . ولكنه اختارهم ليمنحهم ، وحدهم دون الباقين ، ماكان يتمتع به هو من قوة روحية ، وليخولهم سلطة الدين ، وليجعل منهم رسلاً ، ولتكون لهم وحدهم الكلمات الأخيرة في كل شؤون الدين ، ولتكون طاعتهم عنوان الايمان به . يقص الانجيل أن السيد المسيح قد ” دعا تلاميذه الاثنى عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يطردوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف “( متى 10 : 1 ) ثم أعلن لهم وللكافة : ” من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي ارسلني ” ( متى 10 : 40 ). ” وأنا أقول لك انت يابطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات . فكل ماتربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات ، وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماوات ” ( متى 16 : 18 – 20 ) .

108 – لم يكن تلاميذ المسيح ( وخلفاؤهم ) اذن مجرد مسيحيين بل كانوا ” رجال الدين ” . ويستحق هذا التعبير الأخير انتباها خاصا . ذلك لأنه يطلق في مرسل الحديث في مجتمعنا العربي المسلم على الذين ينسب اليهم أو ينسبون إلى انفسهم معرفة أوسع أو أعمق أو أكثر تخصصا بعلوم العبادات والفقه والمعاملات في الشريعة الاسلامية . وهم يحظون على هذا الوجه بقدر من التوقير الذي يستحقه العلماء المتخصصون ، وبقدر من الثقة التي يوحي بها كل من اشتهر بأنه عالم فيما أحاط به علماً ، أو تخصص فيه . ثم إنهم قد استحقوا احترام التاريخ كلما تولوا الدفاع عن الاسلام بالحجة ضد مناهضيه خاصة في مراحل تاريخية سادها الجهل والانحطاط ففتحا في جدار الحصانة الدينية ثغرات تسربت منها الدعوات المناهضة . ولقد كان الأزهر قلعة ذاك الدفاع على مدى قرون ، فأصبح لقب ” رجل دين ” ، يطلق على المتخرجين من ذلك المعهد العظيم أو المنتسبين إليه . ولقد يطلق العامة لقب ” رجل دين ” مجاملة ، على الذين يجودون قراءة القرآن أو الذين مايزالون محتفظين لأنفسهم بذلك الزي الذي كان يلبسه الكافة ( الجبة والعمامة ) لأنه الزي الغالب لطلبة وخريجي الجامعات التي كانت للكافة ، ثم أصبحت مقصورة على العلوم الدينية . ولكن ” رجال الدين ” أولئك ، كما نسميهم في مجتمعنا العربي المسلم ، لايستمدون من علمهم أو تاريخهم أو زيهم سلطات أو حقوقا أو امتيازات على غيرهم من المسلمين ، لا في شؤون الدين ولافي شؤون الدنيا . وليس ثمة أكثر بلاغة في التعبير عن هذا مما قاله الامام محمد عبده حين قال : ” ليس في الاسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر . وهي سلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف اعلاهم كما خولّها لأعلاهم يتناول بها أدناهم ” .

ليس هكذا دلالة تعبير ” رجال الدين ” في المسيحية . انهم خلفاء الرسل المتفرغون لأداء وظائف الرسالة ، الذين ينتمون إلى مجتمع خاص بهم ، مغلق عليهم ، لايقبل فيه أيّ فرد إلا على درجات من الطقوس والاختبارات تنتهي بقبوله . ولاينتسب إليه من خارجه أحد ولو كان عبقري العلم بالدين المسيحي . وتتدرج علاقاته الرئاسية طبقات فوق طبقات فوقهم قمم من الرجال قد يبلغ بعضهم مراتب ” القديسين ” . ثم إن لهم على الناس سلطاناً لاتستقيم حياة الناس بغير طاعته . فلا يصبح المسيحي مسيحياً بمولده ، ولايكفي ايمانه ، بل ينتمي إلى دينه على أيديهم ” بالتعميد ” . ولاينعقد زواج بين مسيحيين إلا إذا عقدوه هم . ولاينفصل زوجان إلا بقرار منهم . ثم إن لهم – أو كانت لهم – سلطة التشريع للناس كافة في أوروبا حتى القرن السادس عشر ، أي قبل عودة أوروبا إلى القانون الروماني . وكانت لهم سلطة القضاء لأنهم هم الأولياء على تفسير وتطبيق ومراقبة تنفيذ أحكام الدين . ولقد كانت ” محاكم التفتيش ” التي ذهبت مثلاً في تاريخ التعذيب المجنون ، وبلغت شأو شراستها على عهد البابا إنوسنت الثالث ( 1160 – 1216 ) محاكم رجال الدين التي تحكم بما يفتون وهم فيها المحققون والمدعون والقضاة . وكان لرجال الدين حق التربية والتعليم بحكم انهم كانوا القلة المتعلمة الذين تدخل في وظائفهم مهمة هداية الجهلة والاميين في عصور لم تكن التربية أو التعليم مما يستحق اهتمام الاباطرة والملوك والأمراء . باختصار ، رجال الدين في المسيحية نفر لهم على الناس سلطان . السلطان الذي صاغه السيد المسيح في قوله لبطرس الرسول : ” فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ماتحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات ” . فهم المرجع فيما هو مباح للناس وماهو محرم عليهم في حياتهم .

109 – كل هذا سواء كان ” رجال الدين ” أعلم الناس بالديانة المسيحية وأكثر ورعاً أم لم يكونوا ” المفترض ” ألايكون من ” رجال الدين ” إلا عالم بالدين أو على قدر متميز من العلم به . ألا يفترض في كل ذي مهنة العلم بمهنته ؟ ولكن هذا الافتراض لم يكن متحققا في مراحل تاريخية طويلة . فعلى مدى تاريخ الامبراطورية البيزنطية ، ومنذ أن دخلتها المسيحية على يد الامبراطور قسطنطين الأكبر ثم أصبحت دينها ” الرسمي ” في أواخر القرن الرابع ، كان الأباطرة هم الذين يختارون البطاركة ( رؤساء الكنيسة الشرقية ) ، وهم الذين يدعون رجال الدين إلى الاجتماعات ، ويرأسون مجالسهم ، ويشتركون في المناقشات ، ويدلون بأصواتهم ، ويكون رأي الامبراطور مرجحاً عند تساوي الأصوات ، حتى لو كان موضوع المناقشة موضوعا لاهوتيا صرفا . في عام 638 م خطر للامبراطور هرقل أن يحسم الخلاف القائم بين رجال الدين حول طبيعة السيد المسيح فألف ونشر رسالة بعنوان ” تقرير عن الايمان ” أثارت فتنة مروّعة عمت الامبراطورية ، ولم تنج منها الا الكنيسة القبطية مما حمل الامبراطور كونستانس على اصدار أمر بالكف عن المناقشة في الموضوع ( عام 648 ) . المهم أن اختيار الامبراطور لرجال الدين وتعيينهم وقراراته في الشؤون الدينية لم تكن بعيدة دائما عن أهواء الأباطرة واهدافهم السياسية التي لم تكن تتفق ، في كثير من الحالات ، مع مايفترض في رجال الدين من علم وتقوى واستقامة . ولم يكن الأمر في الامبراطورية الرومانية الغربية ( الكاثوليكية ) أفضل من هذا . ففي عهد شارلمان ( عام 800 م ) ثم بعده على مدى قرون كان الامبراطور هو الذي يعيّن رجال الدين ويراقبهم ويتخذ من بينهم مستشارين تابعين له تبعية مباشرة فكان ممكنا في ظل تلك التبعية أن يتولى رجال محدودو الثقافة الدينية – والمدنية ايضا – مراكز دينية رئاسية من خلال علاقاتهم السياسية بالامبراطور وبطانته . ولما شاع ذلك ، ضعف الايمان الديني وانحطت القيم الخلقية لدى رجال الدين ، مما أدى بالبابا غيغوري السابع إلى الاحتجاج حتى الثورة على هنري الرابع . وهي ثورة انتهت بنفي البابا الذي أراد ” لرجال الدين ” أن يكونوا رجالاً على دين ، بعيدين عما يشك في علمهم ولا يتفق مع روح المسيحية ، ولا مع سلطانهم على أرواح المسيحيين .

اذن فلقب ” رجال الدين ” في المسيحية لايعني – بالضرورة – أن حامله اكثر علما بالدين من غيره ، أو اكثر التزاما بأحكام الدين من الآخرين ، وإن كان كل ذلك مفترضا. وهذا يعني أن علمهم لم يكن هو مصدر قوة سلطانهم ، بل كان لسلطانهم مصدر قوة آخر سنعرفه .

110 – وقد يكون مفيداً ، لاكمال فكرتنا عن دلالة ” رجال الدين ” في المسيحية ، أن نتحرر من القياس على ” الراهب ” العابد الزاهد المنعزل عن الدنيا وما فيها من مغريات مادية وغير مادية . لم يكن ” رجال الدين ” الذين نتحدث عنهم رهبانا ولا مترهبين بل كانوا موظفين ، وفي مقابل أجور أيضا . ولقد كانوا يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون أفضل مما كان متاحا للعامة من الناس ، وكانوا يقيمون الكنائس الشامخة ويستأجرون لتزيينها أعظم الفنانين . وكانوا يعقدون الاجتماعات وينتقلون بين المدن والممالك ويكتبون وينشرون ثم – في مرحلة تاريخية طويلة – يجندون الجند ويعدّون الجيوش ويدفعون اثمان عتادها وخيلها وسفنها ورواتب جندها الكثيف . وكان لابد لكل ذلك من مصادر تمويل كافية ومستقرة الكفاية . وبدأت المصادر بتبرعات المؤمنين . ومن المؤمنين ملوك وأمراء ونبلاء واقطاعيون أسخياء في التبرع لمن يملك حق الاباحة والتحريم ويزدادون سخاء لو كانوا منافقين . ثم امتدت المصادر تبعا لما قرره رجال الدين من انهم اصحاب حق في أن يحصلوا من الأموال والعقارات على ما يقدّرونه لازماً وكافياً لأداء خدماتهم ” الروحية ” وحماية الدين من الهرطقة ، واستطاعوا فعلاً أن يكونوا أوسع الناس ملكية للأراضي وأغناهم أموالا وأن يحصنوا أملاكهم ورعاياهم ضد أية ضرائب أو مكوس مما تتقاضاه السلطة المدنية ، بل وأن يمتلكوا الممالك ذاتها ثم يردوها إلى الملوك اقطاعيات من عندهم مقابل إتاوات باهظة ، كما فعلوا مع فريدريك الثاني ملك ايطاليا ، ومع بدرو الثاني ملك أراغون ، ومع ملك انكلترا الذي استحق لقب ” جان عديم الارض ” بعد أن أجبره رجال الدين على التنازل عن ارض انكلترا كلها للبابا .

111 – في اطار العناصر السابقة مجتمعة ( الناس والأرض والسلطة ) نستطيع أن نعرف أنّ ” رجال الدين ” في المسيحية لم يكونوا إلا العنصر البشري من مؤسسة هائلة ذات سلطة ومال تشملهم وتوظفهم في مباشرة سلطات دينية وتشريعية وقضائية وادارية ومالية وعسكرية ، وتحفظ بهم لنفسها وتستثمر مناطق جغرافية شاسعة وأموالاً منقولة وعقارات ثابتة تمتلكها ملكية خاصة . كل ذلك تحت قيادة مركزية واحدة تتبعها أجهزة مختلفة الوظائف يؤديها رجال الدين . تلك المؤسسة هي ” الكنيسة ” . وكما أن الكنيسة بهذا المعنى ليست هي مكان العبادة المعروف ، بل هي المؤسسة التي يتبعها ” رجال الدين ” فإن ” رجال الدين ” ليسوا هم العلماء بالدين المعروفين ، بل هم رجال الكنيسة المؤسسة التي يستمدون من قوة سلطانها قوة سلطانهم . هكذا تجسد في الواقع الاجتماعي مبدأ : ” اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله ” الذي أوصى به السيد المسيح عليه السلام فهو ” اعطوا ماللدولة للدولة وماللكنيسة للكنيسة ” . اي الفصل بين نشاط الكنيسة وبين نشاط ” الدولة ” وهو المدلول الصحيح لمبدأ ” العلمانية ” .

الصراع

112 – إن تاريخ المبدأ ” العلماني ” ( الفصل بين الكنيسة والدولة ) في أوروبا المسيحية حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تاريخ الصراع بين الكنيسة ” والدولة ” وهو صراع لم يهدأ إلا في الفترات التي سيطرت فيها احدى المؤسستين على الأخرى ، أي فترات هزيمة المبدأ ذاته في الواقع بالرغم من بقائه على المستوى النظري كلمات ذات قدسية غير منكورة .

فلقد بدأ نشاط الكنيسة التي اسسها السيد المسيح عليه السلام على ايدي الرسل من تلاميذه في ظل سيادة دولة طاغية هي الامبراطورية الرومانية ، يحكمها أباطرة طغاة من امثال كليجولا وكلوديوس ونيرون . ولما كان الفصل بين الكنيسة والدولة يفرض على رجال الدين أن يتركوا ما لقيصر لقيصر فقد اتجهت تعاليمهم إلى احترام وطاعة السلطة الحاكمة حتى حينما يكون الحكم جائرا . كذلك قال بولس ان من يقاوم السلطة يقاوم ارادة الله ويستحق إدانة الكنيسة . وحينما سجنه الامبراطور سيزاريا لم يدافع عن نفسه إلا بقوله : ” إلهي فلتكن مشيئتك ” . إن هذا الموقف سيتغير فيما بعد . لا لأن المسيحيين سيغيرون عقيدتهم ولكن لأن موازين القوى ستتغير . ولقد كان المسيحيون على عهد الرسل مجردين من أية قوة تحميهم من بطش الاباطرة الطغاة فذهبت أجيال منهم ضحايا السجون والتعذيب الوحشي والقتل الجماعي . لقد أعطوا ما لقيصر التزاما بموقفهم الديني في الفصل بين الكنيسة والدولة ؛ ولكن ” الفصل ” أو ” الاستقلال ” علاقة ذات طرفين لايتوقف نفاذه على إرادة طرف واحد . وإذا كان المسيحيون الاوائل قد التزموه واعطوا مالقيصر لقيصر فإن القياصرة قد نقضوه فلم يعطوا ما لله لله بل أبادوا كلّ من استطاعوا أن يبيدوه من الدعاة للدين المؤمنين بالله . فانهزم المبدأ وأصبح الخيار الوحيد المتاح للمسيحيين الاوائل ليس بين الكنيسة والدولة ولكن بين الكفر والايمان . فاختاروا الايمان واستشهدوا في سبيله وشهد لهم التاريخ ، واشاد ببطولاتهم في مواجهة الموت . وكان حقاً ما قاله الاب المسيحي لويجي تاباريللي: ” اننا نؤكد أن المسيحيين في ظل القياصرة كانوا يموتون لأنه كان واجبا دينيا عليهم أن يموتوا ” .

113 – نقول تغيرت المواقف بعد ذلك حين أصبحت المسيحية هي دين الامبراطورية في عصر البابوات

( رؤساء الكنيسة الكاثوليكية ) . تغيرت ولكن مع الابقاء – على المستوى النظري – على المبدأ ( العلماني ): فصل الكنيسة عن الدولة . وتبادلت المؤسستان ، من خلال الصراع بينهما ، موقع الصدارة والسيطرة وإن كان الاتجاه العام لنمّو القوة في صالح الكنيسة حتى القرن السادس عشر . ولقد أشرنا من قبل إلى فترات تاريخية طويلة كان ميزان القوة لصالح الاباطرة في الامبراطورية البيزنطية والرومانية كلتيهما ( فقرة 109 ) وإلى فترات أخرى كان البابوات فيها اصحاب الغلبة على الملوك والممالك ( فقرة 110 ) .

وانعكس ذلك الصراع على التيار الفكري الذي صاحبه وغذّاه .

114 – ففي القرن الخامس بدأ البابا جيلاسيوس الأول بتذكير الامبراطور بأن ثمة سلطتين تحكمان العالم : السلطة المدنية والسلطة الدينية ، وأن السلطة الدينية تتحمل مسؤولية أثقل ، إذ انها تعنى بالجانب الخالد من الانسان وهو الروح . والخلود مصير الانسان . وما الحياة الدنيا إلا مرحلة اختيار وتحضير للحياة الآخرة . وبالتالي فان القانون الالهي أسمى من أي قرار أو أمر يصدره إنسان . وأبدعت الكنيسة تفسيراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم ” نظرية الحق الالهي ” . أو( مذهب آباء الكنيسة ) . مؤداها أن الحكم لله وحده وأنه يختار لادائه في الارض من يشاء ، فيصبح حاكماً بأمر الله . والمميز لها أن الاختيار يتم مباشرة لشخص بعينه على وجه يجعله قريباً من معنى ” الانتقاء ” . ومن هنا جاءت كلمة ” سيادة ” في اللغات ذات الاصل اللاتيني إذ أنها تعني في أصلها ” المختار من الله ” لم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر .

وقد قيض لهذه النظرية رجل عبقري حاول أن يصوغها على وجه يوفق بين مضمونها اللاهوتي ووظيفتها في مساندة السلطة البابوية . ذلك هو القديس توما الاكويني الذي كان مستشاراً فكرياً للبابا .

يقسم توما الاكويني مصدر السلطة الى ثلاثة أنواع : النوع الاول ، هو الارادة الالهية المحيطة بكل شيء ، والنوع الثاني ، هو القانون الطبيعي الذي أودعته الارادة الالهية في ضمائر البشر فيجعلهم يميزون بين الطيب والخبيث ، وأخيرا ، النوع الوضعي أو البشري ، وهو تلك القواعد التي يضعها الناس في المجالات الخاصة . بالبناء على هذا التقويم يعود توما الاكويني فيفرق بين ثلاثة أوجه للسلطة : أولها ، الجوهر أو المبدأ ، وهو ارادة الله وتؤديه الكنيسة ؛ والثاني الشكل أو الاسلوب ( ملكية أو ارستقراطية أو ديوقراطية ) ، وهذه يميز بينها ويختارها الحكام ؛ والثالث الممارسة أو التنفيذ ، وهذه يؤديها البشر . هكذا أراد توما الاكويني أن يلائم بين الحق الالهي – مصدر سلطة الكنيسة – وبين صور ممارسة السلطة وأشكال الحكم ، مع الاحتفاظ بمصدر الحق في الحكم وسند شرعيته ، أو جوهر السلطة ومبدئها ، للارادة الالهية ، لتبقى اليد العليا للكنيسة . بعد توما الاكويني يأتي جيل الروماني الذي كان تلميذاً له في جامعة باريس ، واستحق من بعده لقب ” أكثر المفكرين عمقا ” ( 1245 – 1316 ) ليكون اكثر صراحة فينطلق من أن الله موجود في كل شيء بما في ذلك عقل الانسان وحواسه لينتهي إلى القول بأن للبابا – ممثل الله في الأرض – حق السلطة على كل واحد وكل شيء في الأرض .

115 – على الجبهة الأخرى من الميدان الفكري الذي يعكس ويغذي الصراع بين الكنيسة ” والدولة ” يبدع أنصار الملوك نظرية ” العناية الالهية ” ( او نظرية الملكية المقدسة ) التي تبقي على السماء مصدراً للسلطة ، ولكنها تنكر احتكار البابا للقيام على إرادة الله في الأرض لتفسح مكاناً للملوك . فتذهب نظرية العناية الالهية إلى أن إرادة الله توجه شؤون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه غير مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم. فهو لايكسبها بجهده ولايستحقها لأمر خاص به ، ولايتلقاها من أحد من الناس ، ولا من الله ايضا ، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه . مادام الملك ملكاً فليس من حق أحد أن يحد من سلطته لأن ذلك سيكون تحديا لارادة السماء حتى لو لم يعرف أحد كيف أدت عناية السماء إلى هذه النتيجة . وفي هذا يقول جان دي باري في كتابه السلطة الملكية والسلطة البابوية ( 1302 ) ان الحياة تنقسم إلى قسمين متميزين ومنفصلين ، قسم مادي وقسم روحي ، وإن اله يختار لكل منهما من يتولاه ، فاختار الكنيسة للحكم الدنيوي ، فالملك قد تلقى سلطته بدون وساطة من الكنيسة .

116 – فلما جاءت مرحلة الاصلاح الديني الذي بدأ دعوته الالماني مارتن لوثر عام 1520 والسويسري جان كالفن عام 1536 كان تمرداً على احتكار البابا السلطة الدينية ووضع أحكامها ، وانتصاراً لحرية الكنائس ” الوطنية ” في الاجتهاد . وكان طبيعيا أن تكتسب ” الدولة ” في البلاد الكاثوليكية والبروتستنتية جميعا من القوة النسبية بقدر ما أضعفت حركة الاصلاح من السلطة البابوية نسبيا . غير أن الصراع بين الكنيسة  “الوطنية ” ” والدولة ” لم ينته ،أولم يهدأ ، إلا بسيطرة إحداهما على الأخرى . لقد كان مارتن لوثر وجان كالفن ، كلاهما ، من أشد القائلين بالطاعة المطلقة للحكام المدنيين ( الملوك والأمراء ) حتى ولو كانوا طغاة . ولكن كل منهما عالج العلاقة بين الكنيسة والدولة علاجاً مختلفاً . أما مارتن لوثر فقد أثمرت دعوته تبعية الكنيسة ” للدولة ” . وفي ظل سيادة مذهبه ( البروتستنتية ) في انكلترا استطاع هنري الثامن أن يقطع علاقة الكنيسة الانكليزية مع البابا ، وأن يعلن نفسه ، وهو ملك ، رأساً للكنيسة ( 1534) . وأما جان كالفن فقد اثمرت دعوته تبعية ” الدولة” للكنيسة ، حتى قيل إنه لم يحدث أن وصل أيّ بابا في القرون الوسطى ، لانظريا ولاعمليا ، إلى تأكيد سيادة الكنيسة كما فعل كالفن .

117 -وقد استمر ذلك الصراع وانتقل إلى أمريكا ، حيث دار هناك بين كنائس المهاجرين وبين الدولة الناشئة . وهناك – في أمريكا – سيتضح بجلاء أن الصراع لم يكن يدور حول المبدأ المسيحي العلماني : الفصل بين نشاط الكنيسة ونشاط ” الدولة ” ولكن بين أطماع المؤسستين كل منهما يريد أن تسود الأخرى متجاوزة بذلك حدودها . فقد كان المذهب البروتستنتي سائداً في انكلترا كما ذكرنا ، وكان من شأن ذلك أن يسيطر الملوك على الكنيسة . وقد حدث في عهد الملكة اليزابيت الأولى – وهي رأس الكنيسة في انكلترا – أن فرضت على رعاياها البروتستنت فروضاً دينية اعتبرها الجميع بدّعاً لاأساس لها من الدين ( عام 1558 ) ، فرضي من رضي ، وتمرد القادرون الذين نصّبوا من أنفسهم دعاة لتطهير الدين من البدع فعرفوا باسم المتطهرين ( البيورتان ) وأشهروا في وجه ” الدولة ” المبدأ : فصل الكنيسة عن ” الدولة ” . وما زالوا يحرّضون الناس على تبنّي موقفهم حتى كاد يعقد لهم النصر . فلما أن ظنوا أنهم منتصرون بدأوا في ” تناسي ” مبدأهم والتدبير للاستيلاء على    “الدولة” ووضعها موضع التبعية للكنيسة فلما لم يفلح تدبيرهم استحقوا اضطهاد الدولة ” الأقوى ” مما دفع بجموع منهم إلى الهجرة إلى أمريكا خلال القرن السابع عشر حيث استقروا في نيوانجلند . وهناك كانوا قوة غالبة بالنسبة إلى السلطة المدنية ففرضوا مذهبهم ” بالقوة ” وسيطرت كنيستهم على كل سلطة في بليموث وخليج ماساشوستس وفي كل المستعمرات ماعدا رود ايلند وبنسلفانيا .

وظل الأمر كذلك إلى أن جاء عام 1840 يحمل إلى أمريكا أفواجا كثيفة من المهاجرين ” الكاثوليك ” الفارّين – بدورهم – من الاضطهاد في القارة الاوروبية . فخاف رؤساء الكنيسة البروتستنتية من أن تشاركهم الكنيسة الكاثوليكية امتيازاتهم وسلطاتهم في مواجهة الدولة ، فعادوا إلى مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” يرفعون راياته – هذه المرة – في مواجهة المنافسين الجدد الكاثوليك تساندهم مجموعة من المفكرين مازالوا يعملون جميعاحتى أدخلوا مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” في صلب الدستور الأمريكي . ولكن أي فصل ؟ …إنه الفصل الذي يحرم على ” الدولة ” أن تتدخل في شؤون الدين . فلما قويت شوكة ” الدولة ” في القرن العشرين أخذت بيدها زمام تطبيق المبدأ على الوجه الذي يتفق مع موازين القوة الجديدة ، يحرم على الكنيسة أن تتدخل في شؤون الدولة . وبناء عليه حرم القضاء الامريكي التعليم الديني في المدارس الخاصة والعامة معا . وما يزال الكاثوليك والبروتستنت جميعا يعتقدون أن هذا التأويل للنص الدستوري مقصود به الكيد للدين عامة لمصلحة تيارات لادينية نامية في الولايات المتحدة الأمريكية . ذلك لأن التعديل الدستوري الرابع عشر – كما يقولون  – كان مقصوداً به حماية الدين من الدولة وليس حماية الدولة من الدين . وهو صحيح .

النهـايـة

118 – لم يكن من الممكن أن ينتهي الصراع الذي ثار حول الحدود بين سلطة الكنيسة وسلطة ” الدولة ” الا بتجريد كل من السلطتين  – الكنيسة والدولة – من المقدرة على تجاوز المبدأ ذاته . أي إلا بتأكيد المبدأ ذاته في مواجهة الطرفين وهذا ما أنجزته الثورة الفرنسية ، الطرف الثالث المتدخل بالعنف الثوري في مجرى تاريخ الصراع .

119 – اما عن الكنيسة فقد كان الصراع بينها وبين ” الدولة ” على مدى القرنين السابقين على الثورة يدور في واقع تاريخي تجاوزت فيه الكنيسة حدود ” مالله ” وأصبحت فاعلاً مؤثرا وشريكاً في ممارسة ما ” لقيصر ” من السلطة . كان رجال الدين قوة مستقلة وموازية لقوة النبلاء في برلمانات انكلترا إلى أن انعقد البرلمان ” النموذجي ” ( هكذا اسمه في التاريخ ) عام 1295 حيث أضيف إلى القوتين ممثلون عن البرجوازية الصاعدة .

وكانوا كذلك في الجمعية الوطنية الفرنسية التي توقفت جلستها عام 1614 – كانت الجمعية مكونة من ممثلي ثلاث طوائف مستقلة ومنفصلة : رجال الدين والنبلاء والعامة . مستقلة الرأي لكل منها صوت . ومنفصلة في مكان الاجتماع . ومتساوية العدد لكل منها 300 مندوب . كان ممثلو الكنيسة 300 بينما كان رجال الدين في فرنسا كلهم لايتجاوزون 160000 ، وكان ممثلو العامة ( أو الطائفة الثالثة كما كانوا يسمونها ) 300 أيضاً ، بينما كان عدد من يمثلونهم نحو 26 مليونا . وكان الفرق بين عدد القواعد يعكس الفرق بين قوة القمم . ولقد زيد ممثلوا العامة فأصبحوا 600 عام 1788 قبل أن تدعى الجمعية إلى الانعقاد بناء على طلب الملك لويس السادس عشر في كانون الثاني / يناير 1789 . فأصر ممثلو العامة على ضرورة الانعقاد في مكان واحد ، وأن يكون لكل مندوب صوت وتكون القرارت بأغلبية الحاضرين . وكانت تلك هي إرهاصة الثورة الأولى التي تحولت بها الجمعية الوطنية إلى جمعية تأسيسية أخذت على عاتقها وضع دستور لفرنسا بالاضافة إلى علاج الأزمة الاقتصادية التي دعيت أصلا لمناقشتها .

وقد كان البحث عن حل للأزمة الاقتصادية مدخلاً مناسباً إلى حل الأزمة الدستورية . وكان حل الأزمة الدستورية مدخلاً مناسباً لحسم الصراع التاريخي بين الكنيسة والدولة لمصلحة مبدأ الفصل بين الكنيسة   “والدولة” ليبقى مالقيصر لقيصر وما لله لله .

كان الوزير الفرنسي الشهير نيكر قد جرّب كل الأساليب لتفادي إفلاس فرنسا ، بما فيها القروض ذات الفوائد الباهظة . فلما أن تصدرت الجمعية للأزمة لم يكن قد بقي إلاّ حل واحد وكان ذلك الحل يضرب عصفورين بحجر صائب . يحلّ أو يخفف الأزمة الاقتصادية من ناحية ، ويجرد الكنيسة من قوتها التي مكنتها من التدخلفي شؤون “الدولة ” من ناحية أخرى . فلم تتردد الجمعية في اتخاذه تحت شعار رفعته : ” الكنيسة داخل الدولة وليست الدولة داخل الكنيسة ” . وهكذا أصدرت يوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 مرسوما بأن ” تؤول كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة ” . وتتولى خزانة الدولة دفع مرتبات لرجال الدين . كما تنتقل إلى الدولة كل أنواع النشاط غير الديني الذي كانت الكنيسة تقوم به ، ومؤسساته ، مثل المدارس والمستشفيات . وفي 12 تموز / يوليو 1790 أصدرت الجمعية ما عرف في تاريخ فرنسا باسم ” الدستور المدني لرجال الدين ” . تلك التسمية التي تفصح عن مصدر القوة التي أصدرته . كان أهم ماجاء في ذلك الدستور ، بالاضافة إلى تأكيد مبادىء مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 أن يكون تولّي المناصب الدينية بالانتخاب ، كما هو الحال بالنسبة إلى القضاة ، ثم تحريم النشاط السياسي على الكنيسة ؛ وأخيرا أن على رجال الدين أن يقسموا يمين الولاء لهذا الدستور . ولقد أيد صغار رجال الدين الفقراء تلك الاجراءات . والواقع أنهم كانوا قد طالبوا بأن يتحولوا إلى موظفين ذوي رواتب ثابتة حتى قبل أن يصدر مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 ( في 4 آب / اغسطس 1789 ) . اما كبار رجال الدين ، الا قلة من بينهم ، فقد ترددوا في القسم إلى أن يفتي البابا في شأن الدستور والقسم كليهما . وقد جاءت فتوى البابا بيوس السادس متأخرة ( 10 آذار / مارس 1791 ) برفض الدستور وتحريم القسم على الولاء له . أما الذين استمعوا إلى البابا فقد جردوا من سلطتهم وما يملكون ، وأما الذين أقسموا على طاعة الدستور فقد بقوا ” رجال الدين ” في كنيسة مختلفة السلطة عن الكنيسة السابقة . هكذا ردّت الثورة الكنيسة إلى حدها من المبدأ العلماني : مالله لله . بقي أن تردّ الدولة إلى حدها من المبدأ ذاته : مالقيصر لقيصر . وإذا كانت الثورة لم تجد عناءً كبيراً في ردّ الكنيسة إلى حدها فإن الأمر لم يكن بمثل تلك السهولة مع “الدولة” . لقد سفكت في سبيله دماء غزيرة ، وطارت رقاب كثيرة ، واشتعلت حروب ضارية امتدّت إلى أطراف أوروبا وغيّرت وجه الحياة فيها ثم في العالم أجمع . ذلك لأن الثورة الفرنسية قد أبدعت ” الدولة ” كما نعرفها اليوم إبداعاً وأقامتها على أنقاض كل ” أنواع ” الدولة بالمعنى الذي كان لها من قبل . ولمّا كانت  “الدولة” – كما ابدعتها الثورة الفرنسية – هي التي تعتبر طرفاً في أية علاقة مع الدين مما يدور حوله الحديث في عصرنا هذا ، فانها تستحق – هاهنا – أن نعرف من خصائصها ما يهمنا . وما كان يهمنا أن نعرف تلك الخصائص قبل أن نلتقي بالثورة الفرنسية ، فاكتفينا فيما سبق من حديث بالتعبير ” بالدولة ” عن السلطة ، كانت ولكنها لم تصبح . فلنعرف كيف أصبحت .

الدولة  ، ما الدولة ؟

120 – لقد كانت كلمة الدولة ، تلك الكلمة التي ابتكرها مكيافيلي تطلق – قبل الثورة الفرنسية – على السلطة أو الحكم أو الحاكمين . بهذا المعنى الاخير اطلقت في تاريخنا العربي على الأسر الحاكمة فقيل : ” دولة ” الأمويين و ” دولة ” العباسيين و ” دولة ” الفاطميين و ” دولة ” المماليك . . الخ . وكاد المستعمرون أن يعلمونا -ونحن نتلقى العلم في ظل سيادتهم أن وطننا العربي كان على مدى تاريخه ميتعبداً لمجموعة متتابعة من” الدول”.. ليستقر في عقولنا – ونحن صغار – أن الاستعمار جزء من طبيعة مجتمعنا العربي ، وأنه لم يعرف الحرية قط . ثم شببنا فعرفنا أن تلك كانت أسراً من الحاكمين الذين خاض بعضهم اروع معارك الدفاع عن استقلال الوطن العربي ووحدته . ألم يكن صلاح الدين واحداً من ” دولة ” الايوبيين ؟ . ثم هانت ” الدولة ” فاصبحت لقبا في مصر – وغيرها – لمن يلي رئاسة الوزارة . فكان يقال : ” دولة ” صدقي باشا مثلا .

أياً ماكان الأمر عندنا ، فقد كان الملوك في أوروبا يرددون ماقاله لويس الرابع عشر ” الدولة هي أنا ” . وما قاله لويس الخامس عشر عام 1770 : ” إن حق إصدار القوانين التي يخضع لها ويحكم بها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد وبدون شريك ” ، وما قاله عام 1766 : ” إن النظام العام كله ينبع مني ، وكل حقوق ومصالح الأمة التي يحاولون جعلها شيئاً منفصلاً عن الملك هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي ” . فكانت الدولة هي ” المملكة ” بكل ماتعنيه كلمة ” الملكية ” من حق الملك والمالك في الاستعمال والاستغلال والتصرف في ” دولته ” .

بينما كان الملوك يرددون هذه الأقوال وأمثالها ، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوروبا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه . ففي عام 1690 ينشر جون لوك في انكلترا كتابه ” رسالتان في الحكم ” يقول فيه : ” إن حرية الانسان الطبيعية هي الا يكون خاضعاً لأية قوة عليا على الأرض ، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية ، ولايكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها ” ( الفصل الرابع فقرة 22 ) ” ولما كان الانسان قد ولد – كما اثبتنا من قبل – وله حق كامل في الحرية وفي التمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص آخر ، أو أي عدد من الاشخاص في العالم ، فإنه له بالطبيعة الحق ، ليس في المحافظة على مايملكه ، أي حياته وحريته وممتلكاته ، ضد اعتداء الآخرين أو محاولتهم العدوانية فحسب ، بل له أيضاً الحق في أن يحاكم الآخرين على خرقهم هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب حتى الموت ذاته ” ( الفصل السابع فقرة 87 ) . ” ولكن لأن ثمة أموراً لاتتوفر في حالة الطبيعة ، فلا يوجد قانون قائم ومستقر ومعروف يحظى بالقبول العام بوصفه معيار الصواب والخطأ ” . ( الفصل التاسع فقرة 124 ) ” ولايوجد في الطبيعة قاض معروف غير متحيز له سلطة الحكم في جميع الخلافات طبقاً للقانون المقرر ” ( الفصل التاسع فقرة 125 ) ” ولاتوجد في حالة الطبيعة القوة التي تدعم الحكم وتؤيده عندما يكون سليماً وتعمل على تنفيذه كما يجب ” ( الفصل التاسع فقرة 126 ) ، فأنه بالرغم من كل المميزات التي يتمتع بها الجنس البشري في حالة الطبيعة ” سرعان ما ينساق الناس الى تكوين المجتمعات لأن وضعهم يبقى سيئاً طالما استمروا في الحالة الأولى ” ( الفصل التاسع فقرة 126 ) . و ” لأن المجتمع السياسي لايمكن أن يقوم أو يقيض له البقاء إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية ، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع ، فهنا – وهنا فقط – يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع ” ( الفصل الرابع فقرة 87 ) . ” ان السلطة العامة للمجتمع كله فوق كل انسان يضمه هذا المجتمع . والغرض الرئيسي من هذه السلطة هو سن القوانين لكل من يعيشون في ظلّه ، وهي قوانين يجب علينا في هذه الحالة أن نطيعها ” ( هامش الفقرة 87 ) .

هذه الأفكار سيلتقطها مونتسكيو خلال إقامته في انكلترا ويعود فيعبر عنها ويروّجها فتروج من خلال كتابين نشرهما في فرنسا عام 1748 أحدهما عن النظام الدستوري الانكليزي والثاني كتاب روح القوانين الذي اشتهر به .

121 – على أرض فرنسا يلتقي هذا الفكر الوافد من انكلترا بما بشر به وأذاعه ونثره ” بذوراً للثورة ” فنان وأديب وفيلسوف وثائر وعبقري وافد من سويسرا هو جان جاك روسو في عدة كتب أكثرها شهرة وأصالة كتابه العقد الاجتماعي ( نشر عام 1762 ) .

يقول روسو ان ” النظام الاجتماعي حق مقدس ، وهو بمثابة الأساس لكل الحقوق الأخرى . بيد أنه لما كان هذا الحق لايستمد من الطبيعة فلا بد أنه قام على اتفاقات ” . ( الفصل الأول – الكتاب الأول ) . ” برغم انها قد لاتكون أعلنت رسمياً فهي لابد أن تكون واحدة في كل مكان وأن يكون قد تم قبولها ضمناً ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) . ” ففي مثل هذه الحالة من السكوت العام يجب أن يؤخذ ذلك السكوت على أنه موافقة من جانب الشعب ” ( الفصل الأول – الكتاب الثاني ) . و ” إني افترض جدلاً ان الناس قد وصلوا إلى حد تغلبت فيه العقبات التي تحول دون الاستمرار في حالة الطبيعة على القوة التي يستطيع كل فرد أن يبذلها من أجل الاستمرار في هذه الحالة ، ومن ثم لم يعد استمرار حالة الطبيعة الصلية ممكناً . . . ولما كان الناس لايستطيعون بأي حال خلق قوة جديدة ، بل أن كل ما يستطيعونه هو أن يتحدوا ويسيطروا على تلك القوة التي لديهم ، فإنه لاتوجد وسيلة يستطيعون بها الابقاء على أنفسهم سوى الانضمام بعضهم إلى بعض ، وتوحيد قواهم بيد أن المحافظة على الذات بالنسبة إلى كل فرد إنما تستمد أساساً من قوته الشخصية وحريته ، فكيف إذن يقيدها بدون أن يؤذي نفسه ويهمل تلك العناية الواجبة عليه نحو شؤونه الخاصة في الوقت ذاته ؟ . . . لابد من ايجاد نوع من الاتحاد في شأن استخدام قوة المجتمع كلها من أجل حماية كل عضو من أعضائه وممتلكاته ، وذلك بطريقة تجعل كل فرد ، إذ يتحد مع أقرانه ، إنما يطيع إرادته ويبقى حراً كما كان من قبل . هذه هي المشكلة الأساسية ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) .

أما الحل فهو : ” كل واحد منا يسهم في المجموع بشخصه وبكل مالديه من قدرة تحت التوجيه الأعلى للارادة العامة وهكذا يلتقي في المجموع كل عضو بصفته جزءاً لايتجزأ من الكل . وبمجرد أن يتم هذا يتولد جسد معنوي وجماعي بدلاً من الاشخاص المستقلين وهو جسد مكون من الأعضاء بقدر ما يضمه من أصوات ، كان هذا الشخص العام الذي يتكون بهذه الصورة من اتحاد جميع الاشخاص يسمى في الماضي ” مدينة ” ولكنه يسمى الآن ” جمهورية ” ( كانت كلمة جمهورية تعني المجتمع المنظم اطلاقاً وليس بمعناها الحالي كنظام للحكم غير ملكي ) . . ويسميه اعضاؤه ” دولة ” عندما يكون سلبياً ، ويسمونه سيداً عندما يتصرف ايجابياً ، أما بالنسبة إلى الأفراد المجتمعين فيه فهم الشعب ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) . ” فالشعب الذي له السيادة لاوجود له خارج الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع ” ( الفصل السابع – الكتاب الأول ) . ” وبمجرد أن يوجد للشعب سيد يفقد الشعب سيادته ” ( الفصل الأول – الكتاب الثاني ) .

122 – لم تكن الافكار احلاماً مقطوعة الصلة بالواقع ، والواقع أن الافكار التي لاصلة لها بالواقع لاوجود لها ، بل كانت تعبر عن مشروعات مقترحة “لدولة ” تتفق مع مصالح الطبقة الوسطى ( البرجوازية ) الصاعدة . فقد كانت الطبقة الوسطى هي التي اسهمت بالدور الأساسي في التقدم الاقتصادي في فرنسا وحوّلتها بالتدريج إلى دولة تجارية وصناعية ، وكانت في حاجة إلى أكبر قدر من حرية الانتقال ( الأفراد والبضائع ) وحرية العمل ، وأقل قدر من تدخل السلطة والضرائب . فأنجبت مدرسة اقتصادية تولت إبراز المضمون الاقتصادي لأفكار الفلاسفة . إنها مدرسة ” الفيزيوكرات ” الشهيرة ( كيزني ، موريس دي ريفيير ، دي يتمور . . الخ ) .

123- واضح مما سبق أن ” مشروع الدولة ” التي كانت تبحث عنها أوروبا يميزها بأن تكون ” مؤسسة ” تضم كل الافراد في المجتمع ولكنها تبقى مستقلة عن أي فرد أو مجموعة من الأفراد منهم . وأن تكون ” السيادة ” فيها للشعب بمجموعه ، وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة تعبر عن الشروط التي صاغها الفلاسفة والمفكرون وزعموا أنها كانت شروط التقاء الناس في مجتمع أو شروط “العقد الاجتماعي ” .

ولقد جاءت الثورة الفرنسية فانشأت تلك الدولة . فقد بدأت الجمعية الوطنية بإعلان حقوق الانسان والمواطن . أصدرته يوم 26 آب / اغسطس 1789 ثم أصدرت مجموعة من القوانين الدستورية المتفرقة ، أعادت جمعها وصاغتها معاً في دستور ، وتلي الدستور يوم 5 آب / اغسطس 1791 وبدأت مناقشته يوم 8 آب / اغسطس وتمت الموافقة عليه يوم 3 / ايلول / سبتمبر وتم القسم على احترام الدستور يوم 14 أيلول / سبتمبر وأنفضت الجمعية يوم 30 أيلول / سبتمبر 1791 .

وقد تضمن الدستور صياغة ” الدولة ” وأقامها على قاعدتين أساسيتين نص عليهما في المادتين الأولى والثانية من القسم الثالث منه . تقول الأولى ” السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم ، وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد يدّعي ممارستها ” وتقول الثانية : ” ان الأمة التي تنبع منها كل السلطات لايمكن أن تمارسها الا بواسطة مفوضين ” .

ونعرف من التاريخ أن مبادىء الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوروبا والغرب وشعوباً كثيرة في العالم منذ انتصارها ، ولم تزل . وهكذا يمكن أن نعرف ، بدون حاجة إلى تفصيل ، أن نموذج ” الدولة ” التي انشأتها الثورة الفرنسية سيكون هو ” الدولة ” في أغلب اقطار العالم فيما بعد ، وحتى الآن . ستتغير وتختلف الدساتير المتتابعة في فرنسا وغيرها من الدول وستتغير نظم الحكم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً داخل الدولة وفي كل دولة ، ولكن سيتوحد مفهوم ” الدولة ” في العالم على ضرورة أن تتوفر لها وفيها العناصر الأساسية التي بدأت بها في عهد الثورة . وسيتولى فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية تأصيل وتعميق وتفسير تلك العناصر حتى تصبح مسلّمة .

124 – لايتوقف فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية كثيراً عند تلك النظريات التي ابتكرها الفلاسفة حول نشأة الدولة . ولكنهم يعنون عناية فائقة بما يجب أن يتوفر ” للدولة ” من عناصر ليقال إنها ” دولة ” وهم متفقون على ثلاثة عناصر : ( 1 ) شعب و (2 ) أرض و ( 3 ) سيادة شاملة الشعب والأرض جميعاً . ويضيف بعضهم  “الاعتراف ” كعنصر رابع يعنون به ” اعتراف ” دول أخرى بقيام ” الدولة ” موضع الاعتراف . ولكن هذا العنصر محل خلاف كبير يدور حول ما إذا كان هذا الاعتراف لازماً لتوجد الدولة ، أم للاقرار بوجودها أم للأمرين معاً ، ثم يأخذ فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية في شرح الدلالات والآثار القانونية ( الحقوقية ) المترتبة عليها . وينصّب أكثر جهدهم على شرح دلالة وآثار العنصر الثالث : ” السيادة ” . في كثير من كتب القانون تتداول كلمتا ” السيادة ” و ” السلطة ” كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد . غير أنه من المهم بالنسبة إلى حديثنا أن نفرق بين مفهوم السيادة ومفهموم السلطة . فالسيادة أشمل من السلطة ، إذ “السلطة” هي ممارسة السيادة ( يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا ) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة .

وكلمة ” سيادة ” اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لايستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره . بهذه الدلالة كان يستعملها بعض ملوك فرنسا القدامى للتعبير عن استقلالهم بالسلطة عن البابوية والأباطرة في الخارج ، وسمو سلطتهم على أمراء الاقطاع في الداخل ، وبهذه الدلالة كانت تبريراً لمشروعية السلطة ينتحله كل صاحب سلطة أو طالبها . فكانت مضموناً لصراع فكري ومذهبي صاحب الصراع على السلطة .

ولقد عرفنا من قبل كيف أبدعت الكنيسة تبريراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم ” نظرية الحق الالهي” أو” مذهب آباء الكنيسة ” ( فقرة 114 ) . ولم تكن تلك إلا نظرية في ” السيادة ” كما عرفنا نظرية ” العناية الالهية ” ( فقرة 115 ) ؛ وكانت هي أيضاً نظرية في ” السيادة ” . وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوروبا وحدها ، ولاهما مقصورتان على تبريره في القرون الأوروبية الوسطى . فقد انتحل المنصور العباسي ( 714 – 775 ) مذهب ” آباء الكنيسة ” حينما خطب في مكة المكرمة فقال : ” أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه ” . وانتحلها أباطرة الصين قديماً ، فكان الامبراطور هو ابن السماء وانتحلها أباطرة اليابان ، فكان الامبراطور من أصل إلهي . . وانتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي ( 602 – 680 ) نظرية العناية الاهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب حين قال : لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ( الولاية ) ما  تركني وإياه ، ولو كره الله مانحن فيه ، لغيّره .

وانتحل ” نظرية الحق الالهي ” في العصر الحديث غليوم الثاني امبراطور ألمانيا حينما قال في عام 1910 إن الله هو الذي ولاّه الملك . وانتحل نظرية العناية الالهية هتلر ديكتاتور ألمانيا قبيل أن يبدأ الحرب الأوروبية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الالهية التي اختارته زعيماً لألمانيا ( 28 نيسان / أبريل 1939 ) . وانتحلها ديكتاتور اسبانيا فرانكو ، وفرض تداولها ، حين أمر في عام 1947 بصكّ عملة تحمل كتابة تقول ” فرانكو القائد بعناية الله ” . .. وما يزال ينتحلها كثيرون من الحكّام مسلمين وغير مسلمين ، عرباً وغير عرب ، لتبرير استبدادهم بالسلطة …

في مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب وصاغتها في المادة الأولى من دستور 1791 التي ذكرناها ( فقرة 123 ) . نعيد النص للأهمية : السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الكسب بالتقادم وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدّعي ممارستها .

ماذا يعني هذا على وجه التحديد ؟

يعني أن الثورة ، بعد أن جرّدت المؤسسة الكنيسة والارستقراطية من السيادة ، لم تسندها إلى أحد على الاطلاق أسندها الفقهاء تباعاً إلى شخوص معنوّية مجرّدة : الأمة أو الشعب أو الدولة أو المؤسسات ، وكل منها ذو وجود متعينّ يمكن التحقق منه ، ولكن أياً منها لايستطيع أن يمارس السيادة المسندة إليه بذاته لأنها ذات اعتبارية وليست ذاتاً طبيعية . ثم جاءت المادة الثانية وانتزعت من الشعب سلطة ممارستها ، صياغة النظام الاجتماعي باسمها ، وأسندت تلك السلطة إلى نواب عنه . وهي حيلة أو احتيال . يقول موريس ديفرجيه في كتابه  “المؤسسات السياسية في القانون الدستوري” إن البرجوازية الليبرالية قد اخترعت هذه النظرية في السيادة لتمارس هي السلطة ضدّ الارستقراطية من جهة ، وضد الشعب من جهة أخرى . ويقول الفقيه الكبير كاريه دي ملبرج انه نتيجة احتيال ظاهر انقلبت سيادة الشعب ضد الشعب ( مجلة القانون العام الفرنسي – 1931 ) . نكتفي نحن بملاحظة ماسيتضح بعد قليل . لم يكن فلاسفة البرجوازية الصاعدة في أوروبا مهتمين بالسيادة فكرة أو نظاماً إنما كان اهتمامهم منصباً على السلطة ونظام ممارستها على الوجه الذي يحقق مصالح طبقتهم . ” إذا حاولت أي من السلطتين التنفيذية أو التشريعية ، بعد أن تستولي على السلطة في يدها ، أن تعمل على استعباد الشعب أو دماره فليس أمام الشعب من علاج في هذه الحالة ، كما في الحالات التي لايجد فيها قاضياً يلجأ إليه في الأرض سوى الاتجاه إلى السماء ” . هكذا قال فيلسوف العلمانية جون لوك . لم يتذكر الله إلا لعزاء المقهورين في الحرية ، أو إلهاء القادرين عن الثورة ( الفصل 14 فقرة 168 من كتابه رسالتان في الحكم ) . أما فيلسوف البرجوازية موريس دي رفيير فقد قال ان ” الاستبداد الذي تقوده السيادة الجماعية أكثر احكاماً وأكثر دواماً من الاستبداد الفردي ، أما الديموقراطية فهي وحش مفترس وليست سيادة الأمة إلا دولة حاكمة بدون دولة محكومة ” ( باستيد : موجز القانون الدستوري ) .

أياً ما كانت غايات البورجوازية ، فقد كان عليها أن تقدم جواباً عن مصدر السيادة التي أسندتها إلى الشعب ،

ثم أسندت سلطة ممارستها إلى نواب عنه . يقولون ما خلاصته إنه ” القانون الطبيعي ” الذي لقن الانسان قواعد السلوك الأساسية في المجتمع . وهي قواعد خالدة في الضمير الانساني .

وهكذا ، قبل أن يكون المجتمع منظماً بقواعد وقوانين وضعية يوجد نظام قانوني طبيعي للمجتمع ، يجسد حقيقته على أفضل وضع في الحرية وبالحرية . وليس القانون الوضعي ذاته إلا ترجمة للقانون الطبيعي يؤدي غايته ، فيصبح مشروعاً بقدر ما يكون متفقاً مع الأصل الذي يترجمه . إذ القانون الطبيعي ذو قوة إلزام في ذاته لايستمدها من خارجه ، وهو – بالتالي – فوق كل نظام وأسمى من كل قانون . إنه ذو سيادة غير مقيدة بما يضعه البشر من قوانين إذ هو أسمى منها جميعاً لأنه قانون الحياة ( العلمانية ) . ومن القانون الطبيعي استمد كل فرد حقوقاً مساوية لحقوق أي فرد آخر ، فهي سابقة على وجود المجتمع ، وخالدة ، ومقدّسة لايجوز لأي نظام أو قانون أن يمسّها ( الفردية ) . بل ان مبرر وجود المجتمع وتأسيس الدولة وإقامة النظام هو حراية وتأمين هذه الحقوق ضد أي اعتداء عليها من الأفراد أو الجماعات أو الدولة ذاتها ( الليبرالية ) . فالانسان الفرد هو القيمة الأولى ، وهو موّلد القيم ، وهو الغاية أسمى الغايات ، وهو الأقدر على معرفة مصالحه ، ومن خلال تحقيق كل فرد مصلحته تتحقق مصالح المجموع ، وبالتالي لايجوز فرض أية قيود على حريته في السعي إلى تحقيق مصلحته بالطريقة التي يختارها ، والوسائل التي يرى أنها مؤدية إليها ( المنافسة الحرة ) ، وذلك في كل المجالات وخاصة في مجال الملكية ( الرأسمالية ) ، إذ ” الحرية مرتبطة بالملكية ولايمكن فصلهما ” كما قال موريس دي رفيير . وعلى الذين يحقدون على الاغنياء ، أو يفتقدون الحرية لأنهم فقراء أن ينفذوا وصية فرانسوا جيزو ( 1787 – 1874 ) قائد حزب ” رابطة ساعد نفسك يساعدك الله ” أول حزب ليبرالي في فرنسا حين قال لهم ” اغتنوا اذن ” . كيف ؟ لايهم فطبقاً للمنافسة الحرة التي هي القانون الطبيعي لتوزيع الثروات بين الأفراد ، الخطأ هو خطأ مالي والجزاء جزاء مالي ، يصيب من يكسب مالياً ويخطىء من يخسر مالياً . ( شومبيتر الرأسمالية والديموقراطية – ريجين رينود أصول البورجوازية  جاك دروز تاريخ المذاهب السياسية باستيد القانون الدستوري  – اميل ميرو فلسفة الليبرالية – بوردو موسوعة العلوم السياسية جزء 5 ايسمان شرح القانون الدستوري – لافيير القانون الدستوري  – كاريه دي ملبرج النظرية العامة في الدولة –  جورج جوسدورف المفهوم الانساني للحرية – موريس ديفرجيه المؤسسات السياسية في القانون الدستوري. . . الخ ) .

ولكن ،

هل ” القانون الطبيعي ” الواحد ، السائد ، الواعد ، موجود ؟

هذه مسألة ” إيمان ” ، وقد قلنا من قبل إن العبرة في مشروعية النظم بالقبول العام ( عكسه الاكراه العام ) وليس بالايمان ( الذي تخفيه السرائر ) ( فقرة 76 ) ، وإن كان كل نظام يتضمن قواعد عامة مجردة ملزمة للكافة لاتجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها تستمد قوة الزامها من الايمان بمصدرها ( فقرة 80 ) . ثم عرفنا العلمانية نزعة ذات أصل ديني في المسيحية ، تحولت إلى تيار فكري مناهض لاستبداد الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الاقطاعية ، تحول الى ثورة ضد تدخل الكنيسة في الحكم في أوروبا البرجوازية ، انتهت إلى اقامة نظام  علماني في موقفه من الدين ، فردي في موقفه من المجتمع ، ليبرالي في موقفه من الدولة ، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد . فنعرف منه أن العلمانية ليست دعوة إلى الكفر بالدين ، بل هي ركن في نظام شامل متكامل للحياة الدنيا ، كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا على مدى نحو سبعة قرون

125 – وقد أصبح هذا النظام شائعاً في كثير من دول العالم مع بقاء المؤسسات الكنسية في كل الدول التي شاع فيها بدون استثناء واحد ، إنما تختلف الدول في نوع العلاقة بين الكنيسة والحكومة . نقول الحكومة التي تمارس السلطة ولانقول الدولة التي هي شخص اعتباري ، إذ الكنيسة ماتزال قائمة في الدولة . فالكنيسة مؤسسة رسمية في الدولة كما هو الحال في انكلترا والسويد والنرويج والدانمارك . وهي تتعاون مع الحكومة في الحفاظ على استقلالها ، كما هو الحال في اسبانيا . وهي تحظى باعتراف رسمي ” شرفي ” ، كما في ايرلندا . وقد تقف الحكومة على الحياد السلبي بين الكنائس المتعددة كما في الولايات المتحدة الامريكية . وقد يفصل فصلاً حاسماً ما بين الكنيسة والحكومة كما هو الحال في فرنسا التي ترد إلى الذهن كلما دار الحديث عن العلمانية .

عودة إلى الوطن

126 -كل مافات كان معقولاً ، أو كان ذا منطق يمكن فهمه . دين يفرض على المؤمنين به الفصل بين الدين

و “الدولة ” . وينشىء للقيام على شؤون الدين مؤسسة دينية ( الكنيسة ) يتبعها ويديرها نفر من المؤمنين خصّهم الدين ذاته بسلطان ديني على الناس ( رجال الدين ) فتصبح تلك المؤسسة ذات قوة منفصلة ومستقلة عن مؤسسة أخرى ذات قوة منفصلة ومستقلة ( الدولة ) في المجتمع الواحد ، فيثير هذا الازدواج في ممارسة السلطة خلافاً أو صراعاً بين طرفيه تكون الغلبة لمن هو أقوى في زمانه ومكانه . وتضيق حياة الشعوب باستبداد المتصارعين وبآثار الصراع إلى أن تقوم ثورة تجرد كلاً منهما من ” القوة ” التي سمحت لكل منهما – يوماً – بأن تتجاوز حدود المبدأ الديني الأصيل : ” مالقيصر لقيصر وما لله لله ” . وترد كلاً منهما إلى حدوده . فينتهي الصراع وتبقى المؤسسة الدينية ورجالها قائمين على أمور الدين . وتبقى ” الدولة ” ورجالها قائمين على أمور الدنيا . كل هذا والدين باق كما هو بدون انكار أو الغاء . ” والدولة ” باقية بدون إيمان أو كفر . فيقال هذه هي “العلمانية ” التي أبدعتها اوروبا القرن الثامن عشر ، والتي أعفت الشعوب من عبء التضحيات الجسيمة التي كانت تدفعها في الصراع بين الكنيسة و ” الدولة ” فهيأت لها مقدرة أوفر على التقدم العلمي والحضاري فنقول نعم هذه هي ” العلمانية ” حقاً وتلك بعض آثارها ، ولكن من حيث وضع العلاقة بين الكنيسة و ” الدولة ” في موضعها الصحيح ” مسيحياً ” منذ أن قال السيد المسيح ” اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله ” أو ردّها اليه .

وكان ذلك نصراً عظيماً للشعوب المسيحية انتصر الدين ، وانتصرت به الشعوب ، كلاهما .

كل هذا مفهوم أو قابل للفهم .

ولكن هل يمكن أن يكون لدعوة ” العلمانية ” معنى مجرد عن أصلها الديني وظروفها التاريخية ؟ هل يمكن أن يكون لها معنى في مجتمع بلا دين مثلاً ؟ . . أو في مجتمع كهنوتي كهانة شاملة مثلما كان في اليهودية ، مثلاً آخر ؟ . أو في مجتمع يفصل دينه بين الدين ” والدولة ” ولكنه لاينشىء للدين مؤسسة خاصة تقوم على شؤونه ، مثلاً ثالثاً ؟ . هل يمكن أن يكون ” للعلمانية ” معنى في مجتمع غير مسيحي ، أخيراً ؟ أما عندنا فدعوة  العلمانية في أي من هذه المجتمعات ” كلام فارغ ” لانعدام مضمونه . إلا أن تكون دعوة تحمل أعلام النصر الذي حققته ” العلمانية ” في المجتمعات المسيحية لتستر بها أهدافاً تخفيها في مجتمع لامجال فيه ” للعلمانية ” .

127 – ليس وطننا العربي واحداً من تلك المجتمعات ” النموذجية ” التي اشرنا اليها بقصد كشف عبث دعوة ” ” “العلمانية “بعيداً عن أصلها الديني وظروفهاالتاريخية . والواقع انها مجتمعات افتراضية لاوجود لها ، إذ لاوجود لمجتمع بلا دين أياً كان المجتمع ، وأياً كان الدين . وليس ثمة أكثر” تدّيناً ” بل نقول ” تعصبا دينيا ” من مجتمع الملحدين ذاته ، إذ ليس ” الالحاد ” إلا دين الملحدين يقوم فيهم بوظيقة أي دين . على أي حال فإن وطننا العربي مجتمع تتعدد فيه الأديان ، وتتعدد فيه المذاهب من كل دين ؛ وبالتالي فإن ترويج دعوة ” العلمانية ” فيه لايكون عابثاً في كل الأحوال . بل يتوقف حاله من العبث والجد على المخاطبين بها من ابناء أمتنا العربية .

128 – فكثير من ابناء أمتنا العربية يدينون بالمسيحية . ويتفرقون انتماء إلى مذاهبها المتعددة . ولكل مذهب  “رجال دين ” ومؤسسة دينية ” كنيسة ” ، وبالتالي فإن ” للعلمانية ” في وطننا العربي مجالاً ، تطرح فيه دعوة ، وتقام فيه حدود ، لتظل الكنائس جميعاً ملتزمة المبدأ المسيحي الذي قامت عليه ” العلمانية ” : ” أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” . ولكن متى ؟ . . . إذا حاول رجال الدين من أية كنيسة أن يعرّضوا مجتمعنا العربي إلى مثل الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الأباطرة والملوك والأمراء . أو إذا ما حاول الذين يحلمون بأن يكونوا أباطرة أو قياصرة أن يمدوا أصابع ساطاتهم إلى داخل الكنائس افتئاتا من أي قيصر على ما لله . إن هذا يعني تماما – وأرجو ألا يخطىء أحد فهم مانقول أو يستهين به – إن أيا من الطرفين يشق طرقه الشائك إلى حيث تردّه إلى حدوده ” ثورة شعبية ” لايعلم أحد من الآن أين تقف حدودها . انه ليس لعباً بالنار فقط بل هو إشعال فتنة لن ” تشوي ” إلا من أشعلها . ولست اعتقد أن هناك رجل دين مسيحي على أقل قدر من ” العقل ” يعتقد أن جزاء مخالفة تعاليم السيد المسيح ستكون نار جهنم فقط . أو أن هناك حاكماً على أقل قدر من العقل يعتقد أن ضمائر المسيحيين وكنائسهم متاحة ليمد إليها أصابعه بدون أن تقطع أصلبعه على الأقل . أو أن هناك شعباً ، أي شعب ، يقبل أن تقوم في دولته مؤسستان متوازيتان متنافستان على ممارسة السلطة ، باسم الدين أو باسم الدنيا ، بعد كل ما تعلمته الشعوب من تاريخ الصراع بين الكنيسة و ” الدولة ” .

لانؤمن بما يسمى ” الحظّ ” ومع ذلك فلنقل مع القائلين إن من حسن حظ هذه الأمة العربية التي ننتمي اليها أن اغلبية المسيحيين من أبنائها يتبعون الكنيسة الاورثوذكسية ، وهي كنيسة تميزت منذ نشأتها بصرامة التزامها تعاليم السيد المسيح وصلابة موقفها ضد الاضافات البابوية . ولقد قاومت الكنيسة القبطية الاورثوذكسية بالذات  مقاومة باسلة ، ما أراده لها باباوات روما من آراء مبتكرة في المسيحية . وقدمت فداءً لايمانها مئات الشهداء ، يساندها شعب مصر فيما اعتبر في التاريخ حركة تحرر وطني حينما كانت مصر تابعة ز أو مملوكة ملكية خاصة ، لقياصرة روما . وفي ظل التبعية للامبراطورية البيزنطية استطاع موقفها المبدئي الثابت أن يحفظ للكنيسة الاورثوذكسية عامة التزامها الديني بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله بالرغم مما كان بعض الأباطرة يرتكبونه من استفزاز . فخلا تاريخها من صراع يذكر بين الكنيسة و ” الدولة ” . انها ليست مجرد تقاليد ، ولكنها تقوى . ولو كانت مجرد تقاليد مستقرة لكان من شأن الناس في ظلها أن يتساءلوا : فيم الترويج -إذن – لدعوة العلمانية في مجتمع كانت كنيسته الرئيسية على مدى تاريخها حارسة مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” ولم تزل ؟

وفي الاسلام

129 – من قبل قال جمال الدين الافغاني : ” ليس الاسلام كدين ( براهما ) الذي قسم الناس إلى أربعة اقسام وقرر لكلّ منزلة من كمال الفطرة لايجاوزها ، ولاهو كاليهودية التي تخاطب شعب اسرائيل بالكرامة والاجلال وتذكر غيرهم بالتحقير والاهانة ، ولاهو كالمسيحية التي تذهب إلى أن رؤساء الدين أقرب إلى الله من سائر البشر ، وان كل نفس وإن بلغت من الكمال مابلغت ، ليس فيها ما يؤهلها إلى التقرب إلى الله بغير وساطة الرئيس الديني ” ( الرد على الدهريين ) . ومن بعد قال الامام محمد عبده : ” من أصول الاسلام _ وما أجله من أصل – قلب السلطة الدينية والاتيان عليها من أساسها . هدم الاسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها ، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم . لم يدع الاسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد ، ولاسيطرة على ايمانه ، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغاً ومذكراً ، لامهيمناً ولا مسيطراً . قال الله تعالى ( فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ) { الغاشية : 22 } . ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط لافي الأرض ولا في السماء ، بل الايمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه ، فما بينه وبين الله سوى الله وحده ، يرفع عنه كل رق إلا العبودية لله وحده . وليس لمسلم مهما علا كعبه في السماء ، على آخر ، مهما انحطت منزلته فيه ، إلا حق النصيحة والارشاد . قال تعالى في وصف المفلحين : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) { العصر : 3 } . وقال : ( ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) { آل عمران : 104 } . وقال : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) . { التوبة : 122 } . فالمسلمون يتناصحون ، ثم هم يقيمون امة تدعو إلى الخير – وهم المراقبون عليها – يردّونها إلى السبيل السةي إذا انحرفت عنه . وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والانذار ، ولايجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبع عورة أحد ، ولا يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد ، وليس يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول مايعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ” .

” لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله ، وعن رسوله من كلام رسوله ، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف ، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم ، كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها ، وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة ، وما كان الناس عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي ، وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار . فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى مايعده لفهم الصواب من السنة والكتاب فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما . وله – بل عليه – أن يطالب المجيب بالدليل على مايجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال ، فليس من الاسلام مايسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه ” ( من رسائله إلى رشيد رضا عام 1902 ) .

لماذا ، إذن ، الترويج للعلمانية ؟

النفاق

130 – لأن للعلمانية نظاماً ، وللاسلام نظاماً ، وهما لايتفقان في أكثر من وجه . ولما كان مصدر مشروعية أي نظام هو القبول العام ، وكان أغلب الشعب العربي مسلمين ، فإن قبولهم نظام العلمانية لايتحقق – بدون إكراه- إلا بلابقاء على الاسلام ديناً ” لله ” واستبعاده نظاماً للحياة في الوطن الذي هو ” للجميع ” لتخلو الحياة العربية لنظام لايتفق في أكثر من وجه مع الاسلام نظاماً . وهذا هو النفاق طبقاً لمعايير الصدق والكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم .

نضرب مثلاً من مصر .

ولسنا نريد أن نذكّر أحداً بقائد حملة الاحتلال الفرنسي عام 1793 نابليون ” حامي حمى الاسلام ” ، ولا بخليفته المنافق الجنرال ” عبد الله ” مينو ، فإن الاحتلال الانكليزي لم يلبث أن داهم مصر عام 1882 وفرض بالقوة على الشعب العربي المسلم نظاماً بديلاً عن نظام إسلامي كان قد عاش في ظله راضياً أكثر من ثلاثة عشر قرناً. كان نوبار باشا ” الارمني ” رئيساً للوزراء ، وكان قد استخدم أميناً على سره ( سكرتيراً ) فرنسياً كان يعمل محامياً في الاسكندرية اسمه الاستاذ مانوري . فكلّفه بأن يضع لشعب مصر قوانين جديدة ، فلم يضع شيئاً من عنده إلا قليلاً ، بل نقل من الفرنسية إلى الفرنسية مجموعة القوانين الفرنسية المسماة ” قانون نابليون ” . وهكذا أعاد الانكليز إلى مصر نابليون نظاماً بعد أن كانوا قد أخرجوه منها حطاماً ، لأن العداء بينهما لم يكن أصلاً بسبب النظام المفروض ، بل كان رغبة كل منهما بأن يفرضه ليحقق به مصالحه . صدرت القوانين باللغة الفرنسية ، ثم ترجمت إلى العربية ، ثم نفذت في عام 1883 .

وقانون نابليون يعرف الحق ، اقراراً به ، ( الحق في الحرية ، الحق في المساواة ، الحق في التملك . . . الخ ) سواء توفر لصاحبه مضمون الحق فعلياً أم لا . والنظام الاسلامي لايعرف الحق إلا على مضمون عينيّ يمارسه صاحبه فعلاً . وقانون نابليون يطلق تملك الأرض بدون حدود ، والنظام الاسلامي يقصر ملكية الأرض على الانتفاع دون الرقبة . وقانون نابليون يطلق حرية استعمال الحقوق بدون قيود ولو اتلفها الاستعمال أما استعمال الحقوق في النظام الاسلامي فمحدود بصالح المجتمع . وقانون نابليون يحمّل مرتكب الفعل الضار ( الفاعل المباشر ) وحده مسؤولية تعويض المضرور ، والنظام الاسلامي يزيد فيحمل المتسبب في الضرر ( الفاعل غير المباشر ) مسؤولية التعويض ( الضمان ) مع الفاعل المباشر ، وفي بعض الحالات ، دونه . وقانون نابليون ” لايحمي المغفلين ” ، والنظام الاسلامي يحمي ذا الغفلة المغبون أو ضحية الغش والتدليس . . . ثم إن قانون نابليون يحل ” الربا ” والاسلام يحرمه تحريماً قطعياً ، كما حرمته كل الأديان .

كان الربا محرماً ” عقلاً ” منذ أن قال أرسطو إن النقود لاتلد ثم حرم ” قبلياً ” منذ أن حرمه اليهود فيما بينهم وأجازوه في اقراض غيرهم اتساقاً مع القاعدة القبلية : عداء الغير بدون حدّ أو قيد . ثم عاد محرماً في المسيحية وبقي كذلك إلى منتصف القرن الثالث عشر ، حين تحول البابا إنوسنت الرابع إلى منظم جيوش وقائد حروب لاتنقطع ضد الامبراطور فريدريك الثاني ، الذي نفاه من روما ، فلجأ إلى ليون ، فأفلست الكنيسة . لجأ البابا إلى التجّار ” الشطّار ” مستديناً ديوناً فادحة في مقابل فتوى بإباحة الربا . فأفتى بالتفرقة بين ما إذا كان الاقراض بفائدة من أجل الاستهلاك الشخصي وبين ماإذا كان ” لتمويل ” عمليات تجارية أو صناعية ( استثمار) فحرم الأولى وأحل الثانية . . ( ريجين برنود ” أصول البرجوازية ”  – وجاك دروز” تاريخ المذاهب السياسية” ولقد جاءت حركة التنوير والنهضة والعلمانية بعد ذلك فاستغنت عن الكنيسة وكل ماصدر عنها إلا هذه الفتوى ، فهي ماتزال عندها مقدسة . فهي – على وجه – جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الاساس فيه ، وما يزال المنافقون في الاقطار العربية يرفعون على دولهم راية الاسلام ، ويدسّون في دساتيرهم أن الاسلام دين الدولة ، أو أن الشريعة الاسلامية مصدر التشريع ” رئاء الناس ” ثم يبيحون الربا ويرددون فتوى البابا انوسنت الرابع .

إزاء هذا التعارض بين قانون نابليون والنظام الاسلامي احتال المستعمرون على الشعب العربي المسلم بأن تركوا له نظامه الاسلامي في ” الاحوال الشخصية ” مع أن قانون نابليون ينظم الاحوال الشخصية أيضاً .  وهكذا عرف الشعب العربي المسلم – لأول مرة في تاريخه الطويل منذ الفتح العربي – ازدواج السلطة القضائية حين عرف القضاء ” الأهلي ” والقضاء ” الشرعي ” .

أما في مجال الجرائم والعقوبات فقد كان النفاق اكثر فجراً . أراد المستعمرون أن يوهموا الشعب بأن قانون العقوبات الذي استعاروه من نابليون يمثل إرادة ” ولي الأمر ” الشرعي ، فيما هو مباح له شرعاً من تحديد عقوبات ” التعذير ” ، على مايقول بعض المجتهدين . فقدموا قانونهم إلى الشعب في مصر بما جاء في المادة الأولى من قانون الاصدار . تقول المادة : ” من خصائص الحكومة ان تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية ، وكذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة وبناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعاً تقريرها وهذا بدون إخلال بأي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الاسلامية ” . ويعلق أستاذنا د . السعيد مصطفى السعيد فيقول إنهم كانوا ” يخشون الفشل في تطبيق القانون الجديد لاختلاف ظروف المجتمع المصري في ذلك العهد عن المجتمع الأوروبي اختلافاً كبيراً ، ولأنه حل محل قوانين ترجع في أساسها لحد كبير إلى أحكام الشريعة الاسلامية مما دعا الشارع إلى أن يبرر اصداره في المادة الأولى ” . ( شرح قانون العقوبات ) وهكذا أصبح الزنا مباحاً ، والخمر مباحاً ، والميسر مباحاً ، والكذب مباحاً . . . في مجتمع أغلبيته من المسلمين بالرغم من أنها محرمات عليهم في النظام الاسلامي .

فلنتأمل وليتأمل معنا من يريد .

العلمانية الثائرة ضد استبداد الكنيسة بتنظيم العلاقات بين الناس ، التي اتخذت من قبول الناس مصدراً لمشروعية أيّ نظام ، التي ألغت ازدواجية السلطة ، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعباً وأرضاً ، وفرضت علينا نظامها فرضاً ، وخلقت الازدواج في السلطة فنقضت مبادئها نقضاً ، فلماذا ؟ لأن العلمانية ليست مع الدين أو ضد الدين بل هي بوابة نظام فردي ( ليبرالي ) ربوي ( رأسمالي ) . وما كان يهم العلمانيين ، ولايهمهم الآن ، أن نؤمن جميعاً أو نكفر جميعاً ، أن نبني المسجد والكنائس أو نهدمها ، ان تتعدد الزوجات أو لاتتعدد ، أن تكبر العمائم أو تصغر ، أن تطول اللحى أو تقصر ، أن يشيع الفسق أو تشيع التقوى ، أن يتحجب النساء أو يسفرن . . الخ ، كل هذا مباح في العلمانية لمن يختاره ، مادام الاسلام كنظام للحياة قد استبعد فأفسح مكاناً لنظامهم . كفاهم عن كل حلال وحرام في كل دين أن أباحوا الربا وجعلوه نظاماً فرضوه . ولقد بدأوا فحددوا لما أسموه ” الفائدة ” سعراً عالياً ، وأجازوا استحقاق فوائد على الفوائد ولو تجاوزت أصل رأس المال . ولكن هذا لم يكفهم . فاستصدروا في 24 كانون الثاني / ديسمبر 1900 ” أمراً عالياً ” بلستثناء ” البيوتات المالية المشتغلة بتسليف النقد على رهونات ” ( البنوك ) من قيد الحد الأقصى للفائدة ، فارتهنوا مصر أرضاً واذلوها شعباً ، وهم يبذرون فيها بذور العلمانية ويستنبتون من أبنائها علمانيين ، ولما كان من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت ، فقد كان لابد ، لكي يقبل الناس نظامهم ، من اقناعهم بأن الاسلام دين ” لله ” ، وليس نظاماً للحياة في ” الوطن ” وذلك عن طريق دعوة فكرية يقوم بها ” دعاة ” من العرب المسلمين . وحبذا لو كان الداعية من علماء الدين الاسلامي الذين اعتاد عامة المسلمين أن يستمعوا اليهم ويثقوا في صحة ما يقولون ، ليكون ” إمام ” المذهب العلماني .

وقد كان .

عن كتاب: عن العروبة والإسلام

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: