الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

30 آذار مارس

على بساط الثلاثاء

120

يكتبها : حبيب عيسى

30 آذار “مارس” :

–  جمال عبد الناصر    ، الجمهورية العربية المتحدة …

–  يوم الأرض العربية  ، فلسطين …

– عصمت سيف الدولة ، مصر

–  جمال     الأتاسي ، سورية  …

–  اليوم ، ثوار باتجاه  ، الجمهورية العربية المتحدة …

( 1 )

هناك أيام في التاريخ العربي تتزاحم فيها الأحداث ، والمناسبات ، من تلك الأيام ، يوم 30 مارس “آذار” على مدى العقود الأربعة المنصرمة ، ففي ذلك اليوم من عام 1968 أعلن جمال عبد الناصر “بيان 30 مارس” يحمل وعداً بتحصين الثورة بالديموقراطية ، ثم ، وفي مثل هذا اليوم أيضاً أنطلق أطفال العرب في فلسطين يواجهون مدرعات الصهاينة بالحجارة وهم يحملون هوية الأرض العربية فاستحق هذا اليوم أن يسمى “يوم الأرض” ، وفي مثل هذا اليوم من عام 1996 غادرنا عصمت سيف الدولة من الإقليم الجنوبي  حزيناً يحمل أحلامه عن دولة عربية واحدة ، وهو يردد حتى آخر لحظة في حياته ، بما يشبه اليقين ، أنها قادمة لا محالة ، وأن المسألة ، مسألة وقت ، تتعلق بقدرة القوميين التقدميين ، وفي مثل هذا اليوم من عام 2000 غادرنا جمال الأتاسي من الإقليم الشمالي  حزيناً هو الآخر يحمل ذات الأحلام واليقين ، واليوم في 30 آذار “مارس” 2011 ينطلق شباب عربي لم يعد يطيق العبودية والطغيان فيطيح بعروش كانت مطمئنة ، ثم يقتحم مقرات أجهزة القمع ، فيقذف في وجوههم خوفه ، فترتعب ، وتفرّ خائفة ، وفي غمرة ذلك يكتشف هويته العربية ، ووحدة المشكلات القومية …

( 2 )

30 مارس “آذار” 1968 يتبّين جمال عبد الناصر بعيد هزيمة الخامس من حزيران “يونيه” 1967 مدى قصور النظام الشمولي ، ومدى خطره على مشروع النهوض القومي العري التقدمي ، ومدى مسؤوليته عن انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، ومن ثم مسؤوليته عن هزيمة 1967، فيخاطب جمال عبد الناصر ، الجماهير العربية عن ضرورة البناء الديمقراطي ، ليتمكن الشعب من تحمل المسؤولية في اتخاذ القرار ، وتحصين الوطن ضد العدوان ، ومن ثم  يكون القاعدة ، والحامل لمشروع النهوض القومي العربي التقدمي ، وذلك فور إزالة آثار عدوان 1967 ، وكأن جمال عبد الناصر  يقرأ المستقبل ، ذلك أنه غاب ، أو تم تغييبه قبل إزالة آثار العدوان ، وبناء النموزج الديموقراطي المنشود في بيان 30 مارس ، فخرج من قلب النظام من ينقلب على المشروع النهضوي القومي العربي التقدمي ، ومن ثم على مشروع التقدم والعدالة الإجتماعية في مصر ، والانفصال بالإقليم الجنوبي عن الجمهورية العربية المتحدة ، بل ، وتحويل مصر من قاعدة لمشروع النهوض القومي العربي التقدمي إلى قاعدة للتهجم عليه ، فبدأ بذلك عصر الاستلاب والصفقات مع الأعداء ، وانحسر المشروع النهضوي التنويري ، حيث ساد عصر الظلام والتبعية والطغيان .

( 3 )

30 آذار “مارس” في الربع الأخير من عقد ثمانينات القرن المنصرم أشهر الصهاينة مشروعاً لصهينة الأرض العربية بعد أن انحسر المشروع القومي العربي التحريري الذي كان يضع قضية فلسطين في طليعة أهدافه ، ويمانع في عقد عمليات المساومة والصفقات والمقايضات مع الصهاينة ، ففلسطين أرض عربية محتلة ، والحل الوحيد هو تحريرها ، هكذا ، وبعد أقلمة القضية وتبعيضها لم تجد الأرض العربية في فلسطين من يدافع عنها ويرفع راية هويتها العربية إلا أطفال الحجارة في فلسطين الذين تصدوا بصدورهم العارية وحجارة الأرض للعدوان يحملون في صدورهم ميراث حضارة عريقة تخلى عنها الكثيرين من أبنائها …

( 4 )

30 مارس “آذار” 1996 انتشر خبر غياب عصمت سيف الدولة الذي قضى حياته في البحث والنضال لبناء التنظيم القومي ، أسماه “الطليعة العربية” يستند على منهج “جدل الإنسان” ويكرّر السؤال في نهاية كل بحث : أما كيف …؟ ، ويجيب هذا حديث آخر ، لم يكن يتهّرب من الجواب ، وإنما كان يتركه للشباب العربي ، فهو المعني بالموضوع ، كان يحلم بإن الشباب العربي سيعرف الإجابة ، وسيمتلك الأداة ، وسينفذ ذلك بالنضال والعمل والتضحية ، لكنه رحل قبل أن يتحقق ذلك ،  فغادرنا حزيناً ، غادرنا ، وفي قلوبنا غصة لإننا عجزنا عن تحقيق حلمه ذاك أثناء حياته ، كان يراهن على الشباب ، وهاهم الشباب يفعلوها هذه الأيام ، ربما لم تتضح الصورة بعد ، لكن ميادين الحرية العربية ربما تبشرّ بمخاض حقيقي هذه المرة …  فماذا قال عصمت سيف الدولة عن الشباب ؟ . قال :

(كل الذين غادروا مرحلة الشباب يفتقدونها ويتمنون لو عادت اليهم أو عادوا إليها . أكثرهم شعوراً بافتقادها أولئك الذين لا يكفون عن إدانة الشباب كافة . انها حيلة نفسية يعرفها علماء النفس ويعبّر عنها المثل الشائع عن رأي الثعلب فيما لايستطيع إدراكه من عناقيد العنب . حيلة نفسية أخرى يلجأ إليها الشيوخ خاصة تعبيراً عن افتقادهم المأساوي مرحلة شبابهم . إنها اصطناع الحكمة ، وإلقاء المواعظ عن الشباب وعليهم . موضوع الاحتيال ، أنهم يحاولون علناً استرجاع شبابهم المفقود المفتقد في شباب غيرهم ، بأن يعظوه لعله أن يسلك ما كانوا هم سالكيه لو كانوا شباباً . ولما كانوا يعرفون أن المواعظ منفرة إلا من الوالدين يحكم ما توحي به من استعلاء صاحبها فإنهم ، وهم يعظون الشباب علناً ، يحاولون استرجاع شبابهم خفية . ويلتمسون إلى ذلك أسباباً من الكساء أو الدواء تستثير السخرية حيناً وتثير الشفقة في كثير من الأحيان . في أواخر القرن الخامس عشر تولى كرسي البابوية في الكنيسة الكاثوليكية البابا انسونت الثامن . ذلك الذي ارتشى مالاً وفيراً من السلطان العثماني بيازيد الثاني ليوقف حملاته الصليبية ضد الشرق ، فوجهها إلى الغرب واستولى على غرناطة العربية في الاندلس ( 2 يونيو 1492 ) . كان ذلك البابا مولعاً بإلقاء المواعظ عن الشباب وعليهم محذراً منذراً من نزوات الشباب الآثمة ، مبشراً بما يعوض الحرمان من جزاء الصالحين في الجنة . وكان هو في أواخر حياته يوشك ان يدلف الى الجنة كما لاشك كان يعتقد . فلما مات ( 26يوليو 1492 ) اتضح ان وفاته كانت بسبب ثالث عملية جراحية اجريت له بناء على أمره في محاولة يائسة لاعادة بعض مظاهر الشباب . اختار البابا في شيخوخته الرجوع الى الشباب بدلا من التقدم الى الجنة . وليس البابا انسونت الثامن إلا مثلا .) . ثم نجده معنياً حتى بتعداد الشباب العربي الحامل للحلم العربي فيقول :

(- طبقا لبيانات مركز التوثيق والمعلومات بالجامعة العربية بلغ عدد الشباب العربي عام 1980 ، – قياساً على الفترة الزمانية التي حددناها – ، نحو اثنين وأربعين مليوناً ونصف المليون شاباً موزعين فيما بين الدول العربية ( مصر : 11.552.600 . المغرب : 5.591.524 . السودان : 4.830.078 . الجزائر : 3.699.289 . العراق : 3.447.670 . سورية : 2.461.832 . السعودية 2.406.688 . تونس : 1.833.842 . اليمن الشمالية 1.337.889 الصومال 1.138.927 . الاردن : 814.786 . ليبيا : 746.489 . لبنان 732.870 اليمن الجنوبية : 460.145 . موريتانيا : 428.122 . عمان : 229.522 . الامارات : 210.768 . البحرين : 100.326 . قطر 72.533 ) أي نحو ربع عدد الشعب العربي .) . فما هي المشكلات التي يواجهها الشباب العربي ؟ ، يجيب عصمت سيف الدولة :

( إن كثيراً من الشباب العربي يدخل الى مرحلة شبابه حاملاً مشكلات الحياة التي عجز جيل قبله عن حلها فتضاف إلى أحماله المقبلة . إنه أمي ، إنه فقير ، إنه مشرد ، إنه مريض ، إنه قد تربى على غير مرب ، إنه تلقى مبادىء الشرود والضياع من أسرة شاردة ضائعة ، إنه سوي ولكن مغبون في نظام ولد فيه لا يعترف بالمساواة … الخ والشباب الذي كان طفلاً بدون إرادته ، ولد في مكان لم يختره ، ينتمي إلى أسرة لم يأخذ أحد رأيه في انتمائه إليها ، يعيش في مجتمع هو قدره ، في ظل نظم سياسية واقتصادية واجتماعية اصطنعها أجيال قبله .. ويكون عليه أن يبدأ رحلة شبابه من كل هذا ، فتضاف إلى مشكلات حياته السوية مشكلة استواء نظم الحياة المختلفة . فمن ذا الذي يجرؤ على إدانة الشباب العربي وقد حملناه أوزارنا في حين ان حضارتنا قد علمتنا المشاركة في الحقوق والتفرد في المسؤولية حين لقنتنا إنا أمة من ناحية وألا تزر وازرة وزر اخرى من ناحية ثانية . ) . هكذا ، وكأنه يوصفّ الظروف الموضوعية التي أدت إلى الثورة الشبابية الراهنة .) ، ويضيف :

( مع ذلك فكل مشكلات نمو وتطور وحياة وإن كانت عبثا مرهقا للشباب العربى . إنهـا متاعب حياة سوية نامية . ولكن الأمور لا تجري على هذا الاستواء فى الوطن العربي . لا أحد يريد للشباب العربي أن يحيا حياته بمشكلاتها كما هي ، وان يترك له وحده أن يحاول حلها و أن ينضج خلال حلها . إن ثمة قوى منظمة هائلة مسلطة على الشباب العربي خاصة لا لتعوق حل مشكلات حياته، ولكن لتفكيك هيكل شخصيته ، وتحاول أن تستبدل به هيكلا حضاريا غربياً.

وهذه هى المشكلة الأساسية التي يعاني منها الشباب العربي . مشكلة الانتماء. فهل ثمة في الواقع العربي أسباب موضوعية لمثل هذه المشكلات؟) ، ويجيب :

(- أمة واحدة ذات حضارة واحدة مجزأة دولاً منذ أكثر من نصف قرن . هذا واقع ايضا في الوطن العربي أنشأ انماطاً من العقائد والعادات والتقاليد والآداب والفنون الاقليمية . تحركها دول على رؤوسها حكام تحت تصرفهم أجهزة قادرة وقاهرة من القوانين والمحاكم والسجون والمشانق . وينشأ كل شاب عربي يعاني من ازدواج الشخصية ، وتلك الأمراض التي يسمونها ” العصابية ” . إنه عربي الانتماء ولكنه اقليمي السلوك . إنه يحلم أحلاماً قومية ولا يستطيع أن يحقق إلا منجزات اقليمية . إن ولاءه بالسجية إلى الأمة العربية ولكن مفروض عليه ولاء لدولته وبالرغم من وحدة العقيدة ووحدة اللغة التي تحافظ على شخصيته العربية ، فإن الاقليمية بدولها ، بحكامها ، بقوانينها ، بتقاليدها بعاداتها … الخ لا تفتأ تخلخل هيكل شخصيته كل يوم لعلها أن تصل إلى المستحيل . الغاء ما صنعه التاريخ . إن هذه الخلخلة لا تفعل أكثر من أن تضعف شخصية الشباب العربي ، فتمكن للحضارة الغازية – الأقوى – من أن تحطم هيكل تلك الشخصية . على هذا المستوى – ومستويات كثيرة أخرى – قلنا ونقول إن الاقليمية حليف للامبريالية ..).

لقد راهن عصمت سيف الدولة على الشباب العربي ليكون الحامل للمشروع النهضوي ، وهاهو يحاول هذه الأيام …

( 5 )

30 آذار “مارس” عام 2000 يغيّب القدر جمال الأتاسي الذي قضى حياته مناضلاً في سبيل إنجاز مشروع النهوض والتنوير القومي العربي التقدمي ، غادرنا حزيناً هو الآخر ، لكنني شاهد على أن الحلم لم يفارقه لحظة واحدة ، حتى في أحلك الظروف ، في أقسى لحظات المآسي والهزائم والإحباط كان جمال الأتاسي يواجه المواقف الصعبة بالإصرار والمواجهة ، إنه من ذلك النموزج الإنساني البالغ الصلابة ، وإبداع الرؤى الحية لمواجهة المحن ، فهاهو يواجه السؤال حول قضية الوحدة العربية ، وما إذا كانت قد انتهت واندثرت ، فيجيب : (إذا كانت قضية القومية العربية ، وقضية الانتماء لأمة واحدة والتطلع إلى وحدة هذه الأمة ، والعمل في سبيل إقامة دولة موحدة وكياناً موحداً لهذه الأمة ، إذا لم يعد هذا هدفاً لنا ومرجعية . وإذا لم ننظر بمعايير مصلحة شعوب هذه الأمة وأمنها ومستقبلها ؟ ، فكيف يكون تعاملنا مع العالم ومع متغيراته وتحدياته ؟، وكيف يكون لنا من مدخل للتعامل مع النظام العالمي وأممه ؟ ، وكيف ندير صراعاً مع “إسرائيل” والصهيونية العالمية التي تريد أن تحل وجودها مكان وجودنا ، ومع الإمبريالية العائدة إلى الهيمنة على منطقتا العربية والتحكم بثرواتها ومصائرها ، ومع القوى الإقليمية المجاورة الطامعة في التوسع والامتداد والسيطرة على حساب مياهنا وأرضنا ، بل وكيف نواجه أزماتنا ومشاكلنا المحلية من اقتصادية وتثميرية وثقافية واجتماعية ) ، ثم يجيب بحسم : ( كلا ليست القومية العربية وقضية الوحدة العربية ماضياً انقطع بل هي الطريق إلى مستقبلنا وليكون لنا مستقبل وبالقدرة على تحديد مسارها يكون الرد على التحديات ) . ثم يحدد منطلق العمل القومي في : ( العمل من أجل تحويل النظام القطري الانفصالي والتابع إلى نظام حكم وطني ديمقراطي متحرر ، وفي العمل من أجل اتحاد القوى الشعبية الوطنية الديمقراطية في الوطن العربي ) . لقد كان جمال الأتاسي يربط  النضال القومي  بالنضال من أجل حقوق الإنسان ، فنجده يقول : ( حقوق الإنسان الأولية ، حق الحياة ، حق التفكير ، حق إبداء الرأي ، حق الاختيار وسيادة القانون تلك هي المقدمة ، مقدمة من أجل البناء الذاتي للأنسان ، ولكن ماذا بعد ؟ ،  بداية لا يمكن فصل ذلك كله عن حق الإنسان في حياة كريمة ، حقه في لقمة العيش ، حقه في العمل الذي يتلاءم مع إمكانية الفرد وطاقته ، وإلا كان ذلك كله ترفاً لا يقوى الفقراء على تحمله …) ، هكذا رحل جمال الأتاسي لكن الحلم بالتحرير والنهوض والتقدم والاستقلال والوحدة مازال مشرعاً ، ومشروعاً …

( 6 )

30  آذار “مارس” 2011 الشباب العربي من سيدي بوزيد في تونس ، إلى ميدان التحرير في القاهرة ، إلى انتفاض الشباب العربي في ليبيا ، إلى ثورة ترحيل الطاغية في  اليمن ، إلى التحفذ بين صفوف الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ، الحلم العربي يتجدد ، الطريق مازالت محفوفة بالمخاطر ، لكن مرحلة الصمت والخوف والاستلاب تمضي ، وربيع الأمة العربية يقترب ، والمسألة مسألة وقت ، والشباب العربي يرفع الصوت بالحرية ، وعلى العالم أن ينتبه لذلك ، فالعرب لم يخرجوا من التاريخ ، وإنما في طريقهم لكتابة التاريخ …

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: