الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

“الطليعة العربية” تولد من رحم … ميادين التحرير العربية

على بساط الثلاثاء

116

يكتبها : حبيب عيسى

“الطليعة العربية”

تولد من رحم …

ميادين التحرير العربية

( 1 )

لعل الواقع العربي الذي يرسم ملامحه شباب الأمة العربية هذه الأيام ، بعد أن انتفض على عباءة جيلنا ، فحققّ في ذاته عوامل الانتفاض على الطغاة ، لا يطيق التنظير ، والكلام النظري ، لأن الشباب العربي منخرط في النضال والمواجهة ، كما أن ميادين التحرير العربية مازالت ساحات مفتوحة لمعارك متنقلة يستخدم فيها الطغاة أسلحة الدمار المادي والمعنوي ، من أول الرصاص إلى آخر الفتن ، وبالتالي فإن أجندة الشباب العربي لا مكان فيها راهناً إلا لمواجهة الأحداث المستجدة التي تفرض نفسها على الأرض والمتعلقة بمواجهة آلة الدمار الشامل التي أعدها الطغاة على امتداد عقود ، إن الشباب العربي أصاب العالم بالذهول ، ذلك العالم الذي أطلق على نفسه ، أنه عالم أول ، ووصّف العرب أنهم في الدرك الأسفل من عالم ثالث ، وأنه تم تولية أمر العرب لعدد من المقاولين الذين يؤمنوّن استقرار أسواق الطاقة مقابل إطلاق أيديهم في استعباد الشعب ، وممارسة الفساد والإفساد والنهب والقمع ، أولئك المقاولين “الحكام” الذين لا يتحسسّون السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي ، إلا إذا خطر على بال أحد في العالم أن يتحدث ، ولو باستحياء عن بعض الحقوق الأساسية للإنسان ، أما أن يتخلى الحاكم نفسه عن القرار السيادي ، وأن يضع البلاد والعباد في خدمة قوى الهيمنة الخارجية ومخططاتها ، فهو موقف سيادي ، هكذا رأينا ، على سبيل المثال ، فقط ، أن حاكم مصر أنور السادات كان يفاخر أن تسع وتسعين بالمائة من الأوراق بيد دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وعندما ورّث مصر لحسني قام هذا الأخير بالتنازل عن الواحد بالمائة التي تركها له السادات لأمريكا ، لكن حسني هذا أصابته حساسية شديدة اتجاه السيادة الوطنية المنتهكة عندما انتفض الشعب على نظام حكمه ، فاعتبر سيادته أن الشعب كله أداة بيد الخارج الذي ينتهك السيادة الوطنية … هنا ، وهنا فقط ، يتذكر الحاكم حرمة السيادة الوطنية …

( 2 )

الشباب العربي اليوم يواجه الطغاة بما يشبه الإعجاز ، لا قائد فرد ، لا قيادة ثورية ، لا أحزاب ، لا منظمات ، لا جمعيات ، لا نقابات ، أجهزة الإعلام العالمية تبحث في ميادين الحرية العربية عن القيادة فيأتيها الجواب حازماً : لا قائد للشعب ، الشعب هو القائد ، الجميع قادة ، الجميع رموز ، فيكبر السؤال : ما هو هذا الأسلوب غير المسبوق الذي أبدعه الثوار ؟ ، لقد دقق الطغاة وأجهزتهم ومن يدعم سلطاتهم خارجياً في العوامل والوسائل المتفق عليها التي تمنع الثورة ، وتم تطبيقها بكل حسم ووحشية حتى لا يثور الشعب ، حيث تم القضاء على المؤسسات الحزبية الفاعلة ، وتغّولت أجهزة القمع ، فنشرت الخوف والرعب ، وكم الأفواه إلى درجة الاستلاب والاستسلام للطغاة والتنازل عن حقوق الإنسان الأساسية طوعاً ، وترك الأمر لولي الأمر في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين ، والتنفيذ والقضاء والتشريع ، فهو الأول في شتى المجالات ، هو العامل الأول والفلاح الأول والمعلم الأول والفيلسوف الأول والقاضي الأول … ثم تم نشر الفساد والإفساد والمافيات ، وتم إنتاج رموز جديدة للمجتمع ، حيث تم استبدال رموز النضال والمقاومة والاستقامة والفكر والثقافة والعلم ، برموز جديدة مصّنعة  ُأطلق عليهم لقب رجال الأعمال ، بينما ، هم ، مجرد مرتزقة لا علاقة لهم لا بالرجال ، ولا بالإعمال … هكذا اعتقد الطغاة أنهم قطعوا الطريق على أي شكل من أشكال الثورة ، وعلى سبيل التجربة أمروا بتسيّير مسيرات مليونية تهتف بمفاتنهم ، وكان لهم ذلك ، فتنفسّوا الصعداء ، واستووا على عروشهم ، وهتفوا لمواقع القرار الدولية قائلين : لقد تم إنجاز المهمة ، وحققنا الاستقرار ، لا ثورة ، ولا تمرد بعد الآن ، وبالتالي القصور الحاكمة وحدها هي صاحبة القرار الأوحد : نصون مصالحكم مقابل صيانة السلطات ، هكذا اطمأن الطغاة على سلطاتهم وتأبيد حكمهم ، وهكذا أيضاً اطمأن الخارج على استقرار مصالحه … لكن ، ومن خارج التوقعات ، ومن حيث لا يتوقعون انطلقت ثورة الياسمين من تونس ، وامتدت إلى اللوتس في مصر ، ومن ثم بدأت الأزهار العربية تتفتحّ من المحيط إلى الخليج بعد مرحلة تصحر طويلة ، إنهم الشباب العربي يواجهون الطغاة بصدور عارية ، وعقول وقادّة  ، يصرخون في وجه الطغاة : أن ،  لقد ولىّ عصركم ، وبدأ فجر عربي جديد ، هل فهمتم ؟ ، هل تفهمون ؟ ، الشعب يريد ، والشعب أراد ، والشعب يعمّد إرادته بدماء الشهداء ، لكنهم لا يفهمون ، والشعب لم ُيفاجئه غباء الطغاة ، فهم صم ، بكم ، عمي ، لصوص ، قتلة ، جبناء ، خدم صغار للأجنبي ، ديناصورات متوحشة على شعوبهم ، هذا الشعب العربي الذي كان قبل أسابيع قليلة مجالاً لتندر العالم عن استكانته وعجزه ، بات اليوم درساً يومياً في أكاديميات العالم عن ثورات بطعم جديد لم يعهده العالم من قبل … هاهي ثورة الياسمين تتجاوز حدود الوطن العربي وتلهم مليار مواطن صيني لاستئناف مسيرة الحرية تحت ذات العنوان : ثورة الياسمين ، والقادم أعظم …

( 3 )

هذا كله مفهوم ، لذلك قلنا منذ اللحظة الأولى لثورة الياسمين  أن “بساط الثلاثاء” مفروش في ميادين التحرير العربية للشباب العربي المشبعين بروح التاريخ ، وحلم الحرية والانعتاق ، وأن الكلمة لهم ، ولا صوت يعلو على أصواتهم الشجية ، وما زلنا على هذا الموقف …

لكن ، وبما أن نسمات الحرية بدأت تهب على الأمة فأن الواجب يقتضي الدعوة إلى حوار متعمق حول المستقبل العربي ، وملامحه بناء على الأسس ، والضوابط التالية :

أولاً : أن التغيير في الوطن العربي بات محسوماً ، وبالتالي فأن السؤال لم يعد : هل يحدث التغيير ؟ ، وإنما متى يحدث ؟ ، وكيف ؟ ، ومتى ؟ ، وبأي ثمن ؟ ، وبأي اتجاه ؟ ، وما هي ملامح المستقبل ؟ ، يترتب على ذلك ، إلى جانب المساهمة في تصويب الإجابات ، التدخل لمواجهة السلبيات ، وتجاوز المطبات ، وتصويب المسارات ، فقد آن لهذه الأمة أن تجتاز المحن والمآسي .

ثانياً : أن إسقاط الطاغية ، على أهميته ، هو مجرد فتح الباب أمام الشعب لتحقيق التقدم على الأصعدة كافة ، ذلك الباب الذي كان موصداً بفعل الطاغية وبطانته ، وهذا يعني أن تقييم فعل الإسقاط يتوقف على مدى الفرق الإيجابي بين ما قبل ، وما بعد ، مع مايترتب على ذلك من جهود مضاعفة مطلوبة على طريق البناء .

( 4 )

ثالثاً : أن الكثير من الأفكار والادعاءات التي رافقت انحسار المشروع النهضوي التحرري التنويري العربي المعاصر على مدى العقود الأربعة المنصرمة بدأت تتهاوى مع انطلاقة ثورة الشعب العربي في تونس وامتدادها إلى الكنانة ، فقد تبيّن أن وجود الأمة العربية ليس وهماً ، وأن العرب لم يخرجوا من التاريخ ، وأن الجماعة البشرية المنتشرة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي تشكل أمة عربية مكتملة التكوين ، تختص بوطن هو الحامل لهويتها الحضارية ، وأنه ليس مجرد شرق أوسط ، وأنها ليست مجرد قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وإثنيات متناحرة لاهوية لها ، لقد سقطت كل تلك الترهّات مع انطلاق شرارة الثورة في تونس ، واكتشف الثوار على الفور أنهم أكبر من الصراع بين الجنوب التونسي وشماله ، وأن قضيتهم أشمل من الصراع بين الساحل التونسي وداخله ، لقد اكتشفوا أنهم يوقدون شعلة الحرية في الوطن العربي موضوعياً بدون أن يرفعوا شعار الوحدة العربية ، ثم تم تظهير الصورة أكثر في ميدان التحرير في القاهرة حيث اكتشف الثوار دون عناء زيف الصراع الذي كان يصطنعه الطاغية بين عرب مصر ، مسلمين وأقباط ، وأنهم موضوعياً بقصد منهم أو بدون قصد بحجم الأمة العربية كلها ، ثم تم توضيح الصورة أكثر في ميادين الحرية في اليمن ، فقد كان الطاغية هناك يقيم نظام حكمه على إدارة الصراع داخل المجتمع ، صراع قبلي ، حوثيين ، شماليين ، جنوبيين ، شرقيين ، فجأة ، ومع ثورة تونس ومصر يكتشف المناضلون في سبيل الحرية ، وفي جميع أرجاء اليمن زيف تلك الصراعات ، فيتوحد الشعب وتختفي شعارات التقسيم ، ويتوحد الشعب حول شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” ، ويتذكر عرب اليمن أنهم أكبر من أجزاء اليمن ، بل أكبر من اليمن ، إنهم بحجم أمتهم العربية ، وهكذا في جزائر الشهداء ، وفي ميادين الحرية التي تنتشر من ميادين الآليء في المنامة إلى الميادين المذهبّة في نواكشوط ، ومن ميادين صلالة إلى ميادين جيبوتي وعمّان والدار البيضاء والبقية تأتي ، ثم لابد من الوقوف ملياً أمام مشهدين بالغي الدلالة ، المشهد الأول : كان في العراق حيث ، وعلى مدى أعوام منذ الاحتلال الأمريكي يفيق العرب وينامون على أنباء متواترة تتحدث عن الصراع “الشيعي – السني – الكردي ” ، وعن مذابح وتفجيرات متبادلة يتم تقييدها ضد مجهول ، لكن مع ثورة الشعب العربي في ميادين التحرير ينتفض الشعب في العراق من البصرة إلى السليمانية ، ومن ديالى إلى الأنبار ، ومن كربلاء إلى بغداد يردد شعاراً وحيداً : “الشعب يريد إسقاط النظام وطرد المحتلين” ، المشهد الثاني الآخر كان في بيروت حيث النظام طائفي ، والدستور طائفي ، والسلطات طائفية ، والمذابح طائفية ، ينطلق الشباب في بيروت مشبع برائحة عصر الياسمين في مظاهرة ترفع شعاراً وحيداً “الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي” … هذا هو المشهد العربي العام هذه الأيام ، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل ، صحيح أن الدماء الذكية مازالت تسيل … لكنها مسألة وقت ، فالشباب العربي أراد وقرر وأطلق النداء ، والشعب العربي أراد ويريد …

( 5 )

رابعاً : يترتبّ على ذلك أن عصراً عربياً جديداً ولد في 14 كانون الثاني – جانفي – يناير 2011 ، وقد قلنا يومها ، أن مابعده يوم عربي آخر له متطلباته ، وأولها أن يستعيد المجتمع العربي بناء مؤسساته ، وفي المقدمة منها مؤسساته السياسية الحزبية بعد أن دمّر الاستبداد المديد نسيج المجتمع ، وقمع الأحزاب واخترقها ، وباتت ذات تأثير هامشي ، ومنتهية الصلاحية في الغالب ، ولعل ميادين التحرير والحرية والشهداء هي الحاضنة لتلك الولادات على أسس عصرية ، وبقدر ما ينجح الشباب العربي في بناء تلك المؤسسات ، بقدر ما يقترب من إقامة مؤسسات ديموقراطية حقيقية فالديموقراطية ليست مجرد صناديق اقتراح ، وإنما قبل ذلك هي مؤسسات وبرامج …

خامساً : في إطار التعددية السياسية المتوقعة نتوقف عند المشروع القومي العربي التقدمي الذي ناله الكثير من التعسف والتشويه خلال العقود المنصرمة ، سواء على أيدي القوى المضادة ، أو على أيدي البعض ممن نسبوا أنفسهم له … مايعنينا الآن هو أن الظروف الموضوعية الراهنة تلقي على عاتق القوميين العرب التقدميين مراجعة عميقة للأساليب والأدوات وإبداع الأساليب والأدوات المناسبة …

لقد تعرض المشروع القومي العربي التقدمي خلال النصف قرن الأخير لتجارب مرة وطغت الممارسات الخاطئة على الأهداف النبيلة وتشرزمت القوى القومية وافترقت مما يجعل توحدها في ظل هذه الظروف مستحيلاً ، لذا نقترح ما يلي :

1 – وقف المهاترات مهما كان نوعها ، فالنضال لتحرير الوطن العربي وتوحيده ليس حكراًعلى أحد ، وليس لأحد أن يستأثر به ،  ومن حق من يشاء أن يختار الأسلوب الذي يراه مناسباً في إطار من التعددية والحوار النظيف والتحالف الممكن ، فهذا سيؤدي إلى الوحدة من خلال الممارسة الإيجابية بعد ذلك .

2 – بما أن المشكلة كامنة في جيلنا الذي تعرض لرضوض نفسية بالغة أقترح أن يبني الجيل العربي الجديد مؤسساته السياسية بعيداً عن اصطفافات جيلنا وصراعاته ، حتى لانحمّل تلك المؤسسات الوليدة وزر أخطاءنا وخطايانا . وأن ننسحب إلى مواقع المستشارين ، إذا كان هناك حاجة  .

3 –  بما أنني كنت قد اقترحت مسودة عقد لبناء “الطليعة العربية” فأنني أضعه بتصرف الشباب العربي في ميادين التحرير ، ولعل الميلاد يكون في إحداها … مؤسسة إعتبارية ذات مواصفات كاملة …

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: