الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

ثورة الأخلاق وأخلاق الثورة !! بقلم : دكتور صفوت حاتم

ثورة الأخلاق وأخلاق الثورة !!

بقلم : دكتور صفوت حاتم

التعريف  الأكاديمي  للثورة هو تقويض النظام القديم وإقامة نظام جديد مختلف … سنسمع هذا التعريف يتكرر على   ” لسان ” المخلصين لهذه الثورة  , وعلى  ” ألسنة ” سارقي الثورات .. وإذا لكان للثورة  لسان واحد .. حيث الكل في واحد والواحد في الكل .. فللإنتهازيين  ألف لسان ولسان . من يقرأون التاريخ يعرفون هذا .. ومن يقرأون تاريخ مصر بالذات يتأكدون من ذلك !!

لقد عبر عن هذه الخشية – ربما الوحيدة – الأستاذ محمد حسنين هيكل في حديثه لمنى الشاذلي في قناة دريم . لقد غير المؤيدون والمدافعون عن نظام مبارك مواقفهم تماما .. وتم قلب ” الجاكت ” على الناحية الأخرى .. فقد أدانت أبواق النظام  الثورة في بدايتها إدانة صريحة .. ثم عندما بدأت الأمور في التغير أصبح التأييد من ” طرف اللسان ” .. وعندما إنهار ” مبارك ”  أصبح التأييد ” بالفم الملآن ” ..

التملق والإنتهازية وإشهار المواقف والتشهير بأخرى هي  أكثر ما تتعرض له الثورات : السرقة والنهب وإدعاء الحكمة بأثر رجعي .. نظرة على ما قيل وكتب في الإعلام الرسمي و ” وشبه الرسمي ” تؤكد ذلك ..

أما الإعلام شبه الرسمي فهو أكبر مصيبة أبتليت بها مصر في عصر مبارك .. جيش جرار من المعارضين الذين سمحت لهم أجهزة الدولة الرسمية والأمنية  بلعب أدوار ” معارضة ”  وكانت لا تمانع في أن يأخذ هؤلاء أدوارهم في الحياة من خلال المعارضة ” الزاعقة ” عالية الصوت .. لتبدو الأمور للناس وللخارج –  خصوصا – وكأن بمصر معارضة وحرية رأي وديمقراطية  !!

وفي دهاليز السلطة والثروة كانت تنشا مصالح متعارضة وتصعد أدوار وشخصيات وتنهار أخرى .. وكان الصعود والإنهيار تحت إشراف ” أمن الدولة ” فسربت وثائق وفضائح مالية أو جنسية تبعا للمصلحة وخلال الحرب الدموية بين رجال السلطة والثروة وبعضهم البعض ..

وكان للجميع رجالهم ونساؤهم في الإعلام والفضائيات والصحف المستقلة والنقابات  وأحزاب المعارضة ..  ومن المثقفين والأدباء والفنانون .. ومن اليسار واليمين .. لقد هشم  حكم  مبارك مصر من خلال ” الفساد ” المنظم في كل مجالات الحياة .

يسارع الجميع الآن لتملق ” ثورة الشباب ” والحديث عن ثورة الإنترنت والفيس بوك .. وهو تملق مقصود ” لإفساد ” الثورة ذاتها وإفساد شباب الثورة ..

ان ثورات الشباب  كانت دوما طليعة العمل الثوري لكل الأمم .. وكان شباب مصر وشباب الجامعات وشباب الأزهر  وقود ثورة 1919 .. وكان شباب مصر هم قادة وشعلة العمل السياسي قبل ثورة يوليو 1952 .. وكان شباب مصر هم قادة الحركة الوطنية عام 1946 حينما تشكلت اللجنة العليا للطلبة والعمال .. وكان شباب مصر طليعة المحتجين بعد هزيمة يونيو 1967 .. وكان شباب مصر طليعة المحتجين على مناورات سلطة السادات قبل حرب 1973 .. وكان شباب الجامعات طليعة العمل السياسي في الشارع حين إندلعت مظاهرات الخبز في يناير 1977 ..  لم يكن هناك فيس بوك ولا إنترنت ولا يحزنون !!

كيف نفهم الثورة .. وكيف نفهم ثورة الشباب ؟

الثورة أولا هي ثورة الأخلاق والمبادئ ورفض البؤس الأخلاقي الذي كانت تعيشه – ولازالت – مصر مبارك ..

الثورة هي محاولة للتطهر من قذارة وإنحطاط الواقع .. ولآنها كذلك .. فأول من يشعلها هي الفئات التي لم تنخرط في منظومة الفساد .. والشباب الذين قاموا بالثورة حركهم دافع داخلي هو رفض الفساد في كل صوره وأشكاله ورموزه .. انه دافع الأخلاق وعالم الطهارة الأخلاقية

فشباب الثورة كانوا خارج مؤسسات المجتمع الفاسدة .. كانوا خارجها .. وكانوا ضدها بحكم تكوينهم الغض الأخلاقي  المتمسك بالقيم في عالم انهارت فيه كل القيم .. وبين طهارة الشباب وجرأتهم .. وبين حذر الأباء والأمهات ومواءمتهم مع مؤسسات الفساد .. هناك مسافة كبيرة .

فالثورة تنتمي لعالم المثل والقيم ورفض الواقع المنحط  .. وواقع الأباء والأمهات ينتمي لعالم الموازنات وتصريف الأمور والتعقل الشكلي .. عالم ” خلينا نأكل عيشا ” .. أما الشباب فليس لديه ما يخسره سوى الأخلاق والمثل العليا واليوتوبيا .. كلنا مررنا بهذه المرحلة عندما كنا شبابا .. ثم عشنا المرحلة الثانية حين تحولنا لأباء وأمهات .. بين جرأة الشباب وحذر الموظف  مساحة كبيرة من الرفض والقبول والتمنع والإنكسار .. وهناك الخوف .. وهو أكبر عدو للثورة وللتطور ..

لقد أفسد نظام مبارك كل شيئ في الحياة على أرض مصر .. مؤسساتها وبشرها وأرضها وهواءها ..

لم يكن عجيبا أن تكون أول رسالة تليفونية تصلني   بعد دقائق من إنهيار الطاغية هي : من النهاردة دي بلدك .. انت ماترميش زبالة .. ما تكسرش إشارة .. ماتدفعش رشوة … إلى آخره

ثم بدأت تصلني نفس الرسالة من اشخاص أعرفهم ولا أعرفهم ..

انها ثورة الأخلاق إذن !!

انها العودة لعالم المثل والأخلاق .. أنها اليوتيوبيا ..

حتى الذين ينتفضون من أجل أهداف فئوية ومهنية .. هم يريدون العودة لقيم العدل والمساواة .. انها ليست مجرد مطالب فئوية للأكل والشرب وفقط .. انها ثورة الكرامة الإنسانية على الظلم والإستعباد والإرتهان لمؤسسات الفساد ..

أكتب ذلك وأنا أعلم أن معظم الثورات يتم سرقتها من أصحابها .. فقادة ثورة الشباب في فرنسا عام 1968  تحولوا بعد ذلك الى قادة أحزاب سياسية ضالعة في الفساد وبعضهم صار من أهم الشخصيات الأمنية بعد ذلك .. وهو ماحدث في مصر أيضا .. فعدد لا يستهان من قادة مؤسسات الفساد كان ضمن صفوف الثوار عام 1968 .. وبعضهم يفاخر بهذا للتدليل على ماضيه الثوري !!

ان كل نظام جديد يصنع مريديه ورجاله .. وقد يتخلص من بعض رموز القديم المفضوح .. ولكنه لا يمانع من إستخدام بعض رموز القديم ” الموالسة ” ..

وإذا كان الإنترنت قد أفاد الشباب الثائر .. فالإنترنت نفسه هو ذاكرة الثورة الآن .. كل من قال كلمة أو حرفا لصالح نظام الفساد القديم , صار مسجلا بالصوت والصورة …

هذا هو المتغير الجديد للثورة ..

وبعد نكسة يونيو عام 1967 أطلق الشاعر العظيم ” نزار قباني ” قصيدته المشهورة ” هوامش على دفتر النكسة ” فقال :

يا أيها الأطفال .. من المحيط إلى الخليج .. أنتم سنابل الآمال .. وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال .. ويقتل الأفيون في رؤوسنا ويقتل الخيال .. يا أيها الأطفال أنتم بعد طيبون .. وطاهرون كالثلج والندى طاهرون .. لا تقرأوا عن جيلنا المهزوم  فنحن خائبون .. ونحن مثل قشرة البطيخ تافهون .. ونحن منخورون .. منخورون كالنعال .. لا تقرأوا أخبارنا .. لا تقتفوا آثارنا .. لا تقبلوا أفكارنا .. فنحن جيل القيئ والزهري والسعال .. ونحن جيل الدجل والرقص على الحبال ..

يا أيها الأطفال : يا مطر الربيع .. يا سنابل الآمال : أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة .. وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة … “

رحم الله شاعر الحب والثورة   نزار قباني .. والمجد لكل  شهداء الثورة العربية .. الذين إستشهدوا .. والذين على طريق الشهادة  يسيرون..  !!

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: