الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

الشباب العربي بين الناصريات المستحيلة وناصرية المستقبل العربي

مر من الزمن ما يقارب الأربعين سنة منذ بداية اختراق الردة لمسار الحياة في الوطن العربي . وقد تهاوت كل الخيارات والمحاذير التي ثبتتها حركة جماهيرية التحمت فيها الجماهير العربية بالقيادة القومية المتمثلة في الرئيس جمال عبد الناصر.
مر من الزمان ما يكفي لكي ننتبه الى أنه رغم المد الجارف للناصرية من المحيط الى الخليج في زمن عبد الناصر فان هذا المد لم يتمكن من التصدي للردة التي قام بها السادات وكمشة من الذين تموقعوا في موقع النقيض للناصرية.
مر من الزمان ما يكفي لكي ننتبه الى أن تجدد الناصريين واجتهادهم في ابتكار وبناء الاساليب اللازمة للتصدي لهذه الردة التي تسللت الى أدق تفاصيل حياة المواطن العربي. كل ذلك لم يتمكن من التصدي للتسارع الكارثي لنسق التدمير الذي يجتاح الامة العربية.
مر من الزمن ما يكفي لكي ينشأ جيل جديد التحم بالناصرية كمجموعة من الثوابت وأيضا كعواطف وأحاسيس . جيل لم يجمعه بعبد الناصر زمان واحد ولا مكان واحد ولا حتى النضال كوحدة غير منظمة في معارك واحدة مثلما كان الشأن بالنسبة للجماهير العربية أثناء التحامها بقائدها نضالا وتماهيا حتى بدون التحام تنظيمي واحد. جيل جمعه بعبد الناصر كل اللاءات التي ثبتها في الوجدان العربي رفضا للتجزئة والتخلف والاستعمار.
وكان كل هذا الرفض ولا يزال يمثل الارض الواحدة التي يقف عليها الناصريون ليتميزوا بذلك تيارا مناضلا يمتد على الوطن العربي.
وكما أن هذه الارض الواحدة هي التي جمعت رفاق الدرب الواحد فانها هي نفسها كانت ولا تزال ساحة الاختلاف وأحيانا الصراع بينهم.
ولم تكف المعارك من خلال النكسات أو ضعف مستوى المكاسب عن التنبيه الى ضرورة استكشاف الخلل الذي يحول دون هذا التيار الناصري بكل زخمه وكوادره ومناضليه ودون حتى المحافضة على مستوى آداء انجاز يحققه الناصريون في الواقع.
لا تزال المعارك على نفس النهج الاصيل في التنبيه ودق أجراس الخطر ولا نزال على نفس النهج السلبي في تجاهل الانذار المتكرر.
أول ما وجب الانتباه البه هو أن هناك أفكارا ومواقف من الواقع تدعي أنها هي ذاتها الناصرية التي ستتصدى لمعركة الامة العربية رغم أنها لا تتعدى أن تكون “ناصريات مستحيلة”.
انها هي ذاتها المواقف التي تقدم ذاتها كمشاريع الثورة العربية على أساس شرعيات الماضي وشرعيات الشعار.
تقدم الكثير ممن جمعتهم بعبد الناصر صلة من بعبد أو من قريب بمواقف وأفكار تدعي أنها هي الناصرية لمجرد أن من أعلنها كان له علاقة بعبد الناصر فكان ناصريا عندما كانت الناصرية هي انسجام مع مسار يقوده جمال عبد الناصر.
وتقدم العديد بأفكار ومواقف سميت ناصرية على أساس أن من قدمها هو من الذين تصدوا للردة وانقلاب السادات على مسار ثورة يوليو
وليس يخفى عن الكثير أن أغلب ما وقع تقديمه الى الشباب العربي كناصرية على هذا الاساس لم يتمكن حتى من الحفاظ على وحدة وأداء حتى الذين حملوه في فكرهم وقلوبهم.
وليس يخفى عن الكثير أن هذه الناصريات لم تستطع أن تحدث صياغة لمشروع يغير مسار الحياة العربية ولو في جزء منها.
ولم يخفى عنا أن السبب هو أنها كلها ناصريات مستحيلة.
لماذا؟
لان الناصرية تحولت منذ وفاة جمال عبد الناصر من تموقع داخل تيار فكري وسياسي يقوده عبد الناصر (بكل ما في ذلك من استجابة للأفكار التي يؤسسها القائد وللمهام التي يعلنها فتتحمل الجماهير المناضلة طوعا وبدون ضرورة الانتساب الى تنظيم يقوده القائد جمال عبد الناصر. ) الى مشروع لمستقبل الامة العربية تلتزم بتجسيد مضامينه كل الجماهير المناضلة على امتداد الوطن العربي.
هذا هو مقياس التقدمية الذي يميز بين الفكر والموقف الذي ينحصر في بوتقة الماضي مضامينا ومشروعية وبين الموقف العقائدي الذي يؤسس لمشروع مستقبلي يفكك ويلغي كل القيود المفروضة على تطور المجتمع ليغير ايجابيا مسار التاريخ,
وعلىهذا المقياس نعتبر أن كل “ناصرية” تتأسس على جمود يؤسس نفسه من خلال “شرعية ذاتية” شخوص أو رموز أو أي كان من الافراد الذين كانت لهم علاقة بالقائد الراحل أو تتأسس على “شرعية تاريخية” لعمل انطلق ولاءا لشخص عبد الناصر فبقي تمجيدا له. كلها نعتبرها “ناصريات مستحيلة”.
مستحيلة بمعنى أنها لا يمكن أن تكون مرتكزا لمشروع مستقبل الامة العربية مهما كانت القيمية التاريخية للرموز الذين يعلنونها ويدافعون عنها. ومهما كانت القيمة التاريخية للعمل الذي انطلق في يوم ما كتجسيد لولاء لشخص عبد الناصر فتحول بعده الى تمجيد له.
مستحيلة لأنها لا تنسجم مع البعد الرابع كعنصر من عناصر الواقع الاجتماعي فتتجاهله فيتجاهلها فتتآكل.
وعلى هذا يمكن للشباب الناصري أن يسقط من حساباته كل المزارات التاريخية التي لا تزال تتحكم في حراكه وتطوره فتضعفه وتشل حركته أحيانا.
وعلى هذا يجب أن يسترد الشباب الناصري ثقته في ما وهبه الله من طاقة وقدرة على الابداع فيتجاوز كل رموز وطقوس الجمود التي تآكلت حتى افتقدت التوازن فسقطت في قاع الردة بأسماء مختلفة وبشعارات تقدمية ناصرية لا تخدعنا.
ولعل ما تقدم من الناصريات المستحيلة هو أقل الادعاءات الناصرية خطرا على الشباب العربي.
وان أكثرها خطورة وفتكا بمسار الشباب العربي هي “الناصرية الاقليمية”.
انها الاكثر فتكا لأنها التجسيد المقنع للاختراق الاقليمي للعقل العربي الى درجة تأسيس شرعية للفكر والعمل الاقليمي في العقل الناصري ذاته. وبذلك تتسلل الردة الى الامل الوحيد في التصدي لها أي الى القوة المؤهلة لضرب الاقليمية والتخلف استكمالا لمسار تصاعدي أسسه جمال عبد الناصر.
ومن مظاهر هذه الناصرية المستحيلة أن يتجاهل الشباب الناصري ضرورة بناء الحركة العربية الواحدة متجاهلين بذلك أن مؤسسة الدولة الاقليمية تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر كانت رغم كفاءتها عاجزة عن انجاز الثورة العربية بما في ذلك من تحطيم لكل قيود التجزئة مما جعل جمال عبد الناصر يعلن عن ضرورة بناء تنظيم جماهيري قومي يقود الجماهير المناضلة على طريق الثورة العربية الشاملة.
انها ناصرية مستحيلة لأنها تتجاهل الواقع الذي تتصدى له عبر تجاهلها أننا أمة واحدة ذات مشاكل مترابطة عضويا على امتداد الوطن العربي. وهذا يفرض التصدي لهذه المشاكل بمشروع قومي وليس بمشاريع اقليمية وبأداة قومية وليس بأدوات اقليمية حتى ولو لزم علينا استثمار كل الادوات المتاحة تلازما مع مسار بناء الحركة العربية الواحدة.
انها ناصرية مستحيلة لأنها تستعمل كل الادوات المتاحة أحزابا ومنظمات برؤية وبغايات اقليمية محدودة بحدود الدولة الاقليمية.
انها مستحيلة لانها تتجاهل درجة النظج القومي العربي التي وصل اليها مسار الفكر والعمل في أواخر حياة جمال عبد الناصر. فترتد الى مستوى اقليمي ضيق تجاوزه عبد الناصر نفسه رغم كل ما أتيح له من امكانيات الدولة الاقليمية.
لم نتطرق في حديثنا الى أشخاص ودعوات وأفكار بعينها بل حاولنا التطرق الى ما هو أهم من ذلك وهو المقاييس التي يرتكز عليها الفرز الذي يتعهده الشباب الناصري ليعلم الحي من الميت وهو يتطلع الى معركة الحياة.

جمال بدر الدولة

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: