الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

بقلم : د. عصمت سيف الدولة الصهيونية في العقل العربي

مقدمة
كانت احدى المجلات العربية تتضمن في- كل عدد شهري مقالا بعنوان ” على السفود “، وبتوقيع “ابو ذر” وكان صاحب التوقيع المستعار لا يكف، في أي مقال، عن الحديث الى الشباب العربي عن مخاطر جسيمة كان يتوقعها. كان يحذر وينذر تكاد كلماته أن تشعل النار في صفحات المجلة. كان ذلك في عام 1974- 1975. تلك الفترة الزمنية التي قيل ان منظمة تحرير فلسطين . والدول العربية قد حققت فيها أروع انتصاراتها على المستوى الدبلوماسي . عام اتفاق رؤساء الدول العربية على ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني . عام تعهد الرؤساء العرب ، وقبول منظمة التحرير، أن يكون القول في شأن فلسطين من شأن منظمة التحرير الفلسطينية. عام حضور قيادة الثورة جلسة هيئة الامم والخطاب التاريخي لابي عمار.. عام الاعتراف المتزا يد من قبل الدول والمؤسسات الدولية بالشعب الفلسطيني ومنظمته القائدة . عام قلنا فيه اننا قد” صدرنا الهزيمة والتمزق الى اسرائيل ” …
ولقد كانت كل تلك مكاسب حقيقية. اعني انني كنت أراها كذلك . وبالتالي كنت أرى انه ليس رفضها من الحكمة في شيء ، أو من الثورية في شيء . ولكن الجزع والفزع من المستقبل كان يتراكم في نفسي مع كل مكسب جديد . ذلك لانني كنت أرى معالم ” الرشوة ” في كل ما قدمه العالم لنا على المستوى الدبلوماسي . كان عربونا لثمن أرض فلسطين ذاتها وكانت المشكلة الاساسية، في تصوري؟ هي كيف نقبض العربون ولا نبيع فلسطين . فبدأت، في ذلك العام نفسه، وعلى مداه، أكتب أسبوعيا ما يمكن أن يكون رسائل موجهة الى الشعب العربي عامة، والى المناضلين من الشعب العربي الفلسطيني خاصة، تحت عنوان موحد هو : ” التقدم على الطريق المسدود “، غيّرت جريدة ” السفير ” البيروتية عناوين الرسائل ، ولكني كنت اكتب اليها تحت هذا العنوان معبرا، أو محاولا التعبير عن المأزق : انهم يفتحون للثورة سبلاً تتقدم عليها أو أنهم يتركونها تتقدم بدون مقاومة على الصعيد الدبلوماسي والدولي . وعليها أن تتقدم بصرف النظر عن نوايا أعدائها أو اصدقائها. ولكنهم يعدون لها على سبيلها سدا يقطع مسيرتها، فعلى الثورة ، وعلى الشعب العربي المساند لها، أن يعد نفسه وقواه لمرحلة الارتطام بالسد أو تجاوزه.. وقلت بصريح العبارة، ان السد الذي ستكتشف الثورة أنه يقف على طريقها. ويقطع مسيرتها سيكون مبنيا من أرادات كل الدول التي تتعاطف معها في ذلك الوقت، أو ترشوها، وعلى رأسها الدول العربية. عام كامل نحذر وننذر بكلمات تكاد أن تشعل النار في صفحات الجريدة .
وفي اواخر عام 1975، حين فطن الراشون إلى أن الثورة الفلسطينية تأخذ ولاترتشي، أو هكذا كان موقفها المعلن، بدأت محاولة ارغامها على اتمام الصفقة بقوة السلاح في لبنان . وفي أواخر عام 1975 أيضا وقعت اتفاقية سيناء الثانية، وكان ما كان من تلك المرحلة التي أسميها مرحلة ” تل الزعتر”. وان كانت المذبحة خاتمة لها…
في ذلك الوقت غرق ابو ذر في ظلمات اليأس، وودع قراءه ، في عدد مجلة الشورى الذي صدر أوائل اكتوبر 1975، تحت عنوان ” مأساة ابو ذر “.. قال :
” يؤمن أبو ذر أيمانا مطلقا بأن الاكتفاء بالحديث عن الحرية والوحدة والا شتراكية والثورة العربية وفلسطين المغتصبة … الخ، قد اصبح عارا وضرارأ، وبأن قد سقطت قيمة الكلمات اذ انتهكت مضامينها، وا هترأت الفاظها، فالحرية عبودية ، والوحدة انفصال ، والاشتراكية استغلال ، والثورة العربية استرخاء على صفحات المجلات في حفل المبارزات الكلامية… وفلسطين المغتصبة قد حملت سفاحا. ووضعت خيانة… هكذا يؤمن أبو ذر. ولكنه- وهذا جوهر مأساته- عاجز عن تجسيد هذا الايمان الا بالكلمات المرصوصة على الورق يبذل فيها جهدأ ضائعا. ويتقزز ابو ذر من الشعور الزائف بالرضى عن النفس الذي يتلو رص الكلمات . ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يدين الكلمات الكبيرة الا بكلمات اكبر. لا يستطيع أن يحارب العار الا اذا شارك فيه. لا يستطيع أن يلتزم افكاره الا اذا القاها. من يعرف منكم عذابا اكثر هولاً من هذا العذاب فليقل عسى أن يكون فيما يقول عزاء.. أما الذين لا يعرفون فليصلوا من أجل أبي ذر عسى أن يمنحه الله بعض شجاعة الغفاري فيصمت أو يعتزل.. ”
قال هذا ثم كف عن الكتابة. وما ان كف حتى كففت عن الرسائل انشئها تحت عنوان : ” التقدم على الطربق المسدود ” . لماذا ؟ لنفس الاسباب التي شكلت مأساة ابي ذر. ذلك لأن ابا ذر، وأنا لم نكن إلا شخصاً واحداً ، احس بالخطر القادم فحذر فانذر فلما بلغت الامور حدا لا تجدي معه الكلمات صمت واعتزل حفاظا على بقية من شرف الصدق مع النفس .
من قاع الصمت تلقيت الدعوة الى الحديث اليكم . وقيل لي. تحدث عن ” الصهيونية والفكر العربي”. أعودة مرة أخرى الى الكلمات الكبيرة الرنانة الطنانة المحذرة التي استهلكنا فيها طاقتنا حتى كادت تحل بنا الهزيمة النهائية. كلا. فوق طاقتي أن اعتذر عن دعوة الحديث الى شباب هذه الامة، ولكن فوق طاقتي أيضا ان اعود فأستهلك معاني استهلكت فعلا. فما الذي سأتحدث فيه تحت عنوان ” الصهيونية والفكر العربي ” ؟..
سأحدثكم حديثا تقريريا. لن أحذر من شيء. لن اعود الى شيء. فكفى جيلنا عارا دعوة الشباب الى ما لا يستطيع هوأن يوفي بمسؤولياته، وما استطاع أن يوفي قط بذات دعوته ودعاويه. ولكني سأحدثكم حديثا غايته أن تكونوا على يقين من أن الصهيونية توشك ان تنتصر انتصارها النهائي، اعني ان امتنا العربية توشك أن تنهزم هزيمة نهائية ، أعني ان فلسطين توشك أن تضيع نهائيا… على ايدي جيلنا الغبي التعس ، وان مصير الامر كله، أمر الصهيونية، وأمر الامة العربية، وأمر فلسطين.. قد اصبح متوقفا على شباب هذه الامة من الجيل الجديد؟ عليكم انتم… وان عليكم أن تقرروا ما تريدون وتحققوه ان اردتم، وعسى ان لا تستهلكوا قواكم في الكلمات الكبيرة التي استهلكنا فيها قوانا… فان لم تفعلوا، فلا حول ولا قوة الا بالله .
فلنبدأ الحديث بعد مقدمته الحزينة.
ما الصهيونية :
في البدء كانت الصهيونية نظرية ، اصبحت استراتيجية بالعناصر الثلاثة لكل استراتيجية : التنظيم- الخطة- الهدف. ثم اصبحت الصهيونية مواقف وحركة ومعارك تكتيكية. ولا يعني – قولنا ان الصهيونية كانت ثم اصبحت انها قد انتقلت من مرحلة انقضت الى مرحلة جديدة ، بل يعني انها قد نمت واضيف الى مضمونها الفكري مضمون استراتيجي ثم مضامين تكتيكية. فهي نظرية على المستوى الفكري . وهي تنظيم ذو خطط وأهداف محددة على المستوى الاستراتيجي وهي حركة جزئية أو مرحلية، فكرية أو عملية، فردية أو جماعية. على المستوى التكتيكي، وكلها صهيونية.
ويكون من المفيد لنا ، نحن العرب حين نتحدث عن الصهيونية أو نستمع الى حديث عنها ، حين نواجهنا أو تواجهنا. أن نعرف ونحدد المستوى الصهيوني الذي يدور عليه الحديث أو تجري عليه المواجهة. قلت مفيدا، واقول انه حيوي . اعني ان هذه المعرفة بمستويات الصهيونية، والاستفادة بها مسألة حياة أو موت بالنسبة الينا نحن العرب. بحيث ان أي خلط أو خطأ ، أي جهل أو تجاهل، لمستويات الصهيونية قد يؤدي- في صراعنا معها- الى هزيمتنا هزيمة لا نعرف كيف وقعت. وافدح الهزائم واكثرها تدميرا هى التي لا يعرف المهزوم فيها كيف وقعت .
ترجع هذه الحيوية الى سببين متكاملين :
السبب الاول: ان مستويات الصهيونية ، مثل مستويات أية حركة سياسية أخرى ، يحكم بعضها بعضا ويحدده. فالنظرية هي المبدأ والمقياس الثابت . فهي تحكم الاستراتيجية وتحددها.. بمعنى ان الاستراتيجية، مهما تعدلت خططها . أو حتى تغيرت، لا تستطيع أن تفلت ” من اطار النظرية، وستبقى غايتها دائما تحقيق الهدف الذي حددته تلك النظرية. ثم ان الموا قف الفكرية او الحركية، الجزئية أو المرحلية، الفردية أو الجماعية. السلمية أو العنيفة، التي تقع على مستوى التكتيك تكون- محكومة بالاستراتيجية طبقا لهذا يكون من الحيوي بالنسبة إلينا ، حين نتحدث عن الصهيونية أو حين نواجهها أن نميز بين تلك المستويات الثلاثة، ثم نتعرف أين يقع الحديث أو المواجهة منها، ثم أن نكتشف، بالرغم من كل تمويه، حقيقة الموقف التكتيكي برده إلى الخطة الاستراتيجية لنعرف على أي وجه يخدمها . ثم نراقب الاستراتيجبة وننتبه الى ما قد يصيبها من تغيرات لا بد لها من أن تكون اكثر ملاءمة، عند اصحابها، لتحقيق الهدف. فاذا غم علينا الامر رددناه الى النظرية.. اذ هي المصدر الاول لكل حركة والمقياس الاخير لكل موقف.
السبب الثاني : ان مستويات الصهيونية، مثل مستويات أية حركة سياسية أخرى ، تتراكم وتتراكم متجهة من الفكر المجرد الى الواقع العيني . من النظرية الى الاستراتيجية الى التكتيك حيث تدور المعارك الفعلية متنوعة المضمون متنوعة القوى متنوعة الاسلحة. ولكن خط الانتصار، أو الهزيمة يتجه- بالعكس- من الواقع العيني الى الفكر المجرد. يتم النصر أو الهزيمة على المستوى التكتيكي، وبتراكمه تهزم الاستراتيجية أو تنتصر، ولكن النصر النهائي، أو الهزيمة، لا تتم الا بهزيمة النظرية ذاتها، أي حين لا تجد أحدا يقتنع بها وينطلق منها الى استراتيجية جديدة، أو بانتصار النظرية ذاتها حين يتمكن الطرف المنتصر تكتيكيا واستراتيجيا من صياغة الواقع طبقا لنظريته. وبناء على هذا يكون من الاخطاء القاتلة لاي طرف أن يحسب النصر التكتيكي نصرأ استراتيجيا أو يحسب النصر الاستراتيجي حسما نهائيا للصراع وبالعكس ان يعتبر الهزيمة التكتيكية هزيمة استراتيجية أو يعتبر الهزيمة الاستراتيجية حسما نهائيا للصراع .
في عام 1967 أدرك جمال عبد الناصر مستوى الهزيمة بالرغم من جسامتها، وقدم مثالا رائعا للقائد الذي يعرف طبيعة المعارك التي يخوضها، فبعد. شهرين فقط من الهزيمة الجسيمة رفع شعار”ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ” وشعار ” لا مفاوضة ، لا صلح ، لا اعتراف ” . وفي العام ذاته سئل وزير خارجية الصهاينة، ابا ايبان ، عما كانت الصهيونية ستفعل لو نجح العرب في تدمير اسرائيل فقال : كنا سنبدأ من جديد لاقامة دولة اسرائيل . وكان كلاهما يعبران عن السمة التكتيكية للنصر الصهيوني و الهزيمة العربية عام 1967.
الصهيونية نظرية :
الصهيونية نظرية في القومية. تقول : ان اليهود أمة. ولا بد أن ننتبه الى هذا المفهوم الصهيوني للامة والقوية، أولاً : لان معرفته معرفة واضحة هي الضابط النهائي للمواقف الصحيحة من الصراع العربي الصهيوني . وثانيا لأن مشكلة الامة والقومية مشكلة قائمة في الوطن العربي على المستويين الفكري والحركي . أي اننا – على وجه – نستعمل في حديثنا عن الامة العربية ومستقبلها ذات الالفاظ التي يستعملها الصهاينة عن الامة اليهودية ومستقبلها. وقد يؤدي هذا الى أن تختلط في اذهاننا المفاهيم فنتصور أن لنا ولهم نظرية واحدة في الامة والقومية .
اليهود ية دين كما نعلم . واليهود هم من يؤمنون بذلك الدين . ولما كان الايمان بالدين، أي دين، لايتوقف على الجنس أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي ، فهو انتماء مفتوح لكل من يؤمن، فاننا نستطيع ان نتبين بسهولة أن اليهود، لمجرد انهم يهود، لا يكونون أمة. والـوا قع انه لا توجد في التراث العالمي كله، على كثرة ما فيه من نظريات في الامة والقومية، نظرية تقول أن اليهود أمة الا النظرية الصهيونية . فالامة في الصهيونية لا تحتاج في تكوينها التاريخي الى وحدة الدم أو الجنس أو اللغة أو الارض أو الحياة الا قتصادية.. بل يكفي لتكوين الامة الانتماء الديني وما يولده من قرابة روحية تميز بين اليهود وبين غيرهم من الأمم .
وتختلف هذه النظرية اختلافا أساسيا عن مفهوم الامة والقومية في الفكر العربي الحديث. حيث الامة ” مجتمع ذو حضارة متميزة من شعب معين مستقر على أرض معينة خاصة ومشتركة تكون نتيجة تطور تاريخي مشترك “. ويدخل في هذا التعريف كل ما تعلمناه من مميزات الامة كاللغة أو الثقافة أو الدين- فتلك عناصر التكوين الحضاري وهي تختلف من أمة الى أمة تبعا لظروف التطور التاريخي الذي كوّنها. أما عن المصالح الاقتصادية المشتركة فهي متوافرة في كل مجتمع حتى لو لم يكن أمة. وأما الحالة النفسية المشتركة والولاء المشترك… الخ . فتلك معبرات في الافراد عن وعيهم الانتماء الى أمة قائمة، ولكن الوجود القومي، الامة، لا يتوقف عليها على أي حال فان الفارق الاساسي بين النظرية الصهيونية والنظرية العربية في الامة هو الاختصاص بالارض والتفاعل معها حضاريا.
الصهيونية استراتيجية:
للاستراتيجية عناصر ثلاثة : الاداة – الخطة- الهدف .
(1) أما الاداة الصهيونية، فهي المنظمة الصهيونية، وليس مؤسستها السياسية المسماة اسرائيل كما قد يتبادر الى الذهن . الصهيونية منظمة هي التي جمعت الصهاينة وحشدت جهودهم من أجل هدفها. وهي التي بدأت بالغزو السلمي قبل 1948 لارض فلسطين في شكل الهجرة وشراء الاراضي، وهي التي عبأت ودربت وسلحت قواها استعدادا للغزو المسلح . وهي التي غزت ثم اقامت دولة اسرائيل على قطعة محدودة من الارض العربية. وهي التي تقف وراء اسرائيل وتستخدمها كقاعدة انطلاق الى دولة اسرائيل الكبرى التي تمثل هدفها النهائي . ومن هنا ندرك ، أو ينبغي أن ندرك، ان القول الفصل في مصير الصراع العربي الصهيوني ليس ما تقوله أو تفعله أو تقبله اسرائيل القائمة، بل ما تقوله أو تفعله أو تقبله الصهيونية المنظمة على المستوى العالمي. والواقع ان اسرائيل ليست الا المشروع المصغر للهدف الصهيوني . وهي لا تمثل، من بين ادوات الغزو الصهيوني، اخطرها وا قواها تأثيرا، فيجاورها، ووراءها، واقوى منها أثرا تلك القوى العالمية التي عبأتها الصهيونية المنظمة من دول وجماعات وأفراد وأفكار وأموال واعلام لتدعم قوة اسرائيل، ثم تمد لها الارض العربية حتى تتقدم عليها بأقل خسائر ممكنة.. وقد تجنح حكومة في اسرائيل الى السلام، وقد تقبل التخلي عن التوسع، ولكن هذا لن يكون، عند المنظمة الصهيونية، الا استسلاما أو خيانة من حكام الدولة القاعدة ، ولن تلبث الصهيونية أن تغير من تشكيل الحكم في دولتها الصغرى لتستأنف مسيرتها الى دولتها الكبرى .
(2) أما الخطة الاستراتيجية الصهيونية فتتميز أساسا بأنها عدوانية. ذلك لانها، بحكم الفارق بين منشأ القوة وهدفها، لا بد لها من أن تكون هجومية. قد تقف اسرائيل موقفا دفاعيا. وقد تتقهقر ولكن هذا لن يكون الا موقفا تكتيكيا في معركة تكتيكية في نطاق استراتيجية هجومية عدوانية اصلا. وهو ما يعني تماما انه بعد أي توقف أو تقهقر لا يملك الصهاينة، وأداتهم اسرائيل ، الا أن يعودوا الى الهجوم الى أن يتحقق هدفهم الاستراتيجي أو الى ان تهزم الصهيونية نهائيا . فهي اذن استراتيجية هجومية عدوانية . هجومية منسوبة الى الصهاينة. عدوانية منسوبة الينا نحن العرب .
(3) أما الهدف، فقد حددته النظرية على وجه لا يستطيع أي صهيوني أن يحيد عنه أو يتوقف دونه ويبقى صهيونيا. وتمكن صياغته على الوجه الاتي : ما دام اليهود أمة فان من حقهم ان يفعلوا ما تفعل كل الامم، وأن يعاملوا كما تعامل الامم . ومن حق الامم أن تقرر مصيرها بنفسها مستقلة عن أية أمم أو شعوب أخرى . وهو ما يعني أن تكون لها دولتها القومية. والدولة لا تقوم الا من شعب معين على أرض معينة. أما الشعب المعين فهو كل اليهود أيان كانوا من اطراف الارض . عليهم أن يجتمعوا على أرض دولتهم . أما عن الارض المعينة، فهم يقرأون في كتاب يسمونه التوراة، وهو كتاب ظهر لاول مرة في عهد الملك يوشا بعد” وفاة موسى بن عمران بسبعة قرون كاملة (سفر الملوك الثاني- ا صحاح 22) . يقرأون ” لنسلك أعطى هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات ” (سفر التكوين اصحاح 15 آية 18)0 الا انها ارضهم تاريخيا؟.. لا. يقرأون وعد، ” يهوه ” لاسرائيل بان سيقوده : ” الى مدن عظيمة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وآبار محفورة لم تحفرها، وكروم زيتون لم تغرسها ” (سفر التثنية- اصحاح 6- آية 11). وماذا عن سكانها واصحابها؟.. يقرأون : ” اني ادفع الى ايديكم سكان الارض فتطردهم من امامك ” ( سفر الخروج- اصحاح 23 آية 22 ) .
وهكذا نعرف ما يعرفه الصهيونيون، وهو أن هدفهم الاستراتيجي الاستيلاء على أرض عربية تمتد من نهر النيل الى نهر الفرات، واخلاؤها من سكانها ليقيم فيها يهود العالم كله دولتهم القومية .
الصهيونية تكتيكا:
لا يمكن حصر المواقف والاساليب والمراحل التكتيكية التي تترجم الخطط الاستراتيجية. ذلك لانه على المستوى التكتيكي تدور المعارك الفعلية ويلتحم المتصارعون وتتعدد الاطراف المشتركة بحيث لا يستطيع أي طرف أن ينفرد باتخاذ موقف تكتيكي غير متأثر بالموقف المضاد، ولا أن يستعمل سلاحا بعيدا عن قياس مضائه على مضاء الاسلحة التي يواجهها. باختصار يمثل المستوى التكتيكي الميدان المرن للمناورة وفيه تتجلى كفاءة المقاتلين ، لا في القتال فقط ، ولكن في المقدرة على مواجهة المواقف الطارئة : والملاءمة بين حركاتهم وحركات القوى المضادة.. وتتوقف المقدرة الى حد كبير على الادراك الثابت للتناقض بين الخطط الاستراتيجية للمتصارعين حتى يستطيع كل مقاتل أو مشترك . في الصراع أن يطور من اساليبه التكتيكية بأقصى قدر من المرونة، ولكن بحيث لا تنتقل اساليبه من مجال خدمة استراتيجيته الى مجال خدمة استراتيجية العدو . فيكون قد هزم نفسه.
ومع ذلك فلا بأس من أن نقول ان حكماء صهيون قد اطلقوا حركة الصهيونية من أية قيود انسانية أو خلقية من اول القتل الى الكذب وقالوا يوصون أبناء صهيون : ” اضربوهم وهم يضحكون، اسروقهم وهم لاهون ، قيدوا أرجلهم وأنتم راكبون ، ادخلوا بيوتهم واهدموها ، تسللوا إلى قلوبهم ومزقوها ” .
الهزيمة والاستسلام :
طبقا للمقاييس التي ذكرناها تحقق الصهيونية هدفها باحدى طريقين : هزيمة العرب أو استسلامهم. اما بالاستيلاء على الارض العربية عنوة وإخلائها من البشر واقامة دولة اسرائيل عليها، واما تخلي العرب عن الأرض وتركها لهم خالية ليقيموا عليها دولتهم . ولا نقصد من قولنا خالية الا يوجد فيها عربي على الاطلاق ولكن نقصد ألا يقيم فيها إلا العربي الذي تقبل اسرائيل إقامته . ذلك لأنه لا يخفى أن دولة اسرائيل ستكون في حاجة إلى بشر من الدرجة الثالثة يعفون ابناءها من عبء العمل المرهق أو العمل القذر وكمذيعين على موجات البث باللغة العربية وجواسيس أيضا .
المهم انه نتيجة الخلط المضطرب في المفاهيم والمواقف في المرحلة الحالية أصبح من اللازم التفرقة بين الهزيمة والاستسلام .
ان الهزيمة هي التخلي عنوة عن هدف تكتيكي أو استراتيجي. أما الاستسلام فهو قبول التخلي عن هدف تكتيكي أو استراتيجي بدون صراع . وقد يبدو الفارق بينهما دقيقا على المستوى التكتيكي . اذ قد يتم الانسحاب بدون قتال من موقع تكتيكي نتيجة لتقدير القيادة لموازين القوى ، وتجنب خسائر محققة. هذا ليس استسلاما ولكنه مناورة، واحدة من فنون الصراع التي يجيدها الراسخون في علم الصراع وفنونه. وقد تكون مناورة الانسحاب، والتخلي عن الارض، بل حرقها وتدميرها، ابرع تكتيك يخدم الهدف الاستراتيجي . كما فعل الروس مرتين امام نابليون وهتلر. وفي صراعنا مع الصهاينة أعني الصراع العسكري ، هزمنا عام 948 1، وعام 1956 وعام 1967 وهزمناهم عام 1973، وكانت كلها معارك تكتيكية. في عام 948 1 و967 1 تخلى كثيرون من الشعب العربي في فلسطين عن الارض وغادروها وكان ذلك يبدو استسلاما، ولكن حين تحول الشعب العربي الفلسطيني خارج الارض المحتلة الى منظمات مقاتلة وبدأ القتال اقتحاما اصبح من الممكن القول بان الهجرة تمثل انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما. وحين أمر الرئيس عبد الناصر بسحب الجيش المصري من سيناء عام 1956 حتى لا تطوقه القوات الانجليزية والفرنسية الهابطة خلف منطقة القتال كان انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما… وهكذا.
ولكن الفارق بين الهزيمة والاستسلام يبدو واضحا حين تقع الهزيمة على المستوى التكتيكي فيتم التراجع على المستوى الاستراتيجي، أو حين تقع الهزيمة على المستوى الاستراتيجي فيتم قبول وتبني نظرية المعتدين . وهو هنا استسلام لانه ليس النتيجة اللازمة للهزيمة. فليس من شأن الهزيمة في المعارك التكتيكية، اعني الجزئية أو المرحلية، ان تحسم المعركة على مستواها الاستراتيجي، وبالتالي يكون الترا جع الاستراتيجي غير مبرر، أي تراجعا بدون صراع أي استسلاما. كما ان الهزيمة حتى على المستوى الاستراتيجي لا تعني ان الصراع قد حسم وانما يحسم فقط حين يتبنى المنهزمون نظرية المنتصرين . واروع مثال على كل هذا معارك العرب ضد الغزو الصليبي. انهزم العرب في أكثر من موقعة تكتيكية ولكنهم لم يسلموا أبدا بحق الصليبيين في احتلال الارض العربية. وحتى حين انهزموا استراتيجيا حين قامت الممالك الصليبية على الارض العربية، لم يقبلوا ابدا، ولم يتبنوا النظرية الصليبية، فلم يلبثوا، ولو بعد حين ، أن حرروا الارض وهزموا اعداءهم. ومثاله الاخر حركات التحرير الوطني في العالم كله . بذرة نموها التي لم يصبها العفن أبدا، هو رفض النظرية الاستعمارية، نظرية تحضير العالم اوربيا، نظرية تفوق الرجل الابيض ورسالته الحضارية الى البشر… ومن هذه البذرة، وبعد قرون من العجز المادي عن المقاومة، واتت الظروف فنبتت البذرة ثورات لم تلبث أن انتصرت .
أليس هذا واضحا؟.
فما الذي يحدث الان في العالم العربي .
الاستسلام الوشيك :
هزمتنا الصهيونية عام 1948 واحتلت جزءا من فلسطين . وهزمتنا عام 1956 وخرجت من المعركة مستولية على مياهنا الاقليمية في خليج العقبة. وهزمتنا عام 1967 واستولت على سيناء والضفة الغربية والمرتفعات السورية. وفي مقابل هذا كنا ندرك ان تلك هزائم تكتيكية ونعد العدة لاستئناف المعارك . تحول شباب اللاجئين الى مقاتلين واقتحموا حدود وطنهم . وتقدم العرب الى القائد الذي انهزم يعوضونه ماليا عن دخل القناة ، ويتعاهدون معه على ” لا مفاوضة ولا صلح ولا اعتراف “. ومن مرحلة الاعتراف بالخطأ بدأت خطى التصحيح . وعبأت اكثر من دولة عربية كل قواها المادية والبشرية لاعادة انشاء الجيوش التي سحقتها الهزيمة، واستؤنف القتال تحت اسم حرب الاستنزاف بعد اقل من ستة اشهر من الهزيمة. ونسجت القيادة العربية خيوط علاقاتها الدولية على أساس ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة. وحين جد القادة لم يخذلهم الشعب وجاءت لحظة الاخنبار التاريخي حين واجه جنودنا جنود الصهاينة في فرصة متكافئة ، وانهزم الصهاينة في معركة تكتيكية أيضا… ولكنها امدتنا بأقوى اسلحة النصر النهائي : الثقة في اننا نستطيع أن ننتصر.
بكل منطق قومي أو وطني أو علمي أو حتى نفسي.. كان ذلك يعني اولا : ان يدرك العرب ان نصر اكتوبر 1973 كان نصرا في موقعة تكتيكية، لم يحسم الصراع بين العرب والصهيونية على المستوى الاستراتيجي، ولكنه مهد لحسمه لصالح العرب. ثانيا: الا يتركوا للعدو فرصة التقاط انفاسه واسترداد قواه والتحول من الدفاع الى الهجوم . ثالثا: ان يحتفظ القادة بالثقة بالنصر التي قدمها اليهم الجنود بعد ان اشتروها بدمائهم الغالية… رابعا: ان يكمل العرب ما ينقصهم من عناصر القوة فيضيفوا الى خططهم التكتيكية الجزئية المرحلية خطة استراتيجية، شاملة بعيدة الامد.. خامسا: أن يكتشف العرب من خلال عناصر النصر الذي تحقق في اكتوبر 1973 أصوله المبدئية. ان يكتشفوا من خلال ما حقق عنصر التنسيق العربي من نصر مدى ما تتضمنه الوحدة من انتصار، ومدى مسؤولية التجزئة عن مرحلة الهزائم…
بكل منطق كان يجب ان نوالي انتصاراتنا العربية التكتيكية، لتحقيق النصر على المستوى الاستراتيجي، لنصوغ الحياة على الارض العربية طبقا لنظريتنا القومية، ونقنع الصهاينة بها ليبحث كل منهم عن ارضه التي جاء منها.
ضد كل هذا .
ضد معطياته العينية، المادية والبشرية والفكرية، حدث ما لم يحدث في تاريخ الشعوب كلها بقدر ما اعرف من تاريخ الشعوب. في ذات اللحظة التي انتصرنا فيها في معركة تكتيكية استسلمنا أو نحن على وشك الاستسلام ، لا أقول على المستوى الاستراتيجي، بل أقول على المستوى المبدئي. كانت أمامنا خيارات عدة تقع جميعها على مستوى المعركة التي انتصرنا فيها. كان ممكنا ان نواصل المعارك. كان في امكاننا أن نتوقف مرحليا. كان في مقدورنا حتى ان نتخلى عن المكاسب التي حققناها، وهو أقصى ، وأقسى، ما يمكن ان يختاره المقاتلون على المستوى التكتيكي. وكان يمكن أن يكون لكل هذا مبررات، من الظروف الدولية، او من الظروف العربية، او من الظروف المحلية، سواء كانت ظروفا سياسية او اقتصادية او حتى ذاتية، وسواء كانت ظروفا صحيحة او غير صحيحة… وكنا سنختلف في هذه المبررات ، ولكن خلافاتنا ما كان لها ان تتجاوز مستواها التكتيكي، اي ان اقصى ما كنا سنختلف فيه هو: كيف نواصل الصراع حتى نهزم الصهيونية على جميع مستوياتها…
ولكن شيئا من هذا لم يحدث…
الذي حدث اننا، بطريقة غريبة على التاريخ، غريبة على الشعوب، غريبة على تاريخ الشعب العربي بالذات، ا نتقلنا- نحن الذين انتقلنا- من نصر تكتيكي الى استسلام مبدئي، موفرين على عدونا عناء الصراع على المستوى الاستراتيجي .
ذلك لاننا سلمنا ببساطة بأن من حق اليهود ان يقرروا مصيرهم، أي انهم أمة. وان من حق هذه الأمة أن تكون لها دولة قومية وان تقوم تلك الدولة القومية، الصهيونية، على جزء من الارض العربية، وان يكون هذا الجزء هو بالذات ما اشارت اليه ا لتوراة التي يقرأها الصهاينة. لم يحدث أبدا ان ارغمنا الصهاينة على تبني نظريتهم هذه. لأنه لم يحدث ابدا ان هزمونا على المستوى الاستراتيجي، ولم يحدث أبدا ان حققوا من الانتصارات ما يحسم الصراع بالنسبة اليهم على المستوى التكتيكي، وقد كان اخر لقاء بيننا هزيمة لهم.. لهذا قلنا ونقول : اننا لم نهزم.. بل نستسلم أو نوشك أن نستسلم…
السنا مشغولين بوجود الشعب الفلسطيني ودولته، السنا فرحين بأن اعترف عدونا، أو بعض اعدائنا بان هناك شعبا فلسطينيا، وان من حقه أن يكون له موطنا Home Land وليس حتى وطنا؟ ألسنا نتحاور ونتشاور ونجادل ونختلف حول صيغة وجود الدولة الفلسطينية، هل تقوم مستقلة أم في اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي مع الاردن أو سورية. ألسنا نركض في انحاء الارض جميعا، فخورين بكرمنا وسماحتنا وسعة أفقنا نعرض السلام مع الصهاينة وندفع ثمنه مقدما قبول الوجود الصهيوني على أرض فلسطين؟.. ألسنا نسعى الى حد المذلة، علنا وخفية، دبلوماسيا وعلى مقاهي اوربا، ملتمسين من الصهاينة ان يقبلوا جوارنا مؤكدين صدق نوايانا في قبول جوارهم ، على الارض العربية…. أليس على الارض العربية في جنوب لبنان، جيش مقاتل ” صهيوني- عربي ” موحد الاسلحة والامدادات والتخطيط وقد يكون موحد القيادة ؟… أيها الشباب، ألا نسمي الان، وطننا العربي، منطقة الشرق الاوسط …
فما الذي بقي؟..
يقولون: ” انها خاتمة جولة وستأتي بعدها جولات ” .. غدا تسترد دولة الضفة والقطاع ما بقي من اسرائيل؟.. غدا نقوى فنستأنف الصراع ؟.. غدا.. يأتي جيل يلغي كل ما فعلناه والتاريخ طويل.؟. لا يصدق من هذا القول الا القول الاخير. نعم، غدا يأتي جيل عربي يلغي كل ما فعلوه، ولماذا غدا، انه قائم قادر لن يولد غدا، بل سيضرب غدا وان غدا لناظره قريب . ولكن لماذا يطول تاريخ المعاناة ونحن قادرون على اختصاره؟.. ألسنا جيلا فاشلا؟ أفلا يكفيه فشله فيخون جيلا ناشئا .
أما عن الجولة التي ستأتي بعدها جولة، ودولة الضفة والقطاع التي ستحرر باقي فلسطين، فلا اقول انه عناء. اقول انه احتيال . نصب. خديعة. اننا لم نحرر الضفة او القطاع او حتى جزءا منها ونقيم عليه دولتنا. ولو تم شيء من هذا ولو في القطاع وحده، ولو في مدينة واحدة من مدن الضفة لكان نصرا عظيما، ولكنا مشغولون بقبول عرض مشروط .. مشغولون بدراسة صفة دولة فلسطين في مقابل دولة صهيونية. مع الاعتراف المتبادل والامن المتبادل “. ولن ينتهي الامر عند هذا الحد… سيستأنف الصهاينة مسيرتهم العدوانية الى ان تتحقق لهم دولتهم بحدودها التي لا ينكرونها.. فقط بالاسلوب الجديد.. اسلوب الاستسلام العربي . ان كان أحد يشك في هذا فقد جاء كارتر يعلنه، فتح الحدود، التبادل الثقافي والتجاري والسياحي والدبلوماسي.. لينتشر الصهاينة في داخل دولتهم المقبلة. حينئذ سيعرفون كيف تكون لهم وبأي اسلوب.
هل في هذا شك؟.. هل يشك أحد في اننا نوشك ان نستسلم ؟. اني لا أشك. وبالله عليكم . لا يقولن احد، انك تتحدث عن موقف حاكم عربي واحد، وتعمم ما تقول لا يقولن أحد هذا. فقد خدعنا انفسنا اكثر مما يجب. ان الحاكم العربي الذي يعلن ما ارفضه، هو فقط، اشجع الذين يقولونه واكثرهم صدقا مع نفسه، واني لاعلم من أمر الاخرين، كثير من الاخرين، بما فيهم فئات تتحدث بمثل ما اتحدث به وان كان اكثر حدة وصخبا، ما يسمح لي بالقول أن الفارق الوحيد ان هناك ا ستسلاماً صريحاً وهناك ا ستسلاما خفيا، لا اكثر…
وبعد،
فلماذا استسلم العرب أو يوشكون على الاستسلام؟.. هل هي خيانة؟ لا اعتقد. لا املك دليلأ على خيانة احد. ولا اقبل ان اتهم عربيا بالخيانة بغير دليل . ولكني اعتقد ان الصهيونية وحلفاءها، بعد أن انهزموا عسكريا في جبهة القتال في اكتوبر 1973، فتحوا من جباهنا ثغرات، وغزوا عقولنا. اختصروا الطريق الى النصر النهائي، فبدلا من احتلال أرضنا جزءا بدأوا في احتلال رؤوسنا فكرة فكرة. بدلا من الاستيلاء على الوطن يحاولون الاستيلاء على البشر ليكون الوطن لهم بعد ذلك بدون حاجة الى القهر..
جردونا من نظريتنا العربية ودسوا في رؤوسنا نظريتهم الصهيونية..
رفعوا من فكرنا القومية العربية ووضعوا بدلا منها القومية اليهودية، ولما انمحت من ذاكرتنا دولة الوحدة قامت بدلا منها دولة اسرائيل . وكان لهم منذ البداية حلفاء جاهزون . اولئك هم الا قليميون الذين ا نكروا أمتهم ، فتنكروا لقوميتهم، فمنحوا ولاءهم للتجزئة فيما بينهم . والتجزئة لا تمس بل تتدعم اذا ما اعطيت الصهيونية جزءا مغتصبا من الوطن العربي مقابل ان تسكت عن اغتصاب الاقليميين باقي اجزائه..
ولما انكر الاقليميون أمتهم، وفقدوا قوميتهم، تجردوا من نظريتهم، فلم يستطيعوا، وما استطاع الاقليميون قط، ولن يستطيعوا قط ، أن تكون لهم استراتيجية موحدة في مواجهة الصهيونية. ما كان ولن يكون للأقليميين أداة نضال عربية واحدة . ما كان ولن يكون للاقليميين خطة مواجهة واحدة . لم يلتق الاقليميون ولن يلتقوا قط على تحرير فلسطين… وليس هذا قولا جديدا.
في شباط (فبراير) 1968، كتبت ونشرت تحت عنوان ” وحدة القوى العربية التقدمية” حديثا طويلأ عن المستقبل، قلت فيه مخاطبا المقاومة الفلسطينية، وكانت في ذلك الوقت تحمل ما تبقى من أمل لهذه الامة، قلت: احذروا، غدا أو بعد غد ستخذلكم الاقليمية من حولكم والاقليمية من داخلكم. وفي نيسان (ابريل) 1970 ، في عمان ، في ندوة مشتركة بقاعة نقابة المحامين، اشترك فيها ممثلون عن اغلب فصائل المقاومة، قلت ان اسرائيل قامت ونمت وتوسعت في ظل حماية الدول الاقليمية. فمن حقي أن اقول الان : ان الشعب العربي يوشك ان يستسلم بفعل وفي رعاية القوى الاقليمية دولا واحزابا وجماعات وا فرادا…
ما العمل؟..
لا تسألوني فقد لا اعرفه، ولوكنت اعرفه فقد اعترفت من قبل انني غير قادر على الوفاء بمسؤولياته، فآثرت الصمت- مهزوما وليس مستسلما- الى أن دعيت الى الحديث اليكم . ها أنذا قد تحدثت اليكم . لا يناسبه عنوان ” الصهيونية والفكر العربي ” ، بل أولى به عنوان يقول : “الصهيونية في الفكر العربي ” ، أو “الصهيونية في العقل العربي ” . أو- وهذا ما كنت اريده… “العرب الصهاينة ” ..
واخيرا،
فاني اعتذر عما اشرت اليه اكثر من مرة من اراء سبق أن قلتها كأني ابحث لنفسي عن براءة كاذبة. وعذري في هذا انني احاول أن استرد ثقتي المفقودة بالمستقبل . احاول أن أقول لنفسي اذا كانت رؤيتنا قد صحت من قبل فان الانسحاب صمتا أو اعتزالا هو انهزام لا ينبغي لقومي ان يقع فيه بينما يوشك الاقليميون ان يجروا الامة كلها الى مواقع الاستسلام، واننا لعلى قدر من المقدرة في مواجهة معارك العقول … ثم انني أخاطب الجيل العربي الجديد… وهو قمين بان يذكرني بما كنت اذكره في مثل سنه.. قولا تعلمته من شاب عريي بدأ نضاله على ضفاف النيل ضد امبراطورية لم يكن يجرؤ احد على تحديها، وانشأ حزبه الوطني الذي تحول الى مدرسة… في تلك المدرسة تعلمنا ذلك الدرس الذي كدنا ننساه وها نحن نلتقطه مرة أخرى من عيون الشباب العربي :
“لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ”
وهكذا ترون انني اتحدث اليكم ولكني اخاطب نفسي واني لاولى بحديث اليقظة منكم، لانني في حاجة اليه اكثر .
محاضرة القيت في جامعة الكويت يوم 6 ابريل 1977.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: