الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

عروبة مصر .. هل كانت مغامرة ناصرية خاسرة ؟!!

عروبة مصر ..
هل كانت مغامرة ناصرية خاسرة ؟!!

_______________________

بقلم : عمرو صابح
كاتب وباحث عربى من مصر
__________________________________________

(إن هدفنا من التحرك إلى الشام هو إعادة الأمن إلى نصابه و استرجاع حقوق عزيز مصر و عمل الخير للأمة الإسلامية و تأمين سلامة الحدود وخدمة الدين و الدولة و إنقاذ الأمة الإسلامية من كارثة التشتت والاضمحلال ، فالشام هى بوابة الديار المصرية ) .
هذه الكلمات لحاكم مصر محمد على باشا كما وردت بالنص فى الجزء الثانى من المحفوظات الملكية ، فقد أدرك الباشا الألبانى الأصل أن أمن مصر موجود فى الشام ( فلسطين ، الأردن ، لبنان ، سوريا ) الآن ، وأن من يريد السيطرة على مصر عليه أولا السيطرة على الشام .
فى أكتوبر 1831 يهاجم الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا عكا مدعما بالأسطول المصرى فى البحر المتوسط وفى مدة وجيزة ينجح إبراهيم باشا فيما فشل فيه نابليون بونابرت قبله ويستولى على عكا ومعظم المدن الساحلية فى الشام ، وتدخل باقى المدن السورية طواعية فى حكم مصر هربا من وحشية الحكم العثمانى ، وفى يونيو 1832 يدخل الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا مدينة دمشق ، وفى يوليو 1833 تقع معركة ( بيلان ) بين الجيش المصرى و الجيش العثمانى ويمزق الجيش المصرى الجيش العثمانى و يشتت فلوله ويتوغل فى الأناضول و يطلب إبراهيم باشا من والده محمد على باشا السماح له بالتوغل فى تركيا و دخول الأستانة ، فقد كان إبراهيم باشا أبعد نظرا من والده وأكثر ميلا لانتهاز تلك الفرصة التاريخية للقضاء على الدولة العثمانية ( رجل أوروبا المريض ) ، والاستقلال بالأقطار العربية وإعلان الدولة العربية وقاعدتها مصر ، ولكن محمد على باشا منع ولده من تنفيذ حلمه وذلك لخشيته من تحالف القوى الأوروبية ضده ، وهو خطأ سيندم عليه فيما بعد عقب فشل محاولاته للحصول على استقلال مصر و الشام بالطرق الدبلوماسية من بريطانيا و فرنسا وهو ما قوبل بالرفض التام من كلتيهما .
فى 29 مايو 1834 يكتب القنصل الإنجليزى العام فى الإسكندرية إلى حكومته ( إن الدولة السياسية الموحدة ” مصر و الشام ” التى تتشكل تحت حكم محمد على تمثل قوة ضارة بمصالح إنجلترا فى الشرق الأوسط وخاصة إذا استقامت فى مملكة منسجمة قوامها العروبة ) .
ويكتب المستشار النمساوى مترنيخ فى 20 نوفمبر 1834 إلى قيصر روسيا نيقولا الأول محذرا من مشروع محمد على الرامى إلى الاستقلال وخلق دولة عربية قوية مركزها مصر و الشام .
وفى يوم 4 أغسطس 1839 يتلقى محمد على باشا رسالة من بالمرستون وزير خارجية بريطانيا حملها له القنصل الإنجليزى العام فى مصر تقول ( إن إنجلترا تعترض على الوجود المصرى الحالى فى الشام ، ولكن أوروبا كلها لا تعترض على توسع مصر فى أفريقيا بل على العكس ستنظر إليه بعين العطف ، ويستطيع محمد على باشا أن يضمن هناك عدم تعرضه لأى هجمات بل مساعدته أيضا فى مهمته ) .
هكذا وبمنتهى الصراحة بريطانيا تشجع محمد على باشا على التوسع المصرى فى أفريقيا ولكنها تعارض وتمانع الوجود المصرى فى الشام وقيام دولة عربية موحدة من مصر و الشام ، وعندما يرفض محمد على باشا الانصياع للأوامر البريطانية تجتمع عليه أوروبا كلها لتطرد مصر من الشام بعد مواجهة شرسة تنتهى بخروج القوات المصرية من الشام وفرض اتفاقية لندن 1840 على مصر والتى قيدت مصر بشروط خاصة بتحديد حجم وتسليح الجيش المصرى لتبدأ عملية تقويض الإرادة السياسية المصرية ، فمصر التى تم إجبارها بالقوة على الانسحاب من الشام ومن فلسطين تنكفئ إلى الداخل وتتخلى عن عمقها الإستراتيجى فى المشرق العربى ، وتفكك صناعاتها الوطنية وتفتح أبوابها للمنتجات الأوروبية وللتدخلات الخارجية فى سياساتها الداخلية حتى ينتهى الأمر باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 .
كان الاحتلال هو المحصلة النهائية لخروج مصر من الشام وتحولها من قوة إقليمية عظمى إلى مستعمرة بريطانية .
ولكن هل يكفى هذا لدرء خطر الوحدة العربية ولنفى احتمال تكرار توحد العرب فى كيان واحد مستقل وقوى ؟!
لا لم يكتف أعداءنا بذلك لأنهم لا يحاربوننا بالقطعة بل عبر مخطط طويل المدى ومدروس بعناية ، قبيل إجبار محمد على بالقوة على القبول باتفاقية لندن 1840 و ما ترتب عليها من الخروج المصرى من الشام ، قامت إنجلترا فى 19 سبتمبر 1839 بتعيين أول قنصل مقيم لها فى مدينة القدس من أجل إقامة أول مستعمرة يهودية فى فلسطين .
وفى يوم 24 يناير 1839 تنشر جريدة التايمز البريطانية مقالا تطالب فيه بوقوف بريطانيا بجوار اليهود من أجل استعادة حقوقهم فى فلسطين وإقامة دولة لهم هناك تضمن خروج مصر من فلسطين ومنطقة الشام كلها وتحجز مصر فى أفريقيا بعيدا عن المشرق العربى .
وفى نفس العام 1839 تقرر بريطانيا حماية اليهود المتواجدين فى فلسطين ، رغم أن بريطانيا ذاتها لم تمنح اليهود حقوقهم فى بريطانيا إلا فى عام 1890 أى بعد 51 سنة من قرارها بحمايتهم فى فلسطين ، وهكذا وضعت بريطانيا اللبنة الأولى للمشروع الصهيونى فى فلسطين من أجل عزل مصر عن الشام عبر زرع كيان دخيل على الوطن العربى يعمل كقاعدة متقدمة لحماية مصالح الإمبريالية البريطانية ويعوق بالقوة أى محاولة للوحدة العربية .
ولأن الإمبراطوريات الاستعمارية مصالحها واحدة وإن تبدلت أسماءها فالولايات المتحدة الأمريكية هى التى منحت إسرائيل شهادة ميلادها الرسمية فى 15 مايو 1948 لتعمل كقاعدة متقدمة للإمبريالية الأمريكية فوجود إسرائيل فى الوطن العربى ككيان دخيل معادى للمحيط العربى هو خير ضمان لمنع أى محاولات للوحدة العربية فهى تمثل حاجز بين مشرق ومغرب الوطن العربى ، كما أن وجودها سيلعب الدور الأبرز فى وأد أى مشروع نهضوى عربى فى المنطقة ويبدد الآمال المعقودة على الاستفادة من عوائد النفط لصالح تقدم الوطن العربى .
فشلت الجيوش العربية بسبب نقص الاستعداد وغياب التخطيط والخيانة فى التصدى للمشروع الصهيونى ، وخسر العرب حرب فلسطين عام 1948 ، وضاع من أرض فلسطين 78 % من مساحتها ، تأسست عليها دولة إسرائيل .
فى فجر يوم 23 يوليو 1952 يفجر جمال عبد الناصر الثورة المصرية ، فالضابط الشاب الذى حارب فى فلسطين عام 1948 وحوصر فى الفالوجة ، عاد من الحرب ساخطا على الأوضاع السياسية فى وطنه وفى الوطن العربى كله ، عاد حالما بقلب تلك النظم الحاكمة المفلسة والعميلة والتى رأى أنها صنعت الهزيمة قبل أن تنتصر إسرائيل فعلا على أرض المعركة وتغتصب 78% من فلسطين ، لمس جمال عبد الناصر مأساة فلسطين على الأرض عن قرب و أدرك الهدف الحقيقى من زرع إسرائيل فى قلب العالم العربى وأيقن أن أمن مصر القومى موجود خارج حدودها موجود فى الشام ، لذا عندما كتب كتابه الشهير ( فلسفة الثورة ) حدد الدوائر التى سوف تتحرك من خلالها السياسة الخارجية المصرية من خلال الدائرة العربية ثم الدائرة الأفريقية ثم الدائرة الإسلامية ومن خلال العمل عبر تلك الدوائر وأولها الدائرة العربية حدد جمال عبد الناصر هوية وانتماء مصر العربى وعقب استقرار الأمور للرئيس جمال عبد الناصر على الصعيد الداخلى فى مصر قام بتكليف أجهزته بدراسة أوضاع الوطن العربى ووضع الخطط لتحريره من الاستعمار إيمانا منه أن حرية العرب من حرية مصر وأن استقلال مصر سيظل منقوصا طالما لم تتحرر كل الدول العربية .
عندما قرأ دافيد بن جوريون مؤسس إسرائيل كتاب ( فلسفة الثورة ) لجمال عبد الناصر ، قال أن هذا الكتاب أسوأ من كتاب ( كفاحى ) لهتلر ،
لأن قيام النظام الجديد فى مصر بدور قيادى نشط فى الوطن العربى سيدفع بالأمور تجاه الحرب مع إسرائيل .
يبرز الوجه العربى الصرف لمصر الثورة التى تدعم وتساعد كل حركات التحرر العربية ماديا وإعلاميا وتخوض حرب ضروس ضد قوى الاستعمار القديم فى الوطن العربى ، فتنفجر ثورة الجزائر عام 1954 فى وجه فرنسا وتخوض مصر حرب ضروس ضد حلف بغداد فى نفس العام ، وعندما ترفض الولايات المتحدة الأمريكية طلب الرئيس عبد الناصر منها تسليح الجيش المصرى ، يكسر الرئيس عبد الناصر احتكار الغرب للسلاح ويعقد أول صفقة سلاح مع الاتحاد السوفيتى عام 1955 مما يجعله فى أعين الجماهير يبدو كبطلها وأملها فى التحرر و الوحدة واللحاق بالعصر ، وعندما ترفض الولايات المتحدة مساعدة مصر فى تمويل السد العالى وتشهر بمصر وبالرئيس عبد الناصر ، ينتهز الرئيس عبد الناصر الفرصة ليحقق حلمه بتأميم شركة قناة السويس .
كانت شركة قناة السويس تجسد المأساة المصرية بكل أبعادها ، فالقناة التى حفرت فى أرض مصر وبأيدى عشرات الآلاف من المصريين الذين جرت دماؤهم فيها قبل أن تجرى مياه البحر ، تم سرقتها من مصر ، وأصبحت شركة قناة السويس دولة داخل الدولة لها علم خاص وشفرة خاصة وجهاز مخابرات خاص وحى خاص محرم دخوله على المصريين
وكان رئيس الشركة يعامل كرؤساء الدول محاطا بكل مراسم التبجيل والاحترام ولايجرؤ مسئول مصرى على حسابه عن شئ .
و تثبت الوثائق الأمريكية و الفرنسية والإسرائيلية أن هذه الشركة دفعت من أموال مصر 400 مليون جنيه إسترلينى لدعم الجهد العسكرى للحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية ، كما قامت بدفع مبالغ مالية طائلة تقدر بعشرات الملايين للحركة الصهيونية فى فلسطين كتبرعات داعمة للمشروع القومى لليهود .
وبعد قيام إسرائيل أقامت معها إدارة شركة قناة السويس مكاتب للتنسيق المعلوماتى والمخابراتى بالتعاون مع جهاز الموساد ، كما واصلت دفع الأموال للكيان الصهيونى دعما له .
، وكانت خططها المستقبلية كلها مرتكزة على تمديد عقد امتياز القناة لمدة 99 عاما جديد .

يضرب جمال عبد الناصر بسيف البطل بين عينى الطغاة بتأميمه للقناة ويفتح بقراره التاريخى هذا أبواب الحرية للوطن العربى والعالم الثالث كله ، ويكرس مكانه إلى الأبد فى التاريخ كثائر أممى ضد الاستعمار ، وبصمود الشعب المصرى بقيادة الرئيس عبد الناصر أمام العدوان الثلاثى عام 1956 والدعم العربى لمصر أثناء العدوان ، تخرج مصر منتصرة من تلك الحرب وتتعزز مكانة الرئيس عبد الناصر كقائد بارز فى حركة التحرر الوطنى على امتداد العالم .
أيقنت الشعوب العربية أن عهدا جديدا قد بدأ وأن بطلا عربيا فذا قد ظهر على مسرح التاريخ .

كانت سوريا أول بلد عربى يستقل بعد الحرب العالمية الثانية وكانت هى مهد الحركة العربية ومنبت القومية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر فى مواجهة عنصرية الحكم التركى الذى قادته حكومة الاتحاد و الترقى فى العقد الأول من القرن العشرين ، وكانت سوريا هى مركز الثورة العربية الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى تلك الثورة المظلومة تاريخيا التى ركب الهاشميون موجتها وأجهضوا أهدافها من أجل ضمان حصولهم على عروش لهم ، ورغم فشل الثورة وتمزيق سوريا الكبرى إلى أربع دول ( سوريا ، لبنان ، الأردن ، فلسطين ) إلا أن فكرة القومية العربية وتوحيد سوريا ظلت حلما وغاية يسعى لها القوميون العرب ، وفى منتصف الخمسينيات بدأ حزب البعث فى سوريا يشجع الوحدة مع مصر ويرى فى عبد الناصر أمله المنتظر فى تحقيق أهداف الحزب القومية فى سوريا وفى الوطن العربى ، فهو أول حاكم مصرى فى التاريخ يتبنى القومية العربية ويدعو للوحدة العربية مدعما بكل إمكانيات مصر كقطر قاعدة يمثل أهم وأقوى الأقطار العربية الكفيلة بنجاح الوحدة العربية كما أنه يمتلك رصيدا من الانجازات عند الجماهير العربية على امتداد الوطن العربى كله ويتمتع بجاذبية شخصية شديدة ، تضافرت كل تلك العوامل لتفرض السؤال الملح ما الذى يعوق الوحدة بين مصر وسوريا ؟ ، خاصة أن سوريا وقعت منذ استقلالها فى دائرة الانقلابات المتتالية المدبرة خارجيا من أجل السيطرة عليها ، وبعد الخلاص من حكم أديب الشيشكلى اتخذت الحكومة الوطنية التى تكونت فى سوريا موقف مؤيد على طول الخط لسياسات عبد الناصر ، ولعب الضباط السوريون من ذوى الاتجاه القومى العروبى بقيادة عبد الحميد السراج دورا بارزا فى مساعدة مصر أثناء العدوان الثلاثى بنسفهم لخط أنابيب البترول الذى يمر عبر سوريا حاملا البترول إلى أوروبا ،وأصبح واضحا لكل القوى الطامعة فى المنطقة أن هناك محور مصرى سورى مناهض للغرب وعملاءه يناهض حلف بغداد ويخرج منتصرا من حرب السويس ويعمل على إفشال مبدأ إيزنهاور لملء الفراغ فى المنطقة بعد هزيمة الاستعمار القديم ، لذا يبدأ التخطيط الأمريكى للسيطرة على سوريا الحلقة الأضعف فى المحور المصرى السورى وتدبر المخابرات الأمريكية انقلابا فى الأردن يطيح بحكومتها الوطنية كخطوة أولى للإطاحة بالحكومة الوطنية فى سوريا ، وتحشد أمريكا كل حلفاءها فى المنطقة عبر خطة محكمة يقودها ضابط المخابرات الأمريكى هندرسون لترتيب الانقلاب فى سوريا ، وتتجمع القوات المسلحة التركية على الحدود السورية والقوات المسلحة العراقية على الحدود السورية انتظارا لإشارة البدء بغزو سوريا ، وعندما يطلب السوريون مساعدة مصر يقرر الرئيس عبد الناصر إرسال أسطول مصرى يضم بضع ناقلات للجنود وثلاث مدمرات تصل إلى ميناء اللاذقية السورى فى 13 أكتوبر 1957 لتحمى استقلال سوريا وتحبط مخطط الغزو الخارجى وتحدث دويا عالميا يوضح أن مصر لن تسمح بترك سوريا نهبا للمؤامرة العالمية وأن استقلال سوريا من استقلال مصر .
تعالت الأصوات فى سوريا المطالبة بالوحدة مع مصر ، ورأى قادة البعث الرئيس عبد الناصر كأنه ( بسمارك العرب ) الذى يملك القوة و الشعبية الكفيلة للبعث بإحكام سيطرته على سوريا ، وساعد فى ذلك عجز أجنحة الجيش السورى المتصارعة على الاتفاق على زعامة تتولى أمور سوريا ، مما جعل قيادات حزب البعث تشجع الضباط السوريين فى مسعاهم للوحدة الفورية مع مصر .
وفى ليلة 11/12 يناير 1958 توجه إلى القاهرة 14 ضابطا يمثلون كل مراكز القوى فى الجيش السورى يحملون معهم مذكرة وقع عليها جميع أعضاء المجلس العسكرى السورى تطالب بالوحدة الفورية .
رفض الرئيس عبد الناصر الاستجابة لطلب الضباط السوريين إلا إذا طلبت الحكومة السورية الشرعية والرئيس السورى شكرى القوتلى منه الوحدة ، وفى يوم 16 يناير 1958 يعود الضباط السوريين وبصحبتهم قطب حزب البعث ووزير الخارجية السورى صلاح البيطار ليعلن أمام الرئيس عبد الناصر : ( إن الحكومة السورية تريد إتمام الوحدة كمطلب شعبى وقومى دائم ، وكطريق لا بديل غيره إلى استقرار سوريا ) .
وافق الرئيس عبد الناصر على قبول الأمر مبدئيا ولكنه وضع ثلاثة شروط لقبوله الوحدة الفورية :
1 – أن يتم إجراء استفتاء شعبى على الوحدة فى مصر و سوريا ، حتى يقول الشعبان المصرى و السورى رأيهما فى الوحدة ويعبرا عن إرادتهما الحرة .
أن يتوقف النشاط الحزبى السورى ، وأن تقوم كل الأحزاب السورية دون استثناء بحل نفسها . 2 –
3 – أن يتوقف تدخل الجيش السورى فى السياسة توقفا تاما ، وأن ينصرف ضباطه إلى مهامهم العسكرية ليصبح الجيش أداة دفاع و قتال ، وليس أداة سلطة و سيطرة ، هذا يعنى خروج كل قادة الكتل السياسية فى الجيش وفى مقدمتهم أعضاء المجلس العسكرى من الخدمة العسكرية ، وتفرغهم للعمل السياسى .
ورفض الرئيس عبد الناصر أى تفاوض حول تلك الشروط التى نمت عن دهاء سياسى بالغ وبعد نظر ملحوظ ، فهذه الشروط تعنى أن الوحدة مطلب شعبى جماهيرى وليس نخبوى سلطوى كما أنها تفرغ الساحة السياسية السورية من الأحزاب التى سببت القلاقل داخليا وخارجيا فى سوريا ، كما أنها تعزل الضباط السوريين المسيسين عن مصادر قوتهم فى الجيش ، وتجعل من الرئيس عبد الناصر صاحب الكلمة الأولى و الأخيرة فى دولة الوحدة .
وافق قادة حزب البعث على شروط الرئيس عبد الناصر على أمل أن يسيطروا على ( الاتحاد القومى ) التنظيم السياسى الوحيد لدولة الوحدة ويكونوا هم القوة المحركة له فى ظل خلو الساحة من الأحزاب الأخرى ، خاصة أنهم مهندسو الوحدة ، وبأمل أن تكون لهم الأفكار وللرئيس عبد الناصر الزعامة ، وقد خاب مسعاهم فى ذلك لأن الرئيس عبد الناصر كان أكثر منهم ذكاء ، وكانت رؤيته لدولة الوحدة تمنع وجود أى مركز قوى داخل التنظيم السياسى أو داخل السلطة السياسية يمكن أن ينازعه قراراته أو يشكل قيدا على حركته .
كان الشعب السورى متقدا بالحماس للوحدة ، وشكلت إرادته وحبه للرئيس عبد الناصر قوة ضاغطة على السياسيين و العسكريين فى سوريا ، وفى 1 فبراير 1958 أعلن عن الاتفاق على أسس الوحدة بين مصر و سوريا ، وفى يوم 5 فبراير 1958 عقد مجلس الأمة المصرى اجتماعا فى القاهرة ، كما عقد مجلس النواب السورى اجتماعا فى دمشق ، قرر كل مجلس فى اجتماعه الموافقة على طرح أسس الوحدة فى استفتاء عام يجرى يوم 21 فبراير 1958 مع ترشيح جمال عبد الناصر رئيسا لدولة الوحدة التى حملت أسم ( الجمهورية العربية المتحدة ) ، وتم الاستفتاء فى موعده المحدد وجاءت نتيجته كاسحة لصالح الوحدة ورئاسة جمال عبد الناصر للجمهورية العربية المتحدة، ويوم 24 فبراير 1958 يصل الرئيس عبد الناصر إلى دمشق لأول مرة فى حياته ويستقبله الشعب السورى استقبالا أسطوريا فى مشهد غير مسبوق فى التاريخ ، حيث زحف ملايين السوريين واللبنانيين والأردنيين لرؤية الرجل الذى تعلقت به قلوبهم ورأوا فيه السبيل إلى تحقيق مطامحهم وأمالهم ، كان ما حدث مثارا لقلق كل النظم العربية والإقليمية التى نظرت بعين الريبة إلى ما اعتبرته توسعا مصريا بقيادة جمال عبد الناصر يسعى إلى خلق إمبراطورية مصرية ، فقد أبدى الملك السعودى سعود بن عبد العزيز رفضا قاطعا للوحدة بين مصر و سوريا لأنه رأى فيها تعاظما لنفوذ مصر الإقليمى و الدولى لذا حاول إفشال الوحدة عبر تدبير مؤامرتين لاغتيال الرئيس عبد الناصر ، الأولى عن طريق رشوة العقيد عبد الحميد السراج مدير المكتب الثانى فى سوريا بمبلغ 12 مليون جنيه إسترلينى ، وقد جارى السراج المتآمرين وحصل منهم على شيكات بأجزاء من المبلغ المرصود لاغتيال عبد الناصر بينما أبلغ الرئيس عبد الناصر بكل تفاصيل المؤامرة ، التى أعلنها الرئيس للعالم كله من شرفة قصر الضيافة فى دمشق أثناء زيارته الأولى لسوريا، وكانت المؤامرة الثانية للملك سعود تهدف إلى تفجير طائرة الرئيس عبد الناصر يوم قدومه إلى سوريا للمرة الأولى كرئيس لدولة الوحدة، وقد فشلت كلتا المؤامرتين وتسبب الكشف عنهما فى فضيحة سياسية للملك سعود بن عبد العزيز ، وسوف يظهر دور الملك سعود فيما بعد فى تمويل الانقلاب على دولة الوحدة والتآمر مع الضباط الانفصاليين ،كما أثار قيام دولة الوحدة قلق رئيس وزراء تركيا ( عدنان مندريس ) فيكتب إلى وزير الخارجية الأمريكى جون فوستر دالاس يقول : ( إن الموقف الحالى وتطوراته تدعونا إلى إعادة تقييم الأمور ، لقد ذهبت إلى فراشى بالأمس وعلى حدود بلادى الجنوبية ستة ملايين ، واستيقظت صباح اليوم لأجدهم قد أصبحوا 36 مليونا ) .
كما أثار قيام دولة الوحدة حلف شمال الأطلنطى فتم عقد دورة طارئة لبحث التغيرات الإستراتيجية الناجمة عن قيام دولة الوحدة ، وراح ممثل تركيا فى الحلف ينبه الأعضاء إلى خطورة مشروع عبد الناصر حليف السوفيت على الغرب ، وقدم ممثل بريطانيا مذكرة عن ( التوسع الإمبريالى المصرى) شبه فيها أطماع جمال عبد الناصر بأطماع محمد على ، وأكد فيها أن جمال عبد الناصر يطمح لخلق اتحاد من الجمهوريات العربية تحت حكمه يضم أيضا بلدان الاتحاد الأفريقى لكى يسيطر على أهم منطقة إستراتيجية فى العالم ويخنق الغرب .
فى أوراق الرئيس الأمريكى إيزنهاور نقرأ له هذا التعليق حول قيام دولة الوحدة ( أننى حتى هذه اللحظة لم أفهم ماذا حدث فى الشرق الأوسط ؟ ، إن كل ما قرأته لم يجعلنى مهيأ للتطورات التى جرت ، فهل كنا على علم بها أم أننا فوجئنا مثل الآخرين ؟ لقد كانت سياستنا كما أعرف هى انتزاع سوريا بعيدا عن مصر وعزل ناصر بأخذ سعود من جانبه ، فإذا نحن نفاجأ بالعكس تماما ، ناصر يستولى على سوريا بالكامل ثم يقوم هو بعزل سعود أننى أريد تقريرا عن الكيفية التى تم بها ذلك ) .
وترسل وزارة الخارجية الأمريكية توجيه سرى إلى جميع سفراء الولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة نصه :
سرى للغاية
توجيه رقم : 2279
تسجيل : 18 أبريل 1958
خاص و لعلم رؤساء البعثات الأمريكية فى الشرق الأوسط وحدهم
سياسة الولايات المتحدة تجاه الجمهورية العربية المتحدة
– إن وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد أن الأهداف الأساسية لسياسة الولايات المتحدة فى علاقاتها مع الجمهورية العربية المتحدة ، باقية من غير تغيير ، إنها تؤكد من جديد أن ازدياد نفوذ مصر يتعارض مع القرار المشترك للكونجرس عن الشرق الأوسط ، ويؤدى إلى تقوية القومية العربية و يشجع الاتجاهات المضادة للغرب ، وبالتحديد الاتجاهات المضادة لأمريكا فى الشرق الأوسط وفى أفريقيا ، ثم هو يؤثر على هيبة حلف بغداد ، الذى يعتبر حلقة هامة فى شبكة الدفاع عن العالم الحر ، ويمس بالضرر موقف إسرائيل و مصالحها ، الأمر الذى لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتجاهله .
– إن وجود السيطرة على مواصلات نقل بترول الشرق الأوسط إلى أوروبا سواء عن طريق قناة السويس ، أو عن طريق أنابيب البترول المتجهة إلى البحر الأبيض تحت السيطرة الفعلية للقاهرة ، يعرض المصالح الأمريكية فى المنطقة لخطر أكيد ، فإن ذلك يجعل الجمهورية العربية المتحدة الآن فى وضع يمكنها من ممارسة ضغط على الولايات المتحدة و غيرها من القوى الغربية، وهذا الاحتمال يمكن أن يتحول إلى سلاح مخيف فى يد الرئيس ناصر .
– يتحتم علينا أن تظل جهودنا متجهة إلى مهاجمة فكرة الوحدة بين مصر و سوريا ، ولا يجب أن تتوقف جهودنا لإيجاد فاصل بين البلدين ، وينبغى أن يظل ذلك من أبرز أسس سياستنا فى المنطقة .
وهناك قوى داخلية تشارك الغرب معتقداته ، كما أن هناك قوى خارجية يمكنها فى أى لحظة ملائمة أن تتدخل ، وينبغى تدعيم هذه القوى من غير كلل ، وينبغى أن نذكر دائما أن أى تفسخ فى الجمهورية العربية المتحدة لن يقرر فقط مصير مصر تحت حكم ناصر ، وإنما سيجعل من السهل محاربة القومية العربية فى أى شكل تتخذه فى الشرق الأوسط .
– وسوف تتكلل جهودنا بالنجاح أكثر إذا أمكن عزل الجمهورية العربية المتحدة عن باقى العالم العربى ، وبالنسبة لهذه المهمة فإن ممثلى الولايات المتحدة سواء فى الأقسام الدبلوماسية أو فى أقسام الاستعلامات و الدعاية فى العالم العربى عليهم أن ينشروا الاعتقاد العام بأن الجمهورية العربية المتحدة تشكل خطرا على كل الحكومات العربية ، وفى البلاد الملكية علينا أن نشرح بقوة أن تدعيم الجمهورية العربية المتحدة قد يؤدى إلى سقوط حكم جميع البيوت الحاكمة ، كما أنه فى الجمهوريات يمكن بث الخوف من ابتلاع القاهرة لهذه الجمهوريات ، كما ينبغى انتهاز كل الفرص لتقوية الاتحاد العراقى الأردنى الذى سوف يستمر فى الحصول على تأييد الولايات المتحدة ضد الاتحاد السورى المصرى .

وعلى الجانب الأخر فوجئ السوفيت بالطريقة التى تمت بها الوحدة ، خاصة وقد تضمنت تصفية لدور الحزب الشيوعى السورى ، وسافر زعيم الحزب خالد بكداش إلى صوفيا يوم 4 فبراير 1958 قبل جلسة مجلس النواب السورى – الذى كان عضوا به – للتصويت على قيام دولة الوحدة وانتخاب جمال عبد الناصر رئيسا للدولة ، وهاجم بكداش بضراوة دولة الوحدة و الرئيس عبد الناصر بتشجيع من السوفيت المعادين لفكرة القومية العربية .
ورغم اعتراف الاتحاد السوفيتى بالدولة الجديدة ( الجمهورية العربية المتحدة)، إلا أن الصراع تفجر بين السوفيت و عبد الناصر إعلاميا بعد قيام الثورة العراقية فى 14 يوليو 1958 وانحياز عبد الكريم قاسم قائد تلك الثورة إلى الشيوعيين ومذابحه تجاه القوميين العرب فى العراق وعدائه لعبد الناصر ودولة الوحدة فقد أتخذ السوفيت جانب قاسم ضد عبد الناصر مما حدا بالأخير إلى اعتقال كل الشيوعيين فى الجمهورية العربية المتحدة فى ليلة رأس السنة ( 1958/ 1959 ) ، ورغم ذلك لم تتأثر العلاقات الاقتصادية المصرية السوفيتية وبعد حين هدأت حدة الحرب الإعلامية بين القاهرة و موسكو لحرص عبد الناصر على عدم نسف كل جسوره مع السوفيت ، ولإدراك خروشوف لأهمية دور عبد الناصر المناوئ للغرب وللولايات المتحدة فى الشرق الأوسط .
رأى الزعيم الإسرائيلى ( دافيد بن جوريون ) فى قيام دولة الوحدة كارثة تهدد وجود إسرائيل وتضعها بين فكى كسارة البندق ( مصر و سوريا ) .
رغم أن الرئيس عبد الناصر لم يكن مؤيدا فى البداية لإتمام الوحدة بالصورة السريعة التى تمت بها وكان يرغب فى فترة انتقالية لتمهيد الأمور والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين مصر و سوريا، لإدراكه فوارق مراحل التطور الاجتماعى و الاقتصادى بين البلدين إلا أنه تحت ضغط الظروف وافق على إتمام الوحدة الفورية لرغبته فى إنقاذ سوريا من التهديدات التى تتعرض لها ، وقد نجحت الوحدة المصرية السورية فى تحقيق الاستقرار لسوريا بعد فترة طويلة من الانقلابات والمشاكل التى عانت منها عقب استقلالها ، كما أن الوحدة حمت استقلال لبنان وأسقطت مبدأ إيزنهاور لملء الفراغ فى الشرق الأوسط عقب خروج الاستعمار القديم من المنطقة ، كما ساهمت الوحدة فى قيام الثورة العراقية فى 14 يوليو 1958 وإسقاط حلف بغداد وإفشال السياسة الاستعمارية الأمريكية فى المنطقة ، كما استطاعت سوريا فى ظل الوحدة أن تحقق تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة كانت تبحث عنها منذ استقلالها ، وجاءت القوانين الاشتراكية فى يوليو 1961 تحقيقا لأحلام ومطالب متراكمة منذ عقود لذا وقف ضدها التجار والإقطاعيون السوريون . .
فى فجر يوم 28 سبتمبر 1961 تمت عملية الانقلاب على دولة الوحدة بتحرك وحدات من الجيش فى سوريا بقيادة المقدم عبد الكريم النحلاوى مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر للسيطرة على دمشق ومحاصرة مقر المشير ، وقد رفض الرئيس عبد الناصر التصدى للانقلاب باستخدام القوة ورفض أن يتم رفع سلاح عربى ضد سلاح عربى وأمر بإيقاف عمليات التصدى للانقلاب بالقوة ، كما لم يعارض فى عودة سوريا للانضمام للأمم المتحدة و جامعة الدول العربية كعضو مستقل ، كان لعدم وجود اتصال جغرافى مباشر بين مصر وسوريا دورا كبيرا فى نجاح الانقلاب ، كما كان لحجم التآمر الخارجى الدور الأكبر فى نجاح الانفصال فكما تكشف الوثائق تلاقت مصالح حلف غير مقدس مكون من ( المخابرات المركزية الأمريكية – المخابرات البريطانية – الملك سعود بن عبد العزيز ملك السعودية – الملك حسين بن طلال ملك الأردن – الرئيس العراقى عبد الكريم قاسم – الموساد الإسرائيلى – الضباط السوريين المرتشين ) للعب الدور الأعظم فى الانقضاض على دولة الوحدة .
أيد قادة حزب البعث ( أكرم الحورانى – صلاح البيطار ) انقلاب الانفصاليين ، كما أيده الرئيس السورى السابق على الوحدة شكرى القوتلى ، فبعد فشل حزب البعث فى تحويل سوريا لحكر بعثى خاص تحت حكم الرئيس عبد الناصر ، فقد أعتقد قادة البعث أنهم منحوا سوريا للرئيس عبد الناصر وبالتالى فإن على الرئيس عبد الناصر أن يفعل ما يريده قادة البعث، وعندما رفض الرئيس عبد الناصر ذلك بذل قادة البعث كل جهودهم فى سبيل فصم الوحدة لإدراكهم أنهم لن يستطيعوا حكم سوريا منفردين طالما ظل جمال عبد الناصر رئيسا لدولة الوحدة .
سقطت دولة الوحدة قبل أن تتدعم أركانها لأنها تمت تحت ضغوط داخلية وخارجية كانت تعانى منها سوريا فجاءت الوحدة بين مصر و سوريا كضرورة أمن قومى بين البلدين أكثر منها كهدف قومى .
كان الانفصال بداية المؤامرة لتصفية حركة التحرر الوطنى العربى وكان الطلقة الأولى فى الطريق إلى النكسة عام 1967 ، فالرئيس عبد الناصر الذى ألمته ضربة الانفصال شخصيا وبعدما تكشف له حجم التآمر العربى والغربى على مشروع الوحدة العربية ، أصبح أكثر حذرا وراديكالية داخليا وخارجيا ، فالميثاق يصدر عام 1962 وفيه يشدد الرئيس عبد الناصر على وحدة الهدف بدلا من وحدة الصف بين النظم العربية ، وتسير مصر بخطى واسعة فى الخطة الخمسية الأولى وبدا واضحا تصميم الرئيس عبد الناصر على انتهاج نظام اقتصادى اشتراكى بعيدا عن الاحتكارات الرأسمالية العالمية ، وفى 26 سبتمبر 1962 تندلع ثورة اليمن ضد نظام أسرة حميد الدين الاستبدادى المتخلف .
كانت السعودية الخائفة من انتقال الثورة إليها هى التى بدأت التدخل فى ثورة اليمن بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا ، وأنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثورى الجديد ، كما وفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعوما بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكى بريطانى ، وأمام هذه التدخلات طلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الامامى المتخلف ، ووافق الرئيس عبد الناصر على دعم الثورة اليمنية عسكريا بقوات مسلحة مصرية فى عملية كبرى كان أسمها الكودى ( العملية 9000 ) كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة فى تاريخ اليمن ، وتأسيس المستشفيات والمدارس و الطرق و الموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين ، أدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة فى عدن و اليمن الجنوبى وقد دعمتها مصر بكل ثقلها فى عملية كان أسمها الكودى ( صلاح الدين) .
فعمت الثورة أنحاء اليمن شمالا وجنوبا وهددت معاقل الرجعية العربية ومنابع البترول شريان الحياة للحضارة الغربية ، كما واصل الرئيس عبد الناصر دعمه لثورة الجزائر حتى تحررت عام 1962 وكما دعمت مصر كل حركات التحرر الوطنى على امتداد العالم الثالث ، فرغم الخلافات العربية الطاحنة و التآمر الغربى رفض الرئيس عبد الناصر أن تخرج مصر من عروبتها وتنعزل عن إقليمها
فى عام 1963 يظن رئيس الوزراء الإسرائيلى ( دافيد بن جوريون ) أن الرئيس عبد الناصر قد أصبح يائسا ومحبطا من تعاملاته مع العرب ، وأنه مهيأ الآن لفض يده من الخلافات و المشاكل العربية ، فيرسل له عرض للسلام مع إسرائيل عبر دينيس هاميلتون رئيس تحرير جريدة التيمس البريطانية الذى قام بإبلاغ رسالة بن جوريون إلى صديقه الأستاذ محمد حسنين هيكل ، رفض الرئيس عبد الناصر عرض السلام الإسرائيلى مدركا أنه مساومة على عروبة مصر مقابل الصلح مع إسرائيل .
وفى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) .
ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر
من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية
– شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية
– تأميم القناة – تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر
الوحدة مع سوريا –
ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب .. فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب
كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر .
وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى :
المملكة العربية السعودية
الأردن
ليبيا تحت حكم الملك السنوسى .
كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية
كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب
وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصر
مع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام 1970
فى نفس الفترة تتصاعد الضغوط الأمريكية على الرئيس عبد الناصر لإيقاف برامج تصنيع الصواريخ و الطائرات المصرية وإخضاع المشروع النووى المصرى للرقابة الدولية، وفى عام 1965 يتم تجميد العمل ببرنامج إمداد مصر بالقمح الأمريكى لزيادة الضغط الاقتصادى على الرئيس عبد الناصر ومحاولة تطويعه للأهداف الأمريكية وتفكيك مشروعه المضاد للإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة ، وفى عام 1966 ورغم كل الرواسب العالقة فى العلاقات المصرية السورية عقب الانفصال يعقد الرئيس عبد الناصر اتفاقية دفاع مشترك مع سوريا .
وعندما تفشل كل مشاريع تطويع عبد الناصر للإرادة الأمريكية تصبح الحرب هى الحل الوحيد المتبقى لإسقاط جمال عبد الناصر وإنهاء مشروعه القومى ، ويتم نصب فخ جر مصر إلى الحرب عبر تهديد إسرائيل بغزو سوريا فى مايو 1967 ، فتندلع حرب 5 يونيو 1967 والتى انتهت بهزيمة فادحة للدول العربية ( مصر ، سوريا ، الأردن ) ورغم الهزيمة لم يسقط نظام جمال عبد الناصر بفضل تمسك الجماهير العربية فى مصر وفى كل أقطار الوطن العربى ببقائه ، وعندما تكشفت للرئيس عبد الناصر بعض الحقائق عما جرى فى الحرب مثل عدم حدوث حرب حقيقية على الجبهة الأردنية وخسارة الأردن لستة عشر شهيدا فى الحرب كلها وتسليم الجيش الأردنى القدس و الضفة الغربية لليهود دون مقاومة ، كما علم الرئيس عبد الناصر بما جرى على الجبهة السورية من إعلان سقوط مدينة القنيطرة فى يد العدو قبل سقوطها ومن صعود المدرعات الإسرائيلية لهضبة الجولان دون مقاومة ، لم يفقد الرئيس عبد الناصر إيمانه بالعروبة وبدور مصر فى العالم العربى ورفض كل عروض السلام الإسرائيلية بعودة سيناء فقط إلى مصر مقابل سلام منفرد بين مصر و إسرائيل ، وفى حديث له إلى أساتذة وطلبة الجامعات المصرية عقب مظاهرات الطلبة فى نوفمبر 1968 يقول الرئيس جمال عبد الناصر :
( أنا عارف مدى الغضب و مدى المفاجأة اللى أصابتنا جميعا بعد النكسة وبعد اللى حاصل وعارف أن الشعب العربى فى مصر غاضب و حزين لأن جيشه نال هزيمة غير مستحقة ولأن سيناء تم احتلالها بس أنا بدى أقول لكم حاجة الرئيس تيتو بعت لى رسالة جت له من ليفى أشكول رئيس وزراء إسرائيل بيطلب فيها أنه يقابلنى فى أى مكان فى العالم لنتحدث ولكى نصل إلى حل وبيقول أنه مش هيتعامل معى معاملة منتصر مع مهزوم ، وإن إسرائيل مستعدة ترد لنا سيناء من غير شروط مذلة إلا شرط واحد بس أن مصر تبقى دولة محايدة يعنى لا قومية عربية ولا عروبة ولا وحدة عربية نبقى فى حالنا ومالناش دعوة بإسرائيل ولا نحاربها ، إسرائيل قتلت الفلسطينيين وإحنا مالنا ، إسرائيل ضربت سوريا إحنا محايدين ، ضربت الأردن .. لبنان ، مصر مالهاش دعوة و ما تفتحش بقها .
يعنى خدوا سيناء وطلقوا العروبة و القومية والوحدة ونبيع نفسنا للشيطان ، أنا طبعا قولت للرئيس تيتو الكلام ده مرفوض القدس و الضفة و الجولان وسيناء يرجعوا مع بعض ، إحنا مسئولين عن كل الأراضى العربية ، إحنا مسئولين عن حل مأساة شعبنا العربى فى فلسطين ، مش هنقبل شروط ، ومش هنخرج من عروبتنا ، ومش هنساوم على أرض ودم العرب ، لن تقبل الجمهورية العربية المتحدة بحل جزئى أبدا ، معركتنا واحدة وعدونا واحد وهدفنا واحد تحرير أرضنا كلها بالقوة و لن نقبل مشاريع منفصلة للسلام ، حبيت أنقل لكم الموضوع ده علشان تعرفوا أن المشكلة مش سيناء بس ، الأمريكان و اليهود ضربونا فى 67 علشان يساومونا بيها على عروبتنا وعلى شرفنا وعلى قوميتنا ) .
لم يعد سرا الآن أن إسرائيل والولايات المتحدة حاولتا باستماتة إغواء الرئيس عبد الناصر بقبول صلح منفرد مقابل استعادة سيناء كاملة وبغير قيود لنزع سلاح القوات المسلحة المصرية فى سيناء بشرط الخروج من الصراع العربى الإسرائيلى .
وفى حديث لرئيس وزراء إسرائيل ليفى أشكول مع مجلة نيوزويك الأمريكية عدد ( 17 فبراير 1969 ) يقول : ( خلال العقدين الأخيرين كررنا دائما فى إسرائيل قولنا بأننا مستعدون لمناقشة مشاكلنا مع ناصر ، أننى مازلت مستعدا لأن أطير إلى القاهرة ، ولن أتحدث مع ناصر كمنتصر ولكنى سأبلغه أن إسرائيل مستعدة لإعادة سيناء كاملة إلى مصر وبدون أى قيد أو شرط حيث أنه لم تكن لإسرائيل فى أى وقت طلبات من أجل نزع سلاح سيناء ، ولكن بالنسبة لمرتفعات الجولان والقدس و الضفة الغربية فأن إسرائيل ببساطة لن تتنازل عنها ، سنرد لناصر سيناء بدون شروط مقابل أن يهتم بشئون مصر ولا يتدخل فى شئون الدول العربية الأخرى ) .
رفض الرئيس عبد الناصر كل تلك العروض وأصر على عودة الأراضى العربية كلها وعلى الوصول إلى حل شامل للصراع العربى الإسرائيلى ، أدرك الرئيس عبد الناصر أن عروبة مصر هى قدرها و مستقبلها وسبيل العرب الوحيد للوحدة ككتلة قوية فى عالم لا يرحم الكيانات الصغيرة ، أدرك أن قيادة مصر للوطن العربى تكون بأفعالها وبكونها ممثلة لكل طموحات و أمال الشعوب العربية ، لم تكن العروبة والقومية عنده تعنى السيطرة المصرية كما حدث فى عهد محمد على بل كانت رؤيته أشمل لمفهوم الأمن القومى العربى الجامع لكل الدول العربية وكان مؤمنا أن المصالح العربية مشتركة وواحدة ، لذا رفض بشدة أن يخرج من عروبته وأن ينعزل بمصر ، كان الرئيس عبد الناصر مؤمنا بمعركة المصير الواحد لذا ظل مهتما بتكوين الجبهة الشرقية فى معركة العرب المقبلة مع إسرائيل ، وطلب من ياسر عرفات أن تنطلق ولو رصاصة فلسطينية يوميا داخل فلسطين المحتلة حتى يدرك العالم أن هناك قضية شعب تم اغتصاب وطنه لن تموت .
توفى الرئيس جمال عبد الناصر عقب مؤتمر القمة العربية بالقاهرة الذى عقد لوقف الحرب التى قادها ملك الأردن الراحل حسين ضد المنظمات الفدائية الفلسطينية ، مات جمال عبد الناصر شهيدا فى سبيل أمته ، مات وهو يحمل لم الشمل العربى ودرء الفتنة ، مات وهو يجاهد ضد أعداءه فى إسرائيل والغرب و أمريكا ، مات وترك لهم الساحة التى كانوا يرون أن وجوده بحضوره الطاغى ووطنيته و بعد نظره وشعبيته وتعلق الشعوب العربية به يمنعهم من تحقيق مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية فى الوطن العربى .
ولنرى ما الذى حدث بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ؟
فى مذكرات هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق نقرأ التالى أنه شعر بالسعادة البالغة لنبأ وفاة الرئيس عبد الناصر لأن وجوده بسياسته الراديكالية المعادية للمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط كان يمثل أكبر عائق لتنفيذ الأهداف الأمريكية فى المنطقة الأهم للولايات المتحدة فى العالم ، ويحلل كيسنجر أوضاع المنطقة عقب وفاة عبد الناصر ، ويصل أن الوقت أصبح مناسب للوصول لحل سلمى للصراع بين مصر و إسرائيل بشرط أن يكون هذا الحل أمريكى ، وأن يتضمن ثلاثة شروط :
. 1 – طرد النفوذ السوفيتى من المنطقة كلها
. 2 – يترك مصر ضعيفة غير قادرة على التأثير بأى نفوذ على الإطلاق فى العالم العربى
3 – أن تظهر التجربة الثورية التى قادها عبد الناصر فى مظهر التجربة الفاشلة .
و على الجانب الإسرائيلى يقول مناحم بيجن عن وفاة عبد الناصر ( إن وفاة عبد الناصر، تعني وفاة عدو مر، إنه كان أخطر عدو لإسرائيل.إن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدراته وحنكته وزعامته ) .
ويقول بن جوريون ( كان لليهود عدوين تاريخيين هما فرعون فى القديم ، و هتلر فى الحديث ، ولكن عبد الناصر فاق الأثنين معا فى عدائه لنا ، لقد خضنا الحروب من أجل التخلص منه حتى أتى الموت وخلصنا منه )
و يقول حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلى : ( بوفاة جمال عبد الناصر أصبح المستقبل مشرقا أمام إسرائيل و عاد العرب فرقاء كما كانوا وسيظلون باختفاء شخصيته الكاريزماتية ) .
ويقول المفكر الإسرائيلى آمنون روبنشتاين : إن مصر يجب آلا تكون طرفا فى الصراع العربى الإسرائيلى ، إن تورط مصر الكبير فى النزاع العربى الإسرائيلى تمخض بصفة خاصة بسبب سياسة جمال عبد الناصر التى كانت تقوم على ركنين أساسيين يعوزهما الحكمة :
1 – إمكانية وجود وحدة عربية
2 – معاداة الغرب
وقد رفض جمال عبد الناصر طيلة حياته العدول عن تلك السياسات والآن بعد وفاته نأمل أن تراجع القيادة المصرية الجديدة تلك السياسات لكى تنهى الحرب بين مصر و إسرائيل
فى مصر ولعيوب بنيوية فى تركيب النظام الناصرى خرج النقيض المتطرف للناصرية من قلب النظام وعبر انقلاب أبيض بدون قطرة دماء فى 13 مايو 1971 ، وعقب الانقلاب وبعد فشل محاولات الوصول إلى حل سلمى برعاية أمريكية ، أضطر الرئيس السادات إلى اتخاذ قرار الحرب متحالفا مع السوريين وفى يوم 6 أكتوبر 1973 تندلع الحرب الخامسة بين العرب و إسرائيل ويحقق المصريون و السوريون ما يشبه الإعجاز فى أول أيام المعركة خاصة على الجبهة المصرية التى شهدت عملية العبور العظيم ، وعند الحديث عن العبور يجب التنبيه إلى نقطة هامة وجوهرية لقد تم العبور بسواعد المصريين وعبر خطة محكمة وأداء مذهل بالسلاح السوفيتى ولكنه أيضا تم بفضل السوريين ، فالطيران الإسرائيلى وهو ذراع إسرائيل الطويلة ركز 80% من قوته على الجبهة السورية فى اليوم الأول للحرب لقربها من العمق الإسرائيلى ولآن المدرعات السورية فى اندفاعها لتحرير أراضيها المحتلة أوحت للإسرائيليين أنها ستدخل إلى فلسطين المحتلة ذاتها ، لذا تم تركيز 80 % من الطيران الإسرائيلى على الجبهة السورية ، و20 % على الجبهة المصرية التى تفصلها صحراء سيناء الشاسعة عن العمق الإسرائيلى ، وهو ما كان له دوره فى نجاح عملية العبور العظيم بالطريقة التى تمت بها .
وهكذا بالدليل العملى ثبت جدوى الوحدة خلال اليوم الأول للمعركة ، فقد حققت حرب 1973 مخاوف بن جوريون من قيام دولة الوحدة التى شبهها بوقوع إسرائيل بين فكى كسارة البندق ، وبرغم تفجر الخلافات أثناء الحرب وبعدها بين مصر و سوريا والاتهامات المتبادلة بين الرئيسين السادات والأسد عقب قرار الرئيس السادات بالوقفة التعبوية وعدم التزامه بما تم الاتفاق عليه مع الرئيس الأسد قبل الحرب ، فقد كسرت حرب 1973 هالة تفوق المقاتل الإسرائيلى و تخلف الجندى العربى .
منحت الحرب الرئيس السادات الشعبية التى كان يفتقدها منذ بداية حكمه وجلبت له شرعية جديدة غير مستمدة من شرعية سلفه الرئيس عبد الناصر رغم أن الجيش المصرى الذى حارب و أنتصر تم بناءه فى عهد الرئيس عبد الناصر والخطط التى نفذت كانت موروثة من عهد الرئيس عبد الناصر ، ولكن الرئيس السادات قرر استغلال الانتصار العسكرى فى تحويل مسار مصر والانقضاض على الناصرية وعلى العروبة .
فى يوم 7 نوفمبر وبعد وقف إطلاق النار بأيام قليلة كان الرئيس السادات يستقبل هنرى كيسنجر فى قصر الطاهرة للمرة الأولى مباشرة بعد العديد من الرسائل بينهما قبل الحرب وأثناءها وبعدها ، وفى هذا الاجتماع المنفرد بين الرجلين فوجئ كيسنجر كما كتب بنفسه فى مذكراته بالسادات وأطروحاته ،

فالرئيس السادات لم يطلب منه أن تعمل الولايات المتحدة على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة فى حرب 1967 فى إطار تسوية شاملة للصراع العربى الإسرائيلى وتفاوض على حقوق الشعب الفلسطينى ،

بل كل ما طلبه هو انسحاب إسرائيلى من ثلثى سيناء حتى خط العريش – رأس محمد ،

وبهذا خالف الرئيس السادات الموقف العربى الثابت منذ حرب 1967 ،

وحتى هذا المطلب رغم سرور كيسنجر به ، رفضه كيسنجر قبل الرجوع للإسرائيليين ،

والرئيس السادات يصارح كيسنجر أن حصار الجيش الثالث ليس جوهر المسألة وخطوط 22 أكتوبر لا تصلح للنقاش بين صانعى سياسة مثله هو وكيسنجر ، أن السادات راغب بشدة فى عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر و الولايات المتحدة ،وهى العلاقات التى تم قطعها بين مصر والولايات المتحدة عقب حرب 1967

وإثر الدور الأمريكى الواضح فى الحرب تخطيطا وتنفيذا ، وإثر هذا القرار المصرى قطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية بالولايات المتحدة وتم خروج 62 ألف أمريكى من الوطن العربى فى مشهد مهين لهيبة وكرامة الولايات المتحدة الأمريكية ، وهاج الرئيس الأمريكى جونسون معتبرا ما حدث صفعة لمكانة الولايات المتحدة وتحريض شرير من الرئيس عبد الناصر ،

وطوال الفترة من 1967 وحتى 1973 حاولت الولايات المتحدة العمل على عودة العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية دون جدوى لإصرار مصر على أن تلزم الولايات المتحدة إسرائيل بالانسحاب من الأراضى العربية قبل تلك الخطوة ،والآن يقوم الرئيس السادات وبعد حرب ضارية اهتزت فيها ثقة إسرائيل وتم كسر جيشها بتقديم هذا العرض المجانى ، أغتبط كيسنجر لذلك وفى ذهنه ما هو أبعد وأهم ، فعودة العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية تفتح الباب لعودة علاقات أمريكا بكل دول العالم العربى

،ويبلغ الرئيس السادات كيسنجر أنه قرر أن يرفع مستوى التمثيل الدبلوماسى فورا من قائم بالأعمال إلى سفير بالنسبة لمصر والولايات المتحدة ، وكل ذلك بدون مقابل ،

ولم يكتف الرئيس السادات بذلك بل يبلغ كيسنجر أنه ليس خلفا للرئيس عبد الناصر بل خلفا لأجداده من الفراعنة الكبار ، ويبلغه أنه ينوى تصفية ميراث سياسات الرئيس عبد الناصر الاقتصادية والاجتماعية وتوجهاته القومية العربية ،

و سيعمل على طرد السوفيت من الشرق الأوسط

ويقول السادات لكيسنجر لقد كانت حماقة وطيش من عبد الناصر محاولاته الدائمة لابتزاز الأمريكان وتحقيق أهداف مصر من خلال محاربة السياسة الأمريكية فى العالم العربى وعلى امتداد العالم ، وإن مصر خاضت ما يكفيها من حروب من أجل العرب وتتطلع إلى السلام ،

يسجل كيسنجر فى مذكراته تلك الكلمات عن الرئيس السادات ( أنه يمثل لى أفضل فرصة لكى نقلب المشاعر و الاتجاهات العربية والمواقف العربية تجاه إسرائيل ، وهى أفضل فرصة تتاح لدولة إسرائيل منذ قيامها) ، يقول كيسنجر أنه هو الذى أوحى للرئيس السادات أن المشكلة بين مصر وإسرائيل هى مشكلة نفسية نتجت عن عدم ثقة إسرائيل بنوايا مصر وخوفها على أمنها ، وأن يجب على مصر أن تعطى إسرائيل الإحساس بالأمان وتهتم بشئونها فقط بدلا من الاهتمام بمشاكل العرب الآخرين، وكالعادة يوافقه الرئيس السادات ويصارحه أن المشكلة الأساسية نجمت من رفض الرئيس عبد الناصر الاعتراف بالهزيمة عام 1967 وإصراره على الحل العسكرى للصراع وتمسكه بحل شامل على كل الجبهات العربية مما كلف مصر الكثير .

كان خيار الرئيس السادات خروج مصر من العروبة و البحث عن حل فردى لصراعها مع إسرائيل وفصل الجبهات العربية هو البداية لعقود مريرة فى التاريخ العربى المعاصر ، مزقت الوطن العربى شر ممزق ، لم تكن عروبة مصر مغامرة أو رغبة فى الزعامة من الرئيس عبد الناصر بل كانت فرض التاريخ والجغرافيا على مصر ، ولم تكن حروب مصر مع إسرائيل من أجل العرب فقط بل من أجل مصر فى المقام الأول ، لقد أنشأت إسرائيل لعزل مصر فى أفريقيا و لوراثة دورها فى الوطن العربى ، يقول رئيس الوزراء الإسرائيلى بن جوريون لوزير الخارجية الأمريكى جون فوستر دالاس فى 14 مايو 1953
: ( أنكم مهتمون بمصر وأود أن ألفت نظركم إلى أن إسرائيل تملك نفس المزايا التى تملكها مصر ، فكلاهما يطل على البحر الأبيض والبحر الأحمر وما بين ميناء إيلات و ميناء حيفا يمر نفس الشريان الحيوى الذى يمر بين بورسعيد و السويس وهو مهيأ لحفر قناة جديدة تصل مابين البحرين ، وأنا لا أعرف لماذا يريد المصريون أن نخرج من النقب ، إن لديهم صحارى بأكثر مما يكفيهم و لديهم أرض تزيد عن حاجتهم وحجم بلادهم يساوى 36 مرة حجم إسرائيل ) ، هكذا يعلنها بن جوريون بصراحة إسرائيل تستطيع بموقعها وراثة دور مصر ،وإسرائيل ليست مستعدة للتخلى عن صحراء النقب لأنها تفصل مصر عن المشرق العربى .
ويروى الأستاذ هيكل فى برنامجه ( مع هيكل ) وقائع لقائه مع رئيس الوزراء الفرنسى الأسبق كوف دى مورفيل
الذى قال له أنه جرت في الشرق الأوسط معركتين معركة دخول إسرائيل، ومعركة خروج مصر، وان دخول إسرائيل لا يتحقق إلا بخروج مصر، وان بريطانيا هى الدولة التى ساعدت على دخول إسرائيل ، والولايات المتحدة الأمريكية هى الدولة التي يجب أن تحقق خروج مصر ، وأنكم كعرب تنبهتم للمعركة الأولى الخاصة بدخول إسرائيل وغابت عنكم معركة خروج مصر ، أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد لمصر أن تعبر خط قناة السويس ، لا مانع لدى الأمريكيين من أن تصبح مصر بلد أفريقى جيد أو بلد إسلامى جيد ولكنهم لا يريدون أن تكون مصر بلد عربى جيد ، لقد كانت كل مشاكل الغرب مع جمال عبد الناصر بسبب أنه جلب المشرق العربى إلى مصر وأهتم بصياغة مشروع للوحدة عربية .
يقول الصحفى المصرى الأستاذ أنيس منصور رائد التطبيع مع إسرائيل والمقرب من الرئيس السادات أن فى تاريخ إسرائيل مفاجأتين :
الأولى : وعد بلفور : الذى أنتقل بإسرائيل من مجرد الحلم إلى الواقع ، وأقام لها شعبا و أرضا و جيشا .
والثانية : مبادرة السادات عام 1977 التى منحت إسرائيل الحياة و البقاء .
ويضيف الأستاذ أنيس منصور : ( رأيت شخصية يهودية مخلصة تقول للرئيس السادات : لو قبلت قدميك الآن فسوف يكون ذلك أعمق صلاة ، فقد أنقذت الشعب اليهودى من الدمار ) .
هذه الشهادة للأستاذ أنيس منصور وثيق الصلة بالرئيس السادات والمؤمن بسياسات السادات تمنحنا رؤية واضحة عن مدى اهتمام الإسرائيليون بالصلح مع مصر لضمان خروجها من الصراع العربى الإسرائيلى كما توضح مدى امتنان الإسرائيليين لسياسات الرئيس السادات التى منحتهم السلام مع مصر الذى حلموا به منذ تأسيس دولتهم ، الغريب فى الأمر أن الرئيس عبد الناصر رفض عقب الهزيمة الفادحة عام 1967 أن يقبل مجرد التفاوض المباشر مع إسرائيل ، كما لم يقبل الحل الجزئى وعودة سيناء فقط لمصر وأصر على الحل الشامل بينما قبل الرئيس السادات الحل الجزئى وعودة سيناء فقط منزوعة السلاح إلى مصر رغم النصر فى حرب أكتوبر 1973 ، وتلك مفارقة غير مفهومة وغير مسبوقة فى التاريخ كله .
لفت نظرى فى كل السير الذاتية التى كتبها أوربيون وأمريكيون عن الرئيس جمال عبد الناصر أن هناك أكليشيه واحد متكرر يجمع بين تلك السير الذاتية للرئيس الراحل هو ( أنه كان بإمكان الرئيس عبد الناصر أن يفعل المزيد من أجل رفاهية مصر لو أنه قلل من مساعداته وتدخلاته فى شئون الدول العربية الأخرى ).
يبدو هذا الأكليشيه المتكرر بما يحمله من معانى شديد الدلالة عن الرؤية الغربية لمصر ، ولكن هل كانت عروبة مصر سببا فى مشاكل مصر الاقتصادية بالفعل ؟
لقد ساعد الرئيس جمال عبد الناصر الثورة الجزائرية بمبلغ 60 مليون جنيه مصرى ، وبعد استقلال الجزائر عام 1962 أشترى الرئيس بومدين أسلحة لمصر فى الفترة من سنة 1967 إلى سنة 1973 بمبلغ 200 مليون دولار ، وفى فترة الوحدة دفعت مصر لسوريا مبلغ 6 ملايين جنيه مصرى ، وفى مواجهة حلف بغداد لم تنفق مصر شيئا بل دعمت إذاعاتها وكتلت الشعوب العربية لمقاومة المشاريع الاستعمارية فى المنطقة ، وأنفقت مصر مبلغ 500 مليون جنيه لإنشاء الدولة الحديثة فى اليمن ولنقل اليمن إلى القرن العشرين ، وبعد حرب 1967 فى قمة الخرطوم 1967 تعهدت الدول العربية بدفع 95 مليون جنيه سنويا لمصر لتعويض خسائرها فى الحرب ، وفى الفترة من سنة 1973 إلى سنة 1977 وقبل مبادرة السادات للسلام دفعت الدول العربية لمصر مبلغ تتراوح تقديراته من 16 مليار دولار إلى 21 مليار دولار .
وعندما أجتمع مؤتمر القمة العربى فى بغداد سنة 1979 وجدت الدول العربية أن خروج مصر على الصف العربى بصلح منفرد مع إسرائيل سوف يؤدى إلى إضعاف الوطن العربى ، وفى محاولة لإثناء الرئيس عن توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل ، قرر الحكام العرب إرسال وفد ممثلا لهم يحمل عرضا للرئيس السادات بمنح مصر مبلغ 5 مليارات دولار كمنحة لا ترد وتدفع مرة واحدة .
رفض الرئيس السادات مجرد استقبال وفد القمة العربية وقال : ( أنا لا أريد أن أظل مع المتخلفين ، وإنما مكانى هناك فى الغرب مع المتقدمين ) .
ولكن حتى مع الأخذ فى الاعتبار تبريرات الرئيس السادات لمواقفه وسياساته فإذا نظرنا إلى عروبة بمصر بمنطق التجار والسماسرة من الحكام سوف نجد بحسبة بسيطة أن مصر هى المستفيدة ماديا من عروبتها ومن قيادتها للوطن العربى ، وهو ما ينسف كل مبررات الرئيس السادات لما فعله بعد حرب أكتوبر 1973 .

ولنلقى نظرة أكثر شمولا على أوضاع مصر الاقتصادية فى زمن العروبة والحروب مع إسرائيل ( زمن المتخلفين كما وصفه الرئيس السادات ) .

تخبرنا الأرقام وهى لا تكذب و لاتتجمل بالتالى : أن مصر فى عهد العروبة والحروب حققت نسبة نمو من عام 1957 – 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا

ومصدر هذا الرقم تقرير البنك الدولى رقم [870 – أ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976.

وهذا يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر .

كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها فى العالم المتقدم باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية

فمثلا ايطاليا وهى دولة صناعية متقدمة و من الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تقدر ب4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية .

وبدأت مصر مع الهند و يوغوسلافيا منذ بداية الستينيات مشروعا طموحا لتصنيع الطائرات والصواريخ والمحركات النفاثة والأسلحة

وحتى سنة 1967 كانت مصر متفوقة على الهند فى صناعة الطائرات والمحركات النفاثة

وتم صنع الطائرة النفاثة المصرية القاهرة 300

وصنعت مصر أول صاروخين من إنتاجها بمساعدة علماء الصواريخ الألمان ولكن شابهما عيوب فى أجهزة التوجيه .

فى عام 1966 كان الفارق بين البرنامج النووى المصرى ، ونظيره الإسرائيلى عام ونصف لصالح البرنامج النووى الإسرائيلي ، ورغم النكسة كانت مصر على وشك تحقيق توازن القوى فى المجال النووي بينها وبين إسرائيل بحلول سنة 1971

و فى يوم 5 يونيو 1967 جاء يوم الحساب لتجربة ومشروع جمال عبد الناصر فى الحرب العدوانية التى شنتها أمريكا وإسرائيل لإجهاض مشروع النهضة العربى الذى يقوده جمال عبد الناصر ، تلك الحرب التى وصفها الرئيس الفرنسى شارل ديجول بأنها ( المعركة أمريكية و الأداء إسرائيلى )

ورغم عنف الضربة وفداحة الهزيمة العسكرية .

هل انهارت مصر وانتهت كما يحاول إقناعنا بعض العملاء من مدمنى تكريس الهزيمة والمعادين للعروبة ، أن العروبة و حرب 1967 هما سبب كل مشاكل مصر ؟!!

بإلقاء نظرة على أوضاع مصر عقب الهزيمة يتضح لنا الأتى تحمل الاقتصاد المصرى تكاليف إتمام بناء مشروع السد العالى العملاق ، ولم يكتمل بناء هذا السد إلا سنة 1970 قبيل وفاة الرئيس عبد الناصر .

السد العالى الذى اختارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسى و تنموى فى القرن العشرين و الذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو .

كما تم بناء مجمع مصانع الألمونيوم فى نجع حمادى وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه .

وفى ظل النكسة حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة

بل أن هذه النسبة زادت فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا

وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول و أخر مرة فى تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان .

تحمل الاقتصاد المصرى عبء إعادة بناء الجيش المصرى من الصفر وبدون مديونيات خارجية كانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث و أجهزة كهربية .

وكان الرئيس عبد الناصر يفخر أنه يرتدى بدل وقمصان غزل المحلة ويستخدم الأجهزة الكهربائية المصرية ( ايديال )

كما ترصد تقارير البنك الدولى بعض مظاهر التحول الاجتماعى العميق الذى شهدته مصر مابين عامى (1952- 1970 )

حيث زادت مساحة الأرض الزراعية بأكثر من 15 %

ولأول مرة تسبق الزيادة فى رقعة الأرض الزراعية الزيادة فى عدد السكان

لقد كان جمال عبد الناصر أول حاكم مصرى منذ عهد الفراعنة يوسع رقعة وادى النيل .

وزاد عدد الشباب فى المدارس والجامعات والمعاهد العليا بأكثر من 300 %

وزادت مساحة الأراضى المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2,1 مليون فدان إلى حوالى 4 مليون فدان .

كما حدث تقدم ملحوظ فى مجال المساواة ، والعدالة الاجتماعية فى المدن أيضا بفعل الضرائب .

وتم وضع حدود دنيا وعليا للرواتب والمرتبات

فلا أحد يعيش برفاهة وبذخ ولا أحد يعيش دون مستوى الكفاف

وقبيل وفاة الرئيس عبد الناصر أتمت مصر بناء حائط الصواريخ الشهير وأتمت خطط العبور وتحرير الأرض العربية كلها وليس تحريك الموقف

وبقبول الرئيس عبد الناصر لمبادرة روجرز

أستطاع أبطال القوات المسلحة تحريك حائط الصواريخ العظيم حتى حافة قناة السويس .

وبذلك تم إلغاء دور الطيران الاسرائيلى ذراع إسرائيل الطويلة فى الهجوم على مصر غرب قناة السويس

و أصبح اندلاع حرب التحرير،وعبور الجيش المصرى للضفة الشرقية مسألة وقت .

كان الرئيس عبد الناصر يقدرها بزمن لا يتأخر عن أبريل 1971

وقبيل وفاة الرئيس صدق على الخطة جرانيت . وهى خطة العبور التى نفذ الجزء الأول منها فى ظهيرة يوم 6 أكتوبر 1973

كما صدق على الخطة 200 وهى الخطة الدفاعية التى تحسبت لحدوث ثغرة فى المفصل الحرج بين الجيشين الثانى والثالث المصرى .

و الغريب أن الثغرة حدثت كما توقعت الخطة 200 بالضبط عقب قرار الرئيس السادات المتأخر بتطوير الهجوم المصرى يوم 14 أكتوبر 1973

صعدت روح الرئيس عبد الناصر إلى بارئها و اقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية ، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولى .

وثمن القطاع العام الذى بناه المصريون فى عهد الرئيس عبد الناصر بتقديرات البنك الدولى بلغ 1400 مليار دولار .

ولدى مصر أكبر قاعدة صناعية فى العالم الثالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثقيلة وتحويلية وإستراتيجية .

كما تم خفض نسبة الأمية من 80 % قبل 1952 إلى 50% عام 1970 بفضل مجانية التعليم فى كل مراحل الدراسة .

كما تم دخول الكهرباء والمياه النظيفة والمدارس والوحدات الصحية والجمعيات الزراعية إلى كل قرى مصر .

وتم ضمان التأمين الصحى والاجتماعى والمعاشات لكل مواطن مصرى

كل ذلك تم بدون ديون .

كما لم تكن عملة مصر مرتبطة بالدولار الأمريكى بل كان الجنيه المصرى يساوى ثلاثة دولارات ونصف ، ويساوى أربعة عشر ريال سعودى بأسعار البنك المركزى المصرى .

كما تخبرنا الأرقام أن مصر فى زمن العروبة والحروب أشترت أسلحة من الاتحاد السوفيتى من سنة 1955 إلى سنة 1973 بمبلغ 4 مليار دولار ، سددت من هذا المبلغ مليار دولار فقط للسوفيت الذين تنازلوا عن الثلاثة مليارات الباقية لمصر ، خاضت مصر بالسلاح السوفيتى أربع حروب ضد إسرائيل : حرب السويس 1956 ، حرب يونيو 67 ، حرب الاستنزاف 1967 – 1970 ، حرب أكتوبر 1973 .

وبالنسبة لحرب اليمن فقد كانت كل أسلحتها منحة من السوفيت للقوات المسلحة المصرية ، ولم تدفع مصر قرشا واحدا فيها .

فى نفس تلك الفترة الزمنية من 1955 حتى 1975 كان شاه إيران البائد يشترى من الولايات المتحدة سنويا أسلحة بمبلغ 4 مليار دولار يدفعها مقدما ونقدا .

الطريف فى الأمر أنه عقب قرار الرئيس السادات بتنويع مصادر الحصول على السلاح ، أشترت مصر من الغرب فى الفترة من سنة 1974 إلى سنة 1978 أسلحة بمبلغ 7 مليار دولار ، أى أن مصر فى ظل البحث عن السلام وعقب إعلان الرئيس السادات أن حرب أكتوبر 1973 هى أخر الحروب أشترت أسلحة فى 4 سنوات فقط بثمن مضاعف لما أشترته من أسلحة خلال 20 عاما شهدت خمس حروب !!

كما تخبرنا أرقام منظمة الصليب الأحمر الدولى أن مصر من سنة 1948 وحتى سنة 1973 خاضت 5 حروب ضد إسرائيل خسرت فيها

39 ألف شهيد
73 ألف جريح
61 ألف معوقا

بينما تخبرنا الأرقام أن مصر خلال الفترة من 1980 وحتى 2010 وبدون أن تخوض أى حروب ضد إسرائيل خسرت فى حوادث الطرق 180 ألف قتيل ، و500 ألف جريح و معوق ، لأن مصر منذ الثمانينيات تحتل مركز من المراكز الثلاثة الأولى ضمن أعلى الدول فى حوادث الطرق .

وهكذا فإن الخروج من العروبة، ومقولات الرئيس السادات عن أخر الحروب وحفظ دماء المصريين لم يحفظ دماء المصريين ، ولم يمنع عنهم الموت فى حوادث عبثية على الطرق .

والأرقام الاقتصادية الموثقة أثبتت أن العروبة لم تكن أبدا مغامرة ناصرية غير محسوبة ، لم تكن أبدا رغبة فى الزعامة أو بحثا عن مجد شخصى للرئيس عبد الناصر بل كانت ذات خير مزدوج لمصر وللأمة العربية كلها .

لم تكن العروبة أبدا عائقا أمام تقدم مصر الاقتصادى والاجتماعى ، وما أنفقته مصر فى سبيل القضايا العربية استردته أضعافا مضاعفة .

أن حل مشاكل مصر هو فى تبنى دورها الطبيعى فى قيادة الوطن العربى وليس بالانسحاب من دورها الذى فرضته عليها الجغرافيا ، وفرضه عليها التاريخ .

مصر العروبية المغامرة المحاربة حققت أعظم مشروع نهضوى عربى فى القرن العشرين فى خلال فترة لم تتجاوز 20 عاما ، بينما مصر أولا مصر المهادنة المنعزلة عن مشاكل إقليمها ، مصر الحكيمة المسالمة المستسلمة

ما الذى حققته منذ عام 1974 حتى الآن ؟

هل حلت مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ؟

هل انتقلت إلى العالم الأول أو حتى العالم الثانى ؟

هل حققت اختراقات علمية وتقنية وثقافية ؟

هل تحسنت أحوال الشعب المصرى الصحية والاقتصادية والتعليمية ؟

مالذى جنته مصر من سياسة مصر أولا ، وكفاية عروبة ، وخيار السلام الاستراتيجى ، و 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا فى كل تلك الفترة الزمنية الطويلة ؟

التى تكفى وتزيد لبناء مصر كلها من الصفر من أسوان إلى الإسكندرية لو كانت مصر حطاما مدمرا وخرابا .

لقد انتقلت ماليزيا فى أقل من 30 عام من حكم ( مهاتير محمد ) من حال إلى حال اقتصاديا وتقنيا وتعليميا ، وإيران الثورية المحاصرة المشاغبة تحقق كل يوم قفزة فى برنامجها النووى وفى صناعة الصواريخ والأقمار الصناعية ، وتركيا فى خلال أقل من 20 عاما حققت قفزات نوعية فى مجالات التعليم والصحة وصناعة السلاح .

فما الذى حققته مصر خلال كل تلك الأعوام من السلام مع العدو والخروج من دورها فى الوطن العربى ؟

عندما تقابل الزعيم الكوبى فيدل كاسترو مع الرئيس جمال عبد الناصر عام 1960 فى نيويورك أثناء اشتراكهما فى أعمال الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة دار بينهما الحوار التالى :

كاسترو : إن انتصار مصر فى السويس كان إلهاما كبيرا لنا ونحن نقاتل فى جبال ” سييرا مايسترا ” . ورحنا نقول لأنفسنا : إذا كانت مصر وحدها قد استطاعت أن تتصدى لغزو ثلاث دول – بريطانيا و فرنسا و إسرائيل – فمعنى ذلك أننا نستطيع .

إن كوبا مهددة بالغزو يا سيادة الرئيس ، ونحن نريد أن نستفيد من خبرتكم فى دحر الغزاة .

جمال عبد الناصر : إن الخطأ الذى وقع فيه الغزاة فى السويس هو أنهم تصوروا مصر وحدها ، وهذا ليس صحيحا .

ان تفاعلات تاريخية وحضارية – بما فى ذلك وحدة الدين واللغة و الثقافة – جعلت شعب مصر واحدا من شعوب أمة كبيرة يربطها نفس المستقبل ويجمعها نفس المصير .

وهذا هو سر انتصار مصر و سر هزيمة أعداء لها كانوا أقوى منها .

انهم وضعوا خطتهم على أساس مصر وحدها ، وحين جاءوا للغزو فقد اكتشفوا متأخرين أن مصر لم تكن وحدها .

انهم فوجئوا أن أمة بأسرها تمتد أرضها من المحيط إلى الخليج قامت ضدهم

نحن أغلقنا قناة السويس ، ولكن نسف خط أنابيب البترول عبر سوريا لم يكن فى تأثيره أقل من قفل خليج السويس ، لقد توقف مرور البترول من الشرق الأوسط إلى الغرب ، ومن بغداد إلى الدار البيضاء أصبحت المنطقة كلها عرضة للانفجار .

إننا قاومنا فى ميدان القتال أحد عشر يوما وحدنا ، ومع كل يوم مقاومة كانت أرصدتنا السياسية تزداد وتكبر ، ذلك أدى إلى هزة فى العالم ، ذلك هو الذى شجع الاتحاد السوفيتى ، ذلك هو الذى أرغم ” أيزنهاور ” على أن يقف ضد حلفائه .

ما أريدك أن تعرفه هو أن مصر لم تكن وحدها ..

هذا هو سر انتصارنا فى السويس .


عمرو صابح

كاتب وباحث عربى من مصر

 

 

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: