الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

عبد الناصر 67

نــــــــــاصــــــــــر 67

بقلم : عمرو صابح
_____________________

في يوم 5 حزيران- يونيو من كل عام تحل الذكرى الكئيبة لهزيمة العرب في حرب عام 1967 وقد أصبحت تلك الذكرى بمثابة موسم سنوى للندب واللطم وشق الثياب والتنديد بجمال عبد الناصر وعهده، والإدعاء بأن تلك الهزيمة هى سبب كل ما تعانيه مصر من مشاكل ومصائب وأزمات الآن،وكأن 43 عاما كاملة لم تمر على تلك الذكرى الكئيبة، وكأن جمال عبد الناصر نفسه لم تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها منذ 40 سنة.

ونجد البعض يسأل ببلاهة منقطعة النظير: من المسئول عن الهزيمة؟

وكأن الرئيس عبد الناصر لم يعلن في خطابه يوم 9 حزيران- يونيو 1967 مسئوليته الكاملة عما حدث وخطأ تقديراته واستقالته من منصبه، وقبوله لأى عقاب، وكأن الشعوب العربية كلها لم ترفض استقالته وتطالبه بالبقاء والثأر.

وخلال موسم اللطم والندب وصب اللعنات على جمال عبد الناصر الذى وقعت الهزيمة على يديه، يتم التغافل عن حرب الإستنزاف وحرب تشرين الأول- أكتوبر 1973 وزيارة السادات للقدس ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، والقفز فوق كل ذلك وكأن عبد الناصر مازال يحكم حتى الآن.

تبدو تلك الظاهرة من أغرب ما يكون ولا يوجد مثيل لها إلا في مصر وفى الوطن العربى،فلا توجد أمة في التاريخ لم تتعرض للهزيمة وبصورة أبشع وأكثر ضراوة مما حدث في حرب حزيران- يونيو 1967، فقد تعرضت ألمانيا وفرنسا واليابان في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال ليس فقط للهزيمة ولكن لأحتلال المنتصر لأراضيهم،وتعرضت بريطانيا لهزائم مروعة خلال معارك الحرب العالمية الثانية قبل أن تنتصر في نهاية الحرب، ولم نجد مسئولا من أى دولة منهم يخرج ليعلن لشعبه أن سبب ما تعانيه تلك الدول من مشاكل يرجع لهزيمة وقعت في أربعينيات القرن الماضى، وحتى الولايات المتحدة الأميركية أعظم قوة في التاريخ حتى الآن تعرضت في 11 أيلول- سبتمبر 2001 لهجوم بالطائرات أسقط هيبتها وكشف عورات نظامها الدفاعى، وأوضح للعالم أنه مهما بلغت قوة أى دولة فمن الممكن ضربها وإيذاءها..

يبدو ما يحدث في مصر بالذات في ذكرى النكسة مقصودا ومدروسا بدقة فالأمر يشبه تحميل الشعب المصرى بعقدة ذنب مما حدث من أجل تذكيره دوما أن عبد الناصر جلب الهزيمة لبلده وكأن تاريخه كله هو تلك الهزيمة،وليس شيئا أخر،وكأن قطار التاريخ توقف في محطة 5 يونيو،ولم يغادرها حتى الأن.

حقيقة أوضاع مصر بعد الهزيمة

تحمل الاقتصاد المصرى تكاليف إتمام بناء مشروع السد العالى العملاق، ولم يكتمل بناء هذا السد إلا سنة 1970 قبيل وفاة الرئيس عبد الناصر الذى أعلن بشرى انتهاء المشروع العملاق أثناء خطابه في العيد الثامن عشر للثورة.

السد العالى الذى اختارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسي وتنموي في القرن العشرين.

السد العالي الذى يعادل في حجم بناؤه 17 هرما من طراز هرم خوفو.

كما تم بعد النكسة بناء مجمع مصانع الألمونيوم في نجع حمادي وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه.

وفي ظل النكسة حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادي قبل النكسة والتى بلغت 7% حسب تقرير البنك الدولى رقم «870 أ» عن مصر الصادر في واشنطن بتاريخ 5 كانون الثاني-يناير 1976.

بل أن هذه النسبة زادت في عامي 1969 و 1970 وبلغت 8% سنويا.

كانت تلك النسبة للنمو الاقتصادي في مصر لا مثيل لها في العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى في أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف في المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية.

فمثلا ايطاليا وهى دولة صناعية متقدمة و من الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تقدر بـ4.5% فقط في نفس الفترة الزمنية.

وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول و أخر مرة في تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.

تحمل الاقتصاد المصرى عبء إعادة بناء الجيش المصرى من الصفر وبدون مديونيات خارجية كانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث و أجهزة كهربية.

وكان الرئيس عبد الناصر يفخر أنه يرتدى بدل وقمصان غزل المحلة ويستخدم الأجهزة الكهربائية المصرية ( ايديال)، وقبيل وفاة الرئيس عبد الناصر أتمت مصر بناء حائط الصواريخ الشهير وأتمت خطط العبور وتحرير الأرض العربية كلها وليس تحريك الموقف.

وبقبول الرئيس عبد الناصر لمبادرة روجرز، أستطاع أبطال القوات المسلحة تحريك حائط الصواريخ العظيم حتى حافة قناة السويس.

وبذلك تم إلغاء دور الطيران الاسرائيلي ذراع إسرائيل الطويلة في الهجوم على مصر غرب قناة السويس وأصبح اندلاع حرب التحرير، وعبور الجيش المصري للضفة الشرقية مسألة وقت.

كان الرئيس عبد الناصر يقدرها بزمن لا يتأخر عن نيسان-أبريل 1971.

وقبيل وفاة الرئيس صدق على الخطة جرانيت. وهي خطة العبور التي نفذ الجزء الأول منها في ظهيرة يوم 6 تشرين الأول- أكتوبر 1973.

كما صدق على الخطة 200 وهي الخطة الدفاعية التي تحسبت لحدوث ثغرة في المفصل الحرج بين الجيشين الثاني والثالث المصري.

صعدت روح الرئيس عبد الناصر إلى بارئها بعد ثلاثة أعوام من النكسة واقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولي.

وثمن القطاع العام الذي بناه المصريون في عهد الرئيس عبد الناصر بتقديرات البنك الدولى بلغ 1400 مليار دولار.

ولدى مصر أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت في عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثقيلة وتحويلية وإستراتيجية.

كل ذلك بدون ديون فمصر في ليلة وفاة الرئيس عبد الناصر كانت ديونها حوالى مليار دولار ثمن أسلحة أشترتها من الاتحاد السوفيتي، وقد تنازل عنها السوفيت فيما بعد ولم يتم سدادها.

ولم تكن عملة مصر مرتبطة بالدولار الأميركي بل كان الجنيه المصرى يساوى ثلاثة دولارات ونصف، ويساوى أربعة عشر ريال سعودى بأسعار البنك المركزي المصري.

رحل الرئيس عبد الناصر والجنيه الذهب ثمنه 4 جنيه مصري.

كل تلك الانجازات تمت بعد النكسة ومن نفس النظام الذي تمت الهزيمة في عهده. لم تكن هزيمة حزيران- يونيو 1967 بسبب فشل نظام حكم عبد الناصر بل كانت عقابا أميركيا على نجاح عبد الناصر في بناء نموذج ثورى اقتصادى واجتماعي ناجح شكل خطرا جسيما على المشروع الأميركى والصهيونى في الوطن العربي.

وكانت كلمات الرئيس الفرنسى شارل ديجول خير معبر عن حقيقة عدوان يونيو 1967

المعركة أميركية والأداء إسرائيلي

وبعد رحيل الزعيم عبد الناصر دخلت مصر حرب أكتوبر وهى محكومة بكل آليات النظام الناصرى.

القطاع العام الذى يقود التنمية.

والجيش المصرى الذي بناه عبد الناصر عقب الهزيمة.

وحائط الصواريخ الذي حركه عبد الناصر لحافة القناة قبيل وفاته.

والخطط العسكرية الموضوعة منذ عهده.

رفض الرئيس عبد الناصر عقب الهزيمة مباشرة كل عروض السلام الإسرائيلية بعودة سيناء فقط إلى مصر مقابل سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وفى حديث له إلى أساتذة وطلبة الجامعات المصرية عقب مظاهرات الطلبة في نوفمبر 1968 يقول الرئيس جمال عبد الناصر: ” أنا عارف مدى الغضب ومدى المفاجأة اللى أصابتنا جميعا بعد النكسة وبعد اللى حاصل وعارف أن الشعب العربى في مصر غاضب وحزين لأن جيشه نال هزيمة غير مستحقة ولأن سيناء تم احتلالها بس أنا بدى أقول لكم حاجة الرئيس تيتو بعت لى رسالة جت له من ليفى أشكول رئيس وزراء إسرائيل بيطلب فيها أنه يقابلني في أي مكان في العالم لنتحدث ولكى نصل إلى حل وبيقول أنه مش هيتعامل معى معاملة منتصر مع مهزوم، وإن إسرائيل مستعدة ترد لنا سيناء من غير شروط مذلة إلا شرط واحد بس أن مصر تبقى دولة محايدة يعني لا قومية عربية ولا عروبة ولا وحدة عربية نبقى في حالنا ومالناش دعوة بإسرائيل ولا نحاربها، إسرائيل قتلت الفلسطينيين وإحنا مالنا، إسرائيل ضربت سوريا إحنا محايدين، ضربت الأردن.. لبنان، مصر مالهاش دعوة وما تتكلمش.

“يعنى خدوا سيناء وطلقوا العروبة والقومية والوحدة ونبيع نفسنا للشيطان، أنا طبعا قولت للرئيس تيتو الكلام ده مرفوض القدس والضفة والجولان وسيناء يرجعوا مع بعض، إحنا مسئولين عن كل الأراضي العربية، إحنا مسئولين عن حل مأساة شعبنا العربي في فلسطين، مش هنقبل شروط، ومش هنخرج من عروبتنا، ومش هنساوم على أرض ودم العرب، لن تقبل الجمهورية العربية المتحدة بحل جزئي أبدا، معركتنا واحدة وعدونا واحد وهدفنا واحد تحرير أرضنا كلها بالقوة و لن نقبل مشاريع منفصلة للسلام، حبيت أنقل لكم الموضوع ده علشان تعرفوا أن المشكلة مش سيناء بس، الأميركان واليهود ضربونا في 67 علشان يساومونا بيها على عروبتنا وعلى شرفنا وعلى قوميتنا”.

لم يعد سرا الآن بعد أن تم الإفراج عن معظم الوثائق الغربية أن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حاولتا باستماتة إغواء الرئيس عبد الناصر بقبول صلح منفرد مقابل استعادة سيناء كاملة وبغير قيود لنزع سلاح القوات المسلحة المصرية في سيناء بشرط الخروج من الصراع العربى الإسرائيلى.

فى حديث لرئيس وزراء إسرائيل ليفى أشكول مع مجلة نيوزويك الأميركية عدد 17 شباط- فبراير 1969 يقول: خلال العقدين الأخيرين كررنا دائما في إسرائيل قولنا بأننا مستعدون لمناقشة مشاكلنا مع ناصر، أننى مازلت مستعدا لأن أطير إلى القاهرة، ولن أتحدث مع ناصر كمنتصر ولكنى سأبلغه أن إسرائيل مستعدة لإعادة سيناء كاملة إلى مصر وبدون أى قيد أو شرط حيث أنه لم تكن لإسرائيل في أى وقت طلبات من أجل نزع سلاح سيناء، ولكن بالنسبة لمرتفعات الجولان والقدس و الضفة الغربية فأن إسرائيل ببساطة لن تتنازل عنها، سنرد لناصر سيناء بدون شروط مقابل أن يهتم بشئون مصر ولا يتدخل في شئون الدول العربية الأخرى “.

رفض الرئيس عبد الناصر كل تلك العروض وأصر على عودة الأراضى العربية كلها وعلى الوصول إلى حل شامل للصراع العربى الإسرائيلى، أدرك الرئيس عبد الناصر أن عروبة مصر هى قدرها و مستقبلها وسبيل العرب الوحيد للوحدة ككتلة قوية في عالم لا يرحم الكيانات الصغيرة، أدرك أن قيادة مصر للوطن العربى تكون بأفعالها وبكونها ممثلة لكل طموحات و أمال الشعوب العربية، لم تكن العروبة والقومية عنده تعنى السيطرة المصرية على الوطن العربى بل كانت رؤية عبد الناصر أشمل لمفهوم الأمن القومى العربى الجامع لكل الدول العربية وكان مؤمنا أن المصالح العربية مشتركة وواحدة، لذا رفض بشدة أن يخرج من عروبته وأن ينعزل بمصر،لذا بدأ التخطيط لرد الاعتبار والثأر مما حدث في حرب حزيران- يونيو 1967

طبق عبد الناصر عمليا مقولته الخالدة.. أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة…. لذلك لم ينم عبد الناصر منذ الهزيمة ليلة هنيئة حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها في 28 أيلول-سبتمبر 1970.. ثلاث سنوات أنجز فيها عبد الناصر ما أدى لصنع أسطورة العبور..يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه.. 6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية.. “” في الواقع أن فترة ما بين الحربين (حزيران- يونيو67، تشرين الاول- أكتوبر73). والتي استمرت نحو ست سنوات ونصف السنة. كانت فترة “كمون ” و”إعداد” ثم “اختمار” و”انطلاق” نحو القفزة الكبرى.. ونحن نستطيع أن نقدر هذه الفترة حق قدرها في سياق الصراع العام إذا نحن حللناها إلى مراحل تطورية. فهناك أربع مراحل أساسية.. (الصمود) (الردع)(الاستنزاف) ( وقف اطلاق النار).. فالصمود من “حزيران- يونيو 67 حتى آب- أغسطس 68” مدة سنة وشهران.. هي أساساً مرحلة “الدفاع الحذر” تخللتها معارك رأس العش والمدمرة إيلات وبعض معارك جوية متحدية.. والردع من “أيلول- سبتمبر68 حتى شباط -فبراير 69″ مدة ستة شهور.. هي أساساً مرحلة ” الدفاع النشط ” تلخصها معارك المدفعية التي اتصل فيها التراشق بالنيران عبر القناة.. وكان من نتائجها بناء العدو لخط بارليف الأول.. أما مرحلة الاستنزاف من “آذار-مارس 69 حتى آب-أغسطس 70″ مدة سنة ونصف السنة.. فتعد أساساً مرحلة ” الهجوم الحذر” ففيها تم تدمير خط بارليف ألأول بالمدفعية المكثفة المستمرة طوال شهرين.. آذار-مارس ونيسان- أبريل 1969.. ثم توالى عبور الكوماندوز ليلاً ونهارا بقوات متزايدة ثم بلا انقطاع، كما تكررت غارات الضفادع البشرية على موانئ العدو تحرقها وتغرق سفنه فيها، هذا فضلاً عن الغارات والمعارك الجوية المتصاعدة، وذلك كله في وجه غارات العدو المضادة على الجزر المنعزلة والعمق المدني إلى جانب جبهة القناة. أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي مرحلة وقف إطلاق النار من آب- أغسطس 70 حتى تشرين الأول- أكتوبر73″ مدة ثلاث سنوات وشهران.. وهي أساساً فترة اللاحرب واللاسلم.. من هذا التصنيف نرى أن فترة ما بين الحربين تكاد أولاً تنتصف ما بين مراحل الدفاع بأشكاله ودرجاته المختلفة ومابين مرحلة اللاحرب واللاسلم “ثلاث سنوات وشهران لكل منهما”.. والمراحل الدفاعية الأولى تكاد بدورها تنتصف بين الصمود والردع السلبي في جانب وبين الاستنزاف الإيجابي في الجانب الآخر.. “حوالي سنة ونصف السنة لكل منهما”.. وإذا كان العدو قد تفرغ في مرحلة وقف النار لبناء خط بارليف الثاني وتدعيم وجود في سيناء.. فقد تفرغت القوات المصرية للتدريب الداخلي النهائي والحاسم وإعادة بنائها وتطويرها للمعركة الكبرى.. وهكذا ترسم المراحل مجتمعة عملية متنامية متصاعدة تتعاقب وتتكامل في زحف صاعد منتظم من البناء العسكري والاختبار الحربي وكانت كلها بخبراتها وتجاربها ونتائجها مدرسة عملية أخرى بالفعل وتدريبات جزئية مجزأة على معركة التحرير الكبرى في أكتوبر… من هنا ثبت أن سنوات ما قبل المعركة.. تلك السنوات ” الست” القاسية والصبور.. لم تكن سدى.. ففي هذه الفترة أتيح لقواتنا وقياداتها المجال لنوعين أساسيين من التدريب والتجريب : تدريب نموذجي معملي.. وتدريب ميداني واقعي فبالتخطيط الثاقب الواعي والإرادة المصرة، جرى التدريب الشاق المثابر العنيد ” قيل 300تجربة”! على ” ماكيت” إقليمي من الحجم الطبيعي وفي لاندسكيب طبيعي اختير بعناية وعن عمد من ليكون أقرب ما يمكن شبهاً ببيئة القناة ومسرح القتال سواء تضاريس أرض أو عمق مجرى أو سرعة تيارات.. وقد كانت منطقة على قطاع من ترعة الإسماعيلية.. حيث أقيم سد ترابي مشابه تماما لسد العدو.. هي هذا المسرح التدريبي والتجريبي على العبور والاختراق.. كذلك فلقد أجريت عملية التدريب أحيانا على قناة السويس نفسها في قطاع يزدوج فيه عملية التدريب أحياناً على قناة السويس نفسها في قطاع يزدوج فيه مجراها.. حيث تتوسط المجرى جزيرة البلاح الغربي بينما كانت تسيطر عليه قواتنا سيطرة كاملة وفي مأمن تام من أنظار العدو وأخطاره.. ولا يظن أحد أن هذه التجارب والتدريبات.. حتى كتجارب وتدريبات. كانت بالمهمة السهلة.ففضلاً عن صعوبات توفير المسرح الملائم بالمواصفات المحددة.. كانت هناك اعتبارات إمكان استخدام الذخيرة الحية.. وبإحداث خسائر في الأرواح والممتلكات والمزروعات بل والأرض الزراعية نفسها.. كذلك ضرورة إقامة ثم هدم الساتر الترابي الصناعي عدة مرات في كل تجربة واحدة.. ثم تكريك وتطهير المجرى المائي من رديمها بعد تلك المرات وإعادته إلى مكانه على ألأرض من جديد.. كل أولئك مع ما يعني من مضاعفة أحجام مكعبات والردم والتكويم والتكريك عدة أضعاف الحجم الكلي للعملية الحقيقية الواحدة نفسها في ميدان القتال الفعلي. وكما يذكر كتاب حرب رمضان فإن تدريب وحدة هندسية واحدة ” من 80 وحدة مطلوبة” كان يستدعي تحريك حجم من الأتربة والوحل يعادل 12 مرة مثل ما ستقوم بإزاحته فعلاً أثناء المعركة، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 15 ضعفاً بالنسبة لمجمل العملية كلها تجريباً وتدريباً.. بهذا كله وبمثله وبغيره كانت العملية قد أصبحت بمثابة “الأمر اليومي” أو حتى الخبز اليومي بالنسبة للمهاجم المصري المقتحم.. كل المعدات والأسلحة جاهزة “مشونة” في أماكنها بالضبط لساعة الصفر.. وكل فرد يعرف دوره ومكانه ولحظته المحددة، مما حقق ساعة التطبيق نتائج قياسية مذهلة من الكفاءة والاقتدار والنجاح فاقت أعرض أحلام التخطيط نفسه وأشد توقعاته تفاؤلاً..

وقد أورد إبراهيم خليل إبراهيم في كتابه وطني حبيبي عن حرب أكتوبر وعن دور جمال عبدالناصر.. “رفض الشعب والجيش مرارة الهزيمة، وبعد اقل من شهر بعد نكسة 1967 تمكن عدد محدود من جنود الصاعقة من صد هجوم بعض الدبابات الإسرائيلية.. وانتهى القتال الذي دام أياما بايقاف تقدم القوات الإسرائيلية نحو جنوب بورسعيد، ولم تعاود القوات الإسرائيلية الهجوم عليها أبدا، وظلت رأس العش المنطقة الوحيدة التي لم تدنس بالاحتلال والقوات الإسرائيلية، وفي يومي الرابع عشر والخامس عشر من شهر يوليو عام 1967 قامت القوات الجوية المصرية بطائراتها المتبقية بغارة ضد المواقع الإسرائيلية قرب القنطرة وفجرت ودمرت تشوينات الأسلحة والذخيرة التي جمعتها إسرائيل من سيناء، ولاحت بوادر استرداد الثقة حينما تمكنت لنشات الصواريخ المصرية قرب بورسعيد في الحادي والعشرين من شهر أكتوبر عام 1967 من اغراق المدمرة الإسرائيلية ـ إيلات ـ والتي كانت تعادل ثلث المدمرات الإسرائيلية الموجودة بالبحر.وتوالت قصفات المدفعية المصرية علي طول مواجهة قناة السويس حتي عشرين كيلو مترا داخل سيناء. وفي عام 1968 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون رقم 4 الذي نظم وضع القوات المسلحة ضمن الإطار العام لأجهزة الدولة وحدد بمقتضاه سلطات فعالة لرئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى، واختصاصات وزير الحربية ورئيس الأركان، وتم إعادة تنظيم المناطق العسكرية لتغطي ارض مصر كلها، وتم علي أساس هذا التنظيم تحويل تنظيم قيادة المنطقة العسكرية الشرقية التي كانت تخضع لها من قبل وحتي عام 1967 م القوات الموجودة في سيناء، ومنطقة القناة بقيادتين ميدانيتين اقتسمتا الجبهة بالتساوي وهما : الجيش الثاني الذي كلف بالقطاع الشمالي من الجبهة، والجيش الثالث الذي كلف بالقطاع الجنوبي، وأنشئت أيضا قيادة قوات الدفاع الجوي وأصبحت مع أوائل عام 1968 م بمثابة القوة الرئيسية الرابعة في القوات المسلحة. وقد شهدت القوات الجوية عملية بناء غير مسبوقة شملت تخرج 12 دفعة من الطيارين، 10 دفعات من الملاحين، وتجهيز هندسي لمختلف المطارات والقواعد الجوية وإنشاء مطارات جديدة في كل أنحاء مصر، وتعددت صور الإنشاءات بين دشم محصنة، ودشم ذخيرة، ومراكز قيادة، وبلغ حجم الإنشاءات في القوات الجوية ثمانية أضعاف الهرم الأكبر، وتضاعفت ساعات الطيران للطيارين مرتين ونصف، وتضاعفت طلعات رمي الطيارين بالقنابل والصواريخ مابين 18 الي 20 مرة. وكانت عملية إعادة بناء قوات الدفاع الجوي تمثل في حد ذاتها قصة بطولة بمفردها حيث كان لدينا فقط بضعة مدافع ورشاشات مضادة للطائرات، وعدد ضئيل من بطاريات الصواريخ، وقليل من أجهزة الرادار. وقد حاولت إسرائيل تدمير إرادة مصر فقامت بغارات جوية وصل عددها من يوليو حتي سبتمبر عام 1969 حوالي 1000 غارة في العمق ضد بعض الأهداف المدنية لتوسيع رقعة القتال. و اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قرارا ببناء مواقع محصنة لصواريخ الدفاع الجوي.. ثم اتخذ قرارا بإقامة حائط الصواريخ علي امتداد الجبهة الغربية لقناة السويس، ووصل حجم الأعمال الهندسية في حائط الصواريخ 12 مليون متر مكعب أعمال ترابية، و مليون و نصف مليون متر مكعب من الخرسانة العادية، ومليونين خرسانة مسلحة، 800 كيلو متر طرق أسفلت، 3000 كيلو متر طرق ترابية، و قدرت تكاليف حائط الصواريخ بحوالي 76 مليون جنيه، وبعد عملية إعادة البناء تم تنفيذ العديد من العمليات القتالية كبروفة طبق الأصل لعملية العبور ففي ايلول-سبتمبر عام 1968 قامت المدفعية المصرية بتدمير بطاريات الصواريخ ارض / ارض قصيرة المدى التي إقامتها إسرائيل في مواجهة مدينتي الإسماعيلية والسويس وبقية القرى بمنطقة القناة، ورغم محاولات إسرائيل التدخل بقواتها الجوية ضد المدفعية المصرية فان عمليات القصف المدفعي تواصل جنبا الي جنب مع عمليات العبور والتي تزايدت بشكل كبير منذ يونيو 1969 وفي يوليو 1969 قامت قوة مصرية بعملية عبور من منطقة بور توفيق و اقتحمت موقعا إسرائيليا و قتلت و جرحت نحو 40 جندي و استمرت في الموقع لمدة ساعة بعد ان دمرت 5 دبابات إسرائيلية و مركز مراقبة و عادت بأول أسير إسرائيلي، و في التاسع من ديسمبر عام 1969 قامت طارة ميج 21 مصرية بإسقاط أول طائرة فانتوم إسرائيلية. و في يوليو 1970 تمكنت صواريخ الدفاع الجوي في أسبوع واحد من إسقاط 17 طائرة إسرائيلية فيما عرف بأسبوع تساقط الطائرات الفانتوم الإسرائيلية. و خلال معارك الاستنزاف خسرت إسرائيل ثلاثة أمثال ما لحقها من خسائر بشرية خلال حرب 1967،و فقدت خلالها 40 طيارا، 27 طائرة قتال، ومدمرة، و7 زوارق وسفن إنزال، و119 مجنزرة، 72 دبابة، 81 مدفع ميدان وهاون، ومقتل 827 جنديا وضابطا وإصابة 2141 فردا

كانت حرب الإستنزاف التى قادها عبد الناصر هى الخطوة الأولى نحو العبور العظيم
عندما تحدث الأستاذ هيكل فى أحاديثه الأخيرة عن تفاصيل العملية المخابراتية( عصفور ) ،كشف أحد أخطر تقارير المعلومات التى كشفتها عملية ( عصفور ) ،عندما توجه السيد أمين هويدى مدير المخابرات العامة المصرية إلى منزل الرئيس عبد الناصر فى يوم 6 ديسمبر 1969 ومعه تسجيل لحديث دار بين الوزير المفوض الأمريكى فى سفارة الولايات المتحدة فى إسرائيل ومديرة مكتبه مع السفير الأمريكى فى القاهرة وممثل المخابرات المركزية الأمريكية فى السفارة الأمريكية فى القاهرة وأستمع الرئيس عبد الناصر إلى الحديث و الذى جاء فيه :
أن عبد الناصر هو العقبة الرئيسية في قيام علاقات طبيعية بين المصريين والإسرائيليين.

وأن هناك حالة من الالتفاف الشعبى المصرى والعربى حول عبد الناصر تجعل السلام مع إسرائيل بالشروط الأمريكية مستحيلاً.

وإن مصر التي كانت من المفترض أنها مهزومة تبدو منتصرة في حين أن إسرائيل التي كان من المفترض أن تبدو منتصرة تبدو مهزومة بسبب حرب الاستنزاف.

وأن سمعة “موشى ديان”أكبر بكثير من إمكانياته الشخصية .

وأن قادة إسرائيل ( جولدا مائير ، موشى ديان ، أهارون ياريف ، إيجال أللون ) أجمعوا على أن بقاء إسرائيل ونجاح المشروع الأمريكى فى المنطقة مرهون باختفاء الرئيس جمال عبد الناصر من الحياة وأنهم قرروا اغتياله بالسم أو بالمرض .

وأن جولدا مائير رئيسة وزراء العدو قالت بالنص :

we will get him : سوف نتخلص منه

و إلا فأن العالم العربى ضائع وسيخرج من نطاق السيطرة الأمريكية،ومستقبل دولة إسرائيل فى خطر بالغ .

ولشدة خطورة تلك المعلومات فضلّ السيد أمين هويدي أن يستمع الرئيس عبد الناصر بنفسه للتسجيل كاملا .

فى يوم 28 سبتمبر 1970 توفى الرئيس جمال عبد الناصر بعد 9 شهور من معرفته بالخطة الأمريكية الإسرائيلية لاغتياله ،فعقب مؤتمر القمة العربية بالقاهرة الذى عقد لوقف الحرب التى قادها ملك الأردن الراحل حسين ضد المنظمات الفدائية الفلسطينية ، مات جمال عبد الناصر شهيدا فى سبيل أمته ، مات وهو يناضل ضد المشروع الأمريكى الصهيونى فى العالم العربى.
ولنرى ما الذى حدث بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ؟
فى مذكرات هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق نقرأ التالى أنه شعر بالسعادة البالغة لنبأ وفاة الرئيس عبد الناصر لأن وجوده بسياسته الراديكالية المعادية للمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط كان يمثل أكبر عائق لتنفيذ الأهداف الأمريكية فى المنطقة الأهم للولايات المتحدة فى العالم ، ويحلل كيسنجر أوضاع المنطقة عقب وفاة عبد الناصر ، ويصل أن الوقت أصبح مناسب للوصول لحل سلمى للصراع بين مصر و إسرائيل بشرط أن يكون هذا الحل أمريكى ، وأن يتضمن ثلاثة شروط :
1 – طرد النفوذ السوفيتى من المنطقة كلها.
2 – يترك مصر ضعيفة غير قادرة على التأثير بأى نفوذ على الإطلاق فى العالم العربى.
3 – أن تظهر التجربة الثورية التى قادها عبد الناصر فى مظهر التجربة الفاشلة .
و على الجانب الإسرائيلى يقول مناحم بيجن عن وفاة عبد الناصر ( إن وفاة عبد الناصر، تعني وفاة عدو مر، إنه كان أخطر عدو لإسرائيل.إن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدراته وحنكته وزعامته ) .
ويقول بن جوريون ( كان لليهود عدوين تاريخيين هما فرعون فى القديم ، و هتلر فى الحديث ، ولكن عبد الناصر فاق الأثنين معا فى عدائه لنا ، لقد خضنا الحروب من أجل التخلص منه حتى أتى الموت وخلصنا منه ).
و يقول حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلى : ( بوفاة جمال عبد الناصر أصبح المستقبل مشرقا أمام إسرائيل و عاد العرب فرقاء كما كانوا وسيظلون باختفاء شخصيته الكاريزماتية ) .
ويقول المفكر الإسرائيلى آمنون روبنشتاين : إن مصر يجب آلا تكون طرفا فى الصراع العربى الإسرائيلى ، إن تورط مصر الكبير فى النزاع العربى الإسرائيلى تمخض بصفة خاصة بسبب سياسة جمال عبد الناصر التى كانت تقوم على ركنين أساسيين يعوزهما الحكمة :
1 – إمكانية وجود وحدة عربية.
2 – معاداة الغرب.
وقد رفض جمال عبد الناصر طيلة حياته العدول عن تلك السياسات والآن بعد وفاته نأمل أن تراجع القيادة المصرية الجديدة تلك السياسات لكى تنهى الحرب بين مصر و إسرائيل.
لم تكن حرب يونيو 1967 هى نهاية التاريخ ،ولم تكن هى سبب مشاكل مصر والعرب الأن، ولم يكن عبد الناصر المهزوم فى يونيو 1967 هو الذى ذهب إلى القدس وأعترف بالكيان الصهيونى ،وقبل بالحل الجزئى المنفرد للصراع العربى الإسرائيلى،ولم يكن عبد الناصر هو الذى خطب فى الكنيست الإسرائيلى وفوق رأسه العبارة المقيتة ( من النيل إلى الفرات ..أرضك يا اسرائيل )
ولم يكن عبد الناصر هو الذى فكك القاعدة الصناعية الضخمة التى بناها المصريون فى الخمسينيات والستينيات،ولم يكن هو الذى خصخص القطاع العام المصرى،وبدد ثروات البلاد وباع أراضيها للسماسرة والمستغلين من شتى الجنسيات، لم يكن عبد الناصر هو الذى أنسحب من العالم العربى وأفريقيا وأسيا ،ولم يكن عبد الناصر هو الذى حول مصر لمحمية أمريكية حليفة لاسرائيل،بل أن تصديه للمشروع الأمريكى الصهيونى هو سبب العدوان على مصر فى يونيو 1967،وصموده ورفضه لمشروعات السلام المنفردة ربما يكون هو سبب وفاته المفاجئة فى سبتمبر 1970.
فى كتيب ( العلامة جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة) الذى صدر حديثا بالقاهرة يقول العالم الراحل : جمال عبد الناصر هو الحاكم المصرى الوحيد الذى فهم الجغرافيا السياسية لمصر،لذا فالناصرية هى مستقبل مصر،لأن الناصرية هى مصر كما ينبغى أن تكون .
الأمم العقيمة فقط والشعوب الميتة هى التى تعلق شماعة فشلها على حدث تم منذ 43 عاما،فى عهد رجل مات منذ 40 عاما.
وحتى لو قررنا تجاهل كل تلك المعلومات والأدلة الموثقة على نجاح مشروع الرئيس عبد الناصر حتى بعد الهزيمة فى حرب 1967 ،أين كان حكام مصر خلال 40 عاما من اختفاء عبد الناصر من الوجود،لو أفترضنا أن عبد الناصر ترك مصر خرابا وحطاما مدمرا، فإن مرور 40 عاما على وفاته تكفى وتزيد لبناء مصر من الصفر ،.لقد انتقلت ماليزيا فى أقل من 30 عام من حكم مهاتير محمد من حال إلى حال اقتصاديا وتقنيا وتعليميا، وإيران الثورية المحاصرة المشاغبة تحقق كل يوم قفزة فى برنامجها النووى وفى صناعة الصواريخ والأقمار الصناعية، وتركيا فى خلال أقل من 20 عاما حققت قفزات نوعية فى مجالات التعليم والصحة وصناعة السلاح.
كان جمال عبد الناصر رجلا استثنائيا فى التاريخ المصرى والعربى،وكان عهده كله استثناء فى التاريخ العربى ،مع عبد الناصر دخل العرب التاريخ و بوفاته والانقضاض على تجربته بدأ خروجهم من التاريخ والذى يكاد الآن يصبح نوعا من الانتحار التاريخى وليس مجرد خروج مؤقت .
الهزيمة الحقيقية هى هزيمة الارادة وليست الهزيمة فى معركة عسكرية تمت منذ 43 عاما ، تبدو مواسم اللطم والندب والعويل عندما تحل ذكرى الهزيمة من كل عام وكأنها مخططات مدروسة لقتل روح الارادة لدى الشعب المصرى ،ولتكريس روح الهزيمة بداخله والعجز عن التغيير،وتبدو مبررات تحميل جمال عبد الناصر الفشل المصرى الحالى على كل الأصعدة نكتة سخيفة تليق بشعب من المعتوهين والمجانين فاقدى القدرة على التمييز،لأن أى منصف سيدرك إن النظام الذى يحكم مصر منذ عام 1974 وحتى الأن هو النقيض المتطرف لنظام حكم جمال عبد الناصر،وسياساته المناقضة والمعادية للناصرية هى سبب كل ما تعانيه مصر من مصائب ومحن ،وليس البطل الراقد فى قبره منذ أربعة عقود .

 

______________________________________________________________________________________________

 

عبد النـــــــــــاصر بين حرب اليمن وحرب 1967

بقلم : عمرو صابح*
___________________

لم يحظ قرار من قرارات الرئيس عبد الناصر بانتقادات واسعة وهجوم شرس مثل قرار مساندته لثورة اليمن التى اندلعت فى 26 سبتمبر 1962 ، فقد تم اتهام عبد الناصر أنه بدد احتياطى مصر من الذهب هناك .
وخرب الاقتصاد المصرى،وضحى بأرواح عشرات الألوف من الشباب المصرى على سفوح جبال اليمن،وأن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن (50 ألف مقاتل )
كان هو السبب الرئيسى فى كارثة يونيو 1967 .
وهكذا أصبحت مساندة مصر لثورة اليمن هى سبب كل النكبات والمشاكل، وفى ظل مناخ اعلامى معادى للثورة وقائدها راج هذا الكلام وشاع وأصبح من المسلمات،ولكن بكثير من التدقيق ومحاولة قراءة ما وراء السطور سنكتشف معا زيف كل تلك الأقاويل ، بل سنكتشف أن ترويجها له هدف أخر هو تشويه ذلك القرار الجسور وجعل تكراره من المحرمات وإصابة الشعب المصرى بعقدة ذنب وعاهة نفسية من مجرد ذكر تاريخ مصر فى اليمن فى عهد جمال عبد الناصر.
ولنبدأ معا تفنيد تلك الأكاذيب:
– بخصوص تبديد احتياطى الذهب المصرى فهذا لم يحدث بالمرة بل كان الذهب الذى تم توزيعه على قبائل اليمن من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذى خلعه أخاه الملك فيصل بن عبد العزيز عن العرش عام 1964 ، وعاش لاجئا فى مصر وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه فى اليمن ، وكان هو الذى أقترح على الرئيس عبد الناصر فكرة رشوة رؤساء القبائل اليمنية بالذهب، وحول جزء من أمواله لعملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصرى لليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك ، ولمن يريد الإستزادة عن خرافة تبديد احتياطى مصر من الذهب أن يعود إلى دراسة
المرحوم الدكتور على نجم رئيس البنك المركزى المصرى السابق والتى فند فيها بالأدلة والوثائق تلك الخرافة.
– بخصوص تخريب الاقتصاد المصرى بسبب اشتراك مصر فى حرب اليمن فى الفترة من 1962-1967 ، فالأرقام تخبرنا بالتالى :
حققت مصر نسبة نمو من عام 1957 ـ 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976.
وهذا يعنى يعنى أن مصر استـطاعت فى عشر سـنوات من عصر عبد الناصر أن تـقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثـيلها فى العالم المتـقدم باستثـناء اليابان ، وألمانيا الغربية ، ومجموعة الدول الشيوعية, فمثـلا ايطاليا وهى دولة صناعية متـقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تـقدر بـ 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية.

كما استطاعت مصر تنفيذ أنجح خطة خمسية فى تاريخها من 1960-1965 ،وبدأت الخطة الخمسية الثانية من 1965-1970 ،بل أنه وبرغم هزيمة 1967 حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة, و زادت هذه النسبة فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا. وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر بفائض
قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.
وفى نفس الفترة الزمنية عقد الستينيات من القرن الماضى كانت مصر تبنى السد العالى أعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين باختيار الأمم المتحدة والذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو .
وتبنى القطاع العام الذى بلغ ثمنه بتـقديرات البنك الدولى 1400 مليار دولار،كما كان لدى مصر أكبر قـاعدة صناعية فى العالم الثـالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثـقيلة وتحويلية وإستراتيجية
وهكذا يتضح لنا أن مساندة مصر لثورة اليمن ومساعدتها للشعب اليمنى فى التحرر من العبودية لم تدمر اقتصادها .
– وبخصوص استشهاد عشرات الألوف من الشباب المصرى بسبب حرب اليمن، يقول الفريق/محمد فوزى فى كتابه( حرب الثلاث سنوات) أن عدد شهداء مصر فى اليمن بلغ خمسة ألاف شهيد ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير إخوانهم فى الدين والعروبة، وأن الضباط والجنود كانوا يتسابقون على طلب الاشتراك فى حرب اليمن بسبب ما يعود عليهم من امتيازات .
وهكذا فأن الرجل الذى كان رئيسا للأركان فى الجيش المصرى خلال تلك الحرب ،ثم وزيرا للحربية بعد نكسة 1967 يثبت لنا بالأرقام أن عدد شهداء مصر فى اليمن ليس عشرات الألوف كما أشيع بل هو خمسة ألاف شهيد ، ويكفينا أن نعلم أنه بدون حروب ، وفى الفترة من عام 1980 إلى عام 2009،توفى 180 ألف مصرى فى حوادث الطرق بمعدل 6000 قتيل سنويا، بينما فى حرب اليمن استشهد 5000 مصرى فى خمس سنوات من القتال.
وهكذا فأنه من الأولى للباكى على شهداء مصر فى اليمن خلال حرب طاحنة أن يبكى على قتلى مصر فى حوادث الطرق برقمهم المهول 180 ألف قتيل،وهو رقم يزيد عن 4 أضعاف شهداء مصر فى حروبها الخمسة ضد إسرائيل والذى أحصى الصليب الأحمر عددهم ، وقدره ب40 ألف شهيد.

تبقى نقطة أن وجود الجيش المصرى فى اليمن كان هو السبب الرئيسى فى كارثة 5 يونيو 1967 .
وهنا يختلف السياق فلم يكن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن هو سبب الهزيمة على أساس أن الجيش الذى كان فى مصر لم يكن مكتملا ،يكفى أن نعلم أن القوة الضاربة المصرية كلها كانت فى مصر متمثلة فى القوات الجوية والمدرعات،وقوات الدفاع الجوى، كانت كل القوات اللازمة للخطة”قاهر” علاوة على أربع لواءات مستقلة وأربع فرق مشاة ،وفرقة مدرعة وثلاث لواءات مدرعة مستقلة مع وحدات سلاح المدفعية والهاون وسلاح المهندسين فى مصر.
لم تكن حرب اليمن هى سبب الهزيمة بل كان فشل قيادة القوات المسلحة هو السبب الرئيسى فى الهزيمة، كان الاهمال والتراخى والثقة الزائدة بالنفس غير المبررة، وسيطرة المشير عامر على الجيش هو وشلته وعزل الرئيس عبد الناصر عن حقيقة أوضاع الجيش المصرى، وبالطبع التآمر الدولى كان له دورا كبير أيضا فى الهزيمة.
إذن لماذا يوجد هذا الربط الدائم بين وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن فى الفترة من 1962-1967 وبين كارثة 5 يونيو 1967 ؟
هنا لابد من مراجعة الدور السعودى فى حرب اليمن وفى التحريض على حرب 1967 وهذا الدور يأتى فى إطار الرؤية الغربية العامة بأن عبد الناصر تعدى كل الخطوط الحمراء بمساندته لثورة اليمن ماديا وعسكريا، وأصبح من اللازم تحطيم نظامه والاطاحه به بعدما تجرأ على ارسال جيشه إلى منابع كنز الحضارة الغربية ومحركها الرئيسى (البترول)، ومناداته الدائمة (أن بترول العرب للعرب ، ويجب أن يتم استخدامه كسلاح لتحقيق المصالح العربية)، هذا بالأضافة لأسباب أخرى مثل عدائه لإسرائيل ورفضه الصلح معها، ومحاربته لقوى الاستعمار القديم والجديد، وبناءه لنموذج تنموى اقتصادى واجتماعى خارج منظومة الاحتكارات الرأسمالية الغربية، وسعيه للتصنيع ،وانتاج الأسلحة والصواريخ،ومشروع مصر النووى ،كل تلك الأسباب مجتمعة مع تأييده لحرب اليمن شكلت السبب الرئيسى لضربة يونيو 1967 .
فى 26 سبتمبر 1962 تندلع ثورة الضباط الأحرار اليمنيين اليمن ضد نظام أسرة حميد الدين الاستبدادى المتخلف .
ورغم النزاعات الدموية التاريخية و الخلافات الحدودية بين أسرة حميد الدين فى اليمن و الأسرة الحاكمة السعودية
كانت السعودية الخائفة من انتقال الثورة إليها هى التى بدأت التدخل فى ثورة اليمن بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا
، فقد وقفت السعودية بضراوة ضد الثورة اليمنية وعملت على إجهاضها وتبنت الأمير البدر باعتباره إمام اليمن كما قامت بتمويل القبائل اليمنية بالكميات اللازمة من السلاح والذهب وبالفعل يسقط العقيد على عبد المغنى أحد أهم قادة الثورة اليمنية وهو يدافع عن مدينة صعده اليمنية ضد هجوم قبلى سعودى يمنى ، وتتحالف السعودية مع بريطانيا التى كانت تحتل جنوب اليمن ويقابل الأمير فيصل بن عبد العزيز ( ولى العهد والحاكم الفعلى للسعودية ) السير دوغلاس رايت رئيس جهاز المخابرات البريطانى الذى يقول للأمير ( إن نجاح الكولونيل ناصر فى الحصول على موطئ قدم لمشروعاته الانقلابية فى الجزيرة العربية ، وهى أهم مصادر البترول واحتياطاته فى العالم ، هو نذير شؤم يجب أن تتعاون الأطراف كلها ، ممن لهم مصلحة فى ذلك على مقاومته ودحضه)
وبالفعل يبدأ تعاون سعودى أردنى رغم الحساسيات السعودية الهاشمية بالاشتراك مع بريطانيا التى أقلقها ما اعتبرته مشروعات ناصر المستمرة لطردها من أخر معاقلها شرق السويس ، وتكاد الثورة تجهض لولا طلبها المساعدة من القاهرة ،فيطلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الامامى المتخلف ، وبالفعل يدعم الرئيس عبد الناصر الثورة اليمنية عسكريا بقوات مسلحة مصرية فى عملية كبرى كان أسمها الكودى ( العملية 9000 ) كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة فى تاريخ اليمن ، وتأسيس المستشفيات والمدارس و الطرق و الموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين ، أدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة فى عدن و اليمن الجنوبى وقد دعمتها مصر بكل ثقلها فى عملية كان أسمها الكودى ( صلاح الدين) .
ينجح عبد الناصر فى الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة فى اليمن فى 19 ديسمبر 1962 مقابل أن يتم سحب كل القوات المساندة للثورة والمساندة للإمام من اليمن ،كما تقدم الحكومة الأمريكية معونات للحكومة الجديدة فى اليمن
رفضت السعودية هذا الاتفاق وواصلت دعمها للقبائل الموالية لحكم الإمام ، ويتعرض الرئيس كنيدى لضغوط شديدة متعددة من شركات البترول والبنوك الأمريكية إلى جانب الحكومة البريطانية بسبب اعترافه بالنظام الجديد فى اليمن لخطورة ذلك على أوضاع النظام الحاكم فى السعودية ، ومصالح الغرب فى البترول العربى ،وبالفعل يتم وضع خطة سميت ( السطح الصلب ) تتعهد فيها الولايات المتحدة بضمان أمن وسلامة النظام السعودى والأراضى السعودية ،وبالأموال السعودية ومع مساندة بريطانية ومن شركات البترول الأمريكية تم تشكيل تحالف دولى لتجنيد مرتزقة من كل أنحاء العالم وشراء أسلحة للقتال فى اليمن ضد القوات المصرية التى تدافع عن الثورة كما دخلت المخابرات الأمريكية بثقلها إلى ساحة المعركة المحتدمة فى اليمن وأصبحت الحدود السعودية اليمنية مناطق حشد لنقل السلاح والذخيرة والمقاتلين المرتزقة إلى اليمن وتحولت الحرب إلى عملية استنزاف طويلة بين الجانبين المتصارعين
كما أنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثورى الجديد ، كما وفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعوما بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكى بريطانى ،
وبهذا عمت الثورة أنحاء اليمن شمالا وجنوبا وهددت معاقل الرجعية العربية ومنابع البترول شريان الحياة للحضارة الغربية.
فى كتاب المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل – الجزء الثانى – للأستاذ محمد حسنين هيكل ، نجد الوثيقة التالية:
سجل السفير الأمريكى فى جدة ( باركر هارت ) فى برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964 ) محضر مقابلة جرت بينه و بين الملك ( فيصل بن عبد العزيز )
( يقول السفير الأمريكى ) :
اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغى أننى مطلوب فى الطائف فى الساعة 4:15 ولم يعطنى البروتوكول أى إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملنى إلى الطائف بعد الظهر استقبلنى الملك فيصل فى قصر الشبرة فى الساعة التاسعة مساء فى حضور السقاف و فرعون ، و قال الملك إن هناك شيئا حدث وهو يريد إخطارى به بنفسه كصديق شخصى لى و كممثل لبلد صديق له و لأسرته ، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين ( يومى 13 و 14 أغسطس ) قامت ثلاث طائرات مصرية بإختراق المجال الجوى السعودى جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث و أبو عريش ، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة فى محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن لديه معلومات من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ، ولم يكن لديه شئ لا عن حجم هذه القوات و لا عن تسليحها و لا عن مواقعها ، و قد قال الملك إن هذه التطورات تثير فى ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر و العراق و الأردن ( ! ) لغزو و تقسيم بلاده على النحو التالى : حسين يأخذ الحجاز ، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن تأخذ الجنوب ، و باقى المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر
قال لى الملك أيضا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفى هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول ، ثم أضاف إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها و شرفها ، و إذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورا أن ( فيصل ) سوف يقف ساكتا فى انتظار أن يخنق ، فهو مخطئ فى ذلك ، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريا ، و هو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغنى بها الأن :

1 ـ قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وقد أصدر أمرا فعلا بذلك.

2 ـ إنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضا بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون فى وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية.

3 ـ وهو الأن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات فى اليمن ، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة.
إننى أبديت دهشتى للملك ، كما أبديت له إستغرابى لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثى بين مصر و العراق و الأردن، ثم أطلعنى الملك على تقرير مخابرات سعودى يحوى معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصرى رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك ( أن ناصر مريض جدا ) ، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه و عداى ، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن ، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات فى أوضاع تأهب فى أى مكان يراه بعيدا عن الحدود ، فتدخل الملك بحدة قائلا ( أخرجوا القوات المصرية من اليمن و سوف ينهار هذا النظام الذى يدعون بمساعدته فى شهر أو اثنين على أكثر تقدير, ثم استجمع الملك حيويته ليقول لى ( إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذى يفتح الطريق للتسلل الشيوعى ) ، وكان يعنى ( ناصر ) ثم قال لماذا تصبرون عليه ؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا ، مرة بسبب فيتنام ، ومرة بسبب كوبا ، ومرة بسبب الكونجو ؟ ما الذى يخصه فى الكونجو ؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح فى جنيف جاءته مباشرة من فى شكل تعليمات من موسكو ، و أبديت تحفظى ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن ( ناصر ) يعادينا و يخدعنا ، وإننا مازلنا نحاول استرضاؤه ، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابا لناصر على سياسته ، وعقب الملك أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث .
يقول الأستاذ هيكل ان هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية ليس فقط بسبب طلب الملك فيصل ( تجويع المصريين ) ، ولكن لأن الأردن كان حليفا للسعودية فى حرب اليمن ، ويضيف ان إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فى اليمن ولعبت دورا فى العمليات العسكرية أطلق عليه الاسم الكودى ( مانجو )،فعندما اشتدت حاجة قوات المرتزقة فى اليمن إلى مؤن و ذخائر تلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت ورفض الطيارون الأردنيون والسعوديون القيام بذلك وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر أكثر من مرة طالبين اللجوء السياسى ،وهنا قررت جبهة دعم الملكيين فى اليمن بزعامة السعودية الإستعانة بإسرائيل، وبالفعل قام الطيران الإسرائيلى بهذا الدور.

وفى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) .
ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر
من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية
– شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية
– تأميم القناة
– تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر
– الوحدة مع سوريا
ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب ..
فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب
كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر .
وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية الأردن ليبيا تحت حكم الملك السنوسى .
كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية
كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب
وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصرمع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام1970 .

وبرصد المخابرات المصرية لتطور الأوضاع فى ساحة الحرب اليمنية ومدى تشابك المصالح والقوى الدولية التى تلعب على وتر إطالة الحرب فى اليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية ، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية فى أغسطس 1965 لأداء العمرة ومقابلة الملك فيصل للوصول إلى حل فى اليمن وفى 22 أغسطس 1965 وصل الرئيس عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك إن مصر لا تريد قلب النظام فى السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية ، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا فى حرب اليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية ، وتوصل الزعيمان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عرف بعد ذلك باسم اتفاقية جدة التى قررت أن يتم عمل استفتاء للشعب اليمنى يقرر فيه نظام الحكم الذى يرتضيه فى موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له ، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الإلتزام بها ، ويصرح الرئيس عبد الناصر ( بأنه لا فائدة ترجى من اللقاء مع الرجعيين ، بعد كل ما رآه وسمعه فى السياسات السلمية السابقة التى مارسها إزاءهم فى اللقاءات والمؤتمرات ) ، وفى 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل فى زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التى أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ، وأن السعودية ماضية فى تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل للجامعة العربية ، خلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه ( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن)

فى كتاب ( عقود من الخيبات ) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان فى الصفحات من 489 ـ 491 ، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ( وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ) وفيها يقول الملك العربى ما يلى :
من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 ـ كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا فى الوجود
لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التـالية :
ـ أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية
بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام
ـ سوريا هى الثـانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.
ـ لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية
ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران.
يا فخامة الرئيس
إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه , أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار.
المخلص : فيصل بن عبد العزيز
( ملك المملكة العربية السعودية )

من قراءة تلك الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى :

الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967
زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970.

عندما نشرت مقالى عن ( غياب عبد الناصر هل كان صدفة ؟) فى ديسمبر 2007،نشرت تلك الوثيقة ضمن المقال الذى كان يبحث لغز وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 ، و تم نشر المقال على موقع الفكر القومى العربى ، وموقع منتديات الفكر القومى العربى ، وعندما قرأ تلك الرسالة/الوثيقة ، السيد ( سامى شرف ) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى :
( كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ ان سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبوهشام أريدك ان تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة )
(انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة).

ـ فى الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتى قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) ، أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ، الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز ، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين :
1 ـ تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة ( عام 1968 كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ) سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها .
2 ـ أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة .
ـ تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة ( عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك
ـ يقول الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) أنه فى ربيع عام 1985 تقابل مع السيد كمال أدهم فى بيته فى لندن وسأله عن لقاء الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟ ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا ( أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه ( العرش و الأسرة ) ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ) ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ( وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت !).

بقراءة كل تلك الوثائق سنتأكد بالفعل أن مساندة مصر لثورة اليمن ،ووجود جزء من الجيش المصرى هناك تسبب فى اطلاق كل كلاب الصيد للقضاء على تجربة جمال عبد الناصر.

لم تكن مساندة مصر لثورة اليمن مصادفة أو قرارا عشوائيا بل كان لمصر دورا بارز فى تفجير الثورة من الأساس،وكانت على صلات وطيدة بالخلايا السرية للضباط الأحرار فى الجيش اليمنى.
كان قرار عبد الناصر بتفجير الثورة فى اليمن ومساندتها ودعمها عسكريا نابعا من رؤيته للأمن القومى المصرى،رأى عبد الناصر أن من يسيطر على فلسطين يهدد سيناء، ومن يسيطر على سيناء سيطر على قناة السويس ، ومن سيطر على القناة سيطر على مصر والبحر الأحمر،ومن سيطر على مصر سيطر على الوطن العربى كله.
حدد عبد الناصر فى تقديره الاستراتيجى لموقف مصر فى نهاية عام 1952 الأتى:
– تواجه مصر عدوين فى وقت واحد :بريطانيا فى القناة وإسرائيل على الحدود الشرقية
– لا يمكن لأية مفاوضات سياسية مع بريطانيا للجلاء أن تنجح إلا بمساندة العمل الفدائى والعسكرى فى منطقة القناة
– مصر لن تتمكن من خوض معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد اسرائيل طالما ظلت القوات البريطانية متواجدة فى منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق وتتحكم بها
– العدو الرئيسى فى الوقت الحالى هو قوات الاحتلال البريطانى والعدو الفرعى هو القوات الاسرائيلية
وبالفعل ينجح عبد الناصر فى توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954 ،وتتبعها الخطوة الثانية بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 مما أدى للعدوان الثلاثى على مصر، وبفشل العدوان أصبحت قناة السويس مصرية بالكامل،كما ألغى عبد الناصر معاهدة الجلاء وأستولى على القاعدة البريطانية فى منطقة القناة،وبذلك تم تطهير المدخل الشمالى للبحر الأحمر،وبقى المدخل الجنوبى عند باب المندب ،وأصبح الطريق مفتوحا نحو الشرق فى سيناء للجيش المصرى دون تهديد بريطانى للقوات المسلحة المصرية، أصبحت اسرائيل هى العدو الرئيسى لمصر الذى يتحتم مواجهته .
صمم عبد الناصر على انهاء الاحتلال البريطانى للسودان أولا وبعد ذلك الدعوة لوحدة وادى النيل من خلال الاعتراف بحق الشعب السودانى فى تقرير مصيره،وعندما أختار الشعب السودانى الاستقلال والانفصال عن مصر بادر عبد الناصر بتأييد ذلك وسحب القوات المصرية من السودان تاركة أسلحتها الثقيلة هدية للجيش السودانى مما اضطر البريطانيون إلى سحب جيشهم لتتحرر السودان ،وبذلك اكتسبت مصر صداقة الشعب السودانى ،وفتحت مجال العمل لها فى أفريقيا كلها باخلاصها والتزامها بتصفية الاستعمار فى القارة السمراء وحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية،وفى عام 1957 أصبح الساحل الغربى للبحر الأحمر حتى كسلا ونهاية الحدود السودانية خاليا من القوات الأجنبية نهائيا.
تحتل الصومال موقع استراتيجى هام فى القرن الأفريقى لذا قرر عبد الناصر مساندة القوى الوطنية الصومالية ودعمها من أجل الحفاظ على مقومات الشخصية الصومالية بجذورها العربية والإسلامية ووحدة أراضى الصومال ،وقطع الطريق على إسرائيل التى كانت تريد توطيد علاقاتها الإقتصادية بالصومال لذا اتصلت مصر بكل الهيئات والتنظيمات السياسية الصومالية ودعمت التعليم فى الصومال بالكتب العربية، كما أمر عبد الناصر أن يفتح الأزهر أبوابه لاستقبال الصوماليين الذين توافدوا على مصر بأعداد هائلة ،كما تم إرسال بعثة أزهرية كبيرة للصومال لربط الشعب الصومالى بدينه الحنيف ،وهكذا عملت مصر على إرساء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية وطيدة بالصومال الذى نال استقلاله عام 1960 وأنضم لجامعة الدول العربية،وبذلك ضمنت مصر مكانها فى منطقة القرن الأفريقى وقطعت الطريق على إسرائيل ،لتتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ثم اندلعت ثورة اليمن على الجانب الأخر من شواطئ البحر الأحمر (الساحل الشرقى) وكان الدور المصرى والوجود المصرى لدعمها
وأصبحت مصر قادرة على التحكم فى مدخل البحر الأحمر الشمالى ومدخله الجنوبى وهو ما تحقق فعلا خلال حرب 1973 باغلاق مضيق باب المندب .
وبرغم الهزيمة فى عام 1967 ومحاولات اسرائيل لزيادة وجودها فى البحر الأحمر ببناء مطارات فى سيناء،ونقل بعض الزوارق الحربية برا من موانيها فى البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ،ومحاولتها سرقة بترول خليج السويس أو التدخل فى عملية فتح قناة السويس.
أجهضت السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر كل تلك المحاولات ،وقامت مصر بنشر سفن أسطولها فى البحر الأحمر فى الموانى المصرية وميناء بورسودان ،كما نشرت مصر قواتها الجوية فى مطارات السودان،ونقلت جزء من قواتها البرية إلى منطقة جبل الأولياء بالسودان ،وعندما أستأجرت إسرائيل حفار عملاق لسرقة البترول المصرى فى خليج السويس قامت المخابرات المصرية بتدميره قبل وصوله للبحر الأحمر .
ورفضت مصر كل محاولات فتح قناة السويس قبل انسحاب اسرائيل من كل الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وايجاد حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطينى، بل أن الرئيس عبد الناصر رهن فتح القناة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم.
يقول المفكر الكبير “جمال حمدان” فى أوراقه الخاصة :
أن الرئيس جمال عبد الناصر هو ‘أول وللأسف آخر’ حاكم يعرف ويفهم جغرافيا مصر السياسية وأن ‘الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون… أنت مصري إذن أنت ناصري… حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز. وكل حاكم بعد عبد الناصر لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائنا’ لأن الناصرية في رأيه قدر مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه.
ويقول إن الناصرية ‘بوصلة مصر الطبيعية’ مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبد الناصر لأن المصري ‘ناصري قبل الناصرية وبعدها وبدونها’.

لم تكن حرب اليمن سببا لمشاكل مصر ولم تكن هى سبب هزيمة 1967 بل كانت عملا عظيما يعكس بعد نظر ملموس لرجل دولة مهموم بقضايا أمته ،مؤمن بوحدة المصير العربى وبإن استقلال اليمن أو أى قطر عربى أخر هو جزء من استقلال مصر .
وبرغم كل المؤامرات على الثورة اليمنية وبرغم كارثة يونيو 1967 قامت الجمهورية اليمنية وخرج الشعب اليمنى من حكم الامامة المتخلف، وهبت رياح التغيير على منطقة الخليج العربى ،فاستقلت امارات الخليج كلها وأنتهى الوجود الاستعمارى في المنطقة، وحتى حكام السعودية أعداء عبد الناصر وخصوم الثورة اليمنية أضطروا لإدخال تعديلات وتحديثات على السعودية لتقيهم من رياح الثورة .
وخرجت دولة اليمن الجنوبية إلى الوجود كدولة مستقلة ثم توحد اليمن الشمالى والجنوبى فى دولة واحدة، وبالسيطرة العربية على باب المندب تحقق حلم عبد الناصر وأصبح البحر الأحمر بحرا عربيا بحق.
وبسبب وجود الجيش المصرى فى اليمن قرب منابع النفط ،غيرت شركات البترول من أساليب تعاملها مع حكومات البترول ومنحتها نصيب أكبر من ثروتها المسلوبة .
كل هذه الايجابيات جعلت الغرب الاستعمارى كله متحالفا مع الملوك العرب سواء فيصل السعودية أو حسين الأردن وحتى حسن المغرب فى أقصى غرب الوطن العربى يتكالبون على ضرب نموذج جمال عبد الناصر والاطاحة بنظام حكمه الوطنى فى مصر، وهو ما تحقق للأسف ولكن لسخرية القدر لم يتحقق ذلك عقب هزيمة 1967 بل بعد وفاة عبد الناصر وعقب نصر 1973 عندما سلم السادات كل أوراق المنطقة إلى صديقه الأمريكى اليهودى هنرى كيسنجر مدعوما بنصائح فيصل السعودية .
وهو ما تعانى مصر منه حتى الآن فقد فقدت موقعها فى قيادة الأمة العربية، وفقدت أرصدتها فى القارة الأفريقية وأنكمش دورها فى حركة عدم الإنحياز،وأصبحت تواجه عزلة متزايدة فى ظل علاقات خاصة مشبوهة تجمعها بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل منذ عام 1974 .
ستظل مساندة مصر لثورة اليمن أحد أعظم أعمال الرئيس عبد الناصر ومصدر فخر دائم لمصر مهما كره الخونة والعملاء

 

 

 

 

 

 

Advertisements

One response to “عبد الناصر 67

  1. 岑林 05/03/2012 عند 10:48

    الله يرحمك…

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: