الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

عبد الناصر وحرب الاستنزاف

عبد الناصر وحرب الاستنزاف
بقلم : عمرو صابح
_________________

حرب الاستنزاف تلك الحرب المظلومة والمنسية والتى أمتدت على مدى 3 سنوات من 1967 – 1970 ، تلك الحرب المجيدة التى أنتصرت فيها إرادة القتال لدى الانسان العربى المصرى لم تنل حقها من الاهتمام الاعلامى بسبب سيادة نغمة رئيسية فى الاعلام الرسمى المصرى عقب حرب 1973 تريد إلصاق كل الهزائم والموبقات بعهد الرئيس عبد الناصر ونفى أى صلة له بما تم فى حرب أكتوبر 1973 ليصبح الرئيس عبد الناصر هو صاحب الهزيمة ولا شئ غيرها بينما يجنى الرئيس السادات ثمار ما تحقق من انتصارات فى حرب أكتوبر 1973 .
ظلت تلك النغمة سائدة طيلة عهد الرئيس السادات وحاول مؤرخون منهم الراحل عبد العظيم رمضان الايحاء بكون حرب الاستنزاف كانت هزيمة وكارثة على مصر من كافة النواحى ، ولكن أقلام محايدة ومحترمة تصدت لذلك وأنصفت تلك الحرب المجيدة ليس من أجل إنصاف تاريخ الرئيس عبد الناصر بل إنصافا لتاريخ مصر .
فى هذا المقال سنرصد وقائع تلك الحرب المجيدة وأثارها على مصر داخليا وخارجيا .
رفض الرئيس عبد الناصر عقب الهزيمة مباشرة كل عروض السلام الإسرائيلية بعودة سيناء فقط إلى مصر مقابل سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وفى مؤتمر الخرطوم فى أغسطس 1967 صرح أنه :
لا صلح .. لا اعتراف … لا تفاوض .
وفى حديث له إلى أساتذة وطلبة الجامعات المصرية عقب مظاهرات الطلبة في نوفمبر 1968 يقول الرئيس جمال عبد الناصر: ” أنا عارف مدى الغضب ومدى المفاجأة اللى أصابتنا جميعا بعد النكسة وبعد اللى حاصل وعارف أن الشعب العربى في مصر غاضب وحزين لأن جيشه نال هزيمة غير مستحقة ولأن سيناء تم احتلالها بس أنا بدى أقول لكم حاجة الرئيس تيتو بعت لى رسالة جت له من ليفى أشكول رئيس وزراء إسرائيل بيطلب فيها أنه يقابلني في أي مكان في العالم لنتحدث ولكى نصل إلى حل وبيقول أنه مش هيتعامل معى معاملة منتصر مع مهزوم، وإن إسرائيل مستعدة ترد لنا سيناء من غير شروط مذلة إلا شرط واحد بس أن مصر تبقى دولة محايدة يعني لا قومية عربية ولا عروبة ولا وحدة عربية نبقى في حالنا ومالناش دعوة بإسرائيل ولا نحاربها، إسرائيل قتلت الفلسطينيين وإحنا مالنا، إسرائيل ضربت سوريا إحنا محايدين، ضربت الأردن.. لبنان، مصر مالهاش دعوة وما تتكلمش.
“يعنى خدوا سيناء وطلقوا العروبة والقومية والوحدة ونبيع نفسنا للشيطان، أنا طبعا قولت للرئيس تيتو الكلام ده مرفوض القدس والضفة والجولان وسيناء يرجعوا مع بعض، إحنا مسئولين عن كل الأراضي العربية، إحنا مسئولين عن حل مأساة شعبنا العربي في فلسطين، مش هنقبل شروط، ومش هنخرج من عروبتنا، ومش هنساوم على أرض ودم العرب، لن تقبل الجمهورية العربية المتحدة بحل جزئي أبدا، معركتنا واحدة وعدونا واحد وهدفنا واحد تحرير أرضنا كلها بالقوة و لن نقبل مشاريع منفصلة للسلام، حبيت أنقل لكم الموضوع ده علشان تعرفوا أن المشكلة مش سيناء بس، الأميركان واليهود ضربونا في 67 علشان يساومونا بيها على عروبتنا وعلى شرفنا وعلى قوميتنا”.
لم يعد سرا الآن بعد أن تم الإفراج عن معظم الوثائق الغربية أن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حاولتا باستماتة إغواء الرئيس عبد الناصر بقبول صلح منفرد مقابل استعادة سيناء كاملة وبغير قيود لنزع سلاح القوات المسلحة المصرية في سيناء بشرط الخروج من الصراع العربى الإسرائيلى.
فى حديث لرئيس وزراء إسرائيل ليفى أشكول مع مجلة نيوزويك الأميركية عدد 17 شباط- فبراير 1969 يقول: خلال العقدين الأخيرين كررنا دائما في إسرائيل قولنا بأننا مستعدون لمناقشة مشاكلنا مع ناصر، أننى مازلت مستعدا لأن أطير إلى القاهرة، ولن أتحدث مع ناصر كمنتصر ولكنى سأبلغه أن إسرائيل مستعدة لإعادة سيناء كاملة إلى مصر وبدون أى قيد أو شرط حيث أنه لم تكن لإسرائيل في أى وقت طلبات من أجل نزع سلاح سيناء، ولكن بالنسبة لمرتفعات الجولان والقدس و الضفة الغربية فأن إسرائيل ببساطة لن تتنازل عنها، سنرد لناصر سيناء بدون شروط مقابل أن يهتم بشئون مصر ولا يتدخل في شئون الدول العربية الأخرى “.
رفض الرئيس عبد الناصر كل تلك العروض وأصر على عودة الأراضى العربية كلها وعلى الوصول إلى حل شامل للصراع العربى الإسرائيلى، أدرك الرئيس عبد الناصر أن عروبة مصر هى قدرها و مستقبلها وسبيل العرب الوحيد للوحدة ككتلة قوية في عالم لا يرحم الكيانات الصغيرة، أدرك أن قيادة مصر للوطن العربى تكون بأفعالها وبكونها ممثلة لكل طموحات و أمال الشعوب العربية، لم تكن العروبة والقومية عنده تعنى السيطرة المصرية على الوطن العربى بل كانت رؤية عبد الناصر أشمل لمفهوم الأمن القومى العربى الجامع لكل الدول العربية وكان مؤمنا أن المصالح العربية مشتركة وواحدة، لذا رفض بشدة أن يخرج من عروبته وأن ينعزل بمصر،لذا بدأ التخطيط لرد الاعتبار والثأر مما حدث في حرب حزيران- يونيو 1967
طبق عبد الناصر عمليا مقولته الخالدة.. أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة…. لذلك لم ينم عبد الناصر منذ الهزيمة ليلة هنيئة حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها في 28 أيلول-سبتمبر 1970.. ثلاث سنوات أنجز فيها عبد الناصر ما أدى لصنع أسطورة العبور..يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه.. 6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية.. “” في الواقع أن فترة ما بين الحربين (حزيران- يونيو67، تشرين الاول- أكتوبر73). والتي استمرت نحو ست سنوات ونصف السنة. كانت فترة “كمون ” و”إعداد” ثم “اختمار” و”انطلاق” نحو القفزة الكبرى.. ونحن نستطيع أن نقدر هذه الفترة حق قدرها في سياق الصراع العام إذا نحن حللناها إلى مراحل تطورية. فهناك أربع مراحل أساسية.. (الصمود) (الردع)(الاستنزاف) ( وقف اطلاق النار).. فالصمود من “حزيران- يونيو 67 حتى آب- أغسطس 68” مدة سنة وشهران.. هي أساساً مرحلة “الدفاع الحذر” تخللتها معارك رأس العش والمدمرة إيلات وبعض معارك جوية متحدية.. والردع من “أيلول- سبتمبر68 حتى شباط -فبراير 69″ مدة ستة شهور.. هي أساساً مرحلة ” الدفاع النشط ” تلخصها معارك المدفعية التي اتصل فيها التراشق بالنيران عبر القناة.. وكان من نتائجها بناء العدو لخط بارليف الأول.. أما مرحلة الاستنزاف من “آذار-مارس 69 حتى آب-أغسطس 70″ مدة سنة ونصف السنة.. فتعد أساساً مرحلة ” الهجوم الحذر” ففيها تم تدمير خط بارليف ألأول بالمدفعية المكثفة المستمرة طوال شهرين.. آذار-مارس ونيسان- أبريل 1969.. ثم توالى عبور الكوماندوز ليلاً ونهارا بقوات متزايدة ثم بلا انقطاع، كما تكررت غارات الضفادع البشرية على موانئ العدو تحرقها وتغرق سفنه فيها، هذا فضلاً عن الغارات والمعارك الجوية المتصاعدة، وذلك كله في وجه غارات العدو المضادة على الجزر المنعزلة والعمق المدني إلى جانب جبهة القناة. أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي مرحلة وقف إطلاق النار من آب- أغسطس 70 حتى تشرين الأول- أكتوبر73″ مدة ثلاث سنوات وشهران.. وهي أساساً فترة اللاحرب واللاسلم.. من هذا التصنيف نرى أن فترة ما بين الحربين تكاد أولاً تنتصف ما بين مراحل الدفاع بأشكاله ودرجاته المختلفة ومابين مرحلة اللاحرب واللاسلم “ثلاث سنوات وشهران لكل منهما”.. والمراحل الدفاعية الأولى تكاد بدورها تنتصف بين الصمود والردع السلبي في جانب وبين الاستنزاف الإيجابي في الجانب الآخر.. “حوالي سنة ونصف السنة لكل منهما”.. وإذا كان العدو قد تفرغ في مرحلة وقف النار لبناء خط بارليف الثاني وتدعيم وجود في سيناء.. فقد تفرغت القوات المصرية للتدريب الداخلي النهائي والحاسم وإعادة بنائها وتطويرها للمعركة الكبرى.. وهكذا ترسم المراحل مجتمعة عملية متنامية متصاعدة تتعاقب وتتكامل في زحف صاعد منتظم من البناء العسكري والاختبار الحربي وكانت كلها بخبراتها وتجاربها ونتائجها مدرسة عملية أخرى بالفعل وتدريبات جزئية مجزأة على معركة التحرير الكبرى في أكتوبر… من هنا ثبت أن سنوات ما قبل المعركة.. تلك السنوات ” الست” القاسية والصبور.. لم تكن سدى.. ففي هذه الفترة أتيح لقواتنا وقياداتها المجال لنوعين أساسيين من التدريب والتجريب : تدريب نموذجي معملي.. وتدريب ميداني واقعي فبالتخطيط الثاقب الواعي والإرادة المصرة، جرى التدريب الشاق المثابر العنيد ” قيل 300تجربة”! على ” ماكيت” إقليمي من الحجم الطبيعي وفي لاندسكيب طبيعي اختير بعناية وعن عمد من ليكون أقرب ما يمكن شبهاً ببيئة القناة ومسرح القتال سواء تضاريس أرض أو عمق مجرى أو سرعة تيارات.. وقد كانت منطقة على قطاع من ترعة الإسماعيلية.. حيث أقيم سد ترابي مشابه تماما لسد العدو.. هي هذا المسرح التدريبي والتجريبي على العبور والاختراق.. كذلك فلقد أجريت عملية التدريب أحيانا على قناة السويس نفسها في قطاع يزدوج فيه عملية التدريب أحياناً على قناة السويس نفسها في قطاع يزدوج فيه مجراها.. حيث تتوسط المجرى جزيرة البلاح الغربي بينما كانت تسيطر عليه قواتنا سيطرة كاملة وفي مأمن تام من أنظار العدو وأخطاره.. ولا يظن أحد أن هذه التجارب والتدريبات.. حتى كتجارب وتدريبات. كانت بالمهمة السهلة.ففضلاً عن صعوبات توفير المسرح الملائم بالمواصفات المحددة.. كانت هناك اعتبارات إمكان استخدام الذخيرة الحية.. وبإحداث خسائر في الأرواح والممتلكات والمزروعات بل والأرض الزراعية نفسها.. كذلك ضرورة إقامة ثم هدم الساتر الترابي الصناعي عدة مرات في كل تجربة واحدة.. ثم تكريك وتطهير المجرى المائي من رديمها بعد تلك المرات وإعادته إلى مكانه على ألأرض من جديد.. كل أولئك مع ما يعني من مضاعفة أحجام مكعبات والردم والتكويم والتكريك عدة أضعاف الحجم الكلي للعملية الحقيقية الواحدة نفسها في ميدان القتال الفعلي. وكما يذكر كتاب حرب رمضان فإن تدريب وحدة هندسية واحدة ” من 80 وحدة مطلوبة” كان يستدعي تحريك حجم من الأتربة والوحل يعادل 12 مرة مثل ما ستقوم بإزاحته فعلاً أثناء المعركة، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 15 ضعفاً بالنسبة لمجمل العملية كلها تجريباً وتدريباً.. بهذا كله وبمثله وبغيره كانت العملية قد أصبحت بمثابة “الأمر اليومي” أو حتى الخبز اليومي بالنسبة للمهاجم المصري المقتحم.. كل المعدات والأسلحة جاهزة “مشونة” في أماكنها بالضبط لساعة الصفر.. وكل فرد يعرف دوره ومكانه ولحظته المحددة، مما حقق ساعة التطبيق نتائج قياسية مذهلة من الكفاءة والاقتدار والنجاح فاقت أعرض أحلام التخطيط نفسه وأشد توقعاته تفاؤلاً..
وقد أورد إبراهيم خليل إبراهيم في كتابه وطني حبيبي عن حرب أكتوبر وعن دور جمال عبدالناصر.. “رفض الشعب والجيش مرارة الهزيمة، وبعد اقل من شهر بعد نكسة 1967 تمكن عدد محدود من جنود الصاعقة من صد هجوم بعض الدبابات الإسرائيلية.. وانتهى القتال الذي دام أياما بايقاف تقدم القوات الإسرائيلية نحو جنوب بورسعيد، ولم تعاود القوات الإسرائيلية الهجوم عليها أبدا، وظلت رأس العش المنطقة الوحيدة التي لم تدنس بالاحتلال والقوات الإسرائيلية، وفي يومي الرابع عشر والخامس عشر من شهر يوليو عام 1967 قامت القوات الجوية المصرية بطائراتها المتبقية بغارة ضد المواقع الإسرائيلية قرب القنطرة وفجرت ودمرت تشوينات الأسلحة والذخيرة التي جمعتها إسرائيل من سيناء، ولاحت بوادر استرداد الثقة حينما تمكنت لنشات الصواريخ المصرية قرب بورسعيد في الحادي والعشرين من شهر أكتوبر عام 1967 من اغراق المدمرة الإسرائيلية ـ إيلات ـ والتي كانت تعادل ثلث المدمرات الإسرائيلية الموجودة بالبحر.وتوالت قصفات المدفعية المصرية علي طول مواجهة قناة السويس حتي عشرين كيلو مترا داخل سيناء. وفي عام 1968 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون رقم 4 الذي نظم وضع القوات المسلحة ضمن الإطار العام لأجهزة الدولة وحدد بمقتضاه سلطات فعالة لرئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى، واختصاصات وزير الحربية ورئيس الأركان، وتم إعادة تنظيم المناطق العسكرية لتغطي ارض مصر كلها، وتم علي أساس هذا التنظيم تحويل تنظيم قيادة المنطقة العسكرية الشرقية التي كانت تخضع لها من قبل وحتي عام 1967 م القوات الموجودة في سيناء، ومنطقة القناة بقيادتين ميدانيتين اقتسمتا الجبهة بالتساوي وهما : الجيش الثاني الذي كلف بالقطاع الشمالي من الجبهة، والجيش الثالث الذي كلف بالقطاع الجنوبي، وأنشئت أيضا قيادة قوات الدفاع الجوي وأصبحت مع أوائل عام 1968 م بمثابة القوة الرئيسية الرابعة في القوات المسلحة. وقد شهدت القوات الجوية عملية بناء غير مسبوقة شملت تخرج 12 دفعة من الطيارين، 10 دفعات من الملاحين، وتجهيز هندسي لمختلف المطارات والقواعد الجوية وإنشاء مطارات جديدة في كل أنحاء مصر، وتعددت صور الإنشاءات بين دشم محصنة، ودشم ذخيرة، ومراكز قيادة، وبلغ حجم الإنشاءات في القوات الجوية ثمانية أضعاف الهرم الأكبر، وتضاعفت ساعات الطيران للطيارين مرتين ونصف، وتضاعفت طلعات رمي الطيارين بالقنابل والصواريخ مابين 18 الي 20 مرة. وكانت عملية إعادة بناء قوات الدفاع الجوي تمثل في حد ذاتها قصة بطولة بمفردها حيث كان لدينا فقط بضعة مدافع ورشاشات مضادة للطائرات، وعدد ضئيل من بطاريات الصواريخ، وقليل من أجهزة الرادار. وقد حاولت إسرائيل تدمير إرادة مصر فقامت بغارات جوية وصل عددها من يوليو حتي سبتمبر عام 1969 حوالي 1000 غارة في العمق ضد بعض الأهداف المدنية لتوسيع رقعة القتال. و اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قرارا ببناء مواقع محصنة لصواريخ الدفاع الجوي.. ثم اتخذ قرارا بإقامة حائط الصواريخ علي امتداد الجبهة الغربية لقناة السويس، ووصل حجم الأعمال الهندسية في حائط الصواريخ 12 مليون متر مكعب أعمال ترابية، و مليون و نصف مليون متر مكعب من الخرسانة العادية، ومليونين خرسانة مسلحة، 800 كيلو متر طرق أسفلت، 3000 كيلو متر طرق ترابية، و قدرت تكاليف حائط الصواريخ بحوالي 76 مليون جنيه، وبعد عملية إعادة البناء تم تنفيذ العديد من العمليات القتالية كبروفة طبق الأصل لعملية العبور ففي ايلول-سبتمبر عام 1968 قامت المدفعية المصرية بتدمير بطاريات الصواريخ ارض / ارض قصيرة المدى التي إقامتها إسرائيل في مواجهة مدينتي الإسماعيلية والسويس وبقية القرى بمنطقة القناة، ورغم محاولات إسرائيل التدخل بقواتها الجوية ضد المدفعية المصرية فان عمليات القصف المدفعي تواصل جنبا الي جنب مع عمليات العبور والتي تزايدت بشكل كبير منذ يونيو 1969 وفي يوليو 1969 قامت قوة مصرية بعملية عبور من منطقة بور توفيق و اقتحمت موقعا إسرائيليا و قتلت و جرحت نحو 40 جندي و استمرت في الموقع لمدة ساعة بعد ان دمرت 5 دبابات إسرائيلية و مركز مراقبة و عادت بأول أسير إسرائيلي، و في التاسع من ديسمبر عام 1969 قامت طارة ميج 21 مصرية بإسقاط أول طائرة فانتوم إسرائيلية. و في يوليو 1970 تمكنت صواريخ الدفاع الجوي في أسبوع واحد من إسقاط 17 طائرة إسرائيلية فيما عرف بأسبوع تساقط الطائرات الفانتوم الإسرائيلية. و خلال معارك الاستنزاف خسرت إسرائيل ثلاثة أمثال ما لحقها من خسائر بشرية خلال حرب 1967،و فقدت خلالها 40 طيارا، 27 طائرة قتال، ومدمرة، و7 زوارق وسفن إنزال، و119 مجنزرة، 72 دبابة، 81 مدفع ميدان وهاون، ومقتل 827 جنديا وضابطا وإصابة 2141 فردا
كانت حرب الإستنزاف التى قادها عبد الناصر هى الخطوة الأولى نحو العبور العظيم.
عندما تحدث الأستاذ هيكل في أحاديثه الأخيرة عن تفاصيل العملية المخابراتية (عصفور)،كشف أحد أخطر تقارير المعلومات التى كشفتها عملية (عصفور)،عندما توجه السيد أمين هويدى مدير المخابرات العامة المصرية إلى منزل الرئيس عبد الناصر في يوم 6 كانون الأول-ديسمبر 1969 ومعه تسجيل لحديث دار بين الوزير المفوض الأميركى في سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل ومديرة مكتبه مع السفير الأميركى في القاهرة وممثل المخابرات المركزية الأميركية في السفارة الأميركية في القاهرة وأستمع الرئيس عبد الناصر إلى الحديث و الذى جاء فيه :
أن عبد الناصر هو العقبة الرئيسية في قيام علاقات طبيعية بين المصريين والإسرائيليين.
وأن هناك حالة من الالتفاف الشعبى المصرى والعربى حول عبد الناصر تجعل السلام مع إسرائيل بالشروط الأميركية مستحيلاً.
وإن مصر التي كانت من المفترض أنها مهزومة تبدو منتصرة في حين أن إسرائيل التي كان من المفترض أن تبدو منتصرة تبدو مهزومة بسبب حرب الاستنزاف.
وأن سمعة “موشى ديان”أكبر بكثير من إمكانياته الشخصية.
وأن قادة إسرائيل (جولدا مائير، موشى ديان، أهارون ياريف، إيجال أللون) أجمعوا على أن بقاء إسرائيل ونجاح المشروع الأميركى في المنطقة مرهون باختفاء الرئيس جمال عبد الناصر من الحياة وأنهم قرروا اغتياله بالسم أو بالمرض.
وأن جولدا مائير رئيسة وزراء العدو قالت بالنص :
we will get him* سوف نتخلص منه وإلا فأن العالم العربى ضائع وسيخرج من نطاق السيطرة الأميركية،ومستقبل دولة إسرائيل في خطر بالغ.
ولشدة خطورة تلك المعلومات فضلّ السيد أمين هويدي أن يستمع الرئيس عبد الناصر بنفسه للتسجيل كاملا.
فى يوم 28 ايلول- سبتمبر 1970، كما قام الأستاذ هيكل بعرض الوثائق والأدلة التى تثبت توقيع الرئيس عبد الناصر لخطط العبور بعدما أكتمل بناء حائط الصواريخ العظيم فى أغسطس 1970 .
لقد أعترف قادة إسرائيل كلهم بخسارتهم لحرب الاستنزاف ( حرب الألف يوم ) كما يطلقون عليها وتكفى مراجعة مذكرات ( شارون – ديان – بارليف – جولدا مائير – مناحم بيجين ) لكى يدرك أى منصف الحقيقة .
توفى الرئيس جمال عبد الناصر بعد 9 شهور من معرفته بالخطة الأميركية الإسرائيلية لاغتياله، فعقب مؤتمر القمة العربية بالقاهرة الذى عقد لوقف الحرب التى قادها ملك الأردن الراحل حسين ضد المنظمات الفدائية الفلسطينية، مات جمال عبد الناصر شهيدا في سبيل أمته، مات وهو يناضل ضد المشروع الأميركى الصهيونى في العالم العربى

وإذا ألقينا نظرة فاحصة على أوضاع مصر الداخلية أثناء خوضها لحرب الاستنزاف سنجد التالى:

تحمل الاقتصاد المصرى تكاليف إتمام بناء مشروع السد العالى العملاق، ولم يكتمل بناء هذا السد إلا سنة 1970 قبيل وفاة الرئيس عبد الناصر الذى أعلن بشرى انتهاء المشروع العملاق أثناء خطابه في العيد الثامن عشر للثورة.
السد العالى الذى اختارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسي وتنموي في القرن العشرين.
السد العالي الذى يعادل في حجم بناؤه 17 هرما من طراز هرم خوفو.
كما تم بعد النكسة بناء مجمع مصانع الألمونيوم في نجع حمادي وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه.
وفي ظل النكسة حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادي قبل النكسة والتى بلغت 7% حسب تقرير البنك الدولى رقم «870 أ» عن مصر الصادر في واشنطن بتاريخ 5 كانون الثاني-يناير 1976.
بل أن هذه النسبة زادت في عامي 1969 و 1970 وبلغت 8% سنويا.
كانت تلك النسبة للنمو الاقتصادي في مصر لا مثيل لها في العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى في أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف في المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية.
فمثلا ايطاليا وهى دولة صناعية متقدمة و من الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تقدر بـ4.5% فقط في نفس الفترة الزمنية.
وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول و أخر مرة في تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.
تحمل الاقتصاد المصرى عبء إعادة بناء الجيش المصرى من الصفر وبدون مديونيات خارجية كانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث و أجهزة كهربية.
وكان الرئيس عبد الناصر يفخر أنه يرتدى بدل وقمصان غزل المحلة ويستخدم الأجهزة الكهربائية المصرية ( ايديال)، وقبيل وفاة الرئيس عبد الناصر أتمت مصر بناء حائط الصواريخ الشهير وأتمت خطط العبور وتحرير الأرض العربية كلها وليس تحريك الموقف.
وبقبول الرئيس عبد الناصر لمبادرة روجرز، أستطاع أبطال القوات المسلحة تحريك حائط الصواريخ العظيم حتى حافة قناة السويس.
وبذلك تم إلغاء دور الطيران الاسرائيلي ذراع إسرائيل الطويلة في الهجوم على مصر غرب قناة السويس وأصبح اندلاع حرب التحرير، وعبور الجيش المصري للضفة الشرقية مسألة وقت.
كان الرئيس عبد الناصر يقدرها بزمن لا يتأخر عن نيسان-أبريل 1971.
وقبيل وفاة الرئيس صدق على الخطة جرانيت. وهي خطة العبور التي نفذ الجزء الأول منها في ظهيرة يوم 6 تشرين الأول- أكتوبر 1973.
كما صدق على الخطة 200 وهي الخطة الدفاعية التي تحسبت لحدوث ثغرة في المفصل الحرج بين الجيشين الثاني والثالث المصري.
صعدت روح الرئيس عبد الناصر إلى بارئها بعد ثلاثة أعوام من النكسة واقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولي.
وثمن القطاع العام الذي بناه المصريون في عهد الرئيس عبد الناصر بتقديرات البنك الدولى بلغ 1400 مليار دولار.
ولدى مصر أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت في عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثقيلة وتحويلية وإستراتيجية.
كل ذلك بدون ديون فمصر في ليلة وفاة الرئيس عبد الناصر كانت ديونها حوالى مليار دولار ثمن أسلحة أشترتها من الاتحاد السوفيتي، وقد تنازل عنها السوفيت فيما بعد ولم يتم سدادها.
ولم تكن عملة مصر مرتبطة بالدولار الأميركي بل كان الجنيه المصرى يساوى ثلاثة دولارات ونصف، ويساوى أربعة عشر ريال سعودى بأسعار البنك المركزي المصري.
رحل الرئيس عبد الناصر والجنيه الذهب ثمنه 4 جنيه مصري.
كل تلك الانجازات تمت بعد النكسة ومن نفس النظام الذي تمت الهزيمة في عهده. لم تكن هزيمة حزيران- يونيو 1967 بسبب فشل نظام حكم عبد الناصر بل كانت عقابا أميركيا على نجاح عبد الناصر في بناء نموذج ثورى اقتصادى واجتماعي ناجح شكل خطرا جسيما على المشروع الأميركى والصهيونى في الوطن العربي.
وكانت كلمات الرئيس الفرنسى شارل ديجول خير معبر عن حقيقة عدوان يونيو 1967
*
المعركة أميركية والأداء إسرائيلي
*
وبعد رحيل الزعيم عبد الناصر دخلت مصر حرب أكتوبر وهى محكومة بكل آليات النظام الناصرى.
القطاع العام الذى يقود التنمية.
والجيش المصرى الذي بناه عبد الناصر عقب الهزيمة.
وحائط الصواريخ الذي حركه عبد الناصر لحافة القناة قبيل وفاته.
والخطط العسكرية الموضوعة منذ عهده.
.
ولنرى ما الذى حدث بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر؟
فى مذكرات هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأميركى الأسبق نقرأ التالى أنه شعر بالسعادة البالغة لنبأ وفاة الرئيس عبد الناصر لأن وجوده بسياسته الراديكالية المعادية للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط كان يمثل أكبر عائق لتنفيذ الأهداف الأميركية في المنطقة الأهم للولايات المتحدة في العالم، ويحلل كيسنجر أوضاع المنطقة عقب وفاة عبد الناصر، ويصل أن الوقت أصبح مناسب للوصول لحل سلمى للصراع بين مصر و إسرائيل بشرط أن يكون هذا الحل أميركى، وأن يتضمن ثلاثة شروط :
– 1 طرد النفوذ السوفيتى من المنطقة كلها.
– 2 يترك مصر ضعيفة غير قادرة على التأثير بأى نفوذ على الإطلاق في العالم العربى.
– 3 أن تظهر التجربة الثورية التى قادها عبد الناصر في مظهر التجربة الفاشلة.
وعلى الجانب الإسرائيلى يقول مناحم بيجن عن وفاة عبد الناصر ( إن وفاة عبد الناصر، تعني وفاة عدو مر، إنه كان أخطر عدو لإسرائيل.إن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدراته وحنكته وزعامته ).
ويقول بن جوريون (كان لليهود عدوين تاريخيين هما فرعون في القديم، وهتلر في الحديث، ولكن عبد الناصر فاق الأثنين معا في عدائه لنا، لقد خضنا الحروب من أجل التخلص منه حتى أتى الموت وخلصنا منه).
و يقول حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلى: (بوفاة جمال عبد الناصر أصبح المستقبل مشرقا أمام إسرائيل و عاد العرب فرقاء كما كانوا وسيظلون باختفاء شخصيته الكاريزماتية).
ويقول المفكر الإسرائيلى آمنون روبنشتاين: إن مصر يجب آلا تكون طرفا في الصراع العربى الإسرائيلى، إن تورط مصر الكبير في النزاع العربى الإسرائيلى تمخض بصفة خاصة بسبب سياسة جمال عبد الناصر التى كانت تقوم على ركنين أساسيين يعوزهما الحكمة :
*-1 إمكانية وجود وحدة عربية.
2 – معاداة الغرب.
وقد رفض جمال عبد الناصر طيلة حياته العدول عن تلك السياسات والآن بعد وفاته نأمل أن تراجع القيادة المصرية الجديدة تلك السياسات لكى تنهى الحرب بين مصر و إسرائيل.
لم تكن حرب حزيران- يونيو 1967 هى نهاية التاريخ،ولم تكن هى سبب مشاكل مصر والعرب الأن، ولم يكن عبد الناصر المهزوم في حزيران- يونيو 1967 هو الذى ذهب إلى القدس وأعترف بالكيان الصهيونى،وقبل بالحل الجزئى المنفرد للصراع العربى الإسرائيلى،ولم يكن عبد الناصر هو الذى خطب في الكنيست الإسرائيلى وفوق رأسه العبارة المقيتة (من النيل إلى الفرات..أرضك يا اسرائيل).
ولم يكن عبد الناصر هو الذى فكك القاعدة الصناعية الضخمة التى بناها المصريون في الخمسينيات والستينيات، ولم يكن هو الذى خصخص القطاع العام المصرى، وبدد ثروات البلاد وباع أراضيها للسماسرة والمستغلين من شتى الجنسيات، لم يكن عبد الناصر هو الذى أنسحب من العالم العربى وأفريقيا وأسيا، ولم يكن عبد الناصر هو الذى حول لمصر لمحمية أميركية حليفة لاسرائيل، بل أن تصديه للمشروع الأميركى الصهيونى هو سبب العدوان على مصر في حزيران- يونيو 1967،وصموده ورفضه لمشروعات السلام المنفردة ربما يكون هو سبب وفاته المفاجئة في ايلول- سبتمبر 1970.
فى كتيب (العلامة جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة) الذى صدر حديثا بالقاهرة يقول العالم الراحل : جمال عبد الناصر هو الحاكم المصرى الوحيد الذى فهم الجغرافيا السياسية لمصر،لذا فالناصرية هى مستقبل مصر،لأن الناصرية هى مصر كما ينبغى أن تكون.
عقب الهزيمة قال الرئيس عبد الناصر : ” ان النكسات عوارض طارئة فى حياة الشعوب* “
الهزيمة الحقيقية هى هزيمة الإرادة وليست خسارة معركة حربية
كانت حرب الاستنزاف هى الخطوة الأولى نحو العبور العظيم ولو أن الرئيس عبد الناصر هو الذى قاد معركة التحرير لأختلفت النتائج إختلافا كاملا ولكن شاءت إرادة الله ألا تشهد عيناه ثمار النصر الذى وضع أسسه وخططه فى الفترة من 1967-1970 
يرحم الله الرئيس جمال عبد الناصر وكل شهداء مصر فى حرب الاستنزاف وكل شهداء الأمة العربية .

 

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: