الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة

المباديء العامة

………………………………………………………………………………………………………………………………..

(1) تقوم هذه الدراسة على مسلّمات غير مطروحة للمناقشة، بمعنى أنّ كلّ ما يتّصل بها من قضايا فكريّة و خبرات متراكمة من المرحلة التاريخيّة السابقة غير معاد طرحه هنا اكتفاء بخلاصته كمسلّمات. و يترتّب على هذا -من ناحية- أنّه إذا كانت تلك التي نسمّيها مسلّمات ما تزال موضع شكّ أو في حاجة إلى مزيد من البحث فلابدّ أن نبدأ الدراسة من نقاط سابقة. و يترتّب عليه –من ناحية أخرى- أنّ هذه الدراسة لا تعني إلاّ أولئك الذين يسلّمون بمسلّماتها.
إنّها إذن ليست دراسة للكافّة بل مشروع للحوار بين الذين تجاوزوا مرحلة الإيمان بمسلّماتها فهم مشغولون بالبحث عن الإجابة الصحيحة عن السؤال: ما العمل؟
لقد كان لابدّ من تحديد نقاط التقاء على مسلّمات كمعطيات مبدئيّة ليكون الحوار مجديا و قابلا لمزيد من نقاط الالتقاء إذ أنّ أيّ حوار لا يبدأ من نقاط التقاء لن يلبث أن يتحوّل إلى محاورات فكريّة تلفّ و تدور حول مواضيع عدّة و لا تنتهي أبدا إلى نتيجة معيّنة.
(2) تتلخّص هذه المسلّمات في:
أوّلا: أنّ مجتمعنا أمّة عربيّة واحدة مكتملة التكوين تاريخيّا، تشمل الشعب العربيّ و الوطن العربيّ معا، بما يعنيه هذا من ملكيّة الشعب العربيّ كلّه لوطنه ملكيّة تاريخيّة مشتركة حاضرا بين أفراد كلّ جيل عربيّ و مشتركة بين الأجيال العربيّة المتعاقبة.

ثانيا: أنّ كون مجتمعنا أمّة واحدة لا يعني على أيّ وجه أنّها أمّة ممتازة على أيّة أمّة أو شعب غيرها. بل يعني تماما أنّها متميّزة بخصائصها التاريخيّة و الحضاريّة و مشكلات حاضرها و آمال مستقبلها بنصيبها كشريك للمجتمعات الأخرى في المشكلات الإنسانيّة المشتركة. إنّ أمّتنا ليست ممتازة فليس من حقّ شعبها أن يعتدي أو يغتصب أو يحتلّ أو يستغلّ أو يفرض وصايته على أيّة أمّة أخرى. و أمّتنا متميّزة. فليس من حقّ أيّة أمّة أخرى أن تعتدي أو تغتصب أو تحتلّ أو تستغلّ أو تفرض وصايتها على أمّتنا أو أيّ جزء منها.

ثالثا: أنّ كون شعبنا العربيّ يملك وطنه العربيّ ملكيّة مشتركة تاريخيّا بين أفراد كلّ جيل من الأجيال المتعاقبة يعني أن ليس لأيّ جزء من الشعب العربيّ أن يستأثر لنفسه بأيّ جزء من الوطن العربيّ أو يتصرّف فيه أو يتنازل عنه و ليس للشعب العربيّ كلّه في أيّة مرحلة تاريخيّة أن يفرّط في أيّ جزء من الوطن العربيّ أو يتنازل عنه.

رابعا: أنّ وحدة الأمّة العربيّة شعبا و وطنا و المشاركة التاريخيّة لكلّ الشعب في كلّ الوطن يعطي الشعب العربيّ حقّا تاريخيّا في أن تكون لأمّته الواحدة دولة قوميّة واحدة لتكون الأداة المشتركة للدفاع عن المجتمع المشترك ضدّ أيّ اعتداء من خارجه و لتكون «الأداة» المشتركة لإدارة المجتمع المشترك لمصلحة الشعب العربيّ كلّه و ليمارس بها الشعب العربيّ سيادته المشتركة على وطنه المشترك.

خامسا: أنّ دولة الوحدة لابدّ لها من أن تقوم على كلّ جزء من الأمّة العربيّة متحرّر من الاغتصاب و الاحتلال و التبعيّة و تنمو تابعةً النصرَ في معارك التحرّر إلى أن تصل شاملة كامل الأمّة العربيّة شعبا و أرضا لتجسّد و تحمي الوجود القوميّ على كامل مداه التاريخيّ.
ثمّ إنّها لابدّ لها من أن تكون دولة واحدة –دستوريّا- سواء أكانت دولة بسيطة أو دولة فيدراليّة لتجسّد السيادة الواحدة للشعب العربيّ الواحد على وطنه الواحد. ثمّ إنّها لابدّ لها من أن تكون ديمقراطيّة في نظامها السياسيّ لتكون أداة مشتركة في يد الشعب العربيّ كلّه. إنّ الديمقراطيّة هنا هي نظام مشاركة الشعب في إدارة دولته.
و أخيرا لابدّ لها من أن تكون اشتراكيّة في نظامها الاقتصاديّ لتوظّف الموارد المادّيّة والبشريّة في الوطن المشترك لحساب الشعب العربيّ كلّه. إذ الاشتراكيّة هنا هي توظيف الموارد المادّيّة و البشريّة المتاحة في المجتمع طبقا لخطّة شاملة من أجل إشباع الحاجات المادّيّة و الثقافيّة و الروحيّة المتجدّدة أبدا للشعب كلّه.

سادسا: بناء على ما تقدّم يكون الهدف الاستراتيجيّ لهذه المرحلة التاريخيّة من حياة الأمّة على وجه التحديد إقامة دولة واحدة ديمقراطيّة اشتراكيّة على كامل تراب الوطن العربيّ.

سابعا: أنّ كلّ اغتصاب أو احتلال أو تبعيّة مفروضة على أيّ جزء من الأمّة العربيّة هو عدوان عليها من خارجها يجب أن يردّ بكلّ أسلوب مناسب بصرف النظر عن أسبابه التاريخيّة و عن أجناس أو ألوان أو ديانات أو مبادئ أو نظم أو دول الغاصبين أو المحتلّين أو المستعمرين و أنّ تجزئة الأمّة العربيّة شعبا و وطنا إلى دول و دويلات و إمارات… هو عدوان عليها من داخلها يجب أن يزول بكلّ أسلوب مناسب بصرف النظر عن أسبابه التاريخيّة و عن النظم الاقتصاديّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة السائدة في أيّ إقليم عربيّ.
لا مهادنة في كلّ هذا و لا مساومة و لا حلول وسطيّة. و على المغتصبين و المحتلّين و المستعمرين أن يستسلموا بدون قيد أو شرط لحساب دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة بصرف النظر عن أيّة معاناة أو تضحيات مادّيّة أو بشريّة و مهما طال وقت الصراع.

ثامنا: أنّ القوى الغاصبة أو المحتلّة أو المستعمرة التي تجسّد العدوان الخارجيّ على الأمّة العربيّة و أنّ الدول العربيّة التي تجسّد العدوان الداخليّ (التجزئة) هي العدوّ المعيّن واقعيّا لهدف الثورة العربيّة و لابدّ من التعامل معها على هذا الأساس. و بالتالي فإنّ تلك القوى المعادية لا يمكن أن تكون هي أدوات إلغاء عدوانها و على وجه خاصّ لا يمكن أن تكون الدول العربيّة أدوات لتحقيق الوحدة.
و باستبعاد القوى المعتدية –بما فيها الدول العربيّة- لا تبقى أداة مرشّحة لتحقيق هذه الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة إلاّ الجماهير العربيّة المطهّرة من الولاء لغير أمّتنا العربيّة و وحدتها و تقدّمها.

تاسعا: أنّ القوى الغاصبة و المحتلّة و المستعمرة فرضت عدوانها بالقوّة وتحميه بالقوّة و أنّ الدول العربيّة التي تجسّد العدوان الداخليّ (التجزئة) تصوغ هذا التجسيد في شكل تحالفات و معاهدات و دساتير و قوانين و لوائح و تحمي هذا التجسيد العدواني بالقوّة في شكل قوات مسلّحة و شرطة و محاكم و سجون و غرامات… إلى آخره. إنّ هذا الواقع الذي يجب أن يزول سيفرض على الجماهير العربيّة أسلوب إزالته: إنّها الثورة حيث تعني الثورة هنا تجريد القوى المعادية من قوّة البطش التي تملكها بالأسلوب المناسب في الزمان و المكان لتشقّ الجماهير العربيّة طريقها إلى دولتها الواحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة.

عاشرا: أنّ الجماهير العربيّة لا تستطيع أن تخوض معارك الثورة العربيّة و تنتصر إلاّ إذا كانت منظّمة. و لا يمكن أن تكون منظّمة إلاّ إذا خطّط لحركتها و قادها تنظيم جماهيريّ ثوريّ يكون طليعتها في معارك التحرّر حيث القوى المغتصبة أو المحتلّة أو المستعمرة و طليعتها في معارك الوحدة حيث تحقّق التحرّر و بقيت الإقليميّة و يكون طليعتها في معارك الاشتراكيّة في كلّ أرض محرّرة من الوطن العربيّ. إنّ هذا يقتضي وحدة التنظيم و وحدة القيادة و وحدة الاستراتيجيّة مركزيّا و لامركزيّة الخطط التكتيكيّة إلى أن يتمّ النصر النهائيّ و تقوم دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة.

حادي عشر: أنّ هذا التنظيم الجماهيريّ الثوريّ غير موجود حاليّا. فتكون نقطة البداية الحتميّة في الإعداد للثورة العربيّة هو إيجاده. إنّ وجوده في الواقع العربيّ المجزّإ المحتلّ المتخلّف ليس سهلا و يحتاج إلى وقت غير قصير. و لكنّ الإيمان بأنّه نقطة البداية الصحيحة على الطريق الصحيح كفيل بالتغلّب على كلّ العقبات و تعويض الوقت بتكثيف الجهد خاصّة إذا رُوعِي في إنشائه الأسلوب العلميّ الذي يستجيب لمتطلّبات الواقع العربيّ المعقّد و الاستفادة من دروس الفشل الذي صادفته المحاولات السابقة. إنّ أيّة محاولة لإنشائه قبل أن تتوفّر له أفضل فرص النجاح في مهمّته التاريخيّة هي إجهاض لمولده و تأجيل –حتميّ- لهدف الوحدة.

ثاني عشر: أنّ عدم وحدة التنظيم الجماهيريّ الثوريّ و ما قد يقتضيه إنشاؤه من جهد و وقت حتّى يأتي ملائما علميّ لتحقيق غاياته بعد توفير كافّة الضمانات الموضوعيّة لتلك الملاءمة لا يعني أبدا التخلّي عن –أو الانسحاب من، أو الاستسلام في- معارك الدفاع عن أمّتنا العربيّة أو تأجيلها إلى أن يتمّ إنشاء التنظيم الجماهيريّ الثوريّ.

و من هنا فلابدّ لكلّ الذين يحتفظون بولائهم لأمّتهم دون غيرها في أيّ مكان و موقع أن يواجهوا الواقع العربيّ بأسلوبين متوازيين:

الأوّل: الدفاع عن حرّيّة الأمّة العربيّة و وحدتها و تقدّمها «بما هو كائن» من أدوات و إمكانات مع التسليم بأنّ هذا «أسلوب ضرورة» لكي يتحقّق للشعب العربيّ هدفه الاستراتيجيّ أبدا و قصارى ما يؤدّي إليه منع مزيد من الخسائر في معارك التحرّر العربيّ أو الوحدة أو الاشتراكيّة.

الثاني: تكثيف و تنظيم كلّ الجهود المتاحة لإنشاء التنظيم الجماهيريّ الثوريّ بحيث تستطيع الجماهير العربيّة المنظّمة أن تدخل معارك التحرّر و الوحدة و الاشتراكيّة «بما يجب أن يكون» في تاريخ يحدّد منذ البداية فتكون لأوّل مرّة في تاريخها الحديث قد انتقلت من مرحلة النضال «ردّ الفعل» الذي يلهث وراء الأحداث التي يفجّرها أعداؤها إلى مرحلة النضال «الفعل» الذي يتمّ في المكان و الزمان و بالأسلوب الذي تختاره طبقا لخطط نضاليّة مسبّقة، أي تكون قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.

التنظيم القومي

إنّ أيّة دراسة تستهدف الإجابة عن السؤال: كيف يقوم التنظيم القوميّ؟ لابدّ لها من أن تجيب أوّلا عن السؤال: ما هو التنظيم القوميّ؟
إنّ نسبة عالية من أسباب فشل المحاولات السابقة و العقبات القائمة في سبيل أيّة محاولة جديدة أنّ أحدا لم يهتمّ بدراسة خصائص و ماهية التنظيم القوميّ. و تصوّروا أنّ هذه مسألة بديهيّة لا تحتاج إلى دراسة أو إلى اتّفاق. فالتنظيم هو التنظيم التقليديّ الذي عرفته كلّ الشعوب و الحركات السياسيّة، أمّا أنّه تنظيم قوميّ فلأنّه يستهدف من نضاله تحقيق الوحدة العربيّة. و الأمر –بعدُ- ليس على هذا الوجه من البساطة. إنّه عقدة العقد في مشكلات إنشاء أو بقاء أو فناء التنظيم القوميّ. و يرجع هذا إلى الطبيعة غير العاديّة المعقّدة للواقع. إنّ التصوّر المقيّد بالمعطى «التقليديّ» للتنظيم القوميّ لا يعني شيئا أقلّ من أنّه جهل أو تجاهل للواقع العربيّ و بالتالي عدم ملاءمة التنظيم كأداة للتعامل مع هذا الواقع.
إنّ المصدر الأساسيّ لتعقّد الواقع العربيّ هو التجزئة ذاتها. الشعب العربيّ، الجماهير العربيّة، هي ذاتها شعوب وجماهير الأقاليم. الوطن العربيّ، الوطن القوميّ هو ذاته المجزّأ بين الدول العربيّة. و الإمكانيّات القوميّة هي ذاتها المقسّمة إلى إمكانيّات إقليميّة. كلّ معركة تحرّر في إقليم هي جزء من معركة التحرّر القوميّ. كلّ خطوة تقدّميّة في إقليم هي خطوة إلى التقدّم العربيّ. كلّ قوميّ الانتماء هو في الوقت ذاته إقليميّ الهويّة. في هذا الواقع لا يوجد شعب قوميّ مفروز كما لا توجد أرض قوميّة خالصة. و لا يوجد شخص قوميّ متحرّر تماما من هويّته الإقليميّة بما تتضمّنه تلك الهويّة من قيود وحدود لا تتّفق مع انتمائه القوميّ. في هذا الواقع العربيّ تختلط القوميّة بالإقليمية اختلاطا يفرض على الإقليميّين أن يخوضوا معارك قوميّة و يسمح للمؤسّسات الإقليميّة بأن تمدّ نشاطها إلى خارج إقليمها و يسمح للفكر الإقليميّ بأن يندسّ في الفكر القوميّ و أن يرفع شعاراته و يسمح بازدواجيّة الولاء و التحليل و الادّعاء. و عقدة العقد هي كيف يمكن –مع هذا الاختلاط- تحديد خصائص موضوعيّة للتنظيم القوميّ؟
لنحاول.
تنظيم…
إنّه أوّلا و قبل كلّ شيء يجب أن يكون تنظيما أي مؤسّسة جماهيريّة ذات وجود مستقلّ عن الأفراد المنتمين إليها. إنّه لا يكون كذلك إلاّ إذا كان منظّما داخليّا طبقا لقواعد عامّة تجعل بقاءه و استمراره غير متوقّف على أيّ فرد أو جماعة داخله و تجعله قادرا في كلّ وقت على أن يلزم أيّ فرد أو أيّة جماعة فيه بقراراته وأن يردع و يطرد و يجازي أيّ فرد أو جماعة تخلّ بهذا الالتزام و في أيّ وقت وأيّ مكان. و إنّ التنظيم الديمقراطيّ الحديديّ داخله هو وحده الذي يوفّر له عناصر استحقاق اسم التنظيم. إنّ هذا لا يصحّ حيث نكون أمام تجمّع جماهيريّ أو شلّة لا تمثّل قيادتها قواعدَها و لا تحكمها علاقات تنظيميّة تكون بها القيادة قائدة فعلا و تكون بها القواعد ملتزمة فعلا و يحتكم الناس إليها فتحكم بينهم و يملكون بها المقدرة على ردع المتمرّدين عليها. لا يصحّ لسبب بسيط: إنّنا في هذه الحالة لا نكون أمام تنظيم جماهيريّ لا قوميّ و لا إقليميّ.
من ناحية أخرى لا يكون التنظيم تنظيما إلاّ إذا كان مستقلاّ بوجوده و إرادته عن أيّ فرد أو جماعة أو مؤسّسة أخرى و أنّه إذا لم يكن مستقلّ الوجود يكون وجوده متوقّفا على من أوجده، و إذا لم يكن مستقلّ الإرادة يكون مجرّد أداة لمن يملك إملاء إرادته. إنّ التنظيم التابع و جودا أو إرادة ليس إلاّ جهازا منظّما في خدمة المتبوع. فهو ليس تنظيما بالمعنى الذي نستعمله في بيان خصائص التنظيم القوميّ:
• باختصار إنّ التنظيم مؤسّسة جماهيريّة مستقلّة الوجود و الإرادة عن أيّ فرد داخلها و عن أيّ فرد أو جماعة أو مؤسّسة خارجها و لا تخضع إلاّ إلى قانون تأسيسها.
و سنرى فيما بعد كيف أنّ جهل أو تجاهل هذه البديهيّات كان من الأسباب الأساسيّة لفشل كلّ المحاولات السابقة لإنشاء تنظيم قوميّ في الوطن العربيّ و كيف أنّ التركيز عليها و الانتباه لها و عدم التسامح أو التساهل فيها و عدم الاستهانة بها لأيّ سبب كان سيحلّ قدرا كبيرا من مشكلات إنشائه و بقائه.
… قوميّ
ما معنى أن يكون التنظيم قوميّا؟ هذا هو المصدر الأساسيّ للتعقيد. لو لم تكن أمّتنا مجزّأة لما كان ثمّة ضرورة لتمييز التنظيم بأنّه قوميّ. و لكنّها مجزّأة و تختلط فيها القوميّة بالإقليميّة. إنّ هذا قد يعني أنّ الإجابة سهلة: إنّ التنظيم القوميّ هو ذلك التنظيم الذي ليس إقليميّا. و التنظيم يكون إقليميّا إذا كان إقليميّ المنطلقات الفكريّة إقليميّ الأسلوب إقليميّ الغايات و بالتالي مقصور الانتماء إليه على أبناء إقليم واحد…
ليت الواقع العربيّ كان بمثل هذه البساطة و لكنّه أكثر تعقيدا ممّا توحي به الإجابة. إنّه من السهل أن نقول إنّ كلّ دولة عربيّة هي دولة إقليميّة لأنّ الدولة منضبطة بقواعد دوليّة ودستوريّة و قانونيّة تحدّد لها على وجه الدقّة أرضها و شعبها و مدى سيادتها و حدود نشاطها. الاختلاط بين القوميّة و الإقليميّة في الدول العربيّة غير ممكن. و لكنّه ممكن على أوسع نطاق في المنظّمات الجماهيريّة ذات الحرّيّة غير المقيّدة في أن ترفع أيّة شعارات و تتبنّى أيّة أفكار و تنشط في أيّ مكان و تدّعي أيّة أهداف بما فيها هدف الوحدة العربيّة.
فما هي الخصائص الموضوعيّة ليكون التنظيم قوميّا؟ ما هي المقاييس الموضوعيّة؟
(أ) لنستبعد أوّلا المقاييس الذاتيّة: و إنّ الحكم على تنظيم بأنّه قوميّ أو لا قوميّ على أساس الخبرة الذاتيّة بأحد أو ببعض العاملين في أجهزته أو المنتمين إليه موقف غير موضوعيّ و غير علميّ لا يكشف عن طبيعة المؤسّسة بقدر ما يكشف عن طبيعة صاحبه. فكما أنّ وجود القوميّين في جهاز الدولة الإقليميّة أو حتّى في قيادتها لا يغيّر من طبيعتها شيئا كذلك لا يغيّر من طبيعة التنظيم القوميّ أن يتسلّل إليه أو حتّى إلى قيادته بعض الإقليميّين أو أن يرتدّ أحد من أعضائه أو حتّى من قيادته عن القوميّة إلى الإقليميّة.
• هذا مع التسليم بأنّ النظام الداخليّ للتنظيم يجب أن يكون على قدر من الانضباط لا يسمح بتسلّل الإقليميّين إلى داخله أو بقاء المرتدّين فيه. و العبرة هنا ليست بما يقوله كلّ شخص عن نفسه فحسب بل بمحكّ الممارسة النضاليّة و المسالك الشخصيّة.
(ب) و لنستبعد ثانيا المقاييس الدعائيّة: إنّ مجرّد صياغة وثائق أو مواثيق مليئة بالحديث عن القوميّة و عن الوحدة و إعلانها أو حتّى الالتقاء عليها و الالتزام بها لا يعني أنّ الذين كتبوها و أعلنوها أو التقوا عليها أو التزموا بها قد أصبحوا بهذا وحده تنظيما قوميّا. إنّهم على أحسن الفروض جماعة من القوميّين يريدون أن يتحوّلوا إلى تنظيم قوميّ. إنّهم «مشروع» حيّ لتنظيم قوميّ غير متحقّق و لن يصبحوا تنظيما قوميّا إلاّ عندما يستكملون كافّة خصائص التنظيم القوميّ.
• هذا مع التسليم بأنّ الالتزام العقائديّ بتحقيق دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة هو أوّل خصائص التنظيم القوميّ فيه يجسّد التنظيم مصير أمّته.
(ج) و لنستبعد ثالثا المقاييس الحركيّة: إنّ مجرّد مدّ التنظيم إلى خارج حدود الإقليم لا يعني أنّ التنظيم قد أصبح بهذا وحده تنظيما قوميّا. فقد يكون قوّة منظّمة و مسخّرة لخدمة الإقليميّة في إقليمها. و ليس من المستبعد أن تأخذ تلك القوّة شكل التنظيم الجماهيريّ و أن تمتدّ إلى أكثر من إقليم في الوطن العربيّ و تدّعي بذلك أنّها تنظيم قوميّ. بل إنّ هذا الادّعاء غطاء جديد للنشاط الإقليميّ في ظلّ الالتزام المتبادل باحترامها استقلال الدول الإقليميّة و عدم التدخّل في شؤونها الداخليّة.
• هذا مع التسليم بأنّ رفض تجزئة الأمّة العربيّة شعبا و وطنا و قبول انتماء أيّ عربيّ من أيّ مكان من أهمّ خصائص التنظيم القوميّ حتّى و إن لم يمتدّ فعلا إلى كلّ إقليم فيه يجسّد التنظيم وحدة أمّته.
(د) إذن:
فتجسيد المصير القوميّ في التزام عقائديّ بتحقيق دولة الوحدة لازم ليكون التنظيم قوميّا و لكنّه لا يكفي للتمييز بينه و بين التنظيمات الإقليميّة التي تدّعيه، و تجسيد وحدة الأمّة العربيّة بقبول انتماء أيّ عربيّ من أيّ مكان لازم ليكون التنظيم قوميّا و لكنّه لا يكفي للتمييز بينه و بين التنظيمات الإقليميّة التي قد تحاوله.
فماذا بقي؟…
بقي تجسيد الوجود القوميّ ذاته تجسيد الأمّة العربيّة في الحقيقة الداخليّة للتنظيم ذاته. إن كان التنظيم هو الأمّة العربيّة «مبلورة» فهو تنظيم قوميّ و إن لم تمتدّ قواعده إلى أكثر من إقليم؛ غدا أو بعد غد سيمتدّ و يشمل. و إن كان التنظيم هو الدولة الإقليميّة «مصغّرة» فهو تنظيم إقليميّ و لو امتدّت قواعده إلى كلّ الأقاليم.
و نعرف هذا من تركيبه الداخليّ و العلاقات التي تحكم هذا التركيب. علاقة التنظيم (الأمّة العربيّة – مبلورة) ممثّلا في قيادته القوميّة بأحد فروعه (الإقليميّة – مصغّرة) ممثّلا في قيادته الفرعيّة. فإن كان التنظيم هو القائد صاحب القرار الملزم فذاك التنظيم القوميّ ينشط في الأقاليم من خلال فروعه و يطوّع مواقفها طبقا لاستراتيجيّته القوميّة الشاملة. و إن كان الفرع هو القائد صاحب القرار الملزم فذاك تنظيم إقليميّ ينشط خارج الإقليم تحت غطاء قوميّ و لو أنشأ لنفسه قيادة قوميّة.

خلاصة هذا أنّ التنظيم يكون قوميّا و يبقى قوميّا متى توفّرت فيه و طالما توفّرت أربع خصائص مجتمعة:

(1) أن يلتزم عقائديّا بإقامة دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة؛
(2) أن يكون مطهّرا تماما فكرا و أعضاء و نظاما و علاقات من أيّ شائبة قبول للتجزئة؛
(3) أن يكون الانتماء إليه متاحا لأيّ عربيّ دون أيّ قيد من انتمائه إلى أيّة دولة؛
(4) أن يكون قادرا في كلّ وقت و في أيّ مكان على إلزام أعضائه و فروعه بتنفيذ قراراته.

خلاصة:

تلك هي خصائص التنظيم القوميّ من حيث هو تنظيم و من حيث هو قوميّ. و نلاحظ أنّها جميعا تنتمي إلى داخل التنظيم أعني تتوقّف على توفير عناصرها داخل التنظيم و ليس خارجه. فاستقلاله عمّا هو خارجه و استقلاله عن أيّ فرد داخله و سيادته على أعضائه و أجهزته و عقيدته و علاقة قيادته بقواعده و علاقته بفروعه و اعتبارات المرشّحين للانتماء إليه و تنظيم كيفيّة الانتماء في كلّ مكان من الوطن العربيّ… كلّ هذه العناصر التي تحدّد بمجموعها ماهيّته كتنظيم قوميّ مطلوب توفيرها داخله بحيث يكون – داخليّا – نموذجا لهدفه: دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة، و أن يبقى دائما نموذجا لهدفه: وحدته كتنظيم و لو كانت له فروع مقابل دولة واحدة و لو كانت فيدراليّة، سيادته على فروعه استراتيجيّا مقابل مركزيّة السيادة القوميّة؛ عقيدته الاشتراكيّة هي مبادئ تنظيم دولة الوحدة اقتصاديّا؛ ديمقراطيّته الداخليّة هي نموذج التنظيم السياسيّ لدولة الوحدة… قوّته الضاربة جهاز نموذج لقوّتها المسلّحة؛ جهاز أمنه نموذج لجهاز أمنها؛ سلطة الفصل فيما يدور من منازعات أو اختلافات بين أعضائه أو بين فروعه نموذج لجهازها القضائيّ؛ قدرته على تنفيذ إرادته و ردع المتمرّدين عليه نموذج لجهازها التنفيذيّ….إلى آخره…
• و في كلمة واحدة إنّ التنظيم يكون قوميّا إذا كان يحمل في ذاته كلّ عناصر الوعد الذي يقدّمه إلى جماهير أمّته: دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة يحملها فكرا و نظاما و مواقف و مسالك.
• و لمّا كانت كلّ هذه العناصر يجب أن تتوفّر فيه منذ نشأته فإنّ توفيرها هو مفتاح حلّ كلّ مشكلات إنشائه و بذلك يفتح الطريق لدراسة كيف ينشأ؟ لأنّ السؤال قد أصبح أكثر تحديدا. أصبح: كيف تتوفّر كلّ تلك الخصائص في التنظيم القوميّ منذ نشأته؟

شروط التأسيس

يتّضح من كلّ ما سبق أنّ الواقع العربيّ الراهن يفرض أربع مجموعات من الشروط التي لابدّ من توفيرها لتأسيس التنظيم القوميّ. و هي شروط موضوعيّة بمعنى أنّه لابدّ من توفّرها سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا، سواء أكانت صعبة أو سهلة. المجموعة الأولى تتّصل بعلاقاته الداخليّة. و المجموعة الثانية تتّصل بعلاقاته الخارجيّة. و المجموعة الثالثة تتّصل بمكان تأسيسه. و المجموعة الرابعة تتّصل بزمان تأسيسه. و ذلك على الوجه الآتي:

* أوّلا: العلاقات الداخليّة:

أ- أن ينشأ مؤسّسة جماهيريّة واحدة ذات وجود غير متوقّف على الأفراد المنتمين إليها؛
ب- أن ينشأ على الالتزام العقائديّ بتحقيق دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة؛
ج- أن ينشأ مطهّرا تماما فكرا و أعضاءً و نظاما و علاقاتٍ من أيّ شائبة قبول للتجزئة؛
د- أن يساهم في تأسيسه كلّ عربيّ ملتزم بغايته بصرف النظر عن انتمائه إلى أيّة دولة عربيّة؛
هـ- أن يختار قيادته بع – و ليس قبل – التأسيس؛
و- أن يضمن نظام تأسيسه مقدرته الدائمة على فرض قراراته على أيّ فرد فيه أو أيّ فرد له؛
ز- أن يلتزم في نظام تأسيسه قواعد تقسيم العمل و ديمقراطيّة القرارات و جماعيّة القيادة.

* ثانيا: العلاقات الخارجيّة:

أ- ألاّ تؤسّسه أيّة دولة عربيّة؛
ب- ألاّ تؤسّسه أيّة مجموعة من الأحزاب أو الحركات أو الشلل القائمة في الوطن العربيّ؛
ج- أن يكون تأسيسه على وجه تنتقل به القواعد والكوادر المنظّمة فعلا من مرحلة تعدّد التنظيمات إلى مرحلة التنظيم الواحد بدون إحداث فراغ تنظيميّ؛
د- أن يؤمّن في تأسيسه عدم انتقال رواسب التجزئة و الحزبيّة و الشلليّة القديمة إليه.

* ثالثا: المكان:

أ- أن يكون مؤسّسوه من أكثر من إقليم عربيّ و ليس بالضرورة من كلّ إقليم؛
ب- ألاّ يستثني في تأسيسه أو نشاطه أيّ إقليم عربيّ؛
ج- أن يسهم في تأسيسه أكبر عدد من الشعب العربيّ في مصر بالذات؛
د- أن يكون مركز قيادته الدائم في إقليم مصر.
* الزمان:
أ- أن يتحدّد تاريخ نهائيّ لتأسيسه؛
ب- أن تتوفّر له كلّ الشروط السابقة قبل التأسيس.
هكذا نجد أنفسنا أمام عدد من المهمّات المحدّدة التي يلزم توفيرها حتّى يمكن أن يقوم التنظيم القوميّ في الواقع العربيّ الراهن أداةً صالحةً لتحقيق دولة الوحدة الاشتراكيّة الديمقراطيّة. و هذا يطرح سؤالين جوهريّين:
(1) من الذي يوفّرها؟
(2) كيف تتوفّر؟
إنّ الإجابة عن هذين السؤالين هي موضوع الجزء الثاني من هذه الدراسة. فقد كانت غاية هذا الجزء الأوّل أن يصفّي كلّ المشكلات ليحصرها في مهمّات محدّدة، و من خلال هذه التصفية أن يصل إلى معطيات مبدئيّة جديدة تضاف إلى المعطيات الأولى و التي وصلت بها هذه الدراسة إلى مستوى المسلّمات بمعنى أنّ الانتقال إلى الجزء الثاني سيكون غير مُجدٍ إذا كانت هذه المعطيات الجديدة محلّ شكّ أو ما تزال في حاجة إلى دراسة. هذه المعطيات هي:
أوّلا: إنّ عمليّة تأسيس التنظيم القوميّ تحتاج إلى مرحلتين متتاليتين مستويتين من حيث موضوع الالتزام و الأشخاص و التنظيم و القيادة و المهمّات المرحليّة: الأولى هي مرحلة التحضير و الإعداد لتأسيس التنظيم القوميّ بتوفير شروط تأسيسه الداخليّة و الخارجيّة و في المكان والزمان. و المرحلة الثانية هي مرحلة تأسيسه الفعليّ. أمّا ما بعد ذلك فسيكون شأن التنظيم ذاته.
ثانيا: إنّ المطروح و الممكن في الواقع العربيّ الراهن هو التحضير و الإعداد لتأسيس التنظيم القوميّ بتوفير شروط تأسيسه و ليس مطروحا و لا ممكنا على أيّ وجه القفز إلى تأسيس تنظيم قوميّ قبل الوفاء وفاءً كاملا بمتطلّبات المرحلة الأولى.
ثالثا: أنّه لابدّ من «تأجيل» تأسيس التنظيم القوميّ إلى أن يتمّ الوفاء الكامل بمتطلّبات المرحلة الأولى. و لكن لابدّ من البدء «فورا» في التحضير و الإعداد له في نطاق خطّة تحضير و إعداد مرحليّة تستغرق زمنا محدّدا.

رابعا: إنّ مبرّرات التحضير و الإعداد لتأسيس أداة الثورة العربيّة كما يجب أن تكون لا يجوز أن تكون على حساب أو بدلا من أدوات النضال القوميّ الكائنة و المتاحة و ذلك إلى أن يتمّ تأسيس التنظيم القوميّ.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: