الطريق الى الحركة العربية الواحدة

الثورة العربية وأداتها الواحدة / مدونة قومية ناصرية

Category Archives: الفكر القومي العربي

العودة الأمريكية إلى العراق.. بين المعلن والمخفي!

nabil nayli

نبيل نايلي

 

“سياساتنا مُختلّة.. ينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا.. المنطقة الكردية منطقة فعالة ومُتسامحة مع الطوائف والأديان الأخرى. ولهذا نعتقد أنه من المهم التأكّد من أن هذه المنطقة محمية. التهديد الأكبر لأمريكا.. هو نحن.”     الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

 

 

 

بإعطائه وزارة الدفاع الأمريكية الإذن باستخدام الطيران ضد عناصر الدولة الإسلامية في العراق، وتنفيذ المقاتلات والطائرات الأمريكية من دون طيار غاراتها الجوية، يكون الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي كان يُعارض بشدّة قرار سلفه جورج بوش، اجتياح العراق مُندّدا بـما كان يسمّيه”حربا غبية، A Dumb War”، والمؤكّد، في أكثر من مناسبة، ألاّ “حلّ عسكري أمريكي للأزمة في العراق”، يجد اوباما نفسه يعيد بتردد فتح صفحة كان يعتقد انه أغلقها نهائيا، وهو من أُنتخب بناء على وعده بإنهاء التدخّل العسكري وسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق. أوباما “النادم” على قرار عدم إدارة الانتقال الليبي، كما يزعم، و”المستفيد” من درس ليبيا بحيث بات “يطبّقه الآن في كلّ مرة” و”يتساءل فيها: هل يجب أن يتدخّل عسكريا؟ هل يملك إجابة في اليوم التالي؟”، يبدو وجد إجابات اليوم التالي، The day After، أو أملتها عليه التحوّلات الجيوستراتيجية وتسوناميات المنطقة المشتعلة.

 

لم تكتف وزارة الدفاع الأمريكية بضربات الطائرات دون طيار، وها هي ترسل من جديد، بعد أن سبق وأرسلت، في جوان الماضي، نحو 300 مستشار عسكري إلى العراق، ل”تقييم احتياجات القوات العراقية”، بعثة عسكرية جديدة متألّفة من 130 عسكريًا إضافيًا إلى إقليم شمال العراق،  لـ”تقييم بشكل أعمق“ حاجات السكان الإيزيديين الذين نزحوا هربًا من مُسلّحي تنظيم الدولة الإسلامية، كما ورد بالرواية الرسمية الأمريكية، دون الإشارة إلى المصالح الحيوية وأعضاء البعثات الإستخبارية والدبلوماسية الأمريكية.

 

إذا كانت الإدارة الأمريكية المتردّدة والمراوحة مكانها، تُسوّق العملية العسكرية على أنّها “محدودة”، فكذلك تنتهج نفس الأسلوب المخاتل والحذر، مع عملية إرسال قوات أمريكية إضافية، شملت أفرادًا من مشاة البحرية وقوات العمليات الخاصة من داخل منطقة القيادة المركزية،  بـتصويرها على أنها  ”مُؤقّتة“، مؤكّدة على لسان أكثر من مسؤول أنّها صلاحياتها ودورها محدّد سلفا، بحيث “لن تشارك بدور قتالي، وسوف تعمل بتقارب مع ممثّلين عن وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية لتنسيق الخطط مع الشركاء الدوليين والمنظمات غير الحكومية الملتزمة بمساعدة الإيزيديين.” تصريحات تعزّزها تأكيدات الجنرال وليام مايفيل، “ليس لدينا مشروع لتوسيع الحملة لتتعدّى نطاق العمليات العسكرية الحالية”.

 

عودة الولايات المتحدة إلى مسرح لم تغادره، إلا في شكل إعادة انتشار، استعدادا لإنعطافة قرنها الباسيفيكي، the Pacific Century Pivot، في مواجهة مؤجّلة مع قوى صاعدة منافسة على دفة الريادة، إنما تحاول من خلال ضرباتها الجوية و”مستشاريها” وفرق عملياتها الخاصة، تثبيت دعائم ”دولة“ كردستان، حليفة الكيان والغرب، وتعزيز حالة التشظيّ التي يشهدها العراق وسوريا والمنطقة، بشكل يسمح بميلاد أرخبيلات كيانية طائفية أو اثنية، المناخ الأنسب لشرعنة دولة الكيان، وترسيم حدود نفوذ جديدة، مع حلفاء  مع فرض “خرائط دم، Blood Maps”، على حد تعبير رالف بيترز، كأمر واقع بمشارط العمليات القيصرية التي تتكفّل بها استراتيجيات التطهير العرقي والطائفي، Ethnic Cleansing، وتأمين أمن الكيان الصهيوني وتثبيته قوة إقليمية وحيدة تُعربد في المنطقة مستفيدة من انخرام كلّي في موازين القوى خلّفتها إستراتيجيات “الفوضى البناءة،Constructive Chaos”، والتفكيك الممنهج وإفشال  ال”دول” الوطنية، Failing States، واستهداف الجيوش ذات العقيدة الوطنية، وتأمين مصالح الشركات الأمريكية والأوروبية النفطية في المنطقة، ثم الإيحاء أو إدعاء التنصّل من علاقة الأبوة مع تنظيمات متطرّفة فرّختها أجهزة استخباراتها ولا تزال تشرف عليها حتى نفاذ صلاحياتها، ومنع داعش ومشتقاتها من تمدّد استراتيجي قد يخرج عن السيطرة ليطال حدودا وعوالم غير مسموح بها، كتهديد أمن من يُسمّون بتحالف الرّاغبين، “Coalition of the Willing، أو المُرغمين، Coalition of the Compelled، أو القلقين Coalition of the Concerned،  أو  التقدّم نحو آبار نفط كركوك وما جاورها ما يمكن أن يقلب موازين قوى ومعادلات، قد تطال هؤلاء الذين يتصوّرون أن لهب سعير يجتاح الأواني المستطرقة من هذا الوطن المستباح، لن يطال هشيمهم!! أما مجلس الأمن الدولي الذي يتبنّى،  بعد قرار الاتحاد الأوروبي تعزيز الدعم العسكري للقوات الكردية في شمال العراق، قرارا تحت الفصل السابع، يستهدف من تعامى عليه حتى الأسبوع الفارط، مارد الإرهاب الذي أُخرج من قمقه، نزع سلاح وتفكيك تنظيم داعش وجبهة النصرة، وقطع مصادر التمويل عنهم ومنعهم من تجنيد مقاتلين أجانب، فلا يفعل بذلك غير تعزيز المساعي الأمريكية وإن التحف برداء استرتيجيات ما يسمّى زورا ب”التدخّل الإنساني”!

 

فمن رحم مبدأ “التدخّل الإنساني، Humanitarian Intervention”، إجترحوا عقيدة “أر تو بي ”Responsibility -to Protect doctrine -R2P ، “واجب الحماية”، المعزّزة بالصواريخ والقنابل، التي تذرّعوا بها لغزو ليبيا وتفكيكها. ها هم اليوم يختلقون لنا تعلّة “واجب القصف، ( ”Responsibility to Attack (R2A “! دعكم من نبل الشعارات، كحرص “الولايات المتحدة على حماية الأعراف الدولية”، أو فرية إستراتيجيات “بناء الأمم، Nation building”، فخراب العراق وتفكيك ليبيا، ومسالخ الفتن الطائفية، والتفتيت الجغرافي والتلاعب بجينات الوحدة الوطنية، برهن ولا يزال لمن يعميه حقد التشفّي والرّغبة في الانتقام أنّ فرية إستراتيجيات بناء الأمم وإحلال “ديمقراطيات التوماهوك” أو بديلها الداعشي، ما هو إلاّ غطاء لتحويلها لمشاريع تفتيت المفتّت.

 

لعلّ أصدق ما قال الرئيس الأمريكي وأبلغه، تفاعلا ما يعصف بالمنطقة، خلال حوار أجراه معه الكاتب والصحفي الأمريكي، توماس فريدمان، Thomas Friedman، نُشر على صفحات نيويورك تايمز، The New York Times، قوله: “سياساتنا مُختلّة.. وينبغي أن ننتبه إلى الانقسامات الرهيبة في الشرق الأوسط ونتّخذها تحذيرا لنا”!

 

 

 

هذا خطاب الجبهة الداخلية التي تنقسم بين رافض للعودة لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية والإنزلاق نحو مسارح التخبّط، ومُطالب بنهج استراتيجي وليس “نهجا إنسانيا” والذهاب أبعد بكثير من سياسة الاجراءات النصفية،  المترددة والمراوحة، خصوصا أن هذا الأوباما لا يكفّ عن ترديد لازمته المكرورة “بصفتي القائد العام للقوات المُسلّحة، لن أسمح بان تنزلق الولايات المتحدة في حرب جديدة”! ألم يطالب مهندس تفكيك العراق، المبعوث الأمريكي السابق، بول بريمر، Paul Bremer ، الذي وصف سحب إدارة أوباما للقوات الأمريكية عام 2011 من العراق، بـ”الخطأ الخطير”، بتحييد فكرة عدم إرسال قوات على الأرض، وبضرورة وضع قوات خاصة ومُراقبين استخباراتيين، وضُبّاط لتحديد الهجمات، وأشخاص لتحديد الأهداف داخل تلك المدن لتقصفها الطائرات بدون  طيار”؟ ليخلص إلى الدعوة الضمنية إلى إعادة احتلال العراق، ما دام “لا يمكن السيطرة على مدينة بواسطة طائرات مقاتلة”!

 

 

 

  الإدارة الأمريكية تعود إلى العراق من بوابات من فرّختهم، لتوظّفهم في حرب الجيل الرابع، كأدوات لحروب الوكالة، ووقودا للدمار الذاتي، وتستخدمهم فزاعة أو بعبعا أو مبرّرا لعودتها عون إطفاء لحرائق كامنة أو مستعرة هي من تؤجّجها،  فهل يكون العراق، والمنطقة بأسرها، استطرادا، “مقبرة الطموح الأمريكي، Graveyard of U.S. ambition”، كما يوصّف، محقّا، الكاتب بيتر بيكر، Peter Baker ؟ ..

 

 

 

ذلك بعض من الحديث الآخر!

 

 

 

باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس

مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي – د.عصمت سيف الدولة

12_38_51

مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي

 الدكتور عصمت سيف الدولة

يتساءلون. أين نحن من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية، ويقولون ان الامر كان واضحا حين كنا منحازين الى الشرق . حين اقتصرنا على اسلحته وخبرائه. حين فوضناه في أن يتحدث باسمنا . حين عرضنا عليه الدفاع عن وطننا. حين بذلنا فوق ما نطيق مالا وبشرا في العراك مع الولايات المتحدة الامريكية واصدقائها. حين اخترنا الاشتراكية. ولقد كان الامر واضحا لان حدود الانتماء- كما يقولون- كانت واضحة. فلقد كان العالم منقسما انقساما حادا الى قوتين متصارعتين، الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. في تلك الظروف كان من الممكن أن نجد للانحياز مبررا. ولقد حاولنا وحاول غيرنا ان نبني كتلة عدم الانحياز من دول العالم الثالث ، ولكنا- وا قعيا- كنا منحازين . المهم ان الظروف قد تغيرت. وان المتغيرات الدو لية قد اصابت علاقات كل الدول بالتغيير. وحل الوفاق محل الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية. انهم يتعايشون معا ويتفقون معا ويعقدونالصفقات طويلة الامد. وان هذه لفرصة تاريخية لنعود الى استقلالنا ونتعامل مع كل الدول بدون تمييز ولا نزج بانفسنا في معتركات السياسة الدولية. وان اخشى ما نخشاه من خطر على قضيتنا أن نقع فريسة الاستقطاب مرة أخرى ، واخشى ما نخشاه من خطر على حريتتا أن نفقد المقدرة على اتخاذ قراراتنا طبقا لما يتفق مع مصالحنا.. الخ .

يثير هذا الذي يقال ثلاثة مواقف متميزة في الوطن العربي .

الموقف الاول ، يعيد التذكير بتاريخ علاقتنا بالاتحاد السوفيتي .لم يكن الاتحاد السوفيتي هو الذي تقدم فدس أنفه في شؤوننا الداخلية . كانت البداية منا. نحن الذين تقدمنا اليه ننشىء معه علاقات اقتصادية ومالية وثقافية وعسكرية فرحب وقبل. ولم نتقدم اليه مختارين . تقدمنا اليه بعد أن استنفذنا كل الوسائل في محاولات استغرقت سنين طويلة أردنا بها أن ننمي علاقاتنا الاقتصادية والمالية والثقافية والعسكرية مع المعسكر الغربي والولايات المتحدة الامريكية بالذات. وكانت للولايات المتحدة الامريكية شروط لا تنسى لانها شروط تمس ا ستقلالنا وحريتنا ” ولما رفضناها ضرب علينا الحصار الاقتصادي ، وجمدت أرصدتنا المالية في الولايات المتحدة الامريكية، وتوقفت الاعانات، وسحب عرض بناء السد العالي، وغزت اسرائيل أرضنا تحت مظلة حلف الاطلنطي. كان المطلوب منا لكي نحتفظ وننمي علاقاتنا مع الولايات المتحدة الامريكية أن نكف أنفسنا عن الاهتمام أو التدخل في شؤون العالم العربي ، أن نصطلح ونعترف باسرائيل، لأن نقبل رقابة مالية على خزانتنا، الا نقيم مشروعا اقتصاديا الا بعد الاذن من البنك الدولي . باختصار كانت تبعيتنا الى الولايات المتحدة الامريكية هي ثمن أية علاقة اقتصادية أو مالية أو ثقافية أوعسكرية. والمرحوم دالاس  وزير خارجية الولايات المتحدة . هو الذي قال لنا : اما معنا واما ضدنا لان موقف عدم الانحياز موقف غير اخلاقي …

ولقد لجأنا الى الاتحاد السوفيتي فتعامل معنا في الحدود التي ارتضيناها وقبل شروطا لا تتفق حتى مع مبادئه العقائدية. صفقة الاسلحة تمت سنة 1955 بينما كان كل الشيوعيين في السجون . وبينما كان خبراء الروس ينفذون مشروع السد العالي ، ويخططون لمجمع الحديد والصلب، ويوردون الاسلحة ، كان الشيوعيون أيضا في المعتقلات في الواحات، وعندما هزمنا في عام 1967 قدم لنا الاتحاد السوفيتي تعويضا عن اسلحتنا مكننا من استئناف القتال في حرب الاستنزاف. وعندما بدأت غارات العمق ذهبنا، نحن الذين ذهبنا، لطلب الاسلحة المتطورة، ونطلب الخبراء، ونطلب، نحن الذين طلبنا أن يتولى طيارون من السوفيت حماية اجوائنا الداخلية الى أن يتم تدريب طيارينا. وعندما قلنا تعالوا نتفق على انهاء مهمة الخبراء قال السوفيت ليس هذا من شأننا لنتفق عليه، انه من شأنكم انتم فان اردتم فانهوا وجودهم في بلدكم . فلما طلبنا مغادرتهم في موعد، حددناه نحن، غادروا هم قبل الموعد الذي حددناه . فلماذا نخشى التعامل مع الاتحاد السوفيتي وهذه خبرتنا معهم..

الموقف الثاني يقول ان هذا ليس الا جانبا واحدا من المشكلة. جانبها الثاني هو اننا عندما نقتصر في تعاملنا الاقتصادي أو المالي أو الثقافي أو العسكري على الاتحاد السوفيتي فاننا نكون قد اصبحنا تابعين له سواء اردنا او لم نرد . ان الاتحاد السوفيتي لم يعطنا كل ما أعطانا حبا فينا أو استجابة لمبادئه ونظرياته. ولو كان يتبع في سياسته الخارجية مبادئه النظرية ما تخلى عن الماركسيين . ولو كان يتبع في تعاونه الدولي مبادئه لما عرض اقتصادالصين الشعبية وهي دولة ماركسية للخراب عندما سحب خبراءه فجأة في وقت كانت الصين في أشد الحاجة اليهم . انما هو يبحث منذ قرون عن سبيل الى المياه الدافئة ، ولقد فتحنا له مياهنا فاصبح له وجود عسكري قوي في المتوسط ، وفي محيطات الجنوب ونقل بذلك صراعه مع الولايات المتحدة الامريكية الى ارضنا. وفي هذا الصراع لا يمكن الحياد. فهو يسعى باساليبه الخاصة لاحتوائنا وهو يستعمل في سبيل هذا امضى اسلحته وهو السلاح الفكري . ما بين عام 1964 وعام 1967 لم تمض الا ثلاث سنوات قضاها الماركسيون خارج السجون فبلشفوا العقول و سمموا افكار الجيل الجديد من الشباب، واشاعوا الفساد والالحاد.. وفي الاوقات العصيبة لم يتردد الاتحاد السوفيتي في الضغط علينا بما يملك تحت يديه من ادوات اقتصادية ومالية وعسكرية. حبس عنا قطع الغيار. وهو يرفض جدولة الديون . وهو يرفض ان يعوضنا خسائرنا في الحرب كما فعل مع سورية وكما تفعل الولايات المتحدة الامريكية مع اسرائيل . ثم بماذا يفيدنا الاتحاد السوفييتي ؟ ان ازمتنا اقتصادية. ولقد أصبحنا افقر الدول بعد أن كنا اغناها. ما نريد الان هو ان نوقف الاستنزاف الدائم لمواردنا الاقتصادية والبشرية بالكف عن الحرب. على اسرائيل اذن أن تترك أرضنا بدون قتال ولا يستطيع أن يحملها أحد على هذا الا الولايات المتحدة الامريكية. ثم ان الولايات المتحدة الامريكية هي وحدها التي تستطيع ان تقيلنا من عثرتنا الاقتصادية لانها اقوى قوة اقتصادية في الارض . ألم يلجأ اليها حتى السوفيت ليحلوا ازماتهم الاقتصادية المستعصية. لقد ارهقنا الفقر والحرمان سنين طويلة ولا نريد الا وضع حد لهذا الفقر والحرمان، فلنفتح أبوابنا للولايات المتحدة الامريكية. لن يأتي الينا الاسطول الامريكي فانه لا يفتقد القواعد. ولن يأتي الينا الجيش الامريكي فقد انسحب حتى من جنوب شرقي اسيا. انما ستأتي اليناالاموال الغزيرة ، والتكنولوجيا المتقدمة ، والمشروعات الا ستثمار المدروسة. فتتحول بلدنا الى جنة كما تستحق بدون أن نفقد حريتنا .

الموقف الثالث يقول : اننا، فوق كل شيء وقبل كل شيء، يجبأن نحافظ على استقلالنا فلا نقع في شباك التبعية لا للاتحاد السوفيتي ولا للولايات المتحدة الامريكية. وبناء عليه يجب أن نتعامل معهما معا، لا نعادي أيهما ولا ننحاز الى أيهما وبالتالي نفلت من كليهما ونستفيد من علاقاتنا بالجميع. على هذا الوجه يجب أن يكون التزامنا الاسترا تيجي ، أما المواقف التكتيكية فتتنوع وتتغير تبعأ للظروف المتنوعة المتغيرة . ولكن المقطوع به أننا لن نسمح في أي حال بوجود سوفيتي أو وجود أمريكي في أرضنا العربية.. فلا قواعد عسكرية. ولا احتكار للسلاح . ولا تعامل منفرد إقتصاديأ، ولا رأسمالية، ولا شيوعية، بل انفتاح على كل الدول وكل المذاهب وكل النظم .

ومعارك الكلمات وما تخفيه، ما تزال مستمرة .

ونحن نريد بهذا الحديث أن نقيم حدا بين المواقف. اذ لن يضيرأمتنا أبدا أن تفرز القوى من خلال مواقف محدودة بحيث يعرف كل واحد الى أين ينتمي . ان هذا الفرز مقدمة صحيحة وصحية للحل الصحيح . انما تضار أمتنا حقا، اعني جماهير أمتنا العربية ، وعندما تختلط في اذهاننا المواقف فلا تعرف كيف تختار موقفها هي . ولاختلاط المواقف سبب غير خفي  فان جميع المتعاركين يدخلون الى موا قفهم المتناقضة مدخلا واحدا : الوطنية. الحرية. الاستقلال عدم التبعية… الى آخره . وهو مدخل الجماهير أيضا. فلا أحد يستطيع أن يقنع أحدا في الوطن العربي بخيانتة وطنه أو بيع حريته أو التنازل عن استقلاله. ومع ذلك فان المواقف التي اختلطت في مدخل واحد ، مدخل الوطنية، مواقف متناقضة فلا بد لها من أن تفرز حتى تعرف جماهير أمتنا أي موقف تختار لنفسها .

 ليس غاية هذا الحديث اذن ، تحقيق ادعاءات الاطراف المعنية او محاكمة مواقفها، بل غايته أن يضع بين أيدي الجماهير العربية مقياسا للخطر، مفترضا ان الموقع الاستراتيجي لوطننا العربي وما فيه من ثروات يرشحه لمطامع كل الذين يحتاجون إلى” وجود ” سواء كان وجودا عسكريا أو اقتصادياً ، ولن نعقد مقارنة بين كل الدول والقوى لنقول من منها الذي يحتاج إلى ” الوجود ” في الوطن العربي . انما نقصر الحديث على بيان كيف تتواجد القوى والدول خارج حدودها .

 والمقارنة للايضاح، بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية.

ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي هددت صراحة بغزو الوطن العربي وهي التي تتواجد عسكرياً في اسرائيل وهي التي تملك القواعد في بعض الاقطار العربية . يقول أصحاب الموقف الثاني أن الولايات المتحدة هددت ولكنها لم تنفذ مع انها قادرة على التنفيذ . وهي ليست قوة عسكرية موجودة في اسرائيل بل هي حليفة تبيع لاسرائيل السلاح كما تبيع للاردن وللمغرب ، وهذا يجري به العرف الدولي . أما قواعدها في بعض الاقطار العربية فقد أقيمت على أرض مؤجرة  من تلك الاقطار وما تزال لها قاعدة في كوبا لم تستخدمها في اسقاط كاسترو رغم محاولاتها اسقاطه بطرق أخرى . ولقد استطاعت ليبيا ان تنهي هذا الوجود بمجرد طلب انهائه وأخلت أمريكا قاعدتها هناك.

ليكن. منعا للجدال. لنستبعد اذن المقياس العسكري ولنقل أن أياً من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية لن يجسد وجوده خارج حدوده عنوة بالقوة المسلحة والاحتلال . انه الاستعمار “القديم ” الذي انقضى عصره . كيف يتجسد وجود الدولة خارج حدودها إذن ؟

كل بالاسلوب الذي يتفق مع نظامه الداخلي .

الاتحاد السوفيتي دولة اشتراكية خالية تماما من المؤسسات الفردية . الدولة هي التي تنتج السلاح وهي التي تبيعه. الدولة هي التي تملك ” ادوات الانتاج وتتعامل- خارجيا- في المنتجات الصناعية والزراعية وغيرها. وكل الناس في الاتحاد السوفيتي عاملون في الدولة، ولا يستطيع أي واحد منها أن يؤجر قوة عمله الى غير دولته ولكنها تملك تشغيله في خارج الدولة تنفيذا للاتفاقات التي تعقدها الدولة مع الدول. والدولة هي التي تملك الصحف والاذاعة وتطبع الكتب وتنشرها وتوزعها داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه.

وهكذا يكون الوجود السوفيتي خارج حدوده وجودا ظاهرا ومحددا ومعروفا لانه يتم من خلال الدولة وفي نطاق علاقاتها بالدول الاخرى . الوجود الاقتصادي يتم في شكل مكاتب متخصصة ترفع العلم السوفيتي علناً . في شكل عقود يبرمها مندوبون مفوضون من الاتحاد السوفيتي رسميأ. في شكل مصانع وأدوات صناعية وأسلحة وذخائر تسلّم من الاتحاد السوفيتي الى الدولة المعنية طبقأ لاتفاقات معروفة. في شكل خبراء معروفة أسماؤهم وأسماء أسرهم وأعدادهم ومحال إقامتهم وأرقام هوياتهم لدى سلطات الدولة التي يوجدون فيها . والوجود الثقافي في شكل  مكاتب ثقافية ومكتبات وصحف وكتب تحمل كل منها شعار واسم الاتحاد السوفيتي . وفي شكل وفود زائرة معروفة العدد والاسماء ومدد الاقامة والغرض من زيارتها ووفود مدعوة بالاسم او بالصفة لمدد معلومة تقدم دعوتها الى الدولالتابعة لها . لا شيء يجري في الخفاء، ولا شيء يمكن أن يضلل أحدا في ” الوجود ” السوفييتي عندما يريد الاتحاد السوفيتى أن يكون له وجود خارج حدوده..

ان هذا الوجود العلني، والذي لا يمكن الا ان يكون علنيآ هو الذي سمح ويسمح بحملات التشهير بالوجود السوفيتي. ففي كل دولة يستطيع رجل الشارع العادي ان يعرف ما اذا كان للاتحاد السوفييتي وجود في دولة ام لا. وما شكل هذا الوجود. وما حجمه وبالتالي يستطيع ان يقدر ما اذا كان هذا الوجود يمثل خطرا على استقلاله او لا يمثل.. فالمشهرون بالوجود السوفيتي لا يحتاجون الى معلومات. كلها متاحة وغير منكورة فيبقى لهم ان يفسروا ويأولوا ويستنتجوا ما يريدون من وجود لا ينكره احد.

على أي حال ، فان أي ” وطني ” يحرص على استقلال بلاده لن يخطىء ابدا في معرفة بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود السوفيتي في بلاده . وسيكون عليه هو ان يقدر مدى اتفاق او عدم اتفاق هذا الوجود مع استقلاله الوطني، وان يحد منه او ينهيه ولن يكلفه هذا شيئا سوى مراجعة او تعديل او انهاء العقود والاتفاقات التي ابرمها مع دولة الاتحاد السوفييتي .

نأتي الى الطرف الآخر.

الولايات المتحدة الامريكية دولة رأسمالية اقتصاديا ليبرالية سياسيا. الدولة هنا لا تتدخل بشكل عام الا في شكل القوة المسلحة التي استبعدناه . لان الدولة في الولايات المتحدة الامريكية ذات وظيفة محددة : حماية مصالح رعاياها واشخاصهم فقط لا غير . اما العلاقات الاقتصادية او المالية او الثقافية بالدول الاخرى فيقوم بها الافراد والمؤسسات الخاصة . حتى الاسلحة تنتجها وتبيعها مؤسسات خاصة تلك المؤسسات الخاصة قد تقيم علاقاتها مع دولة او معمؤسسات خاصة ا يضا في الدول . وغاية كل هذا النشاط الذي يقوم به الافراد والمؤسسات الخاصة من الامريكيين خارج الولايات المتحدة الامريكية هو الحصول على الارباح . اكبر قدر من الارباح ، وهكذا يتبع الوجود الامريكي مصادر المواد الخام والعمالة الرخيصة والعرض الاستهلاكي أينما كان متاحا بشروط افضل.. ولا تحتاج دولة الولايات المتحدة الى الظهور كطرف في علاقات رعاياها بالدول او المؤسسات او الافراد خارج حدودها. كل ما تحتاجه هو اكبر عدد من العيون والرقباء والعملاء الذين ينشطون خفية للتحقق من أن ” الظروف ” الداخلية في أية دولة لا تهدد مصالح رعاياها اما بتقييد نشاطهم أو بمحاولة الحد من الارباح التي يغرفونها فتظهر حينئذ في شكل قوة عسكرية. وقلة من هؤلاء من يلحقون بسفاراتها كموظفين . الكثرة يتواجدون ايضا تحت شعار النشاط الاقتصادي أو المالي أو الثقافي . وليس مطلوبا من أي وطني حريص على استقلال بلاده ان يكشف حقيقة كل هؤلاء الامريكيين الذين يفدون الى بلاده، يحملون وعود الرخاء ودعوات السلام . هذا فوق طاقة اي وطنى .

كيف يمكن اذن ان يعرف أي وطني حريص على استقلال بلاده بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود الامريكى في بلاده ؟ بمراقبه ودراسة تتبع النشاط الاقتصادي والمالي والثقافي في بلاده ذاتها عندما يبدأ دخول رؤوس الأموال الخاصة في بلده يكون قد بدأ الوجود الأمريكي سواء جاءت رؤوس الأموال تلك من الولايات المتحدة أو من المانيا الغربية أو من اليابان أو من أي طرف من أطراف الأرض لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي ” امبراطورة ” الرأسمالية العالمية كل ثغرة تفتح لتتسرب منها مضاربات السوق الرأسمالي إلى الداخل يدخل معها السوق الأمريكي في شكل مضاربين على احتياجات الشعب في السوق الحرة . كل صفقة دولية تعقدها مؤسسة خاصة “وطنية” هي اسلوب خاص للوجود الأمريكي في الوطن . كل فرع بنك أجنبي هو تجسيد للوجود الأمريكي . كل سلعة استهلاكية لا يحتاج إليها الشعب هي جزء من الوجود الأمريكي . كل مشروع امريكي اقتصادي أو مالي أو ثقافي ، هو وجود أمريكي .. كل دعوة ليبرالية هي دعوة إلى أمريكا لتتواجد . كل نظام رأسمالي هو في التحليل الأخير وجود أمريكي في شكل نظام .

وفوق طاقة الجماهير العربية العادية أن تراقب وتتبع هذا الوجود منذ بدايته إلى أن يسلبها استقلالها الوطني . فماذا تفعل لمنع مخاطر الوجود الأمريكي في بلادها ؟ هل تقاطع أمريكا ؟

لا ..

ألا تتعامل مع أمريكا ورعاياها من المؤسسات والأفراد إلا عن طريق دولتها . أن تكون الدولة هي المتعاملة المتعاقدة المتاجرة المبادلة ، مالياً واقتصادياً وثقافياً ، مع أمريكا وكل النظم الرأسمالية . أن تكون الدولة هي صاحبة الصلاحية وحدها ، فيما يدخل أو لا يدخل حدودها من أموال أو بضائع أو ثقافة ، وتكون هي الطرف الوحيد في كل مشروع طرفه الآخر مؤسسة رأسمالية . ان الانفتاح على المؤسسات الأمريكية هو استدعاء للوجود الأجنبي في أرض الوطن .

******

مقال نشر في جريدة السفير يوم 28/7/1975  

عبد الناصر وحرب اليمن

معلش عايزكم تركزوا شوية و تستحملوا طول المقال لأهميته لم يحظ قرار من قرارات الرئيس عبد الناصر بانتقادات واسعة وهجوم شرس مثل قرار مساندته لثورة اليمن التى اندلعت فى 26 سبتمبر 1962 ، فقد تم اتهام عبد الناصر أنه بدد احتياطى مصر من الذهب هناك . وخرب الاقتصاد المصرى،وضحى بأرواح عشرات الألوف من الشباب المصرى على سفوح جبال اليمن،وأن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن (50 ألف مقاتل ) كان هو السبب الرئيسى فى كارثة يونيو 1967 . وهكذا أصبحت مساندة مصر لثورة اليمن هى سبب كل النكبات والمشاكل، وفى ظل مناخ اعلامى معادى للثورة وقائدها راج هذا الكلام وشاع وأصبح من المسلمات،ولكن بكثير من التدقيق ومحاولة قراءة ما وراء السطور سنكتشف معا زيف كل تلك الأقاويل ، بل سنكتشف أن ترويجها له هدف أخر هو تشويه ذلك القرار الجسور وجعل تكراره من المحرمات وإصابة الشعب المصرى بعقدة ذنب وعاهة نفسية من مجرد ذكر تاريخ مصر فى اليمن فى عهد جمال عبد الناصر. ولنبدأ معا تفنيد تلك الأكاذيب: – بخصوص تبديد احتياطى الذهب المصرى فهذا لم يحدث بالمرة بل كان الذهب الذى تم توزيعه على قبائل اليمن من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذى خلعه أخاه الملك فيصل بن عبد العزيز عن العرش عام 1964 ، وعاش لاجئا فى مصر وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه فى اليمن ، وكان هو الذى أقترح على الرئيس عبد الناصر فكرة رشوة رؤساء القبائل اليمنية بالذهب، وحول جزء من أمواله لعملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصرى لليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك ، ولمن يريد الإستزادة عن خرافة تبديد احتياطى مصر من الذهب أن يعود إلى دراسة المرحوم الدكتور على نجم رئيس البنك المركزى المصرى السابق والتى فند فيها بالأدلة والوثائق تلك الخرافة. – بخصوص تخريب الاقتصاد المصرى بسبب اشتراك مصر فى حرب اليمن فى الفترة من 1962-1967 ، فالأرقام تخبرنا بالتالى : حققت مصر نسبة نمو من عام 1957 ـ 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976. وهذا يعنى يعنى أن مصر استـطاعت فى عشر سـنوات من عصر عبد الناصر أن تـقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثـيلها فى العالم المتـقدم باستثـناء اليابان ، وألمانيا الغربية ، ومجموعة الدول الشيوعية, فمثـلا ايطاليا وهى دولة صناعية متـقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تـقدر بـ 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية. كما استطاعت مصر تنفيذ أنجح خطة خمسية فى تاريخها من 1960-1965 ،وبدأت الخطة الخمسية الثانية من 1965-1970 ،بل أنه وبرغم هزيمة 1967 حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة, و زادت هذه النسبة فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا. وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر بفائض قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان. وفى نفس الفترة الزمنية عقد الستينيات من القرن الماضى كانت مصر تبنى السد العالى أعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين باختيار الأمم المتحدة والذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو . وتبنى القطاع العام الذى بلغ ثمنه بتـقديرات البنك الدولى 1400 مليار دولار،كما كان لدى مصر أكبر قـاعدة صناعية فى العالم الثـالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثـقيلة وتحويلية وإستراتيجية وهكذا يتضح لنا أن مساندة مصر لثورة اليمن ومساعدتها للشعب اليمنى فى التحرر من العبودية لم تدمر اقتصادها . – وبخصوص استشهاد عشرات الألوف من الشباب المصرى بسبب حرب اليمن، يقول الفريق/محمد فوزى فى كتابه( حرب الثلاث سنوات) أن عدد شهداء مصر فى اليمن بلغ خمسة ألاف شهيد ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير إخوانهم فى الدين والعروبة، وأن الضباط والجنود كانوا يتسابقون على طلب الاشتراك فى حرب اليمن بسبب ما يعود عليهم من امتيازات . وهكذا فأن الرجل الذى كان رئيسا للأركان فى الجيش المصرى خلال تلك الحرب ،ثم وزيرا للحربية بعد نكسة 1967 يثبت لنا بالأرقام أن عدد شهداء مصر فى اليمن ليس عشرات الألوف كما أشيع بل هو خمسة ألاف شهيد ، ويكفينا أن نعلم أنه بدون حروب ، وفى الفترة من عام 1980 إلى عام 2009،توفى 180 ألف مصرى فى حوادث الطرق بمعدل 6000 قتيل سنويا، بينما فى حرب اليمن استشهد 5000 مصرى فى خمس سنوات من القتال. وهكذا فأنه من الأولى للباكى على شهداء مصر فى اليمن خلال حرب طاحنة أن يبكى على قتلى مصر فى حوادث الطرق برقمهم المهول 180 ألف قتيل،وهو رقم يزيد عن 4 أضعاف شهداء مصر فى حروبها الخمسة ضد إسرائيل والذى أحصى الصليب الأحمر عددهم ، وقدره ب40 ألف شهيد. تبقى نقطة أن وجود الجيش المصرى فى اليمن كان هو السبب الرئيسى فى كارثة 5 يونيو 1967 . وهنا يختلف السياق فلم يكن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن هو سبب الهزيمة على أساس أن الجيش الذى كان فى مصر لم يكن مكتملا ،يكفى أن نعلم أن القوة الضاربة المصرية كلها كانت فى مصر متمثلة فى القوات الجوية والمدرعات،وقوات الدفاع الجوى، كانت كل القوات اللازمة للخطة”قاهر” علاوة على أربع لواءات مستقلة وأربع فرق مشاة ،وفرقة مدرعة وثلاث لواءات مدرعة مستقلة مع وحدات سلاح المدفعية والهاون وسلاح المهندسين فى مصر. لم تكن حرب اليمن هى سبب الهزيمة بل كان فشل قيادة القوات المسلحة هو السبب الرئيسى فى الهزيمة، كان الاهمال والتراخى والثقة الزائدة بالنفس غير المبررة، وسيطرة المشير عامر على الجيش هو وشلته وعزل الرئيس عبد الناصر عن حقيقة أوضاع الجيش المصرى، وبالطبع التآمر الدولى كان له دورا كبير أيضا فى الهزيمة. إذن لماذا يوجد هذا الربط الدائم بين وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن فى الفترة من 1962-1967 وبين كارثة 5 يونيو 1967 ؟ هنا لابد من مراجعة الدور السعودى فى حرب اليمن وفى التحريض على حرب 1967 وهذا الدور يأتى فى إطار الرؤية الغربية العامة بأن عبد الناصر تعدى كل الخطوط الحمراء بمساندته لثورة اليمن ماديا وعسكريا، وأصبح من اللازم تحطيم نظامه والاطاحه به بعدما تجرأ على ارسال جيشه إلى منابع كنز الحضارة الغربية ومحركها الرئيسى (البترول)، ومناداته الدائمة (أن بترول العرب للعرب ، ويجب أن يتم استخدامه كسلاح لتحقيق المصالح العربية)، هذا بالأضافة لأسباب أخرى مثل عدائه لإسرائيل ورفضه الصلح معها، ومحاربته لقوى الاستعمار القديم والجديد، وبناءه لنموذج تنموى اقتصادى واجتماعى خارج منظومة الاحتكارات الرأسمالية الغربية، وسعيه للتصنيع ،وانتاج الأسلحة والصواريخ،ومشروع مصر النووى ،كل تلك الأسباب مجتمعة مع تأييده لحرب اليمن شكلت السبب الرئيسى لضربة يونيو 1967 . فى 26 سبتمبر 1962 تندلع ثورة الضباط الأحرار اليمنيين اليمن ضد نظام أسرة حميد الدين الاستبدادى المتخلف . ورغم النزاعات الدموية التاريخية و الخلافات الحدودية بين أسرة حميد الدين فى اليمن و الأسرة الحاكمة السعودية كانت السعودية الخائفة من انتقال الثورة إليها هى التى بدأت التدخل فى ثورة اليمن بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا ، فقد وقفت السعودية بضراوة ضد الثورة اليمنية وعملت على إجهاضها وتبنت الأمير البدر باعتباره إمام اليمن كما قامت بتمويل القبائل اليمنية بالكميات اللازمة من السلاح والذهب وبالفعل يسقط العقيد على عبد المغنى أحد أهم قادة الثورة اليمنية وهو يدافع عن مدينة صعده اليمنية ضد هجوم قبلى سعودى يمنى ، وتتحالف السعودية مع بريطانيا التى كانت تحتل جنوب اليمن ويقابل الأمير فيصل بن عبد العزيز ( ولى العهد والحاكم الفعلى للسعودية ) السير دوغلاس رايت رئيس جهاز المخابرات البريطانى الذى يقول للأمير ( إن نجاح الكولونيل ناصر فى الحصول على موطئ قدم لمشروعاته الانقلابية فى الجزيرة العربية ، وهى أهم مصادر البترول واحتياطاته فى العالم ، هو نذير شؤم يجب أن تتعاون الأطراف كلها ، ممن لهم مصلحة فى ذلك على مقاومته ودحضه) وبالفعل يبدأ تعاون سعودى أردنى رغم الحساسيات السعودية الهاشمية بالاشتراك مع بريطانيا التى أقلقها ما اعتبرته مشروعات ناصر المستمرة لطردها من أخر معاقلها شرق السويس ، وتكاد الثورة تجهض لولا طلبها المساعدة من القاهرة ،فيطلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الامامى المتخلف ، وبالفعل يدعم الرئيس عبد الناصر الثورة اليمنية عسكريا بقوات مسلحة مصرية فى عملية كبرى كان أسمها الكودى ( العملية 9000 ) كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة فى تاريخ اليمن ، وتأسيس المستشفيات والمدارس و الطرق و الموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين ، أدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة فى عدن و اليمن الجنوبى وقد دعمتها مصر بكل ثقلها فى عملية كان أسمها الكودى ( صلاح الدين) . ينجح عبد الناصر فى الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة فى اليمن فى 19 ديسمبر 1962 مقابل أن يتم سحب كل القوات المساندة للثورة والمساندة للإمام من اليمن ،كما تقدم الحكومة الأمريكية معونات للحكومة الجديدة فى اليمن رفضت السعودية هذا الاتفاق وواصلت دعمها للقبائل الموالية لحكم الإمام ، ويتعرض الرئيس كنيدى لضغوط شديدة متعددة من شركات البترول والبنوك الأمريكية إلى جانب الحكومة البريطانية بسبب اعترافه بالنظام الجديد فى اليمن لخطورة ذلك على أوضاع النظام الحاكم فى السعودية ، ومصالح الغرب فى البترول العربى ،وبالفعل يتم وضع خطة سميت ( السطح الصلب ) تتعهد فيها الولايات المتحدة بضمان أمن وسلامة النظام السعودى والأراضى السعودية ،وبالأموال السعودية ومع مساندة بريطانية ومن شركات البترول الأمريكية تم تشكيل تحالف دولى لتجنيد مرتزقة من كل أنحاء العالم وشراء أسلحة للقتال فى اليمن ضد القوات المصرية التى تدافع عن الثورة كما دخلت المخابرات الأمريكية بثقلها إلى ساحة المعركة المحتدمة فى اليمن وأصبحت الحدود السعودية اليمنية مناطق حشد لنقل السلاح والذخيرة والمقاتلين المرتزقة إلى اليمن وتحولت الحرب إلى عملية استنزاف طويلة بين الجانبين المتصارعين كما أنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثورى الجديد ، كما وفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعوما بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكى بريطانى ، وبهذا عمت الثورة أنحاء اليمن شمالا وجنوبا وهددت معاقل الرجعية العربية ومنابع البترول شريان الحياة للحضارة الغربية. فى كتاب المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل – الجزء الثانى – للأستاذ محمد حسنين هيكل ، نجد الوثيقة التالية: سجل السفير الأمريكى فى جدة ( باركر هارت ) فى برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964 ) محضر مقابلة جرت بينه و بين الملك ( فيصل بن عبد العزيز ) ( يقول السفير الأمريكى ) : اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغى أننى مطلوب فى الطائف فى الساعة 4:15 ولم يعطنى البروتوكول أى إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملنى إلى الطائف بعد الظهر استقبلنى الملك فيصل فى قصر الشبرة فى الساعة التاسعة مساء فى حضور السقاف و فرعون ، و قال الملك إن هناك شيئا حدث وهو يريد إخطارى به بنفسه كصديق شخصى لى و كممثل لبلد صديق له و لأسرته ، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين ( يومى 13 و 14 أغسطس ) قامت ثلاث طائرات مصرية بإختراق المجال الجوى السعودى جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث و أبو عريش ، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة فى محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن لديه معلومات من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ، ولم يكن لديه شئ لا عن حجم هذه القوات و لا عن تسليحها و لا عن مواقعها ، و قد قال الملك إن هذه التطورات تثير فى ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر و العراق و الأردن ( ! ) لغزو و تقسيم بلاده على النحو التالى : حسين يأخذ الحجاز ، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن تأخذ الجنوب ، و باقى المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر قال لى الملك أيضا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفى هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول ، ثم أضاف إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها و شرفها ، و إذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورا أن ( فيصل ) سوف يقف ساكتا فى انتظار أن يخنق ، فهو مخطئ فى ذلك ، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريا ، و هو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغنى بها الأن : 1 ـ قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وقد أصدر أمرا فعلا بذلك. 2 ـ إنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضا بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون فى وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية. 3 ـ وهو الأن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات فى اليمن ، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة. إننى أبديت دهشتى للملك ، كما أبديت له إستغرابى لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثى بين مصر و العراق و الأردن، ثم أطلعنى الملك على تقرير مخابرات سعودى يحوى معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصرى رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك ( أن ناصر مريض جدا ) ، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه و عداى ، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن ، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات فى أوضاع تأهب فى أى مكان يراه بعيدا عن الحدود ، فتدخل الملك بحدة قائلا ( أخرجوا القوات المصرية من اليمن و سوف ينهار هذا النظام الذى يدعون بمساعدته فى شهر أو اثنين على أكثر تقدير, ثم استجمع الملك حيويته ليقول لى ( إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذى يفتح الطريق للتسلل الشيوعى ) ، وكان يعنى ( ناصر ) ثم قال لماذا تصبرون عليه ؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا ، مرة بسبب فيتنام ، ومرة بسبب كوبا ، ومرة بسبب الكونجو ؟ ما الذى يخصه فى الكونجو ؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح فى جنيف جاءته مباشرة من فى شكل تعليمات من موسكو ، و أبديت تحفظى ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن ( ناصر ) يعادينا و يخدعنا ، وإننا مازلنا نحاول استرضاؤه ، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابا لناصر على سياسته ، وعقب الملك أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث . يقول الأستاذ هيكل ان هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية ليس فقط بسبب طلب الملك فيصل ( تجويع المصريين ) ، ولكن لأن الأردن كان حليفا للسعودية فى حرب اليمن ، ويضيف ان إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فى اليمن ولعبت دورا فى العمليات العسكرية أطلق عليه الاسم الكودى ( مانجو )،فعندما اشتدت حاجة قوات المرتزقة فى اليمن إلى مؤن و ذخائر تلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت ورفض الطيارون الأردنيون والسعوديون القيام بذلك وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر أكثر من مرة طالبين اللجوء السياسى ،وهنا قررت جبهة دعم الملكيين فى اليمن بزعامة السعودية الإستعانة بإسرائيل، وبالفعل قام الطيران الإسرائيلى بهذا الدور. وفى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) . ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية – شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية – تأميم القناة – تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر – الوحدة مع سوريا ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب .. فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر . وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية الأردن ليبيا تحت حكم الملك السنوسى . كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصرمع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام1970 . وبرصد المخابرات المصرية لتطور الأوضاع فى ساحة الحرب اليمنية ومدى تشابك المصالح والقوى الدولية التى تلعب على وتر إطالة الحرب فى اليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية ، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية فى أغسطس 1965 لأداء العمرة ومقابلة الملك فيصل للوصول إلى حل فى اليمن وفى 22 أغسطس 1965 وصل الرئيس عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك إن مصر لا تريد قلب النظام فى السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية ، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا فى حرب اليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية ، وتوصل الزعيمان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عرف بعد ذلك باسم اتفاقية جدة التى قررت أن يتم عمل استفتاء للشعب اليمنى يقرر فيه نظام الحكم الذى يرتضيه فى موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له ، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الإلتزام بها ، ويصرح الرئيس عبد الناصر ( بأنه لا فائدة ترجى من اللقاء مع الرجعيين ، بعد كل ما رآه وسمعه فى السياسات السلمية السابقة التى مارسها إزاءهم فى اللقاءات والمؤتمرات ) ، وفى 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل فى زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التى أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ، وأن السعودية ماضية فى تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل للجامعة العربية ، خلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه ( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن) فى كتاب ( عقود من الخيبات ) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان فى الصفحات من 489 ـ 491 ، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ( وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ) وفيها يقول الملك العربى ما يلى : من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 ـ كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا فى الوجود لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التـالية : ـ أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام ـ سوريا هى الثـانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر. ـ لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران. يا فخامة الرئيس إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه , أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار. المخلص : فيصل بن عبد العزيز ( ملك المملكة العربية السعودية ) من قراءة تلك الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى: الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967 زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970. عندما نشرت مقالى عن ( غياب عبد الناصر هل كان صدفة ؟) فى ديسمبر 2007،نشرت تلك الوثيقة ضمن المقال الذى كان يبحث لغز وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 ، و تم نشر المقال على موقع الفكر القومى العربى ، وموقع منتديات الفكر القومى العربى ، وعندما قرأ تلك الرسالة/الوثيقة ، السيد ( سامى شرف ) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى: ( كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ ان سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبوهشام أريدك ان تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة ) (انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة). ـ فى الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتى قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) ، أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ، الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز ، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين : 1 ـ تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة ( عام 1968 كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ) سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها . 2 ـ أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة . ـ تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة ( عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك ـ يقول الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) أنه فى ربيع عام 1985 تقابل مع السيد كمال أدهم فى بيته فى لندن وسأله عن لقاء الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟ ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا ( أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه ( العرش و الأسرة ) ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ) ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ( وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت !). بقراءة كل تلك الوثائق سنتأكد بالفعل أن مساندة مصر لثورة اليمن ،ووجود جزء من الجيش المصرى هناك تسبب فى اطلاق كل كلاب الصيد للقضاء على تجربة جمال عبد الناصر. لم تكن مساندة مصر لثورة اليمن مصادفة أو قرارا عشوائيا بل كان لمصر دورا بارز فى تفجير الثورة من الأساس،وكانت على صلات وطيدة بالخلايا السرية للضباط الأحرار فى الجيش اليمنى. كان قرار عبد الناصر بتفجير الثورة فى اليمن ومساندتها ودعمها عسكريا نابعا من رؤيته للأمن القومى المصرى،رأى عبد الناصر أن من يسيطر على فلسطين يهدد سيناء، ومن يسيطر على سيناء سيطر على قناة السويس ، ومن سيطر على القناة سيطر على مصر والبحر الأحمر،ومن سيطر على مصر سيطر على الوطن العربى كله. حدد عبد الناصر فى تقديره الاستراتيجى لموقف مصر فى نهاية عام 1952 الأتى: – تواجه مصر عدوين فى وقت واحد :بريطانيا فى القناة وإسرائيل على الحدود الشرقية – لا يمكن لأية مفاوضات سياسية مع بريطانيا للجلاء أن تنجح إلا بمساندة العمل الفدائى والعسكرى فى منطقة القناة – مصر لن تتمكن من خوض معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد اسرائيل طالما ظلت القوات البريطانية متواجدة فى منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق وتتحكم بها – العدو الرئيسى فى الوقت الحالى هو قوات الاحتلال البريطانى والعدو الفرعى هو القوات الاسرائيلية وبالفعل ينجح عبد الناصر فى توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954 ،وتتبعها الخطوة الثانية بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 مما أدى للعدوان الثلاثى على مصر، وبفشل العدوان أصبحت قناة السويس مصرية بالكامل،كما ألغى عبد الناصر معاهدة الجلاء وأستولى على القاعدة البريطانية فى منطقة القناة،وبذلك تم تطهير المدخل الشمالى للبحر الأحمر،وبقى المدخل الجنوبى عند باب المندب ،وأصبح الطريق مفتوحا نحو الشرق فى سيناء للجيش المصرى دون تهديد بريطانى للقوات المسلحة المصرية، أصبحت اسرائيل هى العدو الرئيسى لمصر الذى يتحتم مواجهته . صمم عبد الناصر على انهاء الاحتلال البريطانى للسودان أولا وبعد ذلك الدعوة لوحدة وادى النيل من خلال الاعتراف بحق الشعب السودانى فى تقرير مصيره،وعندما أختار الشعب السودانى الاستقلال والانفصال عن مصر بادر عبد الناصر بتأييد ذلك وسحب القوات المصرية من السودان تاركة أسلحتها الثقيلة هدية للجيش السودانى مما اضطر البريطانيون إلى سحب جيشهم لتتحرر السودان ،وبذلك اكتسبت مصر صداقة الشعب السودانى ،وفتحت مجال العمل لها فى أفريقيا كلها باخلاصها والتزامها بتصفية الاستعمار فى القارة السمراء وحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية،وفى عام 1957 أصبح الساحل الغربى للبحر الأحمر حتى كسلا ونهاية الحدود السودانية خاليا من القوات الأجنبية نهائيا. تحتل الصومال موقع استراتيجى هام فى القرن الأفريقى لذا قرر عبد الناصر مساندة القوى الوطنية الصومالية ودعمها من أجل الحفاظ على مقومات الشخصية الصومالية بجذورها العربية والإسلامية ووحدة أراضى الصومال ،وقطع الطريق على إسرائيل التى كانت تريد توطيد علاقاتها الإقتصادية بالصومال لذا اتصلت مصر بكل الهيئات والتنظيمات السياسية الصومالية ودعمت التعليم فى الصومال بالكتب العربية، كما أمر عبد الناصر أن يفتح الأزهر أبوابه لاستقبال الصوماليين الذين توافدوا على مصر بأعداد هائلة ،كما تم إرسال بعثة أزهرية كبيرة للصومال لربط الشعب الصومالى بدينه الحنيف ،وهكذا عملت مصر على إرساء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية وطيدة بالصومال الذى نال استقلاله عام 1960 وأنضم لجامعة الدول العربية،وبذلك ضمنت مصر مكانها فى منطقة القرن الأفريقى وقطعت الطريق على إسرائيل ،لتتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ثم اندلعت ثورة اليمن على الجانب الأخر من شواطئ البحر الأحمر (الساحل الشرقى) وكان الدور المصرى والوجود المصرى لدعمها وأصبحت مصر قادرة على التحكم فى مدخل البحر الأحمر الشمالى ومدخله الجنوبى وهو ما تحقق فعلا خلال حرب 1973 باغلاق مضيق باب المندب . وبرغم الهزيمة فى عام 1967 ومحاولات اسرائيل لزيادة وجودها فى البحر الأحمر ببناء مطارات فى سيناء،ونقل بعض الزوارق الحربية برا من موانيها فى البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ،ومحاولتها سرقة بترول خليج السويس أو التدخل فى عملية فتح قناة السويس. أجهضت السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر كل تلك المحاولات ،وقامت مصر بنشر سفن أسطولها فى البحر الأحمر فى الموانى المصرية وميناء بورسودان ،كما نشرت مصر قواتها الجوية فى مطارات السودان،ونقلت جزء من قواتها البرية إلى منطقة جبل الأولياء بالسودان ،وعندما أستأجرت إسرائيل حفار عملاق لسرقة البترول المصرى فى خليج السويس قامت المخابرات المصرية بتدميره قبل وصوله للبحر الأحمر . ورفضت مصر كل محاولات فتح قناة السويس قبل انسحاب اسرائيل من كل الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وايجاد حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطينى، بل أن الرئيس عبد الناصر رهن فتح القناة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم. يقول المفكر الكبير “جمال حمدان” فى أوراقه الخاصة : أن الرئيس جمال عبد الناصر هو «أول وللأسف آخر’ حاكم يعرف ويفهم جغرافيا مصر السياسية وأن ’الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون… أنت مصري إذن أنت ناصري… حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز. وكل حاكم بعد عبد الناصر لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائنا» لأن الناصرية في رأيه قدر مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه. ويقول «إن الناصرية بوصلة مصر الطبيعية’ مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبد الناصر لأن المصري ’ناصري قبل الناصرية وبعدها وبدونها.» لم تكن حرب اليمن سببا لمشاكل مصر ولم تكن هى سبب هزيمة 1967 بل كانت عملا عظيما يعكس بعد نظر ملموس لرجل دولة مهموم بقضايا أمته ،مؤمن بوحدة المصير العربى وبإن استقلال اليمن أو أى قطر عربى أخر هو جزء من استقلال مصر . وبرغم كل المؤامرات على الثورة اليمنية وبرغم كارثة يونيو 1967 قامت الجمهورية اليمنية وخرج الشعب اليمنى من حكم الامامة المتخلف، وهبت رياح التغيير على منطقة الخليج العربى ،فاستقلت امارات الخليج كلها وأنتهى الوجود الاستعمارى في المنطقة، وحتى حكام السعودية أعداء عبد الناصر وخصوم الثورة اليمنية أضطروا لإدخال تعديلات وتحديثات على السعودية لتقيهم من رياح الثورة . وخرجت دولة اليمن الجنوبية إلى الوجود كدولة مستقلة ثم توحد اليمن الشمالى والجنوبى فى دولة واحدة، وبالسيطرة العربية على باب المندب تحقق حلم عبد الناصر وأصبح البحر الأحمر بحرا عربيا بحق. وبسبب وجود الجيش المصرى فى اليمن قرب منابع النفط ،غيرت شركات البترول من أساليب تعاملها مع حكومات البترول ومنحتها نصيب أكبر من ثروتها المسلوبة . كل هذه الايجابيات جعلت الغرب الاستعمارى كله متحالفا مع الملوك العرب سواء فيصل السعودية أو حسين الأردن وحتى حسن المغرب فى أقصى غرب الوطن العربى يتكالبون على ضرب نموذج جمال عبد الناصر والاطاحة بنظام حكمه الوطنى فى مصر، وهو ما تحقق للأسف ولكن لسخرية القدر لم يتحقق ذلك عقب هزيمة 1967 بل بعد وفاة عبد الناصر وعقب نصر 1973 عندما سلم السادات كل أوراق المنطقة إلى صديقه الأمريكى اليهودى هنرى كيسنجر مدعوما بنصائح فيصل السعودية . وهو ما تعانى مصر منه حتى الآن فقد فقدت موقعها فى قيادة الأمة العربية، وفقدت أرصدتها فى القارة الأفريقية وأنكمش دورها فى حركة عدم الإنحياز،وأصبحت تواجه عزلة متزايدة فى ظل علاقات خاصة مشبوهة تجمعها بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل منذ عام 1974 . ستظل مساندة مصر لثورة اليمن أحد أعظم أعمال الرئيس عبد الناصر ومصدر فخر دائم لمصر مهما كره الخونة والعملاء بمناسبة إن الإخوان حاطين صورة الفريق الشاذلي الله يرحمه اليومين دول على أغلب بروفايلاتهم يا ريت تسمعوا تعليق الفريق نفسه على حرب اليمن :

مبادرة بناء القوة المصرية – الأستاذ سامي شرف

sami charaf

20:37 الإثنين 26 أغسطس 2013

مبادرة بناء القوة المصرية

نصحنى الأطباء بالابتعاد عن كل ما هو مقلق ومثير للتوتر والشجون فى النفس، وعلى رأسها بالطبع متابعة تطورات الأوضاع على الساحة المصرية، إلا أن إدراكى أهمية المرحلة التى تمر بها مصر، وهى تمضى على درب تأسيس دولة حديثة ذات استقلال وسيادة وطنية، ويقينى بأن مثل هذه الخطوة سوف تستجلب على الدولة المصرية- نظاماً وشعباً- الكثير من المخاطر والتحديات من قبل قوى داخلية ظلامية لا ترى فى مصر وطناً بقدر ما ترى فيها مطية لتحقيق مصالحها الخاصة، ومصالح قوى خارجية داعمة لها، ليس فى مصلحتها أن تتحرر الإرادة الوطنية المصرية، ولا أن تستعيد مصر قوتها وتأثيرها الإقليمى والدولى؛ لأن ذلك يضر بشدة بمخططاتها الرامية للهيمنة على المنطقة، كل هذا جعل نصيحة الأطباء تذهب أدراج الرياح.

هذه اللحظة التاريخية الفارقة والمفصلية التى تمر بها مصر بكل آمالها وتحدياتها تستدعى فى عقلى ووجدانى فى كثير من تجلياتها أجواء الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، حين كانت مصر تستعيد استقلالها وسيادتها الوطنية فى أعقاب ثورة تحرر وطنى فى 23 يوليو 1952 غيرت وجه المنطقة ومجرى التاريخ.

ومع إيمانى بأن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن لكل مرحلة رجالاتها وأفكارها وأساليب إدارتها، إلا أن لكل تجربة تاريخية معطياتها ودروسها التى يجب أن تستوعب، ويستفاد منها، وبما أننى واحد ممن عايشوا تلك الحقبة، رأيت من واجبى أن أضع أمام ثوار مصر، وصانع القرار المصرى رؤية رجل شارك عن قرب فى إدارة استراتيجية حققت نجاحات باهرة- بشهادة العدو قبل الصديق- فى مواجهة التحديات والمؤامرات التى حيكت ضد الدولة المصرية لكسر إرادتها.. استراتيجية صارت ملهمة لكل الشعوب الساعية لتحرير إرادتها الوطنية من الهيمنة الخارجية، لعل يكون فيها ما يفيد فى صياغة استراتيجية تواجه بها مصر المؤامرات والتحديات الداخلية والخارجية التى تهدد أمنها القومى، واستقرارها، وتعوق انطلاقها نحو بناء دولة مدنية.. ديمقراطية.. قوية ذات سيادة حقيقية، وقرار وطنى مستقل، يتمتع شعبها بالحرية المسؤولة، وعدالة اجتماعية حقيقية، وكرامة إنسانية.

ما أريد أن أضعه اليوم أمام ثوار مصر25 يناير و30 يونيو من شباب مصر.. سيدات وآنسات ورجال، يتلخص فى صياغة استراتيجية محددة المعالم تقوم على تحديد وتحقيق وتأمين المصالح الوطنية، فعدم وجود التخطيط الاستراتيجى أو ضعف تنفيذ الاستراتيجية يساعد على خلق طبقة من المنتفعين الشخصيين الذين يقفون ضد أى ترتيبات يمكن أن تحول دون استمرار مصالحهم، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومى.

كما أن وجود آلية للتخطيط الاستراتيجى ترعى خطة الدولة، يعنى السير بانتظام فى المسار الاستراتيجى، ويضمن سير الدولة فى طريق امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة، ويتيح لها امتلاك إرادتها الوطنية ويوفر لها السند المطلوب لتحقيق المصالح الوطنية، فضلاً عن تأمين تلك المصالح.

وفى هذا الإطار لابد من إدراك أن مواجهة المخاطر التى تواجهها مصر الثورة الآن، من تدخل خارجى غير مقبول وغير مسموح به فى شؤونها الداخلية مرهون بقوة بنيتها الداخلية، فالسياسة الخارجية لأى دولة هى فائض قوتها الداخلية، وكلما كانت البيئة الداخلية تتمتع بمقومات القوة الشاملة، استطاعت الدولة مواجهة التحديات الخارجية، والعمل على الصعيد الخارجى بمرونة وقوة وتأثير أكبر.

من هذا المنطلق تقوم المبادرة على ركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى: تهيئة البيئة الداخلية المصرية:

عانى الداخل المصرى لعقود طويلة من التجريف والتخريب والتدمير لكافة مقوماته الحيوية، وهو ما يشكل عقبة كبرى أمام صانع القرار المصرى فى قدرته على حماية المصالح الوطنية المصرية وتعظيمها، لذا يصبح من الضرورى مواجهة تعقيدات البيئة الداخلية المصرية، وبالتالى الحاجة لإجراء تغييرات استراتيجية من شأنها توفير الأوضاع والظروف المطلوبة لتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية، والسعى لإحداث نقلة أساسية فى القدرات التنافسية للدولة وتعزيز قدراتها تجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية، ويتوقف هذا على تحقيق الآتى:

أولاً: الإجماع الوطنى:

ضرورة تحقيق إجماع وطنى- شراكة وطنية- حول المصالح الاستراتيجية الوطنية، من خلال حوار مجتمعى شامل، تشارك فيه جميع القوى الوطنية المدنية، تعرض رؤاها وتصوراتها حول مستقبل الدولة المصرية.. حوار تنصهر فيه الأفكار معا بعيدا عن الجدل السياسى العقيم، والتحيزات الحزبية أو الأيديولوجية، والابتعاد كلية عن خلط الدينى بالسياسى، حتى يتم الوصول لبلورة استراتيجية وطنية تحدد بدقة طبيعة التحدى والطموح المطلوب إنجازه.

ثانياً: بنية دستورية وطنية تقوم على الآتى:

1. حماية وصيانة الهوية المدنية الوطنية للدولة المصرية.

2. حماية وصيانة الأمن القومى المصرى فى جميع جوانبه.

3. حماية النسيج الاجتماعى الوطنى من كافة صور التشوه.

4. حماية قيم الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان.

5. التأكيد على عدم قيام أحزاب على أسس دينية.

6. تحقيق العدالة الاجتماعية فى أوضح وأعلى صورها.

7. الإعلاء من قيمة البحث العلمى، وتهيئة البيئة التشريعية والدعم المادى لتطوره.

8. بسط الحريات السياسية للمواطنين.

9. التداول السلمى للسلطة.

10. استناد القرار السياسى إلى السند المعرفى.

11. سيادة النظام والقانون والمؤسسية.

12. التوازن بين السلطة السياسية والسلطة المهنية.

ثالثاً: بنية اقتصادية قوية تقوم على الآتى:

1. تبنى استراتيجية اقتصادية تقوم على تحقيق أكبر قدر من تحرير الإرادة الوطنية.

2. إعادة الاعتبار لدور الدولة فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى وتدخلها الحاسم فى تنظيم العلاقة بين الملكية والإنتاج، بما يحقق التوافق بين الفعالية الاقتصادية من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

3. تبنى مشروع قومى للتنمية يعتمد على مبدأ كفاية الإنتاج وعدالة التوزيع.

4. تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والمزايا الجغرافية.

5. تأمين امتلاك مصادر الطاقة الآمنة والرخيصة، وتنوع مصادرها.

6. امتلاك المزايا والقدرات التنافسية العالمية.

7. تنوع مصادر الدخل القومى.

8. تحقيق تنمية متوازنة.

9. تطوير الأداء الاقتصادى فى كافة المجالات، من خلال إدخال التقنيات الحديثة والمتطورة، والبحث العملى فى جميع مراحله.

10. تحقيق الأمن الغذائى.

11. القدرة على توفير السلع ذات التأثير الاستراتيجى.

12.القدرة على إدارة التنسيق على مستوى النشاط الاقتصادى وما يتصل به من قوة وفاعلية الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة.

13. ملاءمة السياسات والتشريعات الاقتصادية.

14. تهيئة المناخ لإقامة تكتلات اقتصادية قوية مثل السوق العربية المشتركة.

رابعاً: بنية علمية ومعرفية تقوم على الآتى:

1. توفر مناخ بحثى مناسب (تشريعياً – مادياً – تحفيزياً)

2. تطوير البنية التحتية المطلوبة للإنتاج العلمى.

3. صياغة استراتيجية تعليمية تعمل على توفير مناهج وتأسيس وحدات تعليمية حديثة ومتطورة.

4. وجود كوادر مؤهلة كماً وكيفاً بما يتناسب وتحديات العصر، وهذا يتعذر تحقيقه دون استراتيجية تعليم حديثة متطورة.

5. إدخال مواد التخطيط الاستراتيجى ضمن مناهج طلاب الجامعات.

6. توفر المعلومات بالجودة والمصداقية والوقت المناسب.

7. تعظيم قدرة الدولة على إدارة التكامل العلمى محلياً وخارجياً.

8. شراكة وتنسيق فعال بين السلطة العلمية والسياسية والتنفيذية.

9. مسؤولية الدولة فى إتاحة الفرصة للعلماء للاطلاع على التطورات العلمية فى العالم.

خامساً: بنية اجتماعية متماسكة تقوم على المقومات الرئيسية التالية:

1. سيادة القانون من خلال استقلال حقيقى للقضاء، وعدم جواز التدخل والتأثير مادياً أو معنوياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبأى وسيلة من الوسائل فى أعمال القضاء، وهو ما يتطلب أن يدار القضاء من داخله وبرجاله، وأن يتم فك وثاق تبعيته لوزارة العدل سواء إدارياً أو مالياً.

2. مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص هو القاسم المشترك بين المجتمعات التى تغذى السير نحو الديمقراطية، والمساواة هى السمة الأساسية للعدالة الاجتماعية، وهى ليست شعارًا يُرفع، أو ادعاءً يُدَّعى، وإنما هى عبارة عن إرادة سياسية وإستراتيجية وطنية، تتجه بصدق نحو إزالة كل المعوقات والعوامل التى تميّز بين المواطنين، وإتاحة الإمكانات للجميع وتيسير الوصول إليها دون استثناء فى جميع مناحى الحياة المختلفة، وهو ما يقود بدوره إلى المساواة السياسية، أى إلى التساوى فى الحقوق والحريات العامة، ويفتح آفاقا رحبة لتقليص التفاوت وتحقيق التماسك والتكامل الاجتماعى.

3. إعادة الاعتبار لدور الأزهر والكنيسة التنويرى فى تشكيل الوعى الدينى والروحى للأمة المصرية بشقيها المسلم والمسيحى، مع التأكيد على دورهما الوطنى وليس السياسى، وشتان بين الدورين؛ فالأول واجب مطلوب، أما الثانى فمرفوض لأنه يخلط الدينى بالسياسى، وهى كارثة تهدد استقرار وأمن المجتمع.

4. التأكيد على دور الأسرة والمؤسسات التربوية (التعليمية- الرياضية – الإعلامية- الدينية) فى إعادة تشكيل منظومة القيم فى المجتمع نحو القيم والمرتكزات التى تكفل التماسك الاجتماعى، والوحدة الوطنية، والتأكيد على مبدأ المواطنة وإعلاء قيم العمل والوقت، والانتماء للوطن، وإزالة كافة صور التشوهات التى لحقت بمنظومة القيم المصرية العريقة جراء عوامل كثيرة، أهمها غياب المشروع القومى، وفساد العملية التعليمية، وغياب الديمقراطية وعزل المواطن، وغياب الرقابة، وغياب الشفافية، ونظرة القيادة المتدنية للشعب، إضافة إلى العوامل الاقتصادية.

الركيزة الثانية: تهيئة البيئة الخارجية المصرية:

تؤكد تجربة مصر الوطنية بما لا يدع مجالا للشك أن قدرة مصر على حماية مصالحها، ومواجهة التحديات الخارجية التى تهدد تلك المصالح، واستقلالية قرارها وإرادتها الوطنية لن تتحقق إلا من خلال ما يلى:

1. إدراك أن مصر فقدت دورها ونفوذها خارجياً، وعجزت عن حماية مصالحها للأسباب التالية:

■ افتقاد دورها كنموذج حضارى، حين افتقر النظام المصرى لأى مضمون فكرى أو مشروع نهضوى يشكل عامل جذب أو استقطاب للآخرين.

■ انكفاؤها داخليا فى محاولة لسد الاحتياجات الاقتصادية اليومية والمشكلات المتراكمة التى تضاعفت نتيجة القصور فى الرؤية والتحول السريع – اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

■ التخلى عن الدور الاستراتيجى للدولة، والاكتفاء بالوظائف أو المهام والوساطات التى هى من شأن الدول الصغيرة أو منظمات التعاون الدولى أو حتى الشخصيات العامة.

■ تراجع الدور المصرى شكل فراغاً قيادياً خطيراً فى العالم العربى عجزت عن سده أى دولة عربية رغم المحاولات المتكررة والطموحات الفردية أو الجماعية، مما أدى إلى تسابق قوى أخرى من خارج النظام العربى لشغل مقعد القيادة الشاغر؛ وهو أمر بالغ الخطورة على المصالح الحيوية والأمن القومى المصريين.

■ وجود العنصر الأمريكى كعامل حاكم لتحرك مصر الدولى والإقليمى.

2. استعادة مصر لنفوذها وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية فى الخارج مرهون بتحقيق الآتى:

■ بعث حقيقى لعناصر القوة المصرية، وتوظيفها بما تتناسب مع مكانة وإمكانات مصر الإقليمية، لتعظيم المصالح المصرية داخلياً وإقليميا ودولياً.

■ أن تتخلص من العنصر الأمريكى الحاكم لدورها فى المنطقة، وأن تمارس هذا الدور من منطلق المصلحة المصرية البحتة، ودون أى اعتبارات أخرى.

■ لا صداقة فى المصالح القومية.. ولا يوجد حليف دائم أو خصم دائم فى العلاقات الدولية.. وإقامة علاقات مع الآخر لابد أن يكون مرجعها الرئيسى المصلحة الوطنية المصرية.

■ على مصر أن تدير علاقة معقدة مع جميع أطراف المعادلة الدولية والإقليمية، ولا تسمح أو تشارك فى محاور أو أحلاف، بل عليها حشد النظام الإقليمى العربى خلف تحسين الشروط الجيواستراتجية والجيواقتصادية لأعضائه، من خلال الاتفاق على حلول وبدائل أصيلة طويلة المدى للصراعات الإقليمية، ويستعيد النظام الإقليمى العربى فى إطارها استقلاله النسبى، ويتيح للمنطقة فرص التفاوض الخلاق حول الأمن التنمية.

■ أن تسعى مصر جاهدة لتغيير البيئة الإقليمية العربية بما يتلاءم مع ممارسة دورها القيادى بشكل يتوافق مع مصالحها الحقيقية على المدى البعيد، وهى فى سبيل ذلك لابد أن تقيم قاعدة داخلية حقيقية قوية من القدرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية، والاجتماعية، وهو الأمر الذى يتبلور فى بناء نموذج تنموى شامل وحقيقى يشكل بؤرة جذب للآخرين؛ بحيث يكون لهم مصلحة فى قبول الدور المصرى.

■ أن تحرص مصر بقدر الإمكان على عدم الانجرار إلى صراع مسلح يستنزف طاقاتها الناشئة، ويعوق استراتيجية بناء القوة الشاملة.

3. ممارسة مصر لدورها الخارجى لابد أن يتم من خلال الآتى:

1. صياغة استراتيجية محددة الأهداف والأدوات للسياسة الخارجية المصرية؛ بحيث لا تصبح هذه السياسة خاضعة لتقلبات صانع القرار، ويكون العنصر الحاكم فيها هو حماية الأمن القومى المصرى الذى يمتد من منابع النيل إلى جبال طوروس.

2. مؤسسة الرئاسة باعتبارها المؤسسة الرسمية والرئيسية والمنوط برئيس الجمهورية المنتخب صنع وإدارة السياسة الخارجية المصرية، يعاونه فى ذلك مجلس الأمن القومى.

3. التأكيد على أهمية الدبلوماسية الشعبية.

4. يجب أن يكون للسياسة الخارجية المصرية منظور أوسع وأشمل للعالم، فبالإضافة إلى الاتحاد الأوروبى، والولايات المتحدة، هناك روسيا الاتحادية والصين الشعبية والهند ودول أمريكا اللاتينية.

5. إحياء الدور الخارجى لمصر فى دوائره الثلاث الطبيعية:

■ العربية: تبنى مصر لنهج القيادة الجماعية فى تفعيل دور مؤسسات وآليات العمل العربى المشترك، مع التركيز على العامل الاقتصادى كمحرك لتحقيق التكامل العربى.

■ الأفريقية: استغلال ما لدى مصر من رصيد سياسى وعاطفى لدى الدول والشعوب الأفريقية لإحياء دور مصر فى القارة السمراء، بعيداً عن نظرة التعالى، وفى إطار سياسة تبادل المنافع، مع إعطاء الأولوية لدول حوض النيل، لما لقضية المياه من أهمية حيوية لمصر.. قضية حياة.

■ الإسلامية: لابد من عودة الأزهر الشريف لدوره ورسالته الحضارية فى التعريف بصحيح الإسلام وقيمه السمحة، والتفاعل مع الأديان والثقافات الأخرى.

كما يجب على مصر أن توجد آلية أو صيغة لتفعيل العمل بين هذه الدوائر مجتمعة، على غرار منظمة عدم الانحياز، يتم من خلالها التنسيق بين دول هذه الدوائر، وهو أمر من شأنه أن يصلح الخلل فى هيكل النظام العالمى لصالح هذه الدول.

حمى الله مصر والمصريين.

علاقة الانتماء العربية من المنظور الحضاري الاسلامى

علاقة الانتماء العربية من المنظور  الحضاري الاسلامى

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com

إقرار الإسلام  تعدد التكوين الاجتماعي: اقر الإسلام  بتعدد وحدات  التكوين الاجتماعي في المكان ، والتي هي ذات أطوار التكوين الاجتماعي – التي يتم  من خلالها الاستخلاف الاجتماعي- وهي نامية خلال الزمان وهى : الأسرة )ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة )، فالعشيرة ( وانذر عشيرتك الأقربين)، فالقبيلة فالشعب ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، فالامه كوحدة – وطور – تكوين اجتماعي يتميز ب : أولا: أن مناط الانتماء إليه اللسان لا النسب(كما في الطور القبلي) لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، ثانيا: الاستقرار في ارض خاصة ( أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) ( الممتحنة:9)، غير انه يجب التمييز- وليس الفصل- بين أمه التكليف التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى( أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون)(الأنبياء:92)، وأمه التكوين التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي كما في قوله تعالى( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا )(الأعراف:160) ، والتي يندرج تحتها الحديث السابق عن طورالامه، والعلاقة بينهما هي علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض ، اى أن آمه التكليف تحد أمه التكوين ، فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها.

إقرار الإسلام علاقات الانتماء المتعددة: كما أن الإسلام لا يلغى علاقات الانتماء إلى وحدات –أطوار- التكوين الاجتماعي السابقة الذكر، بل يحدها كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه.، ففى الحديث سأل واثلة قال: ( يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد)، وفيما رواه سراقة بن مالك قال:خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال ( خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم) ( رواه أبن داؤد) .

مضمون علاقة الانتماء العربية: أما مضمون علاقة الانتماء العربية ، فهي علاقة انتماء قومي إلى أمه، ذات مضمون لساني – حضاري، فهي تعنى أن اللغة العربية هي اللغة القومية المشتركة، بين القبائل والشعوب ، التي تشكل أجزاء الامه العربية، بصرف النظر عن أصولها العرقية، ولهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية الخاصة. إذا هذا التفسير يستند إلى مفهوم لساني  – حضاري ، كما أن هذا تفسير  يرفض الاستناد إلى المفهوم العرقي الذي يجعل مناط انتماء إلى الأمة العرق، اى العصبية التي هي من مخلفات الطور القبلي ، والتي قد ورد النهى عن العصبية في كثير من النصوص،ومثال لهذا المفهوم مذهب العصبية القبلية العربية،الذي يتحدث عن العرب في الحاضر، كما لو كانوا سلالة عرقية لعرب الجاهلية، فهذا المذهب يستند إلى مفهوم النقاء العرقي وهو مفهوم غير حقيقي إذ لا يوجد جنس لم يختلط بغيره، فهو ينكر حقيقة تمازج و اختلاط اغلب الجماعات القبلية العربية بالجماعات القبلية والشعوبية الأخرى منذ الفتح الاسلامى ، كما أن هذا المذهب يخلط بين  احدي دلالات لفظ عربي بمعنى البدوي( ما يقابل الأعراب في القرآن)- وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة ولم ينتقل إلي التمدن – ،والعرب في طور الامه كطور تكوين اجتماعي، متقدم عن الطورين القبلي والشعوبي. والعلاقة بين علاقة الانتماء الاسلاميه وعلاقة الانتماء العربية هي علاقة تحديد وتكامل، وليست علاقة إلغاء وتناقض ، لأن الإسلام هو الذي ارتقى بسكان هذه المنطقة من طوري القبيلة والشعب إلى طور الامه قال تعالى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

علاقة الانتماء العربية  عند علماء أهل السنة: وقد اقر علماء أهل السنة بالعربية كعلاقة انتماء فرديه( يعبر عنها بلفظ عربي) وجماعية (يعبر عنها بلفظ عرب)،  وبالعرب كجماعه ، كانت في البداية عبارة عن قبائل  وشعوب متفرقة، وحدها وارتقى بها الإسلام إلى طور أمه ، خلال مراحل تاريخيه تاليه، يقول أبو محمد بن حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني (هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم. فكان من قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونية”. ,,, ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ونحبهم لحديث رسول الله (ص): حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق. ولا نقول بقول الشعوبية و أرذال الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضلهم، فإن قولهم بدعة و خلاف). ويقول الإمام ابن تيمية (بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب لكفر ، لأن منهم رسول الله (ص) وعامة أصحابه، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان).  

 وقد عبر بعض علماء أهل السنة عن هذا الإقرار بعلاقة الانتماء العربية وبالعرب كجماعه بمصطلح  أفضليه العرب يقول الإمام ابن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ( فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم، رومهم و فرسهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله (ص) أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفساً وأفضلهم نسباً. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرد كون النبي (ص) منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم أنفسهم أفضل. وبذلك ثبت لرسول الله (ص) أنه أفضل نفساً و نسباً، وإلا لزم الدور)، غير أن  الافضليه هنا لا تتصل باى مفهوم عرقي ، لان شرطه هو الانطباق على جميع الأفراد، وهو ما نفاه الإمام ابن تيميه حيث يقول( لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد ، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب) ، بل هو متصل بمفهوم  ديني ذو اثر حضاري هو مفهوم الاصطفاء الالهى ، الذي أشارت إليه العديد من النصوص كقوله تعالى( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) قول الرسول (صلى الله علي وسلم) )إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم((صحيح مسلم)، حيث يتضمن الأثر الحضاري لمفهوم الاصطفاء الالهى أن الامه العربية المسلمة تميزت عن غيرها من الشعوب والأمم المسلمة الأخرى  بأنها انجاز ثوره الإسلام الاجتماعية (فقد أسهم الإسلام في وجودها ولم تكن موجودة من قبله كأمه واحده،وان وجدت كقبائل وشعوب متفرقة)، وحاضنه حضارته ( فتميزت باللغة العربية ” لغة القران “لغة قوميه مشتركه ، واللغة هي وعاء الحضارة )، وحامله رسالته إلى كل شعوب وأمم الأرض .

 الشعوبية و إنكار علاقة الانتماء العربية : ورغم استقرار الإقرار بعلاقة الانتماء العربية وبالعرب كجماعه عبر تاريخ الامه، إلا أن  هناك من أنكرها قديما ، وهم ما يمكن أن ينطبق عليهم وصف الشعوبية بمفهومها التاريخي، والتي تتمثل في انه عندما ظهر الإسلام  كان الفرس في طور الشعب ، بينما كان العرب في قلب الجزيرة في طور القبائل، فارتقى إلاسلام بالعرب إلى طور أمة، ثم حمل العرب الإسلام إلى الفرس ليرتقي بهم إلى أمة مسلمة، غير أن هناك من يرفض هذا الارتقاء، كما كان يستعلى على العرب حملة الإسلام، فكانت الشعوبية الفارسية مناهضة للإسلام والعرب معا، يقول البغدادي (الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم) (البغدادي، الرق بين الفرق، ص285). ويقول ابن منظور (الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم وإنما تنتقض العرب ولا ترى لهم فضلا على غيرهم)، كما أن هناك من أنكر علاقة الانتماء العربية حديثا ، وهم ما يمكن أن ينطبق عليهم وصف الشعوبية بمفهومها الاجتماعي ، والتي تتمثل في محاولة الارتداد بالجماعة التي دخلت طور أمة إلى طور الشعوب السابق، وطبقا لهذا المفهوم فان الشعوبية موجودة في كل أمم الأرض ، وهى تقوم في الامه العربية المسلمة  ،على الدعوة إلى إلغاء أربعه عشر قرنا من التاريخ، أوجد فيه إلاسلام للعرب أمة، ليعودوا إلى الشعوب السابقة على الفتح الاسلامى… 

رسائل حول الكفر والايمان – الرسالة الثانية / د.عصمت سيف الدولة

عصمت-سيف-الدولة-220x300

رسالة ثانية

بسم الله الرحمن الرحيم،

تقول في رسالتك، وكأني أراك جزعا، إن السلطة السياسية التي قد تنشأ داخل الأمم الإسلامية لن تكون ذات طبيعة واحدة من حيث المضمون والشكل. فالأمة العربية مثلا، وهي أمة كاملة التكوين التاريخي و الاجتماعي تغلب عليها آراء أهل السنة في مسألة الخلافة أو الإمامة أو الحكم ولكن هذا التصور “السني” قد لا يلقى إجابة من أهل الشيعة في إيران مثلا،/ وهي أمة كاملة التكوين يغلب عليها المذهب الشيعي الذي له فقه كامل ومتميز في مسألة الحكم.

 ومن ناحية ثانية، كل أمة من الأمم الإسلامية، تحتوي بين ظهرانيها أقليات أو طوائف إسلامية لا تشارك الأغلبية موقفها العقائدي أو السياسي، فالأمة العربية يوجد بها شيعة و دروز وإسماعيلية وعلويون فضلا عن المذاهب الفقهية الأخرى، فكيف يمكن فرض تصوّر الأغلبية الدينية على هذه الأقليات؟ وكيف العمل حينئذ؟

أ- جاء ذلك في سياق سؤالك عن أهل الذمة وقد عرضت عليكم فيما سبق ما خطر لي بالنسبة لنظام الذمة وأهلها، ورأيت أن أكمل الجواب على ما استطردت إليه في سؤالك ويدور أساسا على الموقف من أصحاب المذاهب المتعددة غير مذهب الأغلبية، ثم جاء سؤالك الإنكاري :        ” كيف يمكن فرض تصور الأغلبية الدينية على هذه الأقليات وكيف العمل حينئذ؟ كان يكفي جوابا أن أقول لك أنه في مجتمع معيّن وفي وقت معيّن تتعدد الآراء والمواقف والمذاهب ويختلف الناس ويتخاصمون وقد يتقاتلون.، ولا سبيل إلى اجتناب القتال إلا تطبيق ما تراه الأغلبية مع الاحتفاظ للأقلية بحق المعارضة ليحتكم الجميع بعد التطبيق إلى حصيلة التطبيق لمعرفة ما إذا كان رأي الأغلبية صحيحا أم خاطئا، وذلك بشرط المساواة في حرية الرأي. ذلك لأنه لا يوجد لأية مشكلة في زمان معيّن إلا حلّ واحد صحيح. فإذا اختلف الناس فإما أن تكون حلولهم كلّها خاطئة وإما أن يكون أحدها صحيحا وما عداه خطأ. كيف يُعرفُ هذا؟ بتطبيقه، أي تفضيل رأي الأغلبية، إذ أنه الذي يحقق مصالح الأغلبية. ولا يوجد معيار آخر للتفضيل ما دمنا نحافظ على المساواة بين الناس في حرية الرأي (من شروح الجدل الاجتماعي).ليس معنى هذا أن الأغلبية دليل على صحة رأيها، أي مطابقته للحل الصحيح موضوعيا، فقد يتضح من التطبيق أن الأغلبية كانت ضحية خطأ في فهم المشكلة أو في الاهتداء إلى الحل. فيتحول التطبيق إلى اختبار صحة وليس دليل صحة، ومن هنا تبقى حرية المعارضة وسيلة وحيدة لمراقبة الاختبار التطبيقي وتصحيح الرأي الذي كان للأغلبية حين تصبح المعارضة أغلبية. واعتقد أن هذا أصبح مسلّما فكريا على الأقل في العالم الحديث – مع تحفّظات شديدة- على توافر شرطية المساواة في حريّة الرأي، وحق المعارضة في هذا العالم الذي نسميه حديثا لأنه حادث واقع ليس  إلا.

ولعلّ هذا أن يلفتك، وقد يقنعك، بأن ما كان يمكن أن تتعدد المذاهب في الإسلام، ولا تقل مذاهب إسلامية، إلا لأن الإسلام قد قرّر ثم أقرّ، ثم حرص، على المساواة بين الناس( ومنهم أهل الذمة وحتى الكفار كما أسلفنا) واحترام حرّيتهم في الرأي وفي المعارضة. وهو وحده، من بين كل النظم والأديان والأيديولوجيات الذي أرسى قاعدة ” من اجتهد فأخطأ فلهُ أجر ومن اجتهد فأصاب فلهُ أجران” حتّى لا يخشى أصحاب الرأي من أن تكون آراءهم خاطئة وحرّض الذين يخشون “السوء من القول” فيحجمون عن إبداء آرائهم على أن يبدوه ولو بالقول السيئ.

ولكن كيف تتعدد المذاهب والآراء في مجتمع يؤمن بإله واحد، ورسول واحد، ويأخذ دينه من كتاب واحد؟ لأن هذا هو الإسلام كما هو، والذي ينكشف للمتأمل فيه لاتساق آياته مع القوانين الكونية الموضوعية التي لم يكن أحد يعرفها حين نزل القرآن.

ب- يقول الله تعالى: ” هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات”  (آل عمران 7) وفي القرآن 180 آية تستعمل كلمة “صالح” ومشتقاتها في التعبير عن “العمل” المفضّل في كل نشاط إنساني. والصالح ضد الفاسد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الله غنيّ حميد، فبالنسبة لمن يتحدد الصلاح أو نقيضه الفساد؟. بالنسبة للناس، للبشر، من هنا ننتهي، وهذا مذهبنا، إلى أن لمشروعية  النّشاط الإنساني في الإسلام مصدران أساسيان : 1- الآيات المحكمات. 2- مصالح الناس أو ما أسماها بعض الفقهاء :”المصالح المرسلة” وهو وضعي وما جاءت الآيات المتشابهات، أي القابلة للتأويل (وقد كان في قدرة الله سبحانه أن تأتي كل الآيات محكمات) إلا لأن من سنن الله التي لا تتبدل أن كل شيء مؤثّر متأثّر فمتغير فيلاحقه تأويل الآيات المتشابهات على ما يتفق ومصالح الناس المؤثرة المتأثرة المتغيّرة، فيبقى التأويل الوضعي في حدوده الشرعية. لا يستطيع أحد أن ينتقص كلمة من هذا الرأي ولا أن يضيف إليه. ذلك لأن مصدره القرآن، وقد ختم القرآن بقوله تعالى” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.(المائدة 3). فكل إضافة إلى القرآن لا يعتد بها مصدرا للشريعة. وهكذا نعود إلى قصر مصادر الشريعة على الآيات المحكمات، وتأويل الآيات المتشابهات على ما يتفق ومصالح الناس.

وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفسر الآيات المحكمات لمن غمت عليه دلالتها بالشرح           أو بالأداء (السنة العملية). ولكنه في الوقت ذاته كان يتأول الآيات المتشابهات على ما يتفق مع مصالح الناس في حياته بما يسمّى الأحاديث النبوية. وانتهى كل بوفاته، وتبعه المسلمون من بعده، يلتزمون الآيات المحكمات ويتأولون الآيات المتشابهات على ما .. ماذا؟ ما يتفق مع مصالح الناس في مجتمع المسلمين الذي اتسع طولا وعرضا وأرضا بالفتح الإسلامي. فظهرت اجتهادات فكرية تحوّلت غلى مدارس فقهية أو مذاهب، في ظل القاعدة ” من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر”. عنوان حرية الرأي في الإسلام إلى أن جاء عصر الحكام المستبدين في العصر العباسي وما بعده فاختار كل حاكم مذهبه ليكون مذهب المسلمين كافة  واستعمل في ذلك بطش السلطة. وما زالت المذاهب في الإسلام أكثر اتساعا وشمولا وأكثر تفريعا من كل ما جاء في القرآن من آيات محكمات..

وبما كثرت الآراء، وتحوّلت إلى مذاهب، وأصبح الانتصار إلى المذاهب سياسة ، أراد أصحاب كل مذهب أن يدعموه بما جمع لهم واستعملوه أو استغلوه من أقوال أسندت إلى الرسول قبل أن تجمع بحوالي قرنين، وقيل إنها أحاديث نبوية. فلمّا استفحل أمر الجمع والانتحال والإدعاء والتلفيق إلى درجة زعمهم  أن ثمة كلاما نسبوه إلى الله وأسندوا روايته إلى محمد غير ما جاء في القرآن وأسموها الأحاديث القدسية، وهو هرطقة صريحة، فتولّى علماء الحديث ( إذ أصبح البحث في الأحاديث علما) تصنيف ما نشر منها حسب قوّتها الملزمة فانتهوا إلى أن من بين عشرات الألوف من الأحاديث ليس ثمة إلا أربعين حديثا “متواتر”، أي قطعي الإسناد إلى رسول الله ونفى بعضهم وجود أي حديث متواتر، وبقيت الأحاديث المتواترة قطعية الإسناد  خاضعة للتقسيم الثنائي فمنها أحاديث محكمة ومنها أحاديث متشابهة.

ج- القيمة الحيوية لتلك المذاهب وصلتها بالإسلام مستمدة من أنها كانت تعبر عن رؤية كل متحدث    أو مجتهد أو فقيه لما “يصلح ” للمتغيرات في مجتمعه في زمانه، فتفرقت المذاهب الفقهية تبعا لتغيّر و”تطور” مصالح المسلمين في الأقطار والأمصار، وظهرت “المصالح المرسلة”   و “الرأي” و “القياس”     و “الإجماع” كمصادر للشريعة في بعض المذاهب على اختلاف فيما بينها. فعندما يقال مثلا، إن الامام الشافعي قد وضع مذهبه الأول حين كان في العراق، ثم وضع مذهبه الثاني حين جاء إلى مصر فأقام فيها، لا يكون ذلك أن الإمام الشافعي كان ” مُلفّقا ” كما قال أحد الجهلة في رسالة دكتوراه قدّمها إلى كلية الآداب جامعة القاهرة، ولم تقبل، بل لأن الإمام الشافعي كان يجتهد طبقا للأصل القرآني في تأويل الآيات المتشابهات على ما يلائم مصالح الناس وهي لم تكن متطابقة في العراق ومصر على عهده. فقيل بحق إن اختلاف الفقهاء رحمة بالمسلمين.

د- نعود إلى البداية. كيف يمكن معرفة مصالح الناس وهي متغيّرة ؟ الجواب : إذا كان القرآن قد أمر في آية محكمة أن “لا إكراه في الدين” فلا إكراه في مذهب في الدين وهذا واضح، هذا وحده لا يؤدي مباشرة إلى معرفة مصالح الناس، المصدر الثاني الشريعة :”الجدل الاجتماعي” يقدّم غليك الجواب، حرية الناس بدون حدود في المشاركة في اقتراح حلول تلك المشكلات. العمل الجماعي لتطبيق تلك الحلول التي هي ” مصالح الناس” كما يعرفونها من مشكلاتهم التي لا يمكن أن يعرفها غيرهم. فإذا لم يتّفقوا فيُطبّقُ ما تراه الأغلبية بحكم المساواة، ويتبقّى للأقلية حق المعارضة إلى أن يتم اختبار مدى مطابقة رأي الأغلبية لمصالح الناس جميعا. وبذلك تكمل الدائرة ويصبح الجدل الاجتماعي ( القانون الموضوعي للديمقراطية) جوهر مصالح الناس من حيث هو نظام اكتشاف مصالحهم في زمن معيّن في مجتمع معيّن.

ولولا أن المساواة من ثوابت نظام الحياة في الإسلام، ولولا أن مصالح الناس غاية ثابتة في الإسلام، لما أمكن أن يؤدي الجدل الاجتماعي إلى تطور المجتمع في الإسلام، ولمّا قيل أنه نظام إسلامي وهو وضعيّ وليس إلهيا.

والله أعلم.

عصمت سيف الدولة

رسائل حول الكفر والايمان – الرسالة الاولى / د.عصمت سيف الدولة

عصمت-سيف-الدولة-220x300

رسالة أولى

بسم الله الرحمن الرحيم،

تقول في رسالتك أن الإسلام لم يجبر أحدا على الاعتقاد فيه وبشكل خاص الكفار وأن كل الآيات التي حضت على قتال الكافرين لا باعتبارهم كافرين ومخالفين في العقيدة الدينية بل لدفع اعتداء واتقاء فتنة تصيب المسلمين نتيجة كيد أو مؤامرة. قول حسن وأرجو أن تسمح بإضافة خاطرات ..

أ – الكفر نقيض الإيمان، وكلاهما عقيدة، الأولى عدمية والثانية وجودية إذ محل كل منهما وجود الله ذاتا وصفات، الأولى تنفيه والثانية تثبته، وفي حدود ماهيتها العقيدية لا تتوقفان على الظهور، على التعبير، إثباتا أو نفيا فلا يسأل الكافر عن كفره أو المؤمن عن إيمانه ماداما مضمرين إلا أمام المطّلع  على السرائر، الله. من هنا نجد مئات الآيات في القرآن التي قررت جزاء على الكفر أو الإيمان أنذرت به أو بشّرت في الآخرة ولم ترد في القرآن آية واحدة تأمر بعقاب الكافر على كفره مادام مضمرا ولا بجزاء المؤمن على إيمانه غير المعلن.

ب – قال الله تعالى في كتابه : ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”  – الكهف 29 – . وقال :” إن تكفروا فإن الله غني عنكم ” -الزمر 7 – وقال :” إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد” .        – إبراهيم 8 – . لماذا إذن العذاب الأليم على الكفر والنعيم المقيم على الإيمان في الآخرة؟.. مفتاح الجواب جاء في قوله : “ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد”.-لقمان 12 -. وفي قوله “لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ.-البقرة 256 -. وفي قوله “أو أنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين”.-يونس 99-. وقوله “ومن كفر فلا يحزنك كفره”.-لقمان-.

دلالة هذه الآيات معا واضحة على أن الكفر ولو كان عقيدة مضمره لا يضر الله شيئا سبحانه وتعالى، ولكنه يضرّ صاحبه والمجتمع الذي ينتمي إليه، لأنه يجرّد صاحبه من صدق الالتزام في تعامله مع الآخرين بقواعد التعامل الاجتماعي بين الناس التي جاءت في القرآن والتي تسمّى جملة “الإسلام” بما فيها ممّا فيها مما يقال له عبادات، ويذهب بعض الشّراح إلى القول بأنها علاقة خاصة بين العبد وربّه.لا. كل ما جاء به الإسلام لمصلحة الناس، أمّا الله جلّ جلاله فهو غنيّ حميد. ولعلّك قرأت في كتابي “عن العروبة والإسلام”. إيضاحا أوفى لهذا الرأي. المهم أن الكفر بالله ولو كان مضمرا، ليس علاقة عقيدية خاصة بين الكافر والله، بل هو إنكار خفي للإسلام كنظام اجتماعي يستمد قوّته الملزمة من أنّه من عند الله. من هنا نفهم ما ذهب إليه بعض الشّراح والفقهاء من التدليل على الكفر بإنكار ما” عُرف من الإسلام بالضرورة” نفهمه ولكنّا لا نوافق عليه ولا نأخذ به، لأن القول بالضرورة حكم عقلي تتوقف صحته على توافر الصحة في أربعة مواضع : -1- صحة فكر الحاكم -2- صحة الواقعة السبب -3- صحة فكر محدث السبب -4- مطابقة فكر محدث السبب فكر الحاكم عليه بالكفر. فمحال أن يأتي الحكم محكما، ولا إلزام بغير قاعدة محكمة، لا تحتمل التأويل . هذا مبدأ قرآني.

ج- على أي حال سأورد إليك فيما يلي دليلا من القرآن على أن الكفر المضمر لا ينتقص من الإسلام المعلن شيئا إن اجتمعا. جاء هذا في قوله تعالى: ” قالت الأعرابُ آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم”       -الحجرات : 13-. الأعراب المذكورون في الآية كفره بشهادة الله عالم الغيب والشهادة. ومع ذلك أشهدوا الناس على أنهم مسلمون. هاهنا كفر -عدم إيمان- مضمر واسلام مشهرٌ، فما الحكم أو ما الجزاء؟ أما عن الإسلام المشهر فقد ارتبط الجزاء فيه بالتزام قواعد وعبّرت عن الآية بالقول “إن تطيعوا الله ورسوله” وهو شرط وجاء الجواب “لا يلتكم من أعمالكم شيئا” أي لكم كل حقوق المسلمين لا ينتقص منها شيء. أمّا عن الكفر المضمر فقد ذكرهم الله جل جلاله بأنه غفور رحيم وعدا بالمغفرة رحمة بهم.

د- من أشكال الكفر المضمر “النفاق” . وقد أنذر القرآن المنافقين بمصير ” في الدرك الأسفل من النار ”     – النساء 145 -. ولكنّه جاء خاليا من أي عقوبة على النفاق تطبيقا لذات القاعدة العامة المشار إليها في البند السابق، فالأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا طائفة من المنافقين.

 هـ – بقي حكم الكفر المعلن، الكفر المعلن نقيض الإسلام المعلن أو بمعنى أدق نقيض معلن للناس بانعدام القوة الملزمة اجتماعيا للقواعد الآمرة والناهية التي جاءت في كتاب الله، من حيث انه نقيض مصدرها: الله. وقد خصص القرآن سورة كاملة للموقف الإسلامي من الكفار، انه الاجتناب، قال الله تعالى في سورة “الكافرون” :” قل أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”. وهو موقف سلبي كما ترى لا ينطوي على إكراه    أو اعتداء أو قتل. وأوضح دلالة على موقف الاجتناب ما أُمر به الرسول صلّى الله عليه وسلم من عدم الاهتمام بما قد يلقاه من أذى من جانب الكافرين، قال تعالى: “ولا تُطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكّل على الله وكفى بالله وكيلا” -الأحزاب:48-.

 و – ومع ذلك فقد أمر القرآن المسلمين يقتل الكافرين إذا ما أوجدوا أنفسهم في المواقف التي أبيح فيها للمسلمين القتال. ولم يبح القرآن للمسلمين القتال إلا في ثلاثة مواقف : الأول، المبدأ، موقف الدفاع. “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” -البقرة 190-. وقد جاء تطبيقه بالنسبة إلى الكافرين في الآية التالية :” فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين”- البقرة 191-. وهو مشروط بالمبدأ “لا تعتدوا”. الموقف الثاني هو قتال الطائفة الباغية حين يتقاتل المؤمنون. قال تعالى :”وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”          – الحجرات 9-. عَرض الصلح على المتخاصمين من المؤمنين إجراء أولي من الإجراءات القضائية في الإسلام قبل الحكم. – بين الزوجة وزوجها وبين القاتل وولي الدم وما بينهما من مخاصمات – . وقد تضمّنت الآية عرض الصلح بصيغة الأمر “فأصلحوا” فأخذ حكم الفرض لا يجوز تركه قبل التدخل. ثم فُرض على المؤمنين قتال الطائفة الباغية وهي هنا التي ترفض الصلح وليست التي بدأت القتال. فيكون الموقف الثاني الذي أبيح فيه للمسلمين القتال أو فرض عليهم هو القتال حقنا لدماء المؤمنين في قتال دائر فيما بين طائفتين منهم لفرض الصلح على الطائفة التي لا تقبله ” حتى تفيء إلى أمر الله” وليس حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله” وليس حتّى تقبل وجهة نظر الطائفة الأخرى، ومنه نتعلّم أنّ الصلح ، حتّى بعد نشوب القتال من أمر الله. وليس في أي دين سماوي أو غير سماوي، وليس في أي شريعة من شرائع الأرض الموضوعة حكم يبيح، أو يفرض القتال لوضع حدَ للقتال إلا في الإسلام . القتال ضد من يرفض الصلح الذي يراه المؤمنون، أي المجتمع.

ثم يأتي الموقف الرابع الذي أبيح فيه للمسلمين القتال ، مندوبا لا فرضا، أن يقاتلوا دفاعا عن ضحايا الظلم من الناس، أي ناس في أي مكان، من أي جنس، على أي دين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. قال تعالى :” وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا”-النساء 75-. شرط القتال هنا، بالإضافة إلى مبدأ “لا تعتدوا” أن – يستغيث المظلومون بالمسلمين لدفع ظلم واقع لا على فرد ولكن على مجتمع بما فيه من رجال ونساء وولدان. ويسمّى في الشريعة الإسلامية -القانون- “حق الغوث” فهو رخصة بالدفاع وليست فرضا واجبا.

ز- ختاما لهذه الخاطرات أعود إلى سؤالك لأعيد صياغة شطره الثاني صيغة مختصرة فأقول: ليس في القرآن آية تحض على قتال الكافرين أو غير الكافرين ولا المخالفين في العقيدة الدينية ولا اتقاء فتنة نتيجة كيد أو مؤامرة و إنما يفرض القرآن القتال دفاعا في كل الحالات. بل أن القرآن  يوصي المسلمين بأن يبَرّوا غيرهم وأن يكونوا عادلين في التعامل معهم إلا الذين قاتلوا المسلمين لردّهم عن دينهم أو أخرجوهم من ديارهم أو عاونوا من أخرجوهم فيحر القرآن على المسلمين مناصرتهم أو التحالف معهم  أو صداقتهم. وهي الحالة الوحيدة التي أمر فيها القرآن بقطع أوشاج الأخوة الإنسانية بين البشر. قال تعالى في سورة الممتحنة: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم إن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون”. -الممتحنة 8.7 -. الموالاة تعني الصداقة والمناصرة وما في حكمهما، من والى ولا تعني الولاية من تولّى، فلا شأن للآية بالحكم أو تولي القيادة كما يزعم البعض.

ح – ثم تأمّل من آيات الذكر الحكيم :” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. – البقرة 62-. و”إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.-المائدة 69-. الصابئ هو الذي ينتقل من دين إلى دين. والصابئون صفة كانت تطلق على جماعات طائفية لهم كتاب واحد “كتاب ألج نزا” ولكنهم موزعون انتماء إلى ديانات عديدة مثل المجوسية والزرادشتية والهندوسية والبوذية والكنفشيوسية. وقد كان من بينهم نفر يعيشون في البصرة جنوب العراق، وكانوا يعبدون الكواكب ويزعمون أنهم من أهل الكتاب الذين أوصى بهم القرآن احتجاجا بكتابهم.

المهم أنهم لم يكونوا مسلمين..

فانظر كيف قرر لهم القرآن أن “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. لقد أسند قراره إلى توافر أمرين: 1- الإيمان بالله واليوم الآخر. 2- العمل الصالح. ولم يشترط الإسلام. وقد يبدو هذا غريبا، ولكنه ليس غريبا، فليس الإسلام مقصورا على ما ابلغه محمد بن عبد الله إلى الناس بصفته رسولا من الله، ولكن الإسلام هو جوهر كل الأديان منذ إبراهيم عليه السلام. وجوهر ذاته هو “العمل الصالح”. الصالح لمن؟ للناس،للبشر إذ أن الله غني حميد. وإذا كان ما جاء في القرآن من أحكام وقواعد هي الصيغة الأخيرة للعمل الصالح فإن الصلاح كمضمون لا يتوقف على العلم بالقرآن أو على أن يكون “الصالح” مسلما بالضرورة. فإن لم يكن كأن كان يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو مجوسيا أو مجنونا فقد رفع عنه الخوف.-من الإكراه- والحزن -من القهر مثلا-.  وكل هذا لا مثيل له في أي دين أو مذهب أو إيديولوجية أو فلسفة أو نظام ما وضعه الإنسان، والمسلمون ملزمون باتباع هذا الموقف من الغير الذي لا مثيل له، فإن لم يفعلوا فقد خالفوا جوهر الإسلام واحتكموا في أمر الغير المسالم إلى غير ما أنزل الله، نقول المسالم حتى لا ننسى شرط فرض القتال ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” .-البقرة 190-. والله أعلم.

عصمت سيف الدولة

عبد الناصـر وتاريـخ الأمـة – الأستاذ خالد الخولى

khaled khouli

  • عبد الناصـر وتاريـخ الأمـة

    خالد الخولى

    هذا الموضوع ليس دفاعاً عن شخص جمال عبد الناصر رغم أن شخصه يستحق جل الإحترام وأقصى تقدير وإعزاز ، ولكنه فى الأساس دفاعاً عن تاريخ أمة وعن مجدها ونضالها ضد الاستعمار والاستبداد والاستغلال ، ان جمال عبد الناصر والحقبة الناصرية هما جزء أصيل من تاريخ الوطن العربى وكم من سطور سطرتها تلك الحقبة الثورية فى صفحات تاريخ النضال العربى

    ولنعترف جميعاً أن هناك إيجابيات وسلبيات ولكن الفارق كيف نضعها فى ميزانها الصحيح ، ولننقد كما نشاء فلا أحد أياً كان فوق مستوى النقد شريطة أن يكون النقد موضوعياً وبناء

    ولنستعرض معاً بعضاً من المنجزات التى تحققت فى عهد ناصر التى تؤكد بالفعل قبل القول انحيازه للشعب والأرض بعيداً عن المصالح والأهواء الشخصية وبعيداً عن بريق السلطة

    حقوق الفلاح

    لقد ناضل ناصر من أجل تأكيد حقوق الفلاح الذى كان يعانى أشد أنواع الذل والمهانة فى مجتمع إقطاعى حيث كان :

    - 61 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 2000 فدان
    – 28 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 1500 فدان
    – 99 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 1000 فدان
    – 92 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 800 فدان

    أي أن واحد من مائة ألف من الشعب يملك 12٪ من الأرض

    ومن ثم كان لزاماً على ثورة يوليو بقيادة ناصر تحقيق العدالة الإجتماعية بإعادة توزيع الثروة بشكل يضمن لكل مواطن نصيباً عادلاً من الثروة وبناء على ذلك صدرت عدة تشريعات للإصلاح الزراعى بدأت بصدور قانون الإصلاح الزراعى الأول فى 9 سبتمبر1952 وبدأ تنفيذه فى 26 أكتوبر من نفس العام ويعتبر هذا القانون بداية الطريق نحو التغيير الشامل فى العلاقات الإجتماعية داخل المجتمع المصرى ، وقد تم بالفعل تحديد حداً أقصى لملكية الأراضى الزراعية وزيادة عدد المُلاك فى الريف بتوزيع الأراضى الزراعية عليهم كما تم تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر وحماية حقوق العامل الزراعى وإدخال الوسائل العلمية فى الزراعة وذلك للحد من آثار تجزئة الأرض وتفتيته
    كما صدر القانون رقم 15 لسنة 1962 ويقضى بحظر تملك الأجانب للأراضى الزراعية بعدما لوحظ أن متوسط مايملكه الأجنبى يفوق مايملكة المصرى أضعافاً مضاعفة
    وهكذا اتخذ ناصر موقفا ًصريحاً ضد أباطره الإقطاع وكبار الملاك

    العمال وصغار الموظفين

    أما فيما يخص العمال وصغار الموظفين فقد كان موقف ناصر واضحاً وعملياً حيث تم تخصيص 25% من أرباح الشركات للموظفين والعمال وفقاً لقرار بقانون رقم 111 لسنة 1961 ، كما تم إشراكهم فى مجلس الإدارة ، وايضاً تم وضع حد أدنى للأجور يستطيع أن يؤمن به كل مواطن حقه فى حياة كريمة ، إضافة إلى إصدار قرار بقانون رقم 133 لسنة 1961 بتنظيم تشغيل العمال فى المؤسسات الصناعية ليحفظ للعمال كافة حقوقهم كمنع الفصل التعسفى وتحديد ساعات العمل والأجازات والمعاشات والتعويضات والتأمينات الإجتماعية وبذلك أصبح العامل مطمئناً على يومه آمناً على غده

    التعليم

    أما عن مجال التعليم فقد جعل التعليم مجانياً فى جميع مراحله بالإضافة إلى توفير الخدمات الإجتماعية والصحية للطلاب مع التأمين عليهم وبالتالى أصبح فى متناول الجميع الإندراج فى السلك التعليمى بكافة مراحله دون أدنى معاناة خاصة أن الإلتحاق بمراحل التعليم المختلفة يتم وفقاً لمجموع الدرجات ورغبة الطلاب وليس وفقاً للمحسوبية والوساطة ورأس المال ، وتم ترسيخ ديمقراطية التعليم بإشتراك مجالس الأباء فى إدارة المدرسة ، كما تم التوسع فى التعليم الفنى والاهتمام بمراكز التدريب المهنى وتدعيم التعليم العالى وتشجيع البحث العلمى

    الرعاية الصحية

    وفيما يخص الرعاية الصحية للمواطنين تم التوسع فى إنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية وبالفعل أصبح هناك توسع فى الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية وخاصة فى قطاع الريف والعمال وتم تعميم التأمين الصحى لجميع العاملين وعدم تحديد مدة للأجازات المرضية للمرضى بأمراض مزمنة ، وبالنسبة للخدمات الإجتماعية فقد كانت تغطى إصابات العمل والتأمين الصحى والشيخوخة والعجز الجزئى والكلى والبطالة وتُصرف معاشات شهرية للذين تركوا الخدمة بسبب بلوغهم سن التقاعد أوبسبب العجز الصحى ، كما يستمر صرف المعاشات لأسرة العامل بعد وفاته ويتم دفع التعويضات للذين يصابون أثناء العمل أويتركون العمل بسبب المرض أو العجز الكلى

    الاقتصاد

    لقد انطلق ناصر فيما يتعلق بالتوجه الاقتصادى من قاعدة ان الدولة التى لاتملك اقتصادها لاتملك قرارها ، وأن الاقتصاد هو قاعدة الاستقلال الوطنى وداعمه وحائط الصد أمام الهجمات التى تسعى سلب الوطن استقلاله وسحبه إلى ذل التبعية لذا كان توجه الدولة نحو الاقتصاد الوطنى القائم على تخطيط شامل لعملية التنمية تعمل على توسيع قاعدة الثروة الوطنية والتوزيع العادل لهذه الثورة

    وعليه تم بناء قطاع عام قوى وقادر يقود التقدم فى جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية والعمل على زيادة كفاءته وتمكينه من دوره القيادى فى عملية التطوير الصناعى بالإضافة إلى قطاع خاص يشارك فى التنمية فى إطار الخطة الشاملة ، لها من غير استغلال أو انحراف

    وفيما يتعلق بحال الاقتصاد فى مصر وتطوره خلال هذه الفتره فإن تقرير البنك الدولى رقم 870- أ عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976 أكد أن نسبة النمو الإقتصادى فى مصر من عام 1957 إلى عام 1967 كانت تسير بمعدل 6.2% بالأسعار الثابتة الحقيقية وقد إرتفعت هذه النسبة فى الفترة من 1960 إلى 1965 إلى معدل 6.6% هذا فى الوقت الذى كانت فيه معدلات التنمية الإقتصادية فى أكثر بلدان العالم النامى إستقلالاً لاتزيد عن 2.5%

    وقد أنشأ ناصر مجلس أعلى للإنتاج وضم فيه مجموعة من أبرز خبراء مصر الإقتصاديين وكان من أبرز المشروعات (مصنع حديد حلوان- مصنع السماد فى أسوان – كهربة خزان أسوان – كهربة خط حلوان)

    كما تم إنشاء مجلس أعلى للخدمات وقد نفذ مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم وإعاده التدريب والإرشاد الزراعى فى الريف إلى جانب سلسلة من المستشفيات المركزية التى أُنشئت فى ذلك الوقت

    كما تحمل الإقتصاد المصرى أعباء الصمود بعد حرب 1967 حيث تحمل هذا الإقتصاد عبء بناء القوات المسلحة وإتمام بناء السد العالى الذى أُكتمل عام 1970 وتحمل أيضاً أعباء مشروعات جديدة ضخمة أبرزها مشروع “مجمع الحديد والصلب” وهو من القواعد الأساسية لصرح الصناعات الثقيلة فى مصر هذا بالإضافة إلى تحمل هذا الإقتصاد عبء تثبيت أسعار السلع الإستهلاكية

    تأميم قناة السويس

    وفيما يخص تأميم قناة السويس ومايقال عن أن قرار التأميم كان مجرد قراراً إنفعالياً غير مدروس ومجرد رد على سحب أمريكا لتمويل السد العالى فإن الواقع يؤكد زيف تلك الأقاويل فقد كان ناصر يفكر ويبحث ويدرس كل ماله علاقه بقناة السويس بإعتبارها مصرية على أرض مصرية ومما يدل على هذا أنه فى نوفمبر 1952 قام ناصر بإستدعاء الدكتور مصطفى الحفناوى” وهو أبرز المهتمن بشركة قناة السويس” لإلقاء محاضرة يفتتح بها الموسم الثقافى لنادى ضباط الجيش طالب فيها بالتأميم وكان ذلك عقب لقاء تم بينه وبين ناصر فى أغسطس 1952، وفى عام 1953 أنشأ ناصر مكتباً للأبحاث عن القناة ملحقاً برئاسة الوزراء، وفى عام 1954 طلب ناصر من إدارة التعبئة العامة للقوات المسلحة أن تقوم بدراسة واسعة حول قناة السويس وتاريخها وعملها وإدارتها والعاملون فيها وكل مايتعلق بها وإنتهت الدراسة عام 1955 وبدأت الإدارة نشرها فى المجلة الشهرية التى كانت تصدرها باسم “الهدف” تحت عنوان (هذه القناه لنا) ، وفى عام 1954 وجة ناصر رسالة إلى الشعب المصرىبمناسبة ذكرى إفتتاح قناة السويس جاء فيها (لقد كانت مصر للقناة وذلك هو الماضى ولم تعد مصر للقناة وذلك هو الحاضر وسوف تكون القناة لمصر وذلكم هو المستقبل)

    وفى عام 1956 نشرت مجلة المصور على غلافها عنواناً يقول (ماذا يقرأ عبد الناصر؟) ، وفى التحقيق الذى نشرته المجلة قال ناصر إنه يقرأ كتاباً عن قناة السويس

    أما فيما يتعلق بأن قرار التأميم كلفنا خسائر من جراء العدوان الثلاثى وأن القناة كانت ستسلم لمصر بعد انتهاء الإمتياز فهو قول لايجوز الإستغراق فى الرد عليه حتى ولو بذكر المكاسب حيث أن المعركة هنا كانت معركة تحرير أرض واستعادة حق أصيل مهما تكن التضحيات

    معركة الإستقلال والتحرر الوطنى

    وفى إطار معركة الإستقلال والتحرر الوطنى استطاع ناصر أن يكسر إحتكار السلاح فى المنطقة العربية حيث كانت صفقات السلاح مرتبطة بشروط تسلب الوطن حريته واستقلاله فضلاً عن كونها أسلحة بسيطة لا تشكل جيشاً قوياً رادعاً ، ويبين تعليق “موشى شاريت” رئيس الوزراء الصهيونى فى أوائل الخمسينيات مدى أهمية هذا الموقف المصرى ليس على مصر فحسب بل على الوطن العربى حيث علق قائلاً (إنها خطر لامثيل له ومن المحتم أن تؤثر تأثيراً بالغاً على إسرائيل كما أنها غيرت ميزان القوى تغييراً حاسماً وضع حداً أدنى لتفوق إسرائيل النوعى على مصر انها خطر داهم لم تشهده إسرائيل منذ حرب الإستقلال)

    وعبد الناصر أيضاً هو الذى قاد معارك ضد الأحلاف الغربية الإستعمارية فى الوطن العربى وانتصر فيها وأبرزها حلف بغداد ، وهو الذى ساند الثورات التحررية فى الوطن العربى مثل الثورة الجزائرية والثورة العراقية والثورة اليمنية وغيرها

    قضية السودان

    أما بالنسبة لموضوع السودان ومايتم ترويجه عن تفريط ناصر فى السودان وقبل التطرق لهذه القضية بعينها لابد من التأكيد بداية على أننا وطن واحد ، وأمة واحدة مكتملة التكوين القومى ، وأننا لابد ان نسعى إلى الوحدة العربية من منطلق قومى لأنه السبيل الوحيد لمواجهة كافة العقبات والمشاكل وإيجاد الحلول الجذرية والواقعية ، وان التجزئة والإقليمية هى نتاج المستعمر الذى سعى إلى تجزئة الوطن العربى تحقيقا لأطماعة وطموحاته الاستعمارية
    هذا يقيننا وإيماننا الراسخ الذى لايتزعزع ، وهو نفسه يقين ووعى ناصر وإيمانه ان السعى للوحده لابد ان يأتى من منطلق قومى وإرادة شعبيه وأنه لايجوز ان تتحقق الوحدة بالفتح أو بالقوة مما يخلق حالة من العداء

    وفيما يتعلق بإنفصال السودان عن مصر فلنتناول الموضوع من بدايته حيث تم ضم السودان بالقوة إلى مصر عام 1822 فى عهد محمد على فى حملة عسكرية استهدفت فى ظاهرها القضاء على بقايا المماليك الفارين بينما فى جوهرها استهدفت التوسع والبحث عن الثروات وتجنيد السودانيين فى الجيش إضافة إلى تأمين الطرق والحدود وإنعاش التجارة والسيطرة على منابع النيل وقد شهدت هذه الحملة معارك دموية أبرزها المحرقة التى دبرها الملك نمر ملك قبيلة الجعليين ضد اسماعيل باشا وجنده والتى على أثرها توجه محمد بك الدفتردار بجنوده صوب شندى ليصب جام غضبه على الجعليين انتقاماً لمقتل اسماعيل باشا

    ومع ضم السودان بدأت المعارضة السودانية تشتد وأخذت أشكال عده أبرزها ماعرف بالثورة المهدية بزعامة محمد أحمد المهدي التي إنطلقت عام 1880 وحققت انتصارات عسكرية متتالية مكنتها من السيطرة على الخرطوم ذاتها وإعلان استقلال السودان عام 1885 إلا أنها انهارت في عام 1898 على يد القوات البريطانية المصرية تحت قيادة هربرت كتشنر وأصبحت السودان تحت إدارة حكم ثنائى بموجب اتفاقية 1899 بين انجلترا ومصر ، وهو حكم ثنائى ظاهريا بينما فى حقيقته حكماًً بريطانياً خالصا حيث نصت الاتفاقية ان يكون على رأس الإدارة العسكرية والمدنية حاكما إنجليزيا

    وفى ظل الحكم الثنائى صدرت قوانين عملت على تمزيق وحدة السودان منها إصدار قانون الجوازات والتصاريح لسنة 1922 الذى بمقتضاه صدر قانون المناطق المقفولة الذى عمل على عزل جنوب السودان عن شماله ، وتأكيدا لهذا النهج إنعقد مؤتمر الرجاف عام 1928 الذى خرج بقرارات وصلت إلى حد منع تدريس اللغة العربيه فى جنوب السودان

    وفى الوقت ذاته استمرت حالة الفوران فى أنحاء عدة منها ثورة قبيلة الحلاوين بزعامة عبد القادر ودحبوبه عام 1908 الذى قبض عليه وأعدم فى سوق الحلاوين ، كما ظهرت على الساحة دعوات وحركات ترفع يافطة استقلال السودان ونشأت أحزاب تدعم هذا التوجه منها حزب الجمهورية الذى تأسس عام 1945 برئاسة محمد محمود طه ، وحزب الأمة الذى تأسس عام 1945 برئاسة عبد الرحمن المهدى ورفع الحزب مطالب استقلال السودان واشتهر مؤيدوه باسم الاستقلاليين

    على كل حال لقد إزدادت حدة التيار المعارض لهذا الوضع داخل السودان وعلت الأصوات تطالب بالانفصال ووصفه استقلالا عن احتلال ضم بلدهم إليه بالقوه

    وقد استغلت بريطانيا هذا الوضع لتنفيذ خطتها الرامية إلى الإنفراد بالسودان وإخراج مصر نهائيا ورسميا فأعلنت عن (مشروع قانون الحكم الذاتى وتقرير المصير) فى 8 مايو 1952 وقام السير روبرت هاو الحاكم العام بإرساله إلى حكومتى مصر وبريطانيا للموافقة وإبداء الاقتراحات فى مدة لاتتجاوز 6 أشهر وفى حال عدم الرد يصبح المشروع نافذاً ، وهذا المشروع يحدد شكل مجلس الوزراء والبرلمان السودانيين ، إلا ان مايلفت النظر فى المشروع هو أنه حدد ان الحاكم العام هو السلطة الدستورية العليا ، وله حق الاعتراض ، كما حدد ان الجنوب لايخضع لأى جهة سواه ، إضافة إلى ان الحاكم العام من حقه إعلان الطوارئ ووقف عمل البرلمان ومجلس الوزراء

    وبما ان الحاكم العام الذى يحمل كل هذه الصلاحيات إنجليزى فهذا معناه فرض السيطرة البريطانيه على الدولة ، وأياً كان شكلها أو اسم مؤسساتها ففى النهاية كلها خاضعة لسلطة الحاكم العام وبمعنى أدق لبريطانيا

    أما عن إضافة تقرير المصير إلى المشروع فلم يكن سوى بغرض تمرير خطة السيطرة البريطانية الكامله على السودان حيث انه فى الواقع لم يحدد المشروع مدة الحكم الذاتى التى من المفترض ان يقرر بعدها الشعب السودانى مصيره ، كما ان بريطانيا من خلال سلطة الحاكم العام إضافة إلى وجود القوة العسكرية منحت نفسها مكانه تسمح لها بالتدخل والتوجيه وفقا لما يحقق لها المصلحة

    إذن لم تكن هناك وحده حقيقية بين مصر والسودان لأنها لم تكن على أساس شعبى ولا من منطلق قومى كما لم تكن هناك سياده مصرية على السودان وإنما كان هناك صدام مستمر أدى إلى ان أصبحت السودان تحت الاحتلال الانجليزى كما كانت مصر خاضعة للتاج البريطانى

    هذه هى الحقيقة التاريخية لمن يسعى لها ويبذل جهدا بسيطا فى قراءة التاريخ

    لقد غدت السودان فى هذا الوضع تحت سطوة النفوذ البريطاني ، وكان رهان بريطانيا ان يرفض ناصر حق السودان فى تقرير مصيرها ، فمن ناحية يتم خلق حالة من التشوية والعداء بين مصر وثورتها التى ترفع راية الاستقلال والتحرر الوطنى والقضاء على الاستعمار وبين السودانيين مما يسهل للجانب البريطانى استمالة التيارات السودانيه الداعيه إلى استقلال السودان ، ومن ناحية أخرى تضمن بقاء السودان ضمن النفوذ البريطانى وفقا لاتفاقية الحكم الثنائى والعمل على تنفيذ مشروع الحكم الذاتى

    وهذا ماأكده السير رالف ستيفنسون الذى ترأس وفد المفاوضات البريطانى وذلك فى أولى جلسات المفاوضات أواخر عام 1952

    حيث أكد على تمسك بريطانيا باتفاقية الحكم الثنائى ، وعلى مصر التعاون مع بريطانيا وفق هذا الإطار إذا أراد ان يكون لها دور فى السودان

    أما الوفد المصرى الذى ترأسه محمد نجيب فقال طبقا لنص محاضر المفاوضات (ان هدفنا هو تحرير السودان من أى نفوذ أجنبى وسواء اتحدنا أو انفصلنا فإن مآلنا واحد ومصيرنا لبعضنا وفى كل الأحوال فإن مصر تطالب للسودانيين بحقهم فى تقرير مصيرهم فإذا قرروا بعد ذلك الوحده معنا فمرحبا وإذا قرروا الاستقلال فهذا حقهم)

    وقد أوضحت المفاوضات حرص مصر على الحد من النفوذ البريطانى خلال الفترة الإنتقاليه التى تحددت بثلاث سنوات حيث تم تقليص سلطات الحاكم العام الذى أصبح يباشر مهامه من خلال لجنه خماسية تضم إثنين سودانيين ومصرى ، وقد أثار هذا خلافا حاد حيث كانت بريطانيا ترى ان مهام هذه اللجنه استشارية فقط بينما أصرت مصر على ان اللجنه تشارك الحاكم العام فى القرارات ، كما تم إضافة تشكيل لجنة أطلق عليها (لجنة السودنة) وتختص بسودنة الإدارة والبوليس والدفاع والوظائف والمؤسسات التى تستطيع أن تؤثر على حرية السودانيين عند تقرير المصير

    وحرصاً من مصر على وحدة السودان ومنع تجزئتها اشترطت ألا تتضمن اتفاقية نقرير المصير أى بنود أو عبارات تفصل بين شمال السودان وجنوبه وان التعامل مع السودان يتم كوحدة واحده لاتتجزأ ، وهو ماأثار حفيظة البريطانيين الذين حاولوا بشتى الطرق اثبات ان للجنوب وضع خاص بينما أعلن الجانب المصرى ان هذا الوضع هو صنيعة قرارات متعمده عملت الإدارة البريطانية خلال فترة الحكم الثنائى على ترسيخها

    ومن أهم الضمانات التى اشترطتها مصر هى ان انسحاب القوات العسكرية من السودان شرط أساسى لحق تقرير المصير ، كما أكدت على ان الاستفتاء على تقرير المصير سيكون قاصراً على الاختيار بين الاتحاد مع مصر أو استقلال السودان التام ، وبهذا قطعت مصر على بريطانيا أى طريق لعقد تحالفات تهدف إلى استمرار السودان تحت النفوذ البريطانى

    ولم تكتفى مصر بهذا بل استطاعت دعوة الأحزاب السودانية الداعية إلى الاتحاد مع مصر وترفض الوجود البريطانى فى السودان والتى كانت تعانى من التشتت والإنشقاقات إلى مباحثات انتهت بتوحيد الأحزاب فى حزب واحد تحت اسم (الحزب الوطنى الاتحادى) وقد نص ميثاقه على جلاء الإنجليز من السودان والاتحاد مع مصر عند تقرير المصير ، والأكثر من هذا ان استطاعت مصر تجميع الأحزاب السودانية سواء مؤيد للاتحاد مع مصر أو الإنفصال عنها على مبدأ رفض أى وجود بريطانى على أرض السودان وان حق تقرير المصير لابد ان يشترط على خروج بريطانيا من السودان وعدم تواجدها تحت أى صيغة مما يضمن للسودان استقلالاً حقيقياً لاصورياً لتوجه بهذا ضربة قاصمة للوجود البريطانى فى السودان ، وهو ماجعل أنتونى إيدن يطلب من السير روبرت هاو الحاكم العام البريطانى تفسيراً لهذا الوضع الذى كان على حد وصف إيدن (أنه يترك المفاوض البريطانى فى العراء)

    ورداً على هذا سعت بريطانيا إلى حث زعماء الجنوب على المطالبه بإنفصال الجنوب عن الشمال وذلك لفتح جبهة صراع جديده تجعل من بقاء الوضع كما هو عليه أمرا لامفر منه ، وأيضاَ لإثبات صحة الرؤية البريطانية فيما يتعلق بالجنوب ، واستخدامها فيما بعد للضغط من أجل التعامل مع السودان كأجزاء منفصلة لاوحدة واحدة ، وقد كان ظنت بريطانيا ان ورقة الجنوب هى الورقة المضمونه والرابحة لديهم وفقا للسياسات التى اتبعوها مع الجنوب وعزله عن الشمال طوال فترة الحكم الثنائى إلا ان مصر لم تقف ساكنه وإنما أرسلت بعثه برئاسة صلاح سالم إلى جنوب السودان واستطاع صلاح سالم ان يلتقى بعدد كبير من زعماء الجنوب والحصول على توقيعاتهم على وثيقة تؤكد وحدة موقفهم مع الشمال فى المطالبه بحق تقرير مصير السودان بأكمله كأرض واحدة لاتقبل التجزئة وعلى نفس شروط الاستفتاء

    وقد دعا زعماء قبيلة الدنكا إلى اجتماع حاشد بمشاركة قبائل الجنوب وهو الاجتماع الذى رقص فيه صلاح سالم الرقصة التى تشتهر بها احتفالات الدنكا ، وقد التقطت مجموعة صور لصلاح سالم أثناء الرقص وأصبحت من أشهر الصور فيما بعد وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية ، وقد علقت بريطانيا على هذه البعثه باتهامها بالتخريب
    ورغم كل العراقيل التى وضعتها بريطانيا للحفاظ على موقعها فى السودان إلا انه تحت الإصرار المصرى أصبح لامفر من توقيع اتفاقية بين مصر وبريطانيا حول حق السودان فى تقرير المصير ولكن وفقاً للرؤية والضمانات والاشتراطات المصرية وبالفعل تم توقيع الاتفاق فى 12 فبراير 1952 وانتهى الأمر إعلان باستقلال السودان فى 1 يناير 1956

    ورغم الرغبة المصرية نحو الوحدة مع السودان إلا مصر رحبت بالقرار واعتبرته هزيمة جديده للمستعمر ومما يؤكد صحة هذا الاعتبار هو اهتمام فرنسا بتفاصيل المفاوضات لأنهم يرون ان ماسيحدث للسودان سوف يؤثر على تشاد الذى كان معروفا فى هذا الوقت بالسودان الفرنسى

    كما ان تفاصيل المفاوضات كانت محط اهتمام بالغ لدى شركة قناة السويس حيث قام مجلس إدارتها بإبلاغ وزارة الخارجية البريطانية ان اتفاقية السودان قد تؤثر على استثمارات الشركة الهائلة فى المناطق المحيطه به

    وجدير بالذكر انه مع بداية المفاوضات كان ناصر حاسما وحازما وواضحا ضد أى محاولة للربط بين جلاء القوات البريطانية عن مصر وبين قضية السودان أى ان يصبح الجلاء عن مصر مشروطاً حيث صرح فى حديث صحفى أجرته معه الصحفية مرجريت هيجينز قائلا (ان الاستعمار البريطانى لمصر آن له ان ينتهى ولايمكن ان تكون له نهاية إلا بجلاء غير مشروط لكل القوات البريطانية فى مصر وان مصر سوف تكون على استعداد للمفاوضات بشأن الجلاء بأقصى قدر من حسن النية ولكنها فى اللحظة التى تشعر فيها ان المفاوضات لم تصل بها إلى نتيجة فإنها سوف تحمل السلاح وتقاتل مهما كان الثمن)

    وقد انعكست تصريحات ناصر على السير رالف ستيفنسون الذى قدم احتجاجا على تلك التصريحات قائلا (ان مثل هذه التصريحات قد تفسد جو الثقة المتبادلة المطلوبة لإنجاح مفاوضات السودان وأية مفاوضات أخرى)

    لكن مصر لم تعبأ بهذا الاحتجاج والتلميحات التى تحمل نبرة التهديد بل قامت باعتقال شخصيات كانت معروفة بتعاونها مع الاحتلال ومن بينهم محمود صبرى الذى كان على رأس المتعاونين مع الجيش البريطانى فى منطقة القناة وارتكب عددا من الجرائم أبرزها تعذيب المصريين الذين أسرتهم القوات البريطانية فى الاشتباكات التى اندلعت عام 1951 وقد قدمت بريطانيا طلبا رسميا بالإفراج عنه وجاءها الرد من خلال الصحف التى أعلنت نبأ إعدام محمود صبحى بعد ثبوت تهمه الخيانة العظمى عليه وهو الأمر الذى أحدث ضجه بالغة الشدة فى بريطانيا وقدم اللورد كيلرن بصفته عضوا فى مجلس اللوردات سؤالا إلى وزير الخارجية البريطاني عن تصرفهم إزاء مصر بعد المهانه التى لحقت ببريطانيا العظمى وهى تجد ان المتعاونين معها يصنفون فى مصر باعتبارهم خونه وتنفذ عليهم أحكام الإعدام

    بناء على ماسبق نجد ان مصر خاضت معركة حقيقية من أجل تحرير السودان من سيطرة بريطانيا وواجهت كل الضغوط والعراقيل بحزم وأظهرت قدرة فائقة على مواجهة التحديات ولم تقدم أى تنازلات تمس من حرية السودان ووحدة أراضية

    لكل هذه الأسباب والمقدمات والنتائج أصبح لابديل عن استقلال السودان وتحريرها لتتبعها مسيرة تصفية الاستعمار من الوطن العربى وأفريقيا

    الثورة الجزائرية

    لقد وقفت ثورة يوليو بقيادة ناصر تشد أزر الثورة الجزائرية منذ اليوم الأول لقيامها وراحت تمدها بالأسلحة والعتاد وكل ما يلزم لتحقيق إرادتها كما إحتضنت الثورة الجزائرية في المحافل والمؤتمرات الدولية وفي 21 أبريل 1955 أعلن ناصر في إجتماع اللجنة السياسية للمؤتمر الأسيوي الأفريقي في باندونج أن لشعب الجزائر حقاُ طبيعياً في الحرية وتقرير المصير

    وفي 19 سبتمبر 1958 أعلن في القاهرة بإسم الشعب الجزائري تأليف حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية تكون مسئولة أمام المجلس الوطني للثورة الجزائرية وتلا ذلك أن أخذت الدول تعترف بحكومة الجزائر المؤقتة مما أدى إلى تدعيم مركزها من الناحية الدولية

    وإستمر ناصر في دعمه للثورة الجزائرية إلى أن حصلت الجزائر على إستقلالها في يونيو 1962 وإرتفع علم التحرير عالياً فوق أرض الجزائر العربية . ولقد إستمر موقف ناصر مع الجزائر منذ أعلن إستقلالها كما فعل في مرحلة النضال المسلح السابقة على الإستقلال فقدمت الجمهورية العربية المتحدة خبراتها ومعوناتها في مختلف الميادين مما ساهم في تخطي الجزائر للعقبات التي حاولت القوى الإستعمارية زرعها من أجل ضرب الثورة الجزائرية ومن هنا كانت العلاقة بين الجمهورية العربية المتحدة والجزائر مثلاً تاريخياً فذاً لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين أبناء الشعب العربي وكانت تطبيقاً عملياً رائعاً لما يمكن أن تحققه وحدة الأهداف ووحدة الكفاح وإلتقاء الإتجاهات الثورية

    حرب اليمن

    أما عن حرب اليمن فإن مصر كانت هي منبر الثورية والقومية العربية وعندما قامت الثورة اليمنية لم يكن في وسع مصر أن تتخلى عنها وتتركها وحدها في مهب الريح وبالفعل ساندت مصر ثورة اليمن الوطنية التي إنطلقت في 26 سبتمبر 1962 وهي الثورة التي نجحت في أن تعصف بالإمامة والرجعية في اليمن حيث كان اليمن في ظل الحكم الإمامي يمثل أشد أجزاء الوطن العربي رجعية وظلماً وجموداً وتخلفاً وقد لعب الإستعمار دوراً رئيسياً في تجميد الأوضاع في اليمن ودفعها إلى التخلف وهكذا كانت الثورة اليمنية تعبير وتجسيد لمشاعر ورغبات الجماهير اليمنية وتعكس مطالبهم وآمالهم في التخلص من النظام الإستبدادي الإمامي وكما هو معتاد لاقت الثورة اليمنية ما تلاقيه كل الثورات الشعبية ذات الأهداف الواضحة من مقاومة ضارية إذ أنه لما كان الإستعمار وخاصة البريطاني والرجعية يعملان على إبقاء الجزيرة العربية خاضعة لنفوذها فإن الضمان الذي يكفل لهما الإبقاء على سيطرتهما هو الحفاظ على التخلف الإقتصادي والإجتماعي والسياسي بالمنطقة والثورة اليمنية بإطاحتها للنظام الإمامي الرجعي قد فتحت آفاقاً جديدة للتطور والتقدم والرخاء ومهدت الطريق للقضاء على كافة آثار التخلف والعبودية في اليمن وأكثر من ذلك فإن هذه الحركة الثورية السياسية في تطورها قادرة على التحول إلى ثورة شاملة عميقة من خلال العمل على تغيير الأوضاع البائدة في اليمن تغييراً جذرياً كاملاً وليس هناك شك في أن هذه التغييرات الثورية ستمتد آثارها إلى المناطق المجاورة لليمن التي يبذل الإستعمار والرجعية جهده لإبقائها متخلفة إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً

    ومن هنا كان عداء الإستعمار والرجعية لثورة اليمن التحررية وإقدامها على تقديم المال والسلاح بسخاء لتعضيد الرجعية المحلية المنهارة التي تحاول إستعادة نفوذها وإعادة تكبيل اليمن بقيود الحكم الإستبدادي وإلقائه في هوة التخلف والظلام وكان منطقياً أن تبادر الجمهورية العربية المتحدة بالإستجابة لنداء الثورة اليمنية إيماناً بوحدة العمل الثوري على النطاق العربي وعملاً بمبادئ القومية العربية

    ولقد أوضح ناصر الظروف التي قررت فيها الجمهورية العربية المتحدة أن تتدخل عسكرياً لنصرة أهل اليمن بقوله (بعد الأيام الأولى للثورة فإن الأرض اليمنية بدأت تتعرض لغارات من وراء الحدود وإتخذت شكل الغزو الخارجي وقررت الثورة اليمنية أن تطلب معونة الجمهورية العربية المتحدة ولم يكن هناك مجال للتردد . إن السماح بضرب ثورة عربية بقوة السلاح الأجنبي إذا تُرك بغير مراجعة فإن كل الآمال العربية سوف تباح وتنتهك ولقد أدت القوات المصرية التي عملت في اليمن دوراً وطنياً وقومياً وثورياً على درجة من الكفاءة والإخلاص)

    قضية فلسطين

    أما فيما يخص فلسطين فقد رفع ناصر راية النضال والعمل والكفاح متخذاً منها دستوراً وميثاقاً من أجل تحرير فلسطين العربية والقضاء على العدو الصهيوني . وكان ناصر يرى أن النجاح في تصفية العدوان الصهيوني هو الوجه المقابل لتحقيق الأهداف الشاملة للكفاح العربي تلك الأهداف التي إرتضى ناصر بمحض إرادته أن يتحمل مسئولية النضال من أجلها

    ومن هنا كان ناصر على قناعة أن تصفية العدوان الصهيوني لا يخص فلسطين وحدها وإنما يخص الوجود العربي ومستقبله

    ويتضح موقف ناصر من قضية فلسطين في رده على سؤال (جوردون بورواسن) كبير مراسلي الإذاعة الكندية في 8 فبراير 1960 حيث سأله قائلاً (أليست هناك أية تسوية ممكنة للموقف بين البلاد العربية وإسرائل ؟) وأجابه ناصر (نحن نعلم أن إسرائيل تحاول أن تجد تسوية ولكن التسوية التي تريدها إسرائيل لن تكون نهاية طريق العدوان بل ستكون بداية لخطوة عدوانية جديدة لتحقيق حلم إسرائيل المجنون في وطن يمتد من النيل إلى الفرات وهكذا فإن تصوير أية تسوية ليس معناه إلا الإستسلام للأمر الواقع كما تريد إسرائيل من ناحية ثم فتح طريق العدوان أمامها من جديد من ناحية أخرى )

    ولقد أحدث إقدام العدو الصهيوني على تنفيذ مؤامرته بتحويل مياه نهر الأردن تطوراً جديداً في حركة التاريخ والظروف في الوطن العربي تفاعل معها الزعيم ناصر بوعي فوجه دعوة إلى رؤساء وملوك وقادة الأقطار العربية لعقد مؤتمر قمة في الخطاب الذي ألقاه في بورسعيد في عيد النصر 23 ديسمبر 1963 لمواجهة المؤامرة الصهيونية لتحويل مجرى نهر الأردن .. وقدمت حكومة الجمهورية العربية المتحدة مذكرة إلى الأمانة العامة للجامعة العربية تطلب منها توجيه الدعوة رسمياً إلى الملوك والرؤساء العرب للإجتماع لمواجهة الموقف على مستوى المسئولية والمصلحة والشرف العربي وبالفعل قامت الأمانة العامة للجامعة العربية بتوجيه الدعوة وتقرر إنعقاد المؤتمر في 13 يناير 1964 بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة وأسفر عن نتائج بالغة الأهمية إنتقلت بالقضية الفلسطينية إلى دور إيجابي فقد أقر المؤتمر تنفيذ مشروعات تكفل إستغلال روافد الأردن لصالح الأرض العربية وإنشاء قيادة عربية واحدة تنظم وتقود القوة التي تحمي المشروعات العربية والعناية بتنظيم شعب فلسطين العربي وتم تكليف أحمد الشقيري ممثل فلسطين بتقديم تصور للقمة الثانية عن إنشاء كيان يتحدث بإسم الفلسطينيين

    وهكذا أسفر مؤتمر القمة العربية الأول الذي دعا إليه وتبناه ناصر عن تطور أكثر إيجابية حيث تحولت وحدة العمل العربي من وحدة غير منظمة تمارس على مستويات لا تزيد عن مستوى وزراء الخارجية والدفاع والإقتصاد إلى وحدة منظمة تمارس على مستوى سلطات رؤساء الأقطار العربية بصورة متوالية كما إستهدف وحدة العمل العربي إنشاء كيان يتحدث بإسم الفلسطينيين ومنظمته التحريرية كقوة ذاتية طليعية للفلسطينيين ونتاجاً لذلك إنعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس بين 28 مايو و2 يونية 1964 ولا شك أن إنعقاد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس كان يمثل بدلالاته وحوافز إنعقاده نقطة تحول أساسية في تاريخ الحركة الفلسطينية .وهذا تأكيداً لما قاله ناصر في خطابه إلى جنود كتيبة الصواريخ في 15/7/1963 (إن الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين) ثم كان مؤتمر القمة الثاني الذي إنعقد في الإسكندرية من 5 إلى 11 سبتمبر 1964 والذي أسفر عن إنجازات جديدة في دعم التضامن والعمل العربي المشترك حيث أجمع المؤتمرون على تحديد الهدف القومي في تحرير فلسطين من العصابات الصهيونية وعلى الإلتزام بخطة العمل العربي المشترك وإتخذ المؤتمر قرارات كفيلة بتنفيذ المخططات العربية وخاصة في الميدانين العسكري والفني كما قرر مكافحة الإستعمار البريطاني في شبه الجزيرة العربية وتقديم المساعدات لحركة التحرير في الجنوب العربي المحتل وعمان كما رحب بقيام منظمة التحرير الفلسطينية دعماً لفلسطين وطليعة النضال العربي الجماعي لتحرير فلسطين وإعتمد قرار المنظمة بإنشاء جيش لتحرير فلسطين وعين إلتزامات الدول والأعضاء لمعاونتها على ممارسة مهامها وهكذا خطا شكل العمل من أجل فلسطين فوق موقف رد الفعل السلبي إلى رد الفعل الإيجابي يعبر عن ذلك قيام قيادة عربية موحدة ومنظمة لتحرير فلسطين

    ولقد حقق المؤتمر الثاني للمجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد بالقاهرة في 31 مايو 1965 الكثير من النتائج الإيجابية في طريق دفع منظمة تحرير فلسطين إلى الطريق الثوري وكان أعظم ما حققه هذا المؤتمر هو إقرار قانون التنظيم الشعبي الفلسطيني الذي حمل الكثير من النصوص التي تجعل من تنفيذ الأداة الثورية الحقيقية لحركة التحرير الفلسطينية والضمان لسير منظمة تحرير فلسطين في الطريق الثوري الصحيح والأصيل وهو الطريق الذي حدده الرئيس جمال عبد الناصر وكان جمال عبد الناصر قد حضر الجلسة الإفتتاحية الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني وألقى فيها خطاباً تاريخياً هاماً عن القضية الفلسطينية حدد فيه الطريق الواضح المعالم لتحرير فلسطين فوصف ما تقوم به الجامعة العربية بالمسلك الواحد من المسالك العربية التي لا يمكن أن تؤدي إلى تحرير الوطن السليب كما وصف العمل العربي الموحد المتمثل في قرارات مؤتمري القمة بأنه مسلك مرحلي آخر يدفع بالقضية إلى أبعاد جديدة ولكنه لا يؤدي إلى التحرير الفعلي أما التحرير الفعلي فلا يمكن أن يتم إلا على أيدي العمل الثوري العربي القادر على بناء القوة الذاتية العربية بوصفه السبيل الوحيد للتحرير بعد إنتهاء الأعمال المرحلية . ولقد كان لحضور ناصر للجلسة الإفتتاحية الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني والخطاب التاريخي الذي ألقاه فيه نقطة تحول في سير أعمال المؤتمر وإتجاهاته

    على كل فإن الزعيم والقائد ناصر أفنى عمره من أجل حرية ووحدة الوطن العربي الأمر الذي جعله لم يلتزم بنصائح الأطباء بإلتزام الراحة التامة نظراً للتدهور البالغ الذي طرأ على حالته الصحية في الآونة الأخيرة فقد كان يرى أن تدهور حالته الصحية لا يعني له نسبياً إذا ما قورن بضرورة حقن الدماء العربية التي سالت في الأردن في النزاع بين الجيش الأردني وقوات الثورة الفلسطينية وأدت جهود ناصر لإحلال السلام في الأردن إلى عقد مؤتمر القمة في القاهرة في الفترة من 22 إلى 27 سبتمبر 1970 وبذل ناصر بكل إرادته مجهوداً مضنياً رغم حالته الصحية المتدهورة حيث كان الإجتماع يسوده التوتر البالغ إلى أن حصل الرئيس عبد الناصر على موافقة من الملك حسين وياسر عرفات على وقف إطلاق النار ودهش الجميع من هذه النتيجة فقد كانت حدة المشاعر وعمق الخلافات الجوهرية تشير إلى إستحالة ذلك ومن ثم فقد بدا الفشل أمام العالم الخارجي أمراً محتماً لا مفر منه على أن ناصر إستطاع بمقدرته السياسية وصبر لا يحده حدود أن يقنع الأخوة المتخاصمين بتوقيع الإتفاق . ولقد خرج ناصر من مؤتمر القمة إنساناً منهكاً متعباً ولكنه أصر على أن يودع الذين شاركوه في مؤتمر القمة وكان آخر المسافرين أمير الكويت صباح السالم الصباح

    ولم يقتصر دور ناصر على الوطن العربى بل ساند الثورات التحررية فى القارة الإفريقية بإعتبار مصر جزء أصيل من تلك القارة ووعياً منه بأهميتها البالغة وبالفعل كانت القارة الإفريقية فى عهد ناصر حصناً منيعاً ضد الصهيونية وكان للدور الذى قام به ناصر فى تلك القارة أثراً بالغاً فى إستقلال معظم دول القارة وظهور زعامات عدة مثل لومومبا فى الكونغو” أحمد سيكوتورى فى غينيا وكوامى نكروما فى غانا

    نكسة 1967 وحرب أكتوبر

    أما فيما يخص نكسة 1967 وحرب أكتوبر فبداية لابد من توضيح المفاهيم فالهزيمة لاتحدث فعلاً إلا بتوافر شروط ألا وهى إنكسار الإرادة وتبنى نظرية العدو فى القضية والصراع ، وإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن الهزيمة لا تعد نهائية بأى حال من الأحوال وقياساً بموقف مصر بعد نكسة 1967 فإن الإرادة لم تنكسر ولم تتبنى مصر نظرية العدو الصهيونى والأمريكى فى القضية والصراع ولعل اللاءات الثلاثة (لاصلح..لااعتراف..لاتفاوض) التى أعلنها ناصر فى مؤتمر الخرطوم خير دليل على ثبات المبدأ والموقف، وبالفعل مع نهاية عام67 كانت قدرة مصر الدفاعية قد اكتملت وفى عام 68 كانت حرب الردع بمعارك المدفعية على جانبى القناة وفى عام 1969 حتى النصف الأول من عام 1970 كانت حرب الإستنزاف وهى التى يلقبها الخبراء العسكريين ب”الحرب الرابعة” لما لها من أكبر الأثر فى زعزعة استقرار العدو الصهيونى وتكبيده خسائر جمة وبالتالى استعاد الجيش والمقاتل المصرى ثقته فى قدراته وإمكانته بالإضافة إلى المكاسب العسكرية التى تحققت وقد كانت حرب الإستنزاف هى البداية الفعلية لحرب أكتوبر

    ولضرورة خوض حرب حاسمة تمكن ناصر من انشاء حائط الصواريخ سام 3 وسام 6 وذلك لمواجهه الطيران المنخفض الذى كان يضرب مصر فى العمق حيث كانت لدى مصر صواريخ سام2 التى تتعرض للإرتفاعات العالية ولكن ليس لما هو أقل من 500 متر

    وفى عهد ناصر وتحت إشراف البطل الشهيد عبد المنعم رياض تم أعداد الجيش ووضعت الخطة (جرانيت1) والتى تهدف إلى عبور قناة السويس بقوة خمس فرق والتمسك برؤؤس كبارى على الضفة الشرقية تكون مواقعها واصلة إلى الطرق الرئيسية الثلاثة التى تقطع سيناء من الجنوب والوسط والشمال وهى بالفعل الخطة التى نُفذت فى الحرب ، وكان من المفترض أن يتم تطوير الهجوم والوصول إلى المضايق فى سيناء وفقاً لخطة (جرانيت2) إلا أنها لم تنفذ كما يجب لأسباب سياسية لاعلاقة لها بالوطنية والنضال

    كما أنه في عهد ناصر وضعت (الخطة 200) وهى خطة دفاعية تحسبت لاحتمال قيام العدو الصهيونى بهجوم مضاد إلى غرب قناة السويس إذا حدث وتمكنت القوات المصرية من عبورها إلى الشرق (ثغرة الدفرسوار) وكانت الفرقتين المكلفتين هما الفرقة 21 المدرعة والفرقة الرابعة المدرعة إلا أن القرار الغريب الخاص بالوقفة التعبوية ثم إستخدامهما بلا مبرر فى تطوير الهجوم الفاشل يوم 14 أكتوبر جعل عمق الجبهة المصرية مكشوفاً وغير متوازن وأصبحت منطقة المفصل بين الجيش الثانى والثالث مفتوحة أكثر من أى وقت مضى وهو ماعًرف بثغرة الدفرسوار، أى أن (الخطة 200) كانت معدة سلفاً لحماية هذه المنطقة إلا أن القرارت الغريبة التى تم إتخاذها أفقدت الخطة توازنها
    هذا بالإضافة إلى أن المد الثورى الذى بلغ ذروته وتأجج فى الحقبة الناصرية بالإضافة إلى غرس مبادئ القومية والحرية كان لايزال يسرى فى أوصال الوطن العربى وهو ماكان له أبلغ الأثر فى حرص الدول العربية على تقديم الدعم المادى والعسكرى لمصر فى حرب أكتوبر دونما تردد فلم نسمع تصريحات عن مصر المغامرة ولم نسمع عن إبراء الدول العربية ذمتها من الموقف المصرى

    قضية الدكتاتورية

    أما فيما يخص قضية الدكتاتورية والديمقراطية والسلطة بداية لابد من التأكيد انه لاحديث عن الديمقراطية فى غياب العدالة الاجتماعية فمن لايملك قوت يومه لايملك قراره ، بل ان الديمقراطية فى هذا الوضع تتحول إلى آداه لممارسة القمع والضغط على المواطن الذى لايملك مايسد به احتياجاته اليومية ولاتتوافر له سبل المعيشة الكريمة ولاتتوافر له حقوقه الحياتيه

    ولقد وعى ناصر ان الديمقراطية السياسية بدون عدالة اجتماعية هى ديمقراطية زائفة لاتؤدى إلا إلى دكتاتورية رأس المال وسيطرته على السلطة والقرار ، وآمن أنه كى تكون هناك ديمقراطية حقه وكى يتوافر مناخ ديمقراطى حقيقى يستطيع ان يملك فيه المواطن قراره لابد ان يملك المواطن قوت يومه وان يطمئن على حاضره ومستقبله وان تتوافر له سبل المعيشة الكريمة باعتبارها حق أصيل له

    ان قناعة ناصر لم تتزعزع ان العدالة الاجتماعية هى القاعدة الصلبة لحياة ديمقراطية سليمة وأنه لافصل بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية فهما جناحا الحرية الحقيقية

    وهنا لايفوتنا التأكيد ان الحرية هى حرية الوطن والمواطن وأنهما جسدا واحد لاينفصل وان حرية الوطن هى المدخل الضروى لحرية المواطن وان حرية المواطن هى الضامن لتأكيد وتعميق حرية الوطن

    وهو ماآمن به ناصر واستقر فى وجدانه لذا فلابد من الإقرار ان نضال ناصر من أجل تحرير الوطن من أغلال الاستعمار والرجعية والتبعية والأسر من ناحية وإقرار العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة فى شتى المجالات للمواطن مما يجعله مستقرا آمنا قادرا على ممارسة حقه السياسى وتوجيه طاقته من أجل خدمة المجتمع كان بحق تجسيد لديمقراطية حقيقية لازائفة ، ديمقراطية لها قاعدة وسند وأركان ثابته لاديمقراطية الاستغلال وأصحاب المصالح الخاصة

    وطالما أننا نتحدث عن الديمقراطية والدكتاتورية والتمسك بالسلطة فلابد من الإشارة ان ناصر هو الذى أصر فى آخر إجتماع للجنة القيادية لتنظيم الضباط الأحرار عشية الثورة على أن يجرى انتخاب لإختيار قائداً للتنظيم وهو يعلم أن تلك اللجنة تضم أعضاء من تيارات سياسية مختلفة ومع ذلك تم انتخابه بالإجماع

    وناصر أيضاً هو الذى أصر فى أول إجتماع لمجلس قيادة الثورة على أن يجرى انتخاب رئيس جديد للمجلس ومرة ثانية يختاره رفاقه بالإجماع

    كما أن الثورة هى التى بادرت بتوجيه نداء إلى الأحزاب لتعلن برامجها التى ينبغى ان تكون إنعكاسا لثورة إنطلقت ضد الاستعمار والاستعباد والتخلف والطبقية والقهر
    وطلبت من الأحزاب تطهير أنفسها من القيادات المعروفة بالفساد وتحديد موقفها فيما يتعلق بقانون الإصلاح الزراعى ، وبالفعل أعلنت أحزاب الوفد والسعديين والأحرار الدستوريين والوطنى عن برامجها إلا أنها جميعاً كانت تعكس وجهة نظر منفعية لاعلاقة لها بمطالب الغالبية العظمى من الشعب ، وكانت ترى في الثورة مجرد حركة إصلاحيه لامانع ان يصاحبها إصلاحات طفيفة لكن المهم ألا تتجاوز هذه الإصلاحات الحد التى تحدث معه تغييرات فى البنية الاجتماعية والعلاقات الدولية ، أما على الجانب الآخر كان ناصر يرى فيها ثورة من أجل الوطن والمواطن ، ثورة لاتتنازل عن أهدافها ولاتساوم على مبادئها

    وعبد الناصر هو الذى تفاعل مع مظاهرات الطلاب عام 1986 التى اشتعلت إحتجاجاً على الأحكام التى صدرت بخصوص قضايا التقصير والإهمال فى سلاح الطيران باعتبارها أحكاماً هزيلة وبالفعل إتخذ ناصر قراراً بإلغاء الأحكام التى صدرت وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية عليا أخرى ، وتمت الإستجابة لمطالب الطلاب الخاصة بمزيد من الإستقلال والفاعلية وحرية الحركة لإتحاداتهم والسماح للإتحادات بالعمل السياسى وتنفيذاً لتلك المطالب صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 1523 لسنة 1968 بشأن تنظيم الإتحادات الطلابية وبدأت الجامعة تموج بالحركة والنضال

    كما أن غالبية الأسماء اللامعة فى الآداب والفنون والثقافة بشكل عام هم نتاج الحقبة الناصرية ومن كان موجوداً قبل ذلك فقد توهج حضوره فى تلك الفترة

    وجدير بالذكر أن شاعراً مثل نزار قبانى كانت من أجمل قصائدة وأعنفها قصيدة بعنوان “هوامش على دفتر النكسة” وهى تحمل أقصى وأشد أنواع النقد للسلطة فى ذلك الوقت وقد نُشرت بأمر من ناصر، والملفت أن نزار الذى وجه نقداً بالغاً هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر (أبا خالد جبل الكبرياء) و (فى رثاء عبد الناصر) و(الهرم الرابع مات)

    كما أن أحمد فؤاد نجم وهو الشاعر الذى أُعتقل فى عهد ناصر وهو بالطبع ليس ناصرى وطالما انتقد ناصر فى أشعاره هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر(زيارة إلى ضريح عبد الناصر) وهو الذى كتب مقولة صغيرة فى نهاية شعر (الفوازير) يتحدث فيها عن ناصر متمنياً وجوده بيننا

    لذا فعلينا دائماً أن نفرق بين من يجعل من الثقافة والآداب والفنون والتأريخ منبراً للحقيقة وبين من يُشكلها وفقاً لهوية كل عصر

    والمثير للريبة بل المؤكد لها ان تجد البعض يتخذ من (الإنسكلوبيديا البريطانية) مرجعية ودليلاً على ديكتاتورية ناصر حيث وضعته ضمن أهم زعماء الديكتاتورية فى القرن العشرين كما شملت أيضا ماوتسى تونج وسوكارنو ونكروما فى حين أنها لم تمس ضمن حصرها الديكتاتورى معظم قاده أمريكا ودول الغرب خلال ذات القرن كما لم يرد فى حصرها أى إتهام للبرتغالى (سالازار) والكوبى (باتيستا) والإندونيسى (سوهارتو) وطبعا كل القاده الصهاينه

    على أية حال إذا كان عبد الناصر ظالماً وديكتاتوراً وإذا كان الشعب يحيا فى عهده تحت نير الذل والقهر والإستعباد فلماذا خرج الغالبية من هذا الشعب بكل طوائفه مؤيداً جمال عبد الناصر فى أحلك اللحظات ورافضاً لقرار التنحى ، إن مايقال عن أن هؤلاء مجموعة من المأجورين هو كلام من ضرب الخيال لأنه ببساطة بهذا القول يتهم غالبية الشعب بأنهم مأجورين وبالتالى فلا خير فى شعب بمثل هذا السوء شعب غالبيته من المأجورين حتى فى وقت المحن أما ماحدث فكان رد فعل طبيعى نظراً لمكانة عبد الناصر فى قلوب الجماهير الذين وجدوا فيه معبراً عن آمالهم وطموحاتهم ورمزاً لعزتهم وكرامتهم لأنه ببساطة تعايش معهم وآمن بقدرة هذا الشعب على تغيير الواقع وصناعة المستقبل ومواجهة التحديات كما أنه لم يوجد بعد نظام مهما بلغ جبروته وقوته يستطيع أن يُخرج الشعب عن بكرة أبيه من كافة الأنحاء لابالتأجير ولابالإجبار وبالنسبة للذين يقولون أنهم لم يخرجوا لتأييد ناصر فلماذا لم يتم إخراجهم بالقوة أو بالأجر

    وإذا كانت هى حقاً تمثيلية ومن خرجوا لأداء دور المؤيدين بلغوا من البراعة والدقة آداء الدور لدرجة أن من يشاهدهم لايمكن أن يشك للحظه واحدة أنهم يصطنعون (ملحوظة – يتضح الفارق بشكل كامل لمن تابع الموظفين الذين حضروا فى أتوبيسات الشركات لتأييد مبارك بعد حادث أديس أبابا) فلماذا استمر المسلسل فى جنازه ناصر وهو الذى رحل عن الدنيا ومع ذلك فإن العدد أصبح أضعافاً مضاعفة ليس فى مصر فحسب بل فى كافة أرجاء الوطن العربى ، هذا الحشد الجماهيرى المهيب الذى لم تشهده أى جنازه فى وطننا العربى و جنازه السادات خير دليل على ذلك فهل هذا الحشد كان أيضاً مصطنعاً وهل امتد المسلسل ليشمل أرجاء الوطن العربى وتُرى لماذا هتف الفلسطينيون وهم يشيعون جنازه ناصر (ليلة هم وليلة طين … حظك عاثر يافلسطين)

    إن الجماهير تعاملت مع جمال عبد الناصر باعتباره نصيرها ومرجعيتها الثورية ورأت الأب والإبن وكان مواطنا عربيا أدرك قيمة كل شبر فى تراب هذا الوطن وكان خادماً لأمته بقدر ماكان قائداً لها

    لقد كان جمال عبد الناصر عربى أصيل نبت هذه الأرض الطاهرة

    المراجع :

    - هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً ………………………….. د/عصمت سيف الدولة

    - حكم عبد الناصر بين النظرية والتطبيق ………………… أنور عامر

    - لمصر لا لعبد الناصر ………………………………………. محمد حسنين هيكل

    - ثورة 23 يوليو وقضايا التحرر والإستقلال الوطني ……… د/ محمد أنيس

    - أكتوبر السلاح والسياسة ………………………………….. محمد حسنين هيكل

    - الناصرية هل تجاوزها الزمن ……………………………….. محمد يوسف

    - حكايات عن عبد الناصر …………………………………….. عبد الله إمام

    - ملفات السويس ……………………………………. محمد حسنين هيكل

    - مصر والسودان .. كفاح مشترك ………………………… أحمد حمروش

الدكتور عصمت سيف الدولة : الاسلام و حقوق الانسان التعارض و التوافق

عصمت-سيف-الدولة-220x300

يجب ان اعترف بأنني لست من أنصار الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اصدرته هيئة الأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948 ,لا و لم أكن في أي يوم من المعجبين بإعلانات حقوق الانسان منذ العهد الكبير (1215) و بيان الحقوق (1627) و قائمة الحقوق (1688) في انجلترا و دستور ولاية فرجينيا (1776) و اعلان استقلال امريكا (1776) في الولايات المتحدة الأمريكية و اعلان حقوق الانسان و المواطن (1779) و اعلان السنمة الثالثة (1793) و الاعلان المعدل (1883) في فرنسا و لا بما تلى ذلك من اعلانات بلغت الى حد الآن اكثر من خمسين اعلانا و ميثاقا و اتفاقا و توافقا.

و يرجع ذلك الى أسباب استطيع ان اقول انها “أسباب عربية”. فقد علمنا التاريخ العربي الحذر من الكلمات الكبيرة… النبيلة, حيت عرفنا من واقع تاريخنا كيف تتحول الكلمات الكبيرة الى كلمات كبائر, التجزئة باسم الاستقلال, اجتثاث جذور حضارتنا باسم المعاصرة , الخيانة باسم العقلانية , الاستسلام باسم السلام, الكهانة باسم الدين ,الاستبداد الغشوم و التعذيب الوحشي باسم الوحدة الوطنية و السلام الاجتماعي ..

لا يشك أحدو لا نحن نشك في نبل الكلمات , الاستقلال و المعاصرة و العقلانية و السلام و الدين و الوحدة الوطنية و السلام الاجتماعي مجردة و طالما هي مجردة, أما حظها من النبل أو الخبث فمتوقف على معرفة من قالها و متى قالها و أين قالها و لماذا قالها.

فنحن لا نستطيع ان ننسى أن أصحاب اعلان حقوق الانسان و المواطن الفرنسي هم الذين لم يلبثوا – قبل ان يجف حبر اعلانهم ان اعدوا العدة و أرسلوا قواتهم بقيادة فتاهم نابليون ليحتل مصر. لا ننسى ان هيئة الأمم المتحدة قد أصدرت الاعلان العالمي لحقوق الانسان في ذات العام الذي اعترفت به بدولة الصهاينة التي اغتصبت فلسمين و سلبت الشعب العربي فيها كل الجهود التي بذلتها الدولة لإقناع الولايات المتحدة الامريكية بان يتضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان حقوق الشعوب و تقرير مصيرها فصدر خاليا منها. و نحن لا ننسى انه حيثما اعلن كارتر رئيس الولايات المتحدة ان دولته ستتعامل مع كل دولة طبقا لموقفها من حقوق الانسان لم يكن يفكر الا في حقوق الانسان الاوروبي في بولندة أما نحن العرب فقد كان يقود المؤامرة التي انتهت بفرض اتفاقي كامب ديفيد علينا و الزامنا الزاما لا حق لنا في الرجوع عنه بأن نكون أصدقاء الصهاينة و ذلك بنصوص صريحة في الاتفاقية , و نحن في مصر لا ننسى انه بعد توقيع الاتفاقية و التصديق عليها من مجلس الشعب اراد السادات ان يسندها الى ارادة الشعب فعرضها على الاستفتاء الشعبي و لكن مقرونة بموضوع آخر هو اصدار ميثاق حقوق الانسان المصري. و كان على الشعب ان يجيب بنعم او لا على الأمرين معا . و قيل ان الشعب قد وافق بما يشبه الاجماع و لكن احدا لم يقل هل وافق لأنه رأى انه لو ردت اليه حقوق الانسان سيكون قادرا على الغاء الاتفاقية أم وافق لآنه يعتبر الصلح مع الصهاينة من حقوق الانسان المصري. الثابت بدون قول هو ان ميثاق الانسان المصري كان غطاء نبيلا لتمرير اتفاقية خبيثة.

نحن لا نستطيع ان ننسى هذا و غيره فنحذره و نحذر منه.

2. هذا من ناحية , و لكن من ناحية أخرى , نحن نقرأ من بين ما جاء في الاعلان لحقوق الانسان لكل انسان الحق في العمل (المادة23 فقرة1)و لكل انسان الحق في الحماية من البطالة (الماد23 فقر2) و ان لكل انسان الحق في أجر متساو للعمل يكفل له و لأسرته عيشة لائقة بكرامة الانسان و يحق له و لأسرته مستوى من المعيشة كافيا للمحافظة على الصحة و الرفاهية من تغذية و ملبس و مسكن و عناية طبية (المادة35) و ان لكل انسان الحق في التعلم (المادة 36) … الى آخره. كأننا نقرأ اعلانا بأحلام الملايين من العرب افرادا و اسرا من الفقراء العاطلين الاذلاء المرضى الاميين المشردين.

ثم نقرأ في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ان لكل انسان حرية التفكير ( المادة18) و ابداء الرأي و التعبير بدون تدخل (المادة19) و الاشتراك في الجمعيات و الجماعات (المادة20) و ان لكل انسان حقا في الاشتراك في ادارة الشؤون العامة لبلاده (المادة21) و في المساواة امام القانون (المادة6) و في الحياة و الحرية و السلامة الشخصية (المادة3) فلا يعرض للتعذيب و لا الى العقوبات او المعاملات القاسية الوحشية او الحاطة لكرامته (المادة5)… الخ فكأننا نقرأ اعلانا بأحلام مئات الالوف من المضطهدين المعذبين في الارض العربية .

فكيف نجرأ عل أن نحذر أو نحذر من السير على طريق تحقيق احلام شعبنا و مما نحذر و لماذا نثير بالحذر أو التحذير الوهن في عزم المناضلين العرب من أجل حقوق الانسان العربي؟

3. لأننا في الواقع نريد لشعبنا العربي و نتمنى له ان يقطع الطريق سالما الى حيث يمتلك حقوقه كانسان عربي. لا نريد له ان يتشوه و هو في طريقه و لا نتمنى له ان يكون شائها و قد تملك حقوقه. لا نريد له لا نتمنى ان يتوه في الطريق فيفقد هويته العربية و هو يبحث عن حقوق الانسان, لا. و لا نريد له ان ينحرف عن الطريق أو ينزلق عليها أو يتردى دون غايته. اننا لا نصد أحد يدب أو يمشي أو يهرول على طريق حقوق الانسان, و لكننا نقيم على جانبي الطريق اشارات المرور, و كلها كما نعلم مقامة للحفاظ على سلامة السائر و السير و المسيرة.

4. من أين نجيئ بإشارات المرور هذه ؟ من ذات انفسنا من حضارتنا العربية التي أنشأت الهيكل الأساسي لشخصيتنا القومية, من الاسلام حيث نحن امة أنشأها و نماها و أكمل تكوينها الاسلام عقيدة و شريعة و آدابا فقامت حضارتها على أركانه. من هنا لا نريد لحقوق الانسان و لا لما هو مثلها نبلا من الكلمات ان تجرنا على طريق نبدأه عربا و ننتهي منه الى متاهات الاغتراب.

ما هي هذه الاشارات ؟

5. الاشارة الأولى : انتبه الى مفهوم الحق

في بداية الاعلان العالمي لحقوق الانسان يقول ان حقوق الانسان هذه غاية يسعى اليها كل فرد و هيئة ومجتمع الى توطيد احترامها عن طريق التعليم و التربية و اتخاذ اجراءات مطردة لضمان الاعتراف بها ( المقدمة). اذن فحقوق الانسان هذه أولها وعد و آخرها اعتراف . و يضيف الاعلان العالمي لحقوق الانسان في نهايته ان الانسان لا يخضع في ممارسة حقوقه و حرياته الا لتلك القيود التي يقررها القانون و مقتضيات العدالة و النظام العام و المصلحة العامة (المادة29).. اذن فهي وعد بالاعتراف بالحق في حدود القانون و العدالة و النظام العام و المصلحة العامة.

ان كانت هذه حقوق الانسان, فكل شعوب الأرض تتمتع بحقوق الانسان. ذلك لأن كل الدساتير في العالم تتضمن نصوصا تعترف فيها للأفراد بهذه الحقوق. ولما كانت الدول العربية التي وجدت انه من المهم لسمعتها العالمية ان تكون لها دساتير, فقد بالغت في عدد و انواع الحقوق التي تعترف بها للإنسان العربي, فإننا نستطيع ان نقول ان الاسان العربي من أكثر شعوب الأرض تمتعا بحقوق الانسان. و لم لا ما دام كله كلاما في كلام. و ما دام الحق وعدا او اعترافا و مادامت حدوده محكومة بقوانين يشرعها اعداء حقون الانسان اصحاب الرأي الأخير في تحديد ما هو النظام العام و ما هي المصلحة العامة.

الكلام عن الوعد مغر فلا بد من التمسك به و لكنه كلام مفرغ من مضمونه, فكيف الخروج من هذا المأزق؟

بأن نتمسك بمفهوم الحق كما تعلمناه من الشريعة, حيث تفرق الشريعة الغراء بين المكْنة و الحق, أما المكنة فهي دين بالحق قبل لن يتملك الدائن محل حقه تملكا فعليا او رخصة تمكنه من المطالبة به و اقتضائه. طبقا لهذا المفهوم لا يكون الاعلان العالمي لحقوق الانسان مقبولا الا على انه اعلان من العالم بشرعية المطالبة بتملك تلك الحقوق , بأن يصبح الحق في العمل عملا فعلا و ان يصبح الأجر المتساوي أجرا مقبوضا و مساويا للأجر عن العمل ذاته أو ما يماثله و أن يكون بالقدر الذي يحقق فعلا طبقا للظروف الاجتماعية و المقدرة الشرائية للنقود مستوى من المعيشة لائقا بالعامل و بكرامة أسرته و ان تتحقق له فعلا المحافظة على صحته و الرفاهية من تغذية و ملبس و مسكن و عناية طبية و تعليم.

و طبقا لهذا المفهوم لا تكون حرية التفكير و إبداء الرأي و التعبير حقوقا للإنسان الا اذا توفرت لكل انسان الوسائل اللازمة لممارسة هذه الحريات فعلا بدون تدخل. و لا يمكن الاشتراك في الجمعيات و الجماعات و ادارة الشؤون العامة حقوقا للإنسان الا اذا شارك فعلا و بنفسه و … الخ.

حينئذ لن ينخدع عربي بالإعلانات و الوعود و لن تكفيه اساطير الدساتير و لن يرضى بالأحلام الا بعد ان يصبح الحلم علما. حينئذ سيبقى العربي المحروم من حقوقه شاعرا بالحرمان الى ان تتحقق و لن يحقق الانسان شيئا لا يشعر بالحرمان منه .

6. الاشارة الثانية : أمامك هاوية احذر مصدر الحق

تقول المادة الأولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان : يولد جميع الناس احرارا متساوين في الكرامة و “الحقوق”. وهو قول بالغ النبل و لكنه بالغ الغرابة ايضا, اذ من الغريب تصور ان للطفل حقوقا مساوية لحقوق أمه في حين انه لا يدرك ذاته منفصلة عضويا عن ذاتها قبل نحو عامين. و من الغريب تصور ان له حقوقا مساوية لحقوق والديه مع ان لوالديه عليه حق التربية و ليس له هذا الحق وله عليهما حق الاعالة و ليس لهما عليه مثل هذا الحق .لا نحتج على الاعلان العالمي لحقوق الانسان بما نجده في هذا النص من غرابة , لا , و لا باستحالة التوفيق بينه و بين قواعد الارث في الاسلام اننا نسأل : من أين جاءت هذه الحقوق للإنسان فور ولادته.

ما مصد حقوق الانسان؟

هنا تعارض يصل حد التناقض بين الاعلانات العالمية لحقوق الانسان و الشريعة الاسلامية. ذلك لأن ما يسمى حقوق الانسان تعود الى ما يسمونه “القانون الطبيعي”. فهي حقوق متصلة اتصالا عضويا بالإنسان , من حيث هو انسان, قبل ان يوجد المجتمع و خارجه, بل ان المحافظة عليها كانت الشرط الاساسي لتكوين المجتمع اتفاقا بين الافراد في ما يسمى ” العقد الاجتماعي ” الذي قامت عليه الحضارة الاوروبية الحديثة كلها. وقد روج لهذه النظرية أولا الهولندي هوجو جرتيوس (1583-1645) ثم تبعه في انجلترا كثيرون منهم توماس هوبز (1588-1679) و جون لوك (1631-1704) و جيري بنتام (1748- 1832) وجون ستيوارت مل (1806- 1873) و هربرت سنسر (1820- 1903) و تبعه في فرنسا جان بودان (1530-1596) و جان جاك روسو (1712- 1778) و في المانيا فريديريك نيتشه (1844- 1900) و كثيرون غيرهم نقلوا عن الأولين مثل مونسكيو و ما يزالون ينقلون. و في العالم العربي مئات أو آلاف لا يكفون عن ترويج مقولة ان للإنسان حقوقا متصلة بذات شخصه لا يجوز المساس بها كما لو كانت تلك المقولة من ابداعهم و ليسوا لها ناقلين .

على اي حال ان هذه الاسماء ليست غريبة عن المثقفين العرب, انهم يصادفونها في كل ما يقرؤون عن الفلسفة و النظم السياسية و الاجتماعية. كما ان كل طلاب الجامعات العربية في كليات العلوم الانسانية تلقوا عن اساتذتهم دروسا قيمة تمجد أولئك الفلاسفة و المفكرين و تسميهم فلاسفة التنوير و النهضة و مهندسي الحضارة. و الذي قد لا يقوله من هؤلاء الأساتذة ان اولئك الفلاسفة و المفكرين هم ايضا قادة التيار الالحادي الجارف الذي اجتاح اوروبا ابتداء من القرن السابع عشر. كلهم بدون استثناء كانوا ملحدين جهارا, و لم يكن ” القانون الطبيعي ” الا البديل الالحادي عن القانون الكنسي اختاره اولئك المفكرون الملحدون تمردا على استبداد الكنيسة الكاثوليكية الذي ابقى اوروبا في ظلمات القرون الوسطى. وهكذا كان “القانون الطبيعي” مصدر حقوق الانسان و مصدر قوتها الملزمة للمجتمع.

ات اي عربي مسلم لا يمكن ان يفرط في أغلب تلك الحقوق ان توفرت له. و لا يكف عن أمل تحقيقها ان كانت مفتقدة و لكن اي مسلم عربي لا يمكن ان يقبل فكرة القانون الطبيعي و يبقى مسلما.

فكيف الخروج من هذا المأزق؟

برد حقوق الانسان الى الشريعة الاسلامية مصدرا, فيفهمها و يناضل من اجلها و يكسبها و هو كما هو عربي مسلم بدون تشويه ” وهذا يسير” و قد اورد أغلبها كثير من المجتهدين و الكتاب فلم تضق الشريعة الغراء بحق من تلك الحقوق الا ما ناقض الآيات المحكمات من القرآن او المتواتر من حديث الرسول صلى الله عليه و سلم او ما عرف عنهما بالضرورة. و لقد قبلت كل الدول العربية و الاسلامية الاعلان العالمي لحقوق الانسان دون توقف عند مصدرها لأن الاعلان لا يتضمن مصادر الحقوق التي أوردها, و لكنها تحفظت على نص فيه يقول: ” للرجل و المرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج و تأسيس أسرة دون قيد بسبب الجنس أو الدين و لهما حقوق متساوية عند الزواج و اثناء قيامه و عند انحلاله” (المادة16).

حين نرد ما جاء بالإعلانات العالمية لحقوق الانسان الى الشريعة الاسلامية تكون طاعة الله هي مصدرها و مصدر قوتها الملزمة . و يكون الموت في سيلها استشهادا فنصل الى ما لم يستطع الاوروبيون حتى الآن الوصول اليه و هو ان تكون حقوق الانسان حجة على الدساتير و القوانين و النظام العام و المصلحة العامة و لا تكون الدساتير و القوانين .. الخ حجة عليها فتسقط حجة المستبدين في و طننا العربي الكبير و يسقط عن العرب واجب الطاعة عن المستبدين اذ لا طاعة في معصية. ويكون الطريق الى حقوق الانسان قد انفتح لنا بدون عوائق.

فما الذي يكسبه تلامذة “القانون الطبيعي” لحقوق الانسان في الوطن العربي الا انهم يحولونها الى مطالب سياسية و هي في الشريعة حقوق ربانية. و كيف يمكن حشد قوى الشعب العربي المسلم من أجل النضال في سبيل حقوق الانسان اذا فصلنا تلك الحقوق عن عقيدته و كيف يستمع الشعب العربي المسلم الى دعوة – أية دعوة- تأتيه من المغتربين عن حضارة أمته؟ الآن يعرف اولئك المغتربين لماذا فشلوا بالرغم من نضالهم الطويل و تضحياتهم الجسيمة في كسب ثقة الجماهير العربية العريضة التي ما زال القهر يروضها منذ عشرات السنين حتى فقدت القدرة على معرفة ان عذابا الحياة ليس قدرا بل قهرا. انهم يخاطبونهم من خارجهم بغير لغتهم من مواقع متعارضة او متناقضة مع موقع عقيدتهم من انفسهم.

7. الاشارة الثالثة يمكن ان تصاغ هكذا : احذر أمامك منزلق

حقوق الانسان كما هي منقولة الينا منذ الثورة الفرنسية هي حقوق “فردية”. انها حقوق الفرد في مواجهة المجتمع يحتج بها الفرد على المجتمع و يمارسها بصرف النظر عن آثارها الاجتماعية و يدافع عنها ضد اي نظام اجتماعي يمسها. ان مضامينها الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية من اختيار صاحبها و على مسؤوليته. انه ان يحقق تلك المضامين فقد افلح في حق نفسه و ان يفشل فلا يلومن الا نفسه . و لقد بلغ تقدير هذا المفهوم الفردي لحقوق الانسان انه بعد ان اصدرت الثورة الفرنسية اعلان حقوق الانسان عام 1789 , اصدرت فيما بين 14 و 17 يونيو 1791 مجموعة من القوانين عرفت باسم قوانين شابلير تحرم اي عمل جماعي من أول الجمعيات و الشركات و الى آخر النقابات و الاحزاب وكانت حجة واضعيها انه في العمل الجماعي يتعرض الفرد لضغط الجماعة فيفقد حريته الفردية في التفكير و التعبير و العمل و هي حرية “مقدسة” بحكم اعلان حقوق الانسان.

هذه الفردية هي التي أدت في التطبيق , على مدى التاريخ الحديث لأوروبا و العالم الى ان يكون القانون الاساسي لعلاقات الافراد و الجماعات هو قانون ” المنافسة الحرة” . المنافسة الحرة -بدون تدخل من المجتمع- الى التملك بلا حدود و لو ادت الى ان تتملك أقلية في الشعب اغلبية ما هو متاح و حرمت اغلبية الشعب من ان تملك ما تملكه الأقلية. و تصرف كل فرد في ملكه بدون قيود ولو اهلكه و لو حمله الى غير مجتمعه و هناك اكتنزه. و استهلاك كل فرد ما يملك بدون وازع او رادع و لو استهلكه فيما يفسده او يفسد حياة الآخرين. و ليست المنافسة الحرة الا قاعدة اللعبة التي قام عليها النظام الاقتصادي المسمى بالنظام الرأسمالي و ليست المنافسة الحرة الا قاعدة اللعبة التي قام عليها النظام السياسي المسمى بالنظام الليبرالي حيث يتنافس الافراد للوصول الى الحكم و الاستبداد به دون الشعب عن طريق التنافس المحموم للحصول على أصوات الناخبين بدون التزام عقائدي او سياسي او اخلاقي. اذ امهم فور انتخابهم يكونون غير ملزمين أمام الذين انتخبوهم. المنافسة الحرة التي جعلت من الاغتراب حضارة و من الجشع مهارة و من النصب شطارة.

فكيف يمكن الخروج من مأزق يحشرنا بين الحرص على الحية الفردية و بين سلامة المجتمع ؟ و كيف يمكن الحفاظ على حرية التملك بدون استغلال؟ و حرية المنافسة بدون ان يكون البقاء للأقوياء و الفناء للضعفاء كما هو سائد في عالم الحيوان؟ او بدون ان تقضي المنافسة الحرة على حرية المنافسة بالاحتكار كما هو سائد و معترف به في العالم الرأسمالي اليوم؟

أجابت الشريعة الاسلامية منذ اربعة عشر قرنا جوابا لم تعرفه النظم الغربية حتى أواخر القرن التاسع عشر حين بذأ مجلس الدولة في فرنسا في انشاء نظرية ” التعسف في استعمال الحق” من خلال تواتر احكامه على ان استعمال الحقوق مشروط بالغاية من استعمالها.

منذ قرون طويلة وضعت الشريعة الاسلامية قيودا على اكتساب كل حق و لاستعمال كل حق. و حد كل الحقوق و ممارستها هو “مصلحة الجماعة” . و مثاله الواضح و المعروف ان كل ما هو مشترك بين الناس لا يستغني عنه أحد لا يجوز تملكه, كان في بداية عهد الناس بالإسلام في الجزيرة العربية الكلأ و الماء و الملح فلما فتح الله على المسلمين ارض العراق رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بع ان استشار الصحابة ان الارض الزراعية فيء مشترك بين اجيال المسلمين المتعاقبة فأباح الانتفاع بها لكل جيل و حرم تملك الرقبة.. وهكذا.

ان الحق في الشريعة الاسلامية حق فرد في المجتمع و ليس حق “فرد في مواجهة المجتمع” او فلنقل ان الحق في الشريعة حق اجتماعي و ليس حقا فرديا.

8. نستطيع ان نعدد اشارات كثيرة غير ما سبق و لكننا نكتفي بما سبق أمثلة لأن غاية ما نريد قوله دعوة الى ان تكون مسيرة شعبنا العربي الى حقوق الانسان على طريق عربي لا ينحرف بنا عن هويتنا الحضارية العربية الاسلامية فنصل الى حيث حقوقنا و نحن ما نزال حافظين عقيدتنا و تقاليدنا و آدابنا و أخلاقنا أيضا . و اننا عندئذ لواصلون الى الحق.

9. ذلك انه منذ منتصف هذا القرن و تحت تأثير دخول الدول غير الأوروبية افواجا افواجا في هيئة الأمم المتحدة و من بينها الدول العربية و الاسلامية كافة , أضيفت الى ما جاء بالإعلان العالمي لحقوق الانسان حقوق جديدة و فرضت حدود على ما جاء به من قبل و تفرعت منه اعلانات لحقوق الانسان متميزة حضاريا فثمة الوفاق الأوروبي لحقوق الانسان الذي صدر عام 1950. و ثمة الاتفاق الامريكي لحقوق الانسان الذي صدر عام 1969 و ثمة ميثاق اعلان حقوق الانسان الافريقي الذي صدر عام 1965 . أما من حيث المضمون فقد اصدرت هيئه الامم المتحدة ميثاقين جديدين لحقوق الانسان عام 1966 أحدهما لبيان حقوق الانسان السياسية و الآخر لحقوق الانسان الاقتصادية و الاجتماعية. و كلاهما يقترب من المفهوم الاسلامي” للحق” و يضع له حدودا من مصالح المجتمع كما يحددها واقعه الحضاري. انهم يقتربون منا بفعل المعاناة المتزايدة التي يعانيها الفرد في مجتمعاتهم المنفرطة أفرادا, فما علينا الا ان نعي من نحن و نحافظ على هويتنا الحضارية و نصمد في مواقفنا الصحيحة و نسير على الطريق الذي يتفق مع تضاريس تكوننا.. و غذا او بعد غد لن يصح الا الصحيح.

الصهيونية : التعريف – النشأة – التطور / الأستاذ خالد الخولي

khaled khouli
التعريف – النشأة – التطور
خالد الخولى

أي تعريف للصهيونية لابد وأن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصيغة المهودة الشاملة التي اتفقت عليها التيارات الصهيوينة مثل الإثنية الدينية والإثنية العلمانية والمسيحية والعمالية سواء كان اتباع هذه التيارات توطينيون أو استيطانيون

ولقد أصبحت الصيغة الصهيونية الأساسية المهودة الشاملة هي الإطار الذي يقبله كل الصهاينة ، وكانت بمثابة السبيل من أجل تحقيق أهداف الصهيونية وبناء عليها أصبحت كلمة صهيوني تضم كل من يستوطن فلسطين ومن يظل في بلده ، ويتم توزيع وتقسيم العمل الصهيوني بحيث أصبحت الدولة الصهيونية الاستيطانية هي مركز يهود العالم الديني والثقافي الذي يمدهم بالهوية والإحساس بالإنتماء ، أما الصهاينة التوطينيون فهم يمدونها بالدعم المادي والسياسي والمعنوي وبالتالي فإنه يتم توظيفهم من قبل الدولة الصهيونية لتحقيق مصالحها

كما أن قبول الصيغة كان حلاً للصراع الذي نشب بين الصهيونية التوطينية وبين الصهيونية الاستيطانية فالصهيونية التوطينية تنسب إلى مؤيدوا وداعموا المشروع الصهيونى فى العالم بشكل عام وإلى اليهودى الذى يؤكد على صهيونيته ويمارسها من خلال تقديم وتوفير الدعم المالى والسياسى للدولة الصهيوينة والمساهمة فى توطين اليهود الآخرين ، ولكنه فى الوقت ذاته يرفض الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها وقد ظن الصهاينة التوطينيون ان الإشراف على الدولة حق دائم اصيل لهم كما اعتبروا أنفسهم شركاء أساسيين فى توجيه سياساتها باعتبار أن الدولة نفسها مدينة بوجودها لهم

بينما تؤمن الصهيونية الاستيطانية بأن الإستيطان جوهر الصهيونية وان الوجود الصهيوني فى فلسطين هو وجود استيطاني إحلالي يأخذ شكل انتقال الفائض البشري اليهودي من أوطان مختلفة إلى فلسطين للاستيلاء عليها والحلول محل سكانها الأصليين ، لذا فالصهيونية الاستيطانية هى التى تعمل داخل فلسطين وتقوم بإنشاء المؤسسات الاستيطانية الاقتصادية والعسكرية وتتولى تنظيم المستوطنين داخل كافة التنظيمات ولاتتوقف عن القضاء على مقاومة السكان الاصليين

ويرى الصهاينة الاستيطانيون أن الجماعات اليهودية في الخارج كانت بمنزلة جسر لإقامة الوطن القومي للدرجة التي وصف بها “بن جوريون” – من قادة الصهيونية الاستيطانية- المنظمة الصهيونية أنها كالسقالة التي استخدمت لبناء الدولة

وعلى هذا كان القبول بالصيغة الصهيونية المهودة الشاملة كان هو الضامن الأساسي من أجل تحقيق المطامع والأهداف الصهيونية

وتشير كلمة صهيون في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس بل إلى الأرض المقدسة ككل ويؤمن أتباع هذه العقيدة بأن الماشياح المخلص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء

وهناك أيضاً الصهيونية المسيحية التي بدأت في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ثم انتشرت في أوروبا وتنتشر الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وتعتمد على عقيدة عودة المسيح المخلص في آخر الأيام ليقود العالم هو والقديسون لألف عام يسود فيها العدل والسلام ولكن لن تتم هذه الدعوة إلا باسترجاع اليهود فلسطين ليتم تنصيرهم

وعلى كل مهما تعددت التيارات الصهيونية وإختلفت تعريفاتها ومسمياتها فإنه يمكننا تعريف الصهيونية بأنها “حركة ذات عقيدة عنصرية استيطانية إحلالية أرست دعائمها وأركانها على فكرة أرض الميعاد وإقامة وطن قومي لليهود” وكان أول ظهور لمصطلح الصهيونية عن طريق المفكر اليهودي النمساوي “ناثان برنباوم” عام 1890 وذلك في مقالة له نشرها في مجلة “التحرر الذاتي” ويُعرِّف “برنباوم” الصهيونية بأنها نهضة سياسية لليهود تستهدف عودتهم الجماعية إلى فلسطين كما أكد على أن الصهيونية ترى أن القومية والعرق والشعب شيئاً واحداً

ومن الجلي أن ظهور هذا المصطلح كان تجسيد لواقع فعلي يتمثل في ظهور عدداً من التنظيمات التي إتخذت من كلمة صهيون عنواناً لها

وقد شهد القرن السادس عشر مقدمات للدعوة الصهيونية حينما قام أحد اليهود ويدعى “ديفيد روبيني” بدعوة يهود العالم لغزو فلسطين والإستيلاء عليها ولكن هذه الدعوة لم تجد لها صدىً وكانت دون جدوى إلا أنه في آواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر إتخذت الدعوة الصهيونية صورة جدية وبدأت تنشر أفكارها على العالم وتحاول التأكيد على مبادئها وأفكارها عن طريق العديد من الكتاب اليهود الذين راحوا يدعون في كتاباتهم إلى العطف على اليهود ويناشدون يهود العالم على تحقيق ما اسموه بأرض الميعاد وكان من أشهر الكتاب الذين ناصروا الدعوة الصهيونية “بينسكر” و “ماري آن إسفانس” التي اشتهرت بالاسم المستعار “جورج إليوت” و “ديزرائيلي” وتفتقت أذهان اليهود عن تلك الدعوة التي عرفت باسم “الدعوة الصهيونية” فتألفت جمعية “أحباء صهيون” التي كان أهم أهدافها هو الدعوة إلى استيطان اليهود في فلسطين عن طريق تشجيع الهجرة إليها ، وقد وجدت هذه الدعوة صدى كبيراً في نفوس بعض اليهود كما أنها وجدت صدى أكبر لدى الدول الغربية التي وجدت في هذه الدعوة وسيلة للتخلص من اليهود وحلاً للكثير من المشاكل التي أثيرت بسببهم

وقد ساند هذه الدعوة العديد من أثرياء اليهود مثل “إدموند دي روتشيلد” أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة روتشيلد المالية اليهودية والذي إهتم بأعمال الاستيطان اليهودي في فلسطين بعد أن توجهت إليه جمعية “أحباء صهيون” ، وفى عام 1883 ساهم “روتشيلد” فى إقامة مستوطنة زراعية ، كما أسس عدة صناعات للمستوطنين الصهاينة مثل صناعة الزجاج وزيت الزيتون وعدد من المطاحن في حيفا كما إهتم بصناعة النبيذ وقد وصل حجم رعاية “روتشيلد” ودعمه للمستوطنات إلى الحد الذي أكسبه لقب “أبو اليشوف” أي أبو المستوطنين الصهاينة ، وإلى جانب المشاريع الاقتصادية امتد نشاطه إلى مجال التعليم حيث قدم دعماً مالياً عام 1923 للمدارس الصهيونية في المستوطنات الصهيونية ، كما أمد “حاييم وايزمان” بالمعونة اللازمة لإنشاء الجامعة العبرية في القدس ، وفي عام 1929 تم تعيينه رئيساً فخرياً للوكالة اليهودية وتتضح أهمية “روتشيلد” في مقولة “ليوبينسكر” (إن مفاتيح المستوطن الصهيوني توجد في باريس)

وقد مارست الصهيونية خلال تلك الفترة ضغوطاً على الحكومات للسماح لهم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ففي أثناء تولي “محمد علي ” حكم مصر (1805 – 1840) عرض عليه السير “موسى مونتيفيوري” وهو من أثرياء اليهود وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا عرض عليه خطة لتوطين اليهود في فلسطين ورغم تعثر خططه ومشاريعه إلا أن المحاولات تكررت مرة أخرى عن طريق اللورد “سافتشيري” الذي قدم مذكرة إلى وزير خارجية إنجلترا يطلب فيها مساعدة حكومته للعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ولكن محاولة “سافتشيري” لم تجد لها صدى في إنجلترا في ذلك الوقت

ولم يمثل تعثر تلك المحاولات نهاية الدعوة بل كانت دافعاً قوياً للبحث عن سبل أخرى لتحقيق الدعوة وبالفعل أخذ الصهاينة يعقدون المؤتمرات لدراسة دعوتهم وكان منها المؤتمر الذي عقد عام 1884 وفيه تقرر إختيار “أوديسا” – وهي إحدى الموانئ الهامة في الإتحاد السوفيتي وتقع على البحر الأسود – مركزاً للإتحاد الصهيوني وانتخب “ليوبينسكر” رئيساً للجنة “أوديسا” ، ثم كان مؤتمر عام 1887 وفيه تقرر تنظيم الهجرة إلى فلسطين وبالفعل جمع اليهود أموالاً كثيرة لشراء بعض المستعمرات في فلسطين ولكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا الكثير من آمالهم بل كاد أن يتوقف نشاطهم تماماً بسبب سياسة الباب العالي نحوهم حيث حرم اليهود من الهجرة الجماعية إلى أجزاء الإمبراطورية العثمانية ولم يسمح لأي يهودي بالبقاء في فلسطين أكثر من ثلاثة أشهر وذلك ضماناً لعدم زيادة وتمركز اليهود فيها

وهكذا فقد أخذ الصهاينة يبحثون كيفية تحقيق آمالهم وطموحاتهم فعقدوا المؤتمر الصهيوني في “بال” في سويسرا في 29 أغسطس 1897 وهو المؤتمر الأشهر في تاريخ المؤتمرات الصهيونية حيث يعد بداية العمل الفعلي للصهيونية وفي هذا المؤتمر تم إنتخاب “تيودور هرتزل” الذي كان له أكبر الأثر في تاريخ الصهيونية وتحقيق أحلامها وطموحاتها رئيساً للمؤتمر الصهيوني

وقد أسفر المؤتمر عن إنشاء “المنظمة الصهيونية العالمية” كإطار منظم لنشاط كافة التيارات الصهيونية وكافة الجهود سواء كانت فردبة أو جماعية بهدف إقامة الدولة الصهيونية , وبناء عليه بدأت المنظمة الصهيونية عملها تحت اسمها الحركى “الوكالة اليهودية” حيث استهدفت تقديم الدعم والمساعدة لليهود المهاجرين إلى فلسطين

وقد إعترف صك الإنتداب بالوكالة رسمياً كممثل للاستيطان اليهودي في فلسطين وذلك وفقاً للمادة الرابعة من صك الانتداب التى نصت على (يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين ولتساعد وتشارك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعا دوما لمراقبة الإدارة .
يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة ما دامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض ويترتب على الجمعية الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جمع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي)

وقد عملت “الوكالة اليهودية” على السيطرة على فلسطين بأساليب مختلفة أهمها تشجيع ودعم الهجرة اليهودية إليها ومتابعة عمليات الاستيلاء على الأراضي بكافة الوسائل والسبل وتحويلها إلى ملكية يهودية وبعد إقامة الكيان الصهيوني عملت الوكالة على السيطرة على أراضي الفلسطينيين التي تمت مصادرتها

وكانت الوكالة اليهودية إبان الإنتداب البريطاني بمثابة حكومة يهودية مستقلة حيث أشرفت على إدراة وتسيير المرافق التعليمية والإقتصادية الصهيونية في فلسطين وإدارات العلاقات الخارجية للإستيطان الصهيوني ومتابعة الوكالة ونشاطاتها بعد إعلان قيام الدولة من خلال مشاريع إستيعاب المهاجرين الجدد ودعم النشاط الاستيطاني ومتابعة الهجرة اليهودية وتوفير الدعم المالي لعدد كبير من المؤسسات التعليمية والاجتماعية اليهودية

وبالإمكان تقسيم المراحل التي مرت بها المؤتمرات الصهيونية منذ ذلك الحين إلى أربع مراحل هي :
1) عهد هرتزل : وكان المؤتمر في عهد “هرتزل” منصة برلمانية تناقش من فوقها المشكلات الأساسية المتعلقة بإقامة وطن قومى لليهود وإقامة المؤسسات والمنظمات
2) الصهيونية العالمية : بعد وفاة “هرتزل” أخذت الحركة الصهيونية تركز على النشاط العملي في فلسطين وعلى مجال التربية اليهودية في مختلف البلاد التي يقيم فيها اليهود وهكذا غير المؤتمر طابعه فإتجهت مداولاته وقراراته نحو الشئون الداخلية وعكست مواضيعه الشئون العملية والواقعية
3) من وعد بلفور إلى إعلان قيام الكيان الصهيوني : مع إصدار وعد بلفور عام 1917 الذي جعل من الحركة الصهيونية عنصراً أساسياً ذات طابع دولي
4) منذ إعلان قيام الكيان الصهيوني : تمثلت أبرز التغييرات في المؤتمر الثالث والعشرين الذي عقد لأول مرة في القدس عام 1951 وتمت فيه إعادة صياغة “برنامج القدس” بدلاً من “برنامج بال” وتقرر في هذا المؤتمر منح المنظمة الصهيونية ونشاطاتها مكانة رسمية وقد وافقت الحكومة الصهيونية والكنيست على ذلك وفي عام 1962 أقر الكنيست قانون (مكانة المنظمة الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية)

وعلى الرغم من النشاط الفعلي لهذه المؤتمرات إلا أن النشاط الصهيوني لم يقتصر عليها فقط وإنما راح الصهاينة يكررون محاولاتهم من أجل الضغط على الحكومات لإقامة وطن قومي في فلسطين وعن طريق هرتزل لجأ الصهاينة إلى السلطان “عبد الحميد” يرجونه السماح لهم بإنشاء جالية يهودية في فلسطين تتمتع بالحكم الذاتي إلا أن المحاولات لاقت نفس مصير سابقاتها ورغم ذلك ظلت المحاولات الصهيونية دون كلل أو ملل ولم يترك الصهاينة فرصة للدعوة لقضيتهم فما كادوا يعرفون أن الدول ستجتمع فى “سان ريمو” في 24 أبريل 1920 لتحديد مصير الدول التي كانت تدخل ضمن أملاك الدولة العثمانية حتى سارعوا إلى المؤتمر وراحوا يطالبون المجتمعين بتنفيذ وعد بلفور الصادر عام 1917
وبالفعل عملت إنجلترا على تنفيذ المخطط الصهيوني بإحكام لذلك قامت بتعيين “هربرت صموئيل” وهو من كبار مناصري الصهيونية أول مندوب سام لها في فلسطين فتحقق بذلك نصراً كبيراً للصهيونية ، فالإنتداب الإنجليزي على فلسطين كان بمثابة تأشيرة لدخول الصهاينة وإستقرارهم في فلسطين فما كادت إنجلترا تضع يدها على فلسطين باسم الانتداب حتى اتخذت حكومة الإنتداب قرارات تخدم الصهيونية وكان أهم هذه القرارات :
– إعتبار اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين مثل العربية أو الإنجليزية
– فتح باب الهجرات أمام الوكالة اليهودية

وقد بذل “هربرت صموئيل” كل ما في وسعه لتيسير هجرة الآلاف من اليهود متبعاً في ذلك كل السبل والحيل مثل تزوير شهادات الهجرة وجوازات السفر وتأشيرات القنصليات وعقود الزواج الصوري المزيفة وعلى العكس من ذلك كان يمنع بكل الطرق الممكنة عودة العرب الذين خرجوا من فلسطين لأمر ما كالتجارة أو التعليم من العودة إلى أراضيهم
وقد منحت هذه القرارات والممارسات قدراً كبيراً من الثقة والطمأنينة للصهاينة نظراً لالتزامها التام بسياستهم الساعية إلى الاستيلاء على أرض فلسطين والقضاء على أهلها مابين تهجير وإبادة وإحلال الصهاينة محلهم ، وتحقيقاً لهذا المسعى كان لابد من صناعة تاريخ زائف له روايات عده روج لها زعماء الصهيونية وكتابها وداعميها ، وقد دارت جميعها فى إطار ان فلسطين أرض لليهود وكانوا يروجون مقولة (أرض بلاشعب ، لشعب بلا أرض) كما تناولها آخرون وروجوا لها على أساس ان الفلسطينين هم من فرطوا فى أرضهم وباعوها للصهاينة بكامل إرادتهم وذلك طمعاً فى المال وقد صار أصحاب هذا الإدعاء فى الترويج لتقنين ملكية الصهاينة لأرض فلسطين بل راحوا إلى إضفاء تهمة الخيانة على الفلسطينين وخلق حالة نفور لدى الشعب العربى من الفلسطينين ، وقد لاقى هذا الزعم بشكل خاص رواجاً لدى الأنظمة العربية التى وجدت فيه خلاصاً من عبء الدفاع عن فلسطين وتحويل تهمة الخيانة التى إلتصقت بمواقفهم إلى ناحية الفلسطينين فأطلقت الأنظمة العنان لمثقفيها ممن اعتادوا تزييف التاريخ وكتابته وفقاً لهوى السلطة
ليتحدثوا ويروجوا ويحللوا حادثة بيع الفلسطينين للأرض
والرابط الأساسى المشترك بين كل الروايات والحجج أنها جميعها بكافة تفاصيلها عبارة عن أباطيل وشائعات لاأصل لها من الصحة ولاتمت للواقع بصلة ، حيث مارست الصهيونية كافة الوسائل من أجل السطو والاستيلاء على أرض فلسطين ومنها تنظيم عمليات الهجره إلى فلسطين التى لعبت فيها الوكالة اليهودية الدور الرئيسى ، وأيضاً إقامة المستوطنات وتكوين فرق مقاتلة لحمايتها مثل (هاشومير) ، وإنشاء عصابات مقاتلة ترتكب شتى أنواع المذابح وترتكب عمليات الإبادة والتطهير العرقى للمواطنين الفلسطينين وتعد المجازر الصهيونية مثال وشاهد ، كما تعد الخطة (داليت) نموذجاً للتطهير العرقى المتعمد والمقصود والممنهج ، هذا إضافة إلى دعم القوى الاستعمارية والتى تمثلت فى وقت ما فى صك الانتداب البريطانى الذى وفر كافة الوسائل التى تكفل استيلاء الصهاينة على أرض الفلسطينين

ورغم كل الممارسات الإجرامية والإجراءات التعسفية إلا ان إجمالى ماتمكن اليهود من ملكيته بواسطة السلب والنهب والقتل والتزوير والتهجير والمنع ومساعدة حكومة الانتداب وبواسطة بعض العائلات اللبنانية والسورية الاقطاعية لم يتعدى عام 1948 نسبة 7% من إجمالى الأرض
ولمزيد من النهب وسعيا نحو الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأرض قام الكيان الصهيونى بالاستيلاء على الأراضى عنوه عن طريق حزمة من القوانين التى وضعت خصيصاً لتشريع مصادرة الأراضى العربية منها على سبيل المثال قانون المناطق المهجورة (مناطق الأمن) عام 1949 والذى بمقتضاه يحق للسطات الصهيونية إغلاق أى منطقة لأسباب أمنية وتوجيه أمراً للسكان بمغادرتها خلال فترة زمنية ومنع أى مواطن عربى من دخول هذه المنطقة ثم بتم الإعلان ان هذه الأرض مهجورة أو غير مزروعة ، أما هذه المنطقة التى أعلن أنها غير مزروعة أو مهجورة يتم مصادرتها وتمنح لليهود لزراعتها ويمنع العرب السكان الأصليون من العودة إلى قراهم التى رحلوا عنها لفترة لسبب ما أو الذين تم طردهم بالقوة وذلك وفقاً لقانون وضع عام 1950 باسم الملكية الغائبة ، وأيضاً إصدار مواد الطوارئ لاستغلال الأراضى الغير المزروعة عام 1949 الذى يتيح السيطرة على الأراضى فى أوقات الطوارئ

وفي الوقت ذاته إستمرت الحركة الصهيونية في تأسيس المنظمات التي تخدم أهدافها فأسست “الهستدروت” وهو “الإتحاد العام للعمال اليهود” وقد عقد مؤتمره التأسيسي في مدينة حيفا في الفترة بين 4 ، 9/12/1920 وأعلن رسمياً عن تشكيله . ويمكن القول بأن الهستدروت ليس إتحاد عمال وإنما هو من أهم المؤسسات الصهيونية الإستيطانية على الإطلاق

وقد ورد في البيان التأسيسي للهستدروت أن هدف المنظمة هو تشكيل إتحاد للعمال والفلاحين اليهود والعمل من أجل دعم الإستيطان وبناء مجتمع يهودي وتحقيق الأهداف الصهيونية وأن الهيستدروت جزء لا يتجزأ من العوامل الأساسية في العمل الصهيوني

وقد إكتسب الهيستدروت قوة إقتصادية وسياسية وتنظيمية واسعة إلا ان هذه القوة خفت بريقها مع مطلع التسعينيات بعد ان لدأ التدهور يحل بصفوفها

كما تأسست منظمة ” هحالوتس” وهى منظمة للشباب اليهود الذين أعدوا أنفسهم للهجرة إلى فلسطين للعمل والإستيطان فيها ، وإنتظمت أول مجموعة فيها فى عام 1905 فى مدينة أوديسا ، وفى عام 1911 كونت هحالوتس مجموعة تنتمى لها فى الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن أكبر تنظيم لهحالوتس تشكل عام 1917 فى روسيا ودول أوروبا الشرقية

وقد مثل أعضاء هحالوتس عنصراً هاما ً ورئيسيا ً فى الهجرة الثالثة التى جددت الدماء وأعطت مزيدا ً من الحيوية للحركة الإستطانية فى أرض فلسطين

ولتأكيد وتعميق الانتماء للصهيوينة تبنت الحركة الصهيونية عام 1933 البيتين الأولين للقصيدة التي تمت كتابتها على يد الشاعر اليهودي “نفتالي هيرتس إيمبر” والتي عرفت باسم “هتكفاه” بمعنى “الأمل” حيث صار نشيداً وطنياً غير رسمياً للكيان الصهيوني عام 1948 وقد أعلن الكنيست في عام 2004 “هتكفاة” نشيداً وطنياً رسمياً ، والبيتين الأصليين في القصيدة هما :
طالما في القلب تكمن
نفس يهودية تتوق
وللأمام نحو الشرق
عين تنظر إلى صهيون
……………………………….
أملنا لم يضع بعد
الأمل الأزلي
أن نعود إلى بلاد آبائنا
إلى المدينة التي نزل عليها داوود

إلا ان الحركة الصهيونية عندما جعلت القصيدة نشيداً رسمياً قررت تعديل البيت الثاني بغرض ذكر اسم مدينة القدس بوضوح وأصبح كما يلي :

أملنا لم يضع بعد
الأمل الأزلي
أن نكون أمة حرة في بلادنا
بلاد صهيون وأورشليم القدس

وقد حرصت الصهيونية على السيطرة على العقل العربى وتشكيل وعيه وتوجبهه وفقاً لما تراه وتريده لذا أنشأت المنظمة الصهيونية فرعاً لها فى القاهرة عام 1917 برئاسة ” ليون كاسترو” وأصدرت مجلة ناطقة بإسمها تحمل عنوان ” المجلة الصهيونية” ولم تجد مانعاً من إعلان هدفها صراحة حيث أعلنت ان هدفها هو إقامة وطن للشعب اليهودى فى فلسطين يتحدث فيه اليهود بلغتهم ويحققون لأنفسهم بداخلة الحرية والعدالة ويجعلون من القدس قلب اليهود النابض وذلك فى عددها الصادر بتاريخ 11/1/1918
ونحو مزبد من التغلغل وتوجيه الرأى العام العربى فى مصر أصدرت المنظمة العديد من الصحف منها “جريدة الاتحاد الإسرائيلى” عام 1924 ، وجريدة “الشمس” عام عام 1934 ، وجريدة (الكليم) ، وجريدة (إسرائيل) ، وجريدة (المنبر اليهودى) عام 1936 وصاحبها هو (جاك رايان) الذى دفعت به المنظمة فى موقع السكرتير العام لنقابة الصحفيين المصرية التى كانت تحمل اسم (رابطة الصحفيين) ، كما دفعت بالصهيونى (إيلى بولينى) كمدير لمكتب جريدة المصرى بالإسكندرية , إضافة إلى ان (دار الكاتب المصرى للطباعة والنشر) ومجلتها (الكاتب المصرى) التى كانت تضم لفيفاً من الكتاب المصريين كانت ملكاً لعائلة (هرارى) الصهيونية

وواصلت المنظمة نشاطها فى مصر حيث أنشأت فروعاً عدة بمسميات شتى مثل مكتب استعلامات صهيونى فى القنطرة لتنظيم الهجرة إلى فلسطين عام 1932 , والنادى الصهيونى عام 1935 , وجمعية الشباب اليهودى المصريين عام 1935 , والاتحاد العالمى للشبيبة الإسرائبلبة عام 1935 , وجمعية مكس نوردو التى كان هدفها المعلن ( بث الروح الصهيونية وجمع التبرعات لشراء الأرض فى فلسطين) , ووكالة جرتبرج للسفريات لتسفير المهاجرين اليهود إلى فلسطين
وفى عام 1925 وصل إلى مصر رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (حاييم وايزمان) – أول رئيس للكيان الصهيونى فيما بعد – وألقى خطباً فى مؤتمرات عده
كما وفد إلى مصر (اسحق بن زيفى) – الرئيس الثانى للكيان الصهيونى فيما بعد – ليلقى خطبه فى المؤتمر الذى أقيم فى الاسكندرية فى شارع النبى دانيال فى 29/3/1942 وذلك لجمع تبرعات لإنشاء مستعمرة فى فلسطين وقد حقق مسعاه وأقام مستعمرة (كفايد يدياه)
وفى عام 1937 وصل إلى مصر (فلاديمير جابوتنسكى) الزعيم والأب الروحى لعصابات الأرجون ليلقى محاضرة فى فندق سيسل بالاسكندرية والتى أعقبها بمؤتمر صحفى أكد فيه على أنه لابديل عن إقامة الدولة الصهيونية قسراً وجبراً وفرضها على معارضيها

ومع هذا فإن الحركة الصهيونية لم تقتصر على الكتابات والمؤتمرات والأناشيد وممارسة الضغوط على الحكومات فقط لاغير وإنما كان هناك العمل العسكري الذي قام بدور رئيسي في نشأة الصهيونية التي اعتبر من أولوياتها لتدعيم أركانها ولكي تبدأ الصهيونية مخططها في إقامة وطن قومي في فلسطين بدأت بإقامة المستعمرات الصهيونية في عام 1909 ومع إقامة أول مستعمرة صهيونية من المهاجرين الأوائل أمثال “بن جوريون” و “بن زيفي” تم تشكيل أول وحدات مقاتلة صهيونية لحراسة المستعمرات الصهيونية وحمايتها وعُرفت باسم “هاشومير” أو “فرقة الحراس” وكان شعارهم (بالدم والنار سقطت اليهودية وبالدم والنار ستقوم ثانية)
ويتحدث “بن جوريون” عن هذه الفترة فيقول (كنا ننتظر مجئ الأسلحة ليلاً ونهاراً ولم يكن لنا حديث إلا عن الأسلحة وعندما جاءتنا لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا ، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً … كنا نقرأ ونأكل ونكتب ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على كتفنا)

وقد لجأ الصهاينة إلى القوة والعنف والعمل العسكري لحماية أنفسهم من أصحاب الأرض الفلسطينيين وكذلك حرصوا على الإستفادة من الحرب العالمية الأولى بتكوين لواء صهيوني يشارك في الحرب وذلك للإستفادة من الخبرات القتالية وجمع الأسلحة وأيضاً ربط قضيتهم بالدول الإستعمارية الكبرى لتحقيق أهدافهم وهو ما ظهر جلياً بعد نهاية الحرب وبعد إعلان وعد بلفور حيث بدأت التشكيلات العسكرية من “الهاجاناه” و”الأرجون تسفاى ليئومي” و”شتيرن” ومن الهاجاناه شُكل “البالماخ” كقوة ضاربة للحركة واشتركت مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وكانت الوكالة اليهودية تمول التشكيلات العسكرية والمنظمات الإرهابية الصهيونية ، وكانت العسكرية الصهيونية أداة الصهيونية في تحقيق فكرة الدولة

وقد تكونت الهاجاناة عام 1920 بعد حل منظمة “هاشومير” والهاجاناه أي “الدفاع” هي منظمة عسكرية تم تسميتها “منظمة الدفاع العبرية في أرض إسرائيل” وتسمى أيضاً “هشورا” أو “الطابور العسكري” وكانت مهمتها هي الإغارة على التجمعات السكانية الفلسطينية وإرهابها بهدف النزوح خارج فلسطين ومن أشهر أعمالها “الخطة داليت” التي وضعتها بهدف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الاراضي الفلسطينة وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين

وتحت شعار “يد ٌ تمسك البندقية ” تأسست منظمة “الأرجون تسفاى ليئومى” أى ” المنظمة العسكرية القومية فى أرض إسرائيل” عام 1931 وكان الزعيم الصهيونى ” فلاديمير جابوتنسكى” هو الأب الروحى للمنظمة بينما كان ” دافيد رازيل” القائد العسكرى أما الرئيس السياسى للمنظمة فكان “إبراهام شتيرن” وقد تولى “مناحم بيجين” زعامة المنظمة عام 1943 وشهدت تللك الفترة تصعيد للعمليات الإرهابية ضد العرب

أما منظمة “شتيرن” أو “ليحى” وهو الاسم المختصر لمنظمة “لحمى حيروت إسرائيل” أو “المحاربون من أجل حرية إسرائيل” وهى نتاج الإنشقاق الذى حدث فى صفوف الأرجون بعد رحيل “فلاديمير جابوتنسكى” وهو الإنشقاق الذى إنتهى بخروج “إبراهام شتيرن” وتأسيسه لمنظمة “شتيرن”

أما “البالماخ” أو “سرايا الصاعقة” فهى القوة الضربة للهاجاناة وقد تشكلت “البالماخ” عام 1941 لتعمل كوحدات متقدمة وقادرة على القيام بالمهام الخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية

وعندما أُعلن قيام إسرائيل أُعلن عن تشكيل الجيش الصهيوني من الهاجاناه و البالماخ و الأرجون و شتيرن وأصبحت العصابات الصهيونية هي أداة الدولة في المحافظة على أمنها

ولم يقتصر دور الجيش الصهيوني على دور معين بل كان له دور في المجالات الإقتصادية والسياسية والتعليمية فالجيش يشرف ويساهم في تطوير الزراعة وإنشاء المستعمرات الزراعية ويشرف على حركة الشباب والتي منها منظمات “النحال” و “الجدناع” ويقوم بإعدادهم عسكرياً في منظمات تابعة له . كما يقوم الجيش بتدريس اللغة العبرية للمهاجرين الذين لا يعرفونها مع دراسة خاصة بالتاريخ اليهودي وجغرافية فلسطين المحتلة ، وساهم الجيش في إنشاء الكثير من المدارس المهنية بغرض تهيئة متخصصين في مختلف المهن الصناعية

وهكذا فإن العسكرية الصهيونية عاملاً حيوياً بالنسبة للكيان الصهيوني وأصبح كل شيء في خدمة العمل العسكري لتحقيق مقتضيات الأمن ولتحقيق الأهداف التوسعية وكذلك في الإقتصاد والطرق والتعليم والمرافق والمستعمرات الزراعية كل هذا يتم بناؤه وتخطيطه على أساس عسكري حيث أن هذا التجمع العدواني الصهيوني يوصف بأنه ثكنة عسكرية أو مجتمع تحت السلاح فكل شيء في خدمة الحرب

ولتحقيق مزيد من الأمن لم يقتصر الأمر على العصابات الصهيونية التي قامت فيما بعد بتشكيل الجيش الصهيوني كما لم يقتصر على التنظيمات والمؤسسات ، وإنما أُنشئ جهازاً آخر كان يمثل عاملاً كبيراً من عوامل تدعيم الصهيونية ألا وهو جهاز “الموساد” والموساد هو إختصار لكلمة عبرية تعني “المعهد المركزي للمعلومات والمهام الخاصة” وأُنشئ عام 1937 أي قبل إعلان قيام الدولة بأكثر من عشر سنوات وكان أول مركز قيادة له في “جنيف” واتسع نشاط الموساد في كافة أنحاء العالم وكان يسعى إلى جلب المهاجرين ومساعدتهم للتوجه إلى فلسطين وشراء الأسلحة وتصديرها إلى المستوطنين

و”الموساد” هو المخابرات المركزية التي تتبع رئيس الوزراء وتشرف على أعمال التجسس وإدارة الحرب النفسية وجمع المعلومات عن الدول العربية ، ويحتوي “الموساد” على العديد من الأقسام منها :
– شعبة أبحاث ومكتبات لحفظ المعلومات على ديسكات كمبيوتر
– فرع إدارة المعلومات
– “ميتسادا” أو “القلعة” وهو القسم الخاصة بالعمليات الخاصة أو فرق الإغتيال في العالم أجمع
– “عل” أو “القمة” : وحدة خارجية تقوم بجمع المعلومات عن كل الدول العربية
– التكفاريديم : وهو خاص باليهود المقيمين في الخارج والذين لهم علاقة بالموساد
– النبع : ويختص بالوسائل الإليكترونية الحديثة في عمليات التنصت أو نقل الرسائل
– إدارة الأبحاث الذرية : وهو مسئول عن حماية المفاعلات الذرية في إسرائيل وتحليل المعلومات العلمية عن الدول الأقرب

وهناك أيضاً جهاز الأمن العام والمخابرات الداخلية “شاباك” وهي إختصار للعبارتين العبريتين “شيروت بيتاحون” و “شيروت بيون” أي خدمة الأمن وخدمة التحريات وإختصارهما “شين بيت” ثم أضيفت كلمة “كلالي” أي “عام” وأصبح يسمى “الشاباك” الذي يشرف على هيئات الأمن والمخابرات داخل الكيان الصهيوني ومهمته مكافحة الجاسوسية وأعمال التخريب من الداخل ومقاومة الأعمال الفدائية ومراقبة البريد والإتصالات السلكية واللاسلكية

أما الإستخبارات العسكرية “آمان” فتختص بأمن القوات المسلحة وجمع المعلومات العسكرية عن الدول العربية ويتبعها الملحقون العسكريون وضباط مخابرات الميدان

ويعد مقتل اللورد “موين” وزير الدولة البريطاني في الشرق الأوسط عام 1944 من أهم عمليات الموساد فى مصر وإيذاناً ببداية نشاطه الفعلى على أرض مصر ، وقد كلف الموساد عصابة “شتيرن” لهذه المهمة
كذلك أيضاً القيام بنسف المؤسسات الأمريكية والبريطانية في مصر مثل مركز الإستعلامات الأمريكي بالقاهرة عام 1954 فى عملية أطلق عليها (عملية سوزانا ) وقد اشتهرت بإسم “فضيحة لافون” حيث انه بعد فشل العملية وسقوط شبكة التجسس أعلن “موشى شاريت” رئيس الوزراء الصهيونى عدم درايته بالعملية ومن ثم تحميلها إلى “بنحاس لافون” وزير الدفاع الصهيوني الذى أنكر هو أيضا درايته بالعملية وانتهى الأمر بإجباره على الإستقالة وبالفعل قدم “بنحاس لافون” إستقالته وعرفت هذه العملية في الأوساط الصهيونية باسم “الصفقة المخزية”
كذلك قام الموساد بالعديد من الجرائم والإغتيالات في الوطن العربي وإستخدام أساليب عدة ومتنوعة في الإغتيالات منها على سبيل المثال لا الحصر :

- إرسال الطرود المتفجرة إلى كل من الشهيد “مصطفى حافظ” قائد مخابرات غزة و “صلاح مصطفى” الملحق العسكري في الأردن عام 1955
– تهديد العلماء الأجانب الذين يساعدون مصر في المجهود الحربي بل ووصل العنف إلى حد خطف بعض هؤلاء العلماء مثل الخبير الألماني “كروج” وإرسال طرد متفجر عام 1963 إلى الخبير الألماني “بيلز” وقد انفجر في وجه سكرتيرته
– إغتيال علماء الذرة المصريين مثل “د/سميرة موسى” في الولايات المتحدة عام 1953 و “د/ سمير نجيب” عام 1967 و “د/نبيل القليني” وإغتيال عالم الذرة المصري “د/يحيى المشد” في يونيو 1980 وهو من أكبر علماء الذرة وكان يقيم ويعمل في العراق وكان الخبراء قد أعلنوا في نفس العام أن بإمكان العراق أن يصنع قنبلة ذرية في عام 1984 كحد أقصى خاصة في ظل وجود عالم الذرة المصري “د/يحيى المشد” وقد تم إغتياله في فرنسا كما تم نسف المفاعل النووي العراقي في 7 يونيو 1981
– نسف مقر “منظمة التحرير الفلسطينية” في “حمام الشط” بتونس
كما قام الموساد بإغتيال العديد من قادة المقاومة الفلسطينية مثل “خليل الوزير” الملقب بـ (أبو جهاد) نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية وإغتيال أبو يوسف و كمال ناصر و كمال عدواني في بيروت وعملية التفجير ضد “أبو الحسن سلامة” وإغتيال “د/محمود الهمشري” ممثل منظمة التحرير في باريس وإغتيال “عز الدين قلق” مدير مكتب إعلام المنظمة في باريس والكاتب “غسان كنفاني” و “سعيد حمامي” ممثل المنظمة في لندن و “د/عصام سرطاوي” ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة البرتغالية لشبونة و “يحيى عياش” المسئول عن العمليات الإستشهادية و “أبو علي مصطفى” قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و “فتحى الشقاقى” الأمين العام لحركة الجهاد و الشيخ “أحمد ياسين” مؤسس حركة حماس

ومن ضمن الأساليب التي يعتمدها الموساد في العمل إستخدام الشائعات وتزويدها وتأكيدها إعلامياً لكي تخدم الصهيونية , والعمل على جذب التعاطف والحشد على قضايا تجعل من اليهود رمزاً للمعاناه من التعذيب والقتل والاضطهاد والتشتت , وفى هذا الإطار كان الحديث الذى لانتهى عن معاناة ومآسى اليهود إبان حكم النازى ، ورغم الحديث الذى لاينتهى عن قسوة ووحشبة النازى تجاه اليهود والذى وجدت فيه الصهيونية فوائد جمه لاحصر لها إلا انه ظهرت على السطح فضيحة خاصة بالتعاون بين الموساد والجيستابو (جهاز الأمن الألماني النازي) وهي عبارة عن صفقة بين الموساد والجيستابو كان المسئول عن الصفقة من الجانب الألماني “أدولف إيخمان” والذي كان رئيساً لقسم اليهود في الجيستابو ثم تولى معسكر “أوشفيتس” اكبر معسكر إعتقال في ألمانيا وكان المسئول عن الصفقة من الجانب الصهيوني “د/كستنر” رئيس الوكالة اليهودية في المجر كانت الصفقة تنص على تهريب مليون يهودى مقابل دفع 2 مليون دولار في شكل شاحنات مليئة بالأغذية والمواد التموينية والأكل إلى الجيش الألماني نظراً للظروف الصعبة التي كان يمر بها وبالفعل تمت الصفقة في مقابل 10 آلاف شاحنة عام 1944
هذا فضلاً عن إبرام صفقة بين نفس الطرفين تنص على تهريب 1648 من أثرياء اليهود (عناصر مفيدة) الموجودين في “أوشفيتس” مقابل تضليل 460 ألف يهودى مجرى (عناصر غير مفيدة) وتسهيل عملية انتقالهم إلى أوشفيتس
وقد حرص الموساد على عدم الإعلان عن هذه الصفقة لذا كان لابد من التخلص من أطرافها وبالفعل تم إختطاف “إيخمان” في مايو 1960 من الأرجنتين حيث كان يقيم وقد تم إختطافه بواسطة “رفائيل إيتان” قائد أحد أقسام الموساد ثم أصبح رئيس حزب “تحيا” وبعد إختطافه أعلن الصهاينة القبض على “إيخمان” ومحاكمته بتهمة إرتكاب مذابح ضد اليهود وصدر الحكم بإعدامه وكان لإيخمان مقولة شهيرة قبل إعدامه حيث طلب أن يعتنق اليهودية وأن يسجل في الأوراق الرسمية كيهودي وعند سؤاله عن السبب كان رده ) أردت أن أعتنق اليهودية ليس حباً فيها ولا حباً في إسرائيل .. إنما أردت بذلك أن أهتف لنفسي أن كلباً يهودياً قد أُعدم ليدرك من سبقوه من الكلاب( ، وكذلك قام الموساد بإغتيال “د/كستنر” الذي كان يقيم في ذلك الوقت في تل أبيب

والواقع ان رغم كل مايقال عن جرائم النازى تجاه اليهود وعن معاناتهم ومآسيهم الا ان علاقات الصهيونية بالنازى اتسمت بالتعاون والتقارب ، حيث وجدت الصهيونية في النازى سبيلاً نحو إقامة الدولة الصهيونية وهو ماتضمنته المذكرة التى حملت عنوان (إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في دولة ألمانيا الجديدة) التى أصدرتها المنظمة الصهيونية فى ألمانيا وأرسلتها إلى هتلر فى 22/6/1933 التى جاء فيها مايلى (تعتقد الصهيونية ان نهضة الحياة القومية لشعب ما , والتى تشهدها اليوم ألمانيا من خلال تقييم حجمها المسيحى والقومى يجب أيضاً ان يشهدها الشعب اليهودى) كما تضمنت المذكرة )وفى حالة موافقة الألمان على ذلك التعاون فإن الصهاينة سيعملون جاهدين على نقل اليهود إلى الخارج , وعلى الدعوة إلى مقاطعة من يعادى الألمان)

ولقد مثلت الدعوة التى وجهت إلى البارون (ليوبولد فون ميلدنشتاين) – الذى تولى فيما بعد رئاسة القسم اليهودى فى جهاز الأمن والمخابرات الألمانى – لزيارة فلسطين مع زوجته عام 1933 أحد أشكال هذا التعاون , وبالفعل تمت الزيارة ورافقهما فيها (كورت توشلير) عضو فى المنظمة الصهيونية فى برلين وقد زارا المستوطنات التى أقامها الصهاينة وقد نتج عن الزيارة عدة مقالات كتبها (ليوبولد فون ميلدنشتاين) لجريدة (دير آنجريف) تحت عنوان (نازى يزور فلسطين) تنحاز إلى الصهاينة , كما تم إصدار ميدالية فى ذكرى الزيارة تحمل من ناحية الصليب المعقوف ومن ناحية أخرى نجمة داوود

وقد أسفر التعاون بين الصهاينة والنازى عن توقيع اتفاقية (هاآرفا) التى تعنى (الترحيل أو الترانسفير) فى 27/8/1933 والتى تقضى بسماح السلطات الألمانية للمهاجرين اليهود بنقل جزء من أموالهم من ألمانبا النازية إلى فلسطين , وقد وجد الجانب النازى من توقيع الاتفاقية فرصة للتخلص من اليهود وكسب حليف صهيونى فى الوقت ذاته وكسر المقاطعة الاقتصادية للبضائع الألمانية , وقد تجلت نتائج الاتفاية سريعا حيث أرسل كلاً من (كورت بلومنفيلد) رئيس الاتحاد الصهيونى فى ألمانبا و(جوليوس برودنيتز) رئيس الاتحاد المركزى ببرقية إلى اللجنة اليهودية الأمريكية فى نيويورك فى 26/3/1933 يطالبون فيها باتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء كل مظاهر العداء ضد ألمانيا

واستمراراً لسياسة الضغط الصهيونى والعمل على توجيه سياسات الأنظمة والحكومات والقوى الإستعمارية استطاعت مجموعة من التنظيمات والجمعيات والهيئات اليهودية والصهيونية التنسيق فيما بينها وتأسيس لوبى صهيونى يعد بشكل عام إطار تنظيمى تستطيع من خلاله هذه المنظمات التنسيق فيما بينها لممارسة ضغوط تخدم المشروع الصهيونى عن طريق التأثير على عملية صنع القرار ومن أهم هذه التشكيلات ( مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى ، والمؤتمر اليهودى العالمى ، واللجنة اليهودية الأمريكية ، والمؤتمر اليهودى الأمريكى ، والمجلس الاستشارى القومى لعلاقات الجماعة اليهودية) وتحرص هذه المنظمات والمؤسسات على وجود ممثلين لها فى أوروبا بشكل عام و أمريكا بشكل خاص
وتعد أقوى جماعات الضغط فى أمريكا وأكثرها تأثيراً وأثراً هى تلك التى تأسست عام 1954 تحت اسم ” اللجنة الاسرائيلية الأمريكية للشئون العامة” واختصارها (إيباك) وتعود جذورها إلى مشاروات تمت بين القيادات الصهيونية أمثال أبا إيبان وموشى شاريت وتيدى كولك مع أشعياء كفن عضو المجلس الصهيونى الأمريكى وانتهت المشاورات بتكوين لوبى صهيونى كان يهدف مباشرة فى ذلك الوقت إلى زيادة المساعدات الاقتصادية الأمريكية للكيان الصهيونى
وتمارس إيباك شتى الضغوط للتأثير على القرار الأمريكى وتوجيه الرأى العام لما يخدم الصهيونية ومشروعها ، حيث تقود حملات الضغط من أجل دعم المواقف التى تتخذها حكومة الكيان الصهيونى ، والتأكيد على ضرورة تعميق التحالف الصهيوأمريكى ، وعرقلة أى محاولات تهدف إلى تأسيس تحالف أمريكى عربى ، والعمل على إصدار إجراءات عقابية ورادعة ضد الدول والمجموعات المعادية للكيان الصهيونى ، وإعداد جيل جديد من القيادات الداعمة للصهيونية
كما تروج إيباك لدعم أى تشريعات تساهم فى زيادة المنح والمعونات الأمريكية للكيان الصهيونى وفى القوت ذاتة معارضة أى تشريعات يتم بمقتضاها توجيه المساعدات والمنح والمعونات الأمريكية إلى الدولة التى تتعارض توجهاتها مع المصالح الصهيونية ، كما تقود الحملات ضد صفقات السلاح التى تبرمها الدول العربية وضد سلاح المقاطعة العربية للمصالح والمؤسسات والجهات الصهيونية
ويتجلى دور إيباك داخل الكونجرس حيث تقدم إيباك تقرير لكل عضو بالكونجرس يوضح كيفية التصويت لصالح المشروع الصهيونى ، كما تزودهم بكافة البيانات والوثائق عن الموضوعات التى تهم وتخدم وتدعم الكيان الصهيونى
وتعمل إيباك على توطيد العلاقات مع أعضاء الكونجرس خاصة هؤلاء الأعضاء الذين ينتمون إلى اللجان الرئيسية ، وعلى الأعضاء ذوى النفوذ والقدرة على التأثير حيث تهتم بتكريمهم فى المؤتمرات وإدراج اسمائهم فى نشراتها ، كما تساهم إيباك فى دعم وتمويل حملاتهم الانتخابية
وقد استطاعت إيباك ان تمد نشاطها خارج النطاق التشريعى وخارج القطاع المؤيد للصهيونية واتجهت أيضا إلى ممارسة كافة الوسائل للتأثير على المؤسسات والجماعات الأمريكية المتعاطفة مع فلسطين وخاصة فى قطاعات الطلبة والكنائس والأقليات ، ويتضح هذا فى الحلقات الدراسية التى أعدتها بهدف تدريب وتنظيم الطلبة المناصرين للكيان الصهيونى لمواجهة العناصر المناهضة للصهيونية والمؤيدة لفلسطين داخل الجامعات ، كما تعد برامج تعليمية تتضمن برنامجا ً سنويا ً يسعى لتوجية الشباب الأمريكى نحو ضرورة وأهمية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وجلب التأييد العام للقضايا المتعلقة بالصهيونية ، بالإضافة إلى إعداد تقارير عن التطورات بمنطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على مصالح الكيان الصهيونى، كما تنظم برامج ولقاءات تحت شعارات التقارب المسيحى اليهودى ، وتنظيم برامج تهدف إلى تحسين العلاقات مع منظمات الأقليات التى ترى فيهم ميلاً إلى معاداة الكيان الصهيونى
إلا أنه من الضرورى الإشارة إلى ان اللوبى الصهيونى عامة وبكافة أشكاله لايتكون من عناصر يهودية فحسب وإنما يضم أيضاً عناصر غير يهودية حيث يضم كل أصحاب المصالح الاقتصادية الذين يرون فى تفتيت وتقسيم وإضعاف الوطن العربى والعالم الإسلامى خدمة لمصالحهم ، كما يضم أعضاء النخبة السياسية والعسكرية الذين يتبنون وجهة النظر الصهيونية , وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن الصهيونية ليست قاصرة على البهود فقط وإنما تشمل أيضا كل من بؤيد أو يعتنق أو يعترف أو يساعد الصهيونية فى تحقيق أهدافها أياً كانت ديانته وجنسيته

وبالإضافة إلى كل هذه المنظمات والأجهزة الرسمية التي تعمل على تحقيق الأمن الصهيوني ظهرت أيضاً العديد من المنظمات والعصابات التي هي تجسيد واقعي لرؤية ومنهجية وطبيعة الصهيونية ومنها على سبيل المثال لا الحصر :

- منظمة إيال : برئاسة “أفيشاي رفيف” وغالبية أعضاء المنظمة من المعهد الديني اليهودي في جامعة “بار إيلان” ومن أعضاء هذه المنظمة “إيجال عامير” قاتل “إسحق رابين”
– منظمة “كاخ” : مؤسسها هو “مائير كاهانا” صاحب شعارات (على العرب أن يرحلوا حتى لا نضطر إلى ذبحهم ) ، (إن الصهيونية قامت لبناء وطن لليهود ولا مكان للعرب بيننا) ومن أهم أهدافها طرد الفلسطينيين بإستخدام العنف والإرهاب وقد خلفه في رئاسة المنظمة “باروخ مرزل”
– منظمة “كاهانا حي” : أسسها “بنيامين كاهانا” ابن “مائير كاهانا” وقد إنشق عن حركة أبيه لأنه رفض زعامة “مرزل” حيث أن “بنيامين كاهانا” أكثر تطرفاً من “مرزل” وترفع الحركة شعارات أن اليهود مقدسون
– حركة “هاتحياه” : أي النهضة ومن زعمائها “يوفال نئمان” و “غيئولا كوهين” و “حنان بن بورات” وهي حركة تعمل بالتنسيق والتعاون مع حركة “كاخ”
– حركة “تسوميت” : تأسست في أكتوبر 1983 بزعامة “رفائيل إيتان” رئيس الأركان الأسبق ومن أهم أهدافها تحقيق الإستيطان في أي جزء من فلسطين ومعارضة إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني .
– رابطة بيشا : حركة إستيطانية تأسست عام 1979 ومن مهامها توفير المناخ الملائم للعمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين
– حركة “عطبرت كوهافيم” : وتعني “تاج الكهنة” تأسست عام 1978 بعد سلسلة من الحلقات الدراسية التي عقدت في القدس ونظمها “متياهو كوهين” وهو جندي قديم بالجيش الصهيوني وأحد مستوطني هضبة الجولان وتوصف بأنها حركة النخبة من كتلة “جوش أمونيوم”

وعمليا ً تيقنت الصهيونية أن إرتكاب المذابح والجرائم هى أداة بالغة الأهمية لتفريغ فلسطين من أهلها وإحلال وتوطين الصهاينة محلهم , وتثبيت دعائم الدولة الصهيونية , وفرض واقع جديد ليس فى فلسطين فحسب ، بل فى شتى أرجاء الوطن العربى وهو ماحرص الصهاينة على تأكيده مراراً وإعلانه صراحة دون مواربه حبث أكدته جولدا مائير فى تصريح لها نشرته جريدة (الصنداى تايمز) فى 15/6/1969 قالت فيه (ليس هناك شعب فلسطينى .. فنحن لم نأتى لطردهم خارج ديارهم والاستيلاء على وطنهم .. فهم لاوجود لهم)
كما نشرت جريدة (جيروزاليم بوست) فى 16/8/1987 تصريحاً لموشى دايان يقول فيه (طالما امتلكنا الكتاب المقدس , وطالما اعتبرنا أنفسنا شعب الكتاب المقدس , فعلينا ان نحتل كل الأراضى المقدسة)
وفى تفسبرالمحلل السياسى الصهيونى (مناحم باراش) للممارسات الصهاينة تجاه الفلسطينين التى نشرته جريدة (يديعوت أحرونوت) عام 1974 يقول (هذا الطاعون الذى أنكرته التوراة لأنهم استولوا على أرض الميعاد التى وعدنا بها رب ابراهيم , يجب علينا ان نكون مثل يشوع من أجل استعادة أرض إسرائيل والاستقرار فيها كما أمرنا الكتاب المقدس .. ليس هناك مكان على تلك الأرض لشعب آخر إلا شعب إسرائيل , وهذا يعنى ان علينا طرد كل هؤلاء الذين يعيشون عليها .. إنها الحرب المقدسة التى دعا إليها الكتاب المقدس)

ان العقيدة العنصرية الاستيطانبة الإحلالية مكنت وأباحت وشرعت للعصابات الصهيونية ارتكاب أبشع الجرائم والمذابح ضد العرب ومنها على سبيل المثال لاالحصر :

- مذبحة قريتى الشيخ وحواسة فى 31 ديسمبر 1947 حيث شن الصهاينة هجومهم بالقنابل ونيرنا الرشاشات بعد منصف الليل وأسفر الهجوم عن مايقرب من 30 شهيد
– مذبحة قرية سعسع فى 14-15 فبراير 1948 التى راح ضحيتها أكثر من 60 شهيد
– مذبحة رحوفوت فى27 فبراير 1948 حيث تم نسف قطار القنطرة وأسفرت عن 27 شهيد وإصابة أكثر من 30
– مذبحة كفر حسينية فى 13 مارس 1948 بواسطة الهاجاناه التى إرتكبت مذبحة راح ضحيتها أكثر من 30 شخص
– مذبحة دير ياسين فى 9 إبريل 1948 التى إرتكبتها منظمات الأرجون وشتيرن بالتنسيق مع الهاجاناه ، وقد اعتبر الصهاينة تلك المذبحة نموذجا ً للوسائل التى يجب على المنظامت الصهيونية إنتهاجها من أجل السيطرة على الأوضاع فى فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية
وقد راح ضحيتها مايقرب من 260 شهيد وتم تفجير بيوت القرية بل واقتياد الأحياء ليطوفوا بهم القرية على سيارات مكشوفة كما مارسوا أبشع الجرائم من تعذيب واعتداء وبتر أعضاءوذبح الحوامل وبقر بطونهم وإعدام الأطفال رميا ً بالرصاص ، وبعد ثلاثة أيام من المذبحة تم تسليم القرية إلى الهاجاناه لاستخدامها مطارا ً
وخلال عام من المذبحة إرتفعت أصوات الموسيقى الصاخبة على أرض القرية وأقيمت الإحتفالات التى حضرها مئات الصحفيين وأعضاء الحكومة الصهيونية وحاخامات اليهود وبعث الرئيس الصهيونى “حاييم وايزمان” برقية تهنئة لافتتاح مستوطنة “جيفات شاؤول” على جثث مئات الشهداء
– مذبحة ناصر الدين فى 14 إبريل 1948 التى نفذتها منظمتى الأرجون وشتيرن بإرسال قوة إلى القرية يرتدى أفرادها الملابس العربية وعندما دخلوا إلى القرية فتحوا نيرانهم على الأهالى التى خرجت لاستقبالهم وللترحاب بهم وقد استشهد معظم أهالى القرية كما تم تدمير كافة منازل القرية
– مذبحة حيفا فى 22 إبريل 1948 التى راح ضحيتها مايقرب من 150 شهيد
– مذبحة اللد فى 11-12 يوليو 1948 وتعد من أشهر المذابح التى نفذتها البالماخ بغرض القضاء على ثورة إشتعلت ضد العدوان الصهيونى حيث فتح قوات البالماخ نيرانهم ومدافعهم على سكان المدينة مما أسفر عن حوالى 250 شهيد
– مذبحة الدوايمة فى 29 أكتوبر 1948 حين قاد “موشى ديان” الكتيبة “89” من الجيش ودخل القرية وفتح النيران على أهلها مما أدى إلى اسشتهاد مايقرب من 96 شخص
– مذبحة قبية فى 15 أكتوبر 1953 حيث قامت قوات الفرقة “101” بقيادة “أرييل شارون” بتطويق القرية وإطلاق النيران فى كافة الإتجاهات وكانت حصيلة المذبحة تدمير 56 منزلا ً ومسجد القرية ومدرستين واستشهاد مايقرب من 67 وإصابة المئات
– مذبحة خان يونس فى 30 مايو 1955 وفى 1 سبتمبر 1955 وفى 30 نوفمبر 1956 وفى 7 أكتوبر 2002 وفى 22 نوفمبر 2002 وأسفرت المذابح عن أكثر من 400 شهيد
– مذبحة كفر قاسم فى 29 أكتوبر 1956 ونفذتها القوات الصهيونية بحجة تنفيذ قرار حظر التجوال على الرغم من أن الموعد تم تقديمه مدة ساعة دون علكم أهل القرية
– مذبحة مصنع أبو زعبل فى 12 فبراير 1970 حيث أغارت الطائرات الصهيونية على مصنع أبو زعبل فى محافظة القليوبية فى جمهورية مصر العربية التابع للشركة الأهلية للحديد والصلب أثناء حرب الإستنزاف وقد أسفرت الغارة عن استشهاد 70 عاملا ً وإصابة 69
– مذبحة بحر البقر فى 8 إبريل 1970 على أثر الضربات الموجعة التى تلقاها الصهاينة أثناء حرب الاستنزاف مع مصر قامت طائرات الفانتوم الأمريكية الصنع التابعة للقوات الصهيونية بإطلاق قذائفها على مدرسة بحر البقر الإبتدائية المشتركة بمركز الحسنية فى محافظة الشرقية فى الساعة التاسعة وعشرون دقيقة مما أدى إلى استشهاد نحو 30 طفل وإصابة أكثر من 50 طفل
– مذبحة صيدا فى 16 يونيو 1982 حيث قامت القوات الصهيونية بقتل ملايقل عن 80 لبنانى كانوا مختبئين فى بعض ملاجئ المدينة إبان العدوان الصهيونى على لبنان
– مذبحة صبرا وشاتيلا فى 16-18 سبتمبر 1982 قامت بها القوات الصهيونية وجيش لبنان الجنوبى – وهو مليشيا داعمة للكيان الصهيونى ومدعومة منه تأسست عام 1976 وتولى قياتها سعد حداد وخلفه فى القيادة أنطوان لحد – كما نفذ المذبحة أيضاً حزب الكتائب اللبنانية بقيادة إيلى حبيقة
ودرات أحداث هذه المجزرة بمخيم صبرا وشاتيلا الفلسطينى فى لبنان رغم كونه خالى من الأسلحة ولايشغله سوى اللاجئين الفلسطينيين والمدنيين اللبنانين العزل وقد أسفرت المذبحة عن مايقرب من 3500 شهيد من الفلسطينيين والبنانيين ومئات الجرحى ذوى الإصابات شديدة الخطورة وقد استهدفت القوات الصهيونية من تنفيذ هذه المجزرة القضاء على الروح المعنوية للفلسطينيين واللبنانيين والتأكيد على أن الشرعية الدولية ومايتبعها من حقوق للاجئين والمدنيين وغير ذلك لايشكل عائقا ً أمام العسكرية الصهيونية
– مذبحة الحرم الإبراهيمى فى 25 فبراير 1994 حيث قام الصهيونى “باروخ جولد شتاين” بإطلاق النيران على المصليين داخل الحرم مما إدى إلى استشهاد أكثر من 60 وإصابة العشرات
– مذبحة قانا فى 18 إبريل 1996 وهى جزء من عملية أطلق الصهاينة عليها اسم “عناقيد الغضب” التى شنتها القوات الصهيونية فى 11 إبريل 1996 بأمر من “شيمون بيريز” – رئيس الوزراء فى ذلك الوقت – ضد لبنان فى محاولة لإنهاء قصف حزب الله للمستوطنات الصهيونية فى الأراضى الفلسطينية وقد استهدفت العملية التأكيد على قدرة الجيش الصهيونى فى السيطرة على الجنوب اللبنانى والدعم المعنوى لجبش لبنان الجنوبى الموالى للعدو الصهيونى والتأكيد على قوة وهيب الجيش الصهيونى والقضاء على المقاومة اللبنانية وقد شنت الطائرات التابعة للجيش الصهيونى أكثر من 1100 غارة وتم إطلاق القذائف مما أدى إلى لجوء اللبنانيين العزل إلى مقار الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنا المقر الموجود فى بلدة قانا إلا أن القوات لصهيونة قامت بقذف الموقع مما أسفر عن وقوع مئات الشهداء والضحايا من اللبنانيين العزل
وفى مشهد متكرر فى 30 يوليو 2006 أثناء العدوان الصهيونى على لبنان الذى بدأ فى 12 يوليو 2006 على إثر قيام حزب الله بشن عملية أطلق عليها “الوعد الصادق” بهدف أسر جنود صهاينة وهوماتحقق بالفعل ، وقد استهدف الصهاينة من العدوان القضاء على حزب الله وتحرير الأسرى الصهاينة ، وقد لجأ العديد من المدنيين العزل إلى النزوح من القرى التى تتعرض للقصف ولجأوا إلى بلدة قانا فقامت القوات الصهيونية بقصف قانا مما أدى إلى استشهاد أكثر من 55 معظمهم من الأطفال كانوا قد لجئوا إلى مبنى سكنى
– مذبحة الحرم القدسى فى 29 سبتمبر 2000 حيث أطلق الصهاينة النار على المصليين داخل الأقصى الذين أعلنوا احتجاجهم على زيارة “شارون” للحرم القدسى الشريف مع عدد من أعضاء حزب الليكود فى 28 سبتمبر 2000
– مذبحة بيت ريما فى 24 أكتوبر 2001 إجتاحت القوات الصهيونية قرية بيت ريما وقاموا بإطلاق نيران وقذائف الدبابات والأسلحة الثقيلة وتدمير المنازل وفرض حظر التجوال ومنع سيارات الإسعاف من الدخول إلى القرية لإسعاف الجرحى
– جنين (الملحمة والمذبحة) 2 إبريل 2002 إلى 14 إبريل 2002 حيث قام الجيش الصهيونى فى 2 إبريل 2002 بحشد مايقرب من 20000 جندى و400 دبابة وناقلة جنود بالإضافة إلى الدعم والقصف الجوى والمدفعية والصواريخ إلا أن المقاومة الفلسطينية الباسلة فى جنين كانت على أتم استعداد وأعلنت عدم الإنسحاب بل قررت القتال بضراوة وهو ماحدث بالفعل وعجز الصهاينة عن اقتحام المخيم مدة ثمانية أيام رغم تكثيف القصف الجوى ، وبالفعل استطاعت المقاومة أن تحول المخيم إلى نموذج للمقاومة الباسلة إلا أن نفاذ الذخيرة وكل الوسائل المتاحة لاستمرار المقاومة كان السبب الوحيد الذى أدى إلى سيطرة القوات الصهيونية على جنين وتبع ذلك تنفيذ أبشع المجازر ضد سكان جنين وذلك بغرض محو رمز جديد من رموز الصمود الفلسطينى
– مذبحة مخيم جباليا فى 6 مارس 2003 حيث قامت القوات الصهيونية بقصف عنيف لمنازل المواطنين بالصواريخ وقذائف المدفعية والرشاشات الثقيلة ، وتكرر الأمر نفسه فى 30 سبتمبر 2004

وهكذا فإن المذابح والجرائم ماهى إلا انعكاسا ً للرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ ، فلم تكن سياسة العنف وإراقة الدماء واستباحة المحرمات وإنتهاك المقدسات إلا تجسيدا ًً لجوهر الصهيونية التى تعى تماما ً أن أمنها ومصالحها بل ووجودها مهددًا بالزوال فى وجود وطن عربى يحيا شعبه تحت راية الحرية والوحدة ، لذا فإن العصابات الصهيونية لاتستهدف فلسطين فحسب ، بل تستهدف الأمه العربية بأسرها

المراجع :

- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية …… د/عبد الوهاب المسيرى

- محاكمة الصهيونية الإسرائيلية ………….. روجيه جارودى

- دفاع عن ثورة مصر …………………….. د/ عصمت سيف الدولة

- اليد الخفية ……………….. د/عبد الوهاب المسيرى
دراسة فى الحركات اليهودية الهدامة والسرية

- العسكرية الإسرائيلية والاستراتيجية الصهيونية …… جلال السيد

- المزاعم الصهيونية فى فلسطين ….. فتحى فوزى عبد المعطى

- ثورة مصر …………… عبد الله إمام

- الأيدلوجيه الصهيونية …………. د/ عبد الوهاب المسيرى

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 121 other followers